التعزيز ودوره في التربية

د. موسى بن أحمد آل زعله
استشاري الطب النفسي للأطفال والمراهقين
كلية الطب - جامعة الملك خالد

إن السلوك البشري الإنساني يتأثر بالعوامل البيئية المحيطة به،ويتأثر كذلك بالنتائج المترتبة على هذا السلوك، فالإنسان عموماً-والطفل خصوصاً- يستمر في أداء السلوكيات إذا عادت عليه بخير، سواءً بجلب شيء محبوب أو التخلص من شيء مكروه 

وهذه العملية تسمى"التدعيم" أو "التعزيز" وهو أي فعل أو حدث يأتي بعد السلوك ويؤدي إلى زيادة في حدوث ذلك السلوك أو في تكرار حدوثه. ولاشك أن الثواب  على السلوك الحسن من أعظم وأهم المعززات التي تؤدي إلى استمرار السلوك وتكراره ،ولذلك فهو وسيلة هامة وفاعلة في الحفاظ على السلوك الإيجابي لدى الطفل،وكذلك في الانتقال بالطفل من السلوك السلبي إلى السلوك الإيجابي تدريجياً.

أنواع المعززات:

إن المعززات التي يمكن استخدامها في تعزيز وتدعيم السلوك المرغوب كثيرة ولا نستطيع حصرها، ولكننا نستطيع تصنيفها إلى ثلاثة أقسام،وذلك يساعدنا على محاولة استقصاء أكبر قدر ممكن منها،ثم التنويع في استخدامها ،والإفادة منها جميعاً، وهي كما يلي:

  • أ‌- الثواب المادي:

ونقصد به المعززات المادية والحسية الملموسة، وهي كثيرة ولا حصر لها ولكن سنذكر جملة منها ونترك بعد ذلك للمربي المجال أن يبدع ويأتي بأنواع جديدة من المعززات، ومن ذلك على سبيل المثال لا الحصر:

لعبة،حلوى،وجبة يحبها الطفل،مكافأة مالية، شهادة شكر، درع، ميدالية، شيك رمزي:بحيث يتفق الأب في البيت أو المعلم في المدرسة مع البائع في البقالة، ويكون هناك نموذج متفق عليه يعطى للطفل مكافأةً له على سلوك جيد صدر منه، فيأخذه الطفل ويشتري بما فيه من مبلغ ما يشاء من ذلك المحل، ومن ذلك أيضاً: الذهاب إلى نزهة .... وغيرها كثير وكثير.

  • الثواب المعنوي:

ويشمل المعززات والمدعمات الاجتماعية والمدعمات النشاطية والتي تحمل في ذاتها قيمةً معنويةً رفيعةً تؤدي إلى تعزيز السلوك لدى الطفل، ومن ذلك إظهار الرضا بالسلوك سواءً بطريقة التعبير اللفظي من المربي عن سعادته وسروره لصدور هذا التصرف الجميل من طفله الحبيب ،أو عن طريق التعبير غير اللفظي وذلك عن طريق تعبيرات الوجه التي تشعر الطفل بالرضا عنه وعن سلوكه.

ومن المعززات المعنوية أيضاً :الضم والتقبيل والاحتضان الذي يأتي بعد صدور السلوك الايجابي ،وكذلك الشكر اللفظي،أو المكافأة بالسماح للطفل بزيارة صديق أو قريب،أو دعوة أصدقائه إلى المنزل، ومن ذلك أيضاً الدعاء،والتربيت على الكتف أو الظهر، وكذلك تكليف الطفل بإنجاز عمل معين يحبه من باب الثقة فيه وفي حسن أدائه،وغيرها كثير .....

  • التذكير بالثواب الأخروي:

وهذا لاشك أنه نوع من أنواع الثواب المعنوي ،ولكنه يحتاج أن يفرد لأهميته وحتى يكون هناك ربط للطفل بثواب الآخرة،وحتى لا تكون المعززات أموراً دنيويةً أو ماديةً فقط ، ونحن لا نملك هذا الثواب الأخروي ولكننا –كمربين- نحتاج أن نذكر الطفل به وأن نربطه بذلك الثواب العظيم، وفي هذا الباب يحسن بالمربين أن ينتبهوا لأمرين هامين:

الأول: ألا يجزموا للطفل بجنة أو بنار مقابل أي سلوك يصدر منه كما يقول بعض الآباء أحياناً:" إذا فعلت كذا فإن ربي يدخلك الجنة" أو " إذا فعلت كذا فإن ربي يدخلك النار" ولكن نذكر للطفل أن الله يحب هذا الفعل ويحب من يفعله، ويبغض ذلك الصنيع ويبغض من يقع فيه فقط بدون الجزم لصاحبه بجنة أو بنار.

الثاني: ألا يكثر الآباء والأمهات وكذلك بقية المربين من التذكير بهذا النوع من الثواب أو العقاب –وأقصد الأخروي – لأن ذلك قد يقود بعض الأطفال إلى عدم الاكتراث بهذا النوع من الثواب والعقاب ،بل وقد يكرهه ويستهزئ به، وإنما المطلوب أن نوازن وننوع بين الأنواع الثلاثة السابقة الذكر.

شروط الثواب التربوي الناجح

  1. إن طريقة الثواب والمكافأة لها دور قوي في تعزيز السلوك وتدعيمه، وحتى تكون هذه الطريقة أكثر نجاحاً وأقوى فاعلية فلابد من مراعاة الأمور التالية:

أن تكون الحالة الشعورية لمن يقدم المكافأة والثواب متوافقة مع المكافأة،أي أن يكون المربي مظهراً للسرور والفرح لحصول هذا السلوك الجيد من الطفل ،حتى لا تضيع قيمة الثواب، وبعض المربين قد يقدم ثواباً أو مكافأة بكل برود في المشاعر دون تفاعل يظهر على ملامح وتعبيرات وجهه وهذا لاشك أنه يفقد المكافأة قيمتها وأثرها الإيجابي على سلوك الطفل .

  1. اجعل الثواب يتناسب مع اهتمامات الطفل :فلابد أن يكون نوع الثواب المقدم متوافقاً مع اهتمامات ورغبات الطفل، فبعض الأطفال قد لا يحب نوعاً معيناً من الألعاب ، فليس من الحكمة أن نكافئه بلعبة لا يرغبها حتى ولو كانت مرغوبة لدى غيره من الأطفال وحتى لو كانت غالية في قيمتها.
  1. كلما كان الثواب أكثر قبولاً لدى الطفل كلما كان أكثر فاعلية:فالطفل يحب ويميل إلى أشياء كثيرة ،ولكنه يفضل  بعضها أكثر من بعض ، فكلما كان الثواب من الأشياء التي يفضلها الطفل أكثر كلما كان أثرها في تعزيز السلوك أكثر وأقوى .
  1. 4- نوع في المعززات:وهذا يضمن - بإذن الله - استمرارية السلوك أكثر وأكثر، بحيث يكون هناك تنويع فيما بين الثواب المادي والمعنوي والتذكير بالثواب الأخروي، بحيث لا يكون تكرار الطفل لهذا السلوك إنما هو للحصول على ثواب محدد هو يحبه ويرغبه.
  1. 5- لا تفرط في الإثابة المادية: حتى لا تصبح مثل الرشوة السلوكية ،وإنما ينبغي التنويع بين الأنواع المختلفة للثواب كما سبق في الضابط الرابع، وقد نبدأ بالثواب المادي في بداية غرس السلوك ثم يصبح بعد ذلك التركيز أكثر على الثواب المعنوي.
  1. 6- قدم الثواب بعد حدوث السلوك مباشرة : وهذا يجعل الثواب أكثر فاعلية ، وهذه طبيعة الإنسان كلما رأى آثاراً ملموسة وسريعة لعمله كلما ازداد اجتهاداً في تحسين عمله، ولذلك فإن من رحمة الله - عز وجل- بالمؤمنين أنه لم يقصر أجر العمل الصالح على الثواب الأخروي فقط، وإنما جعل لعباده المؤمنين من الثواب العاجل ما يفرحون به ويدفعهم للاستمرار في عمل الصالحات، ومن ذلك :لذة العبادة،وانشراح الصدر ،وتيسير الأمور وغيرها من المحفزات العاجلة، ولذا فكلما وجد الطفل تشجيعاً مباشراً لسلوكه كلما كان ذلك أكثر تأثيراً في استمرار السلوك.
  1. 7- لا يلزم أن تكافئ كل سلوك جيد :  وذلك حتى لا يتعود الطفل على ألا يقدم سلوكاً إيجابياً إلا بمقابل .
  1. لا تكافئ السلوك غير المرغوب : لأن ذلك سيؤدي إلى استمرار السلوك غير المناسب ،وكذلك يجعل الطفل لا يفرق بين السلوك المناسب وغير المناسب ،وإنما هو يقوم بتكرار أي سلوك يجد عليه تشجيعاً أو تحفيزاً ممن حوله.
  1. اسحب المعززات تدريجياً بعد استمرار السلوك : فقد نحتاج أن يكون الثواب متكرراً في بداية حدوث السلوك الإيجابي،ولكنه إذا استمر هذا السلوك فإننا نجعل المكافأة أقل تكراراً أو نجعلها تتكرر بصورة غير منتظمة إلى أن يستمر السلوك بدون وجود معززات.
  • وهنا سؤال هام يطرحه كثير من الآباء: كيف نتغلب على غيرة الأطفال بعضهم من بعض عندما نكافئ واحداً منهم دون الآخرين؟

وحتى تتجاوز أيها الأب هذه المشكلة ، فإليك بعض الاقتراحات :

  1. إيجاد نظام واضح للثواب والعقاب في الأسرة،بحيث يصبح منغرساً لدى الأبناء أن من يصدر منه سلوك إيجابي فسوف يحصل على مكافأة، ومن يصدر منه سلوك سلبي فسيعاقب، وهذا أمر يحتاج إلى تكرار واستمرار وتعاون من الوالدين حتى  يصبح ذلك نظاماً مألوفاً لدى الأبناء.
  2. العدل في المكافأة: أي أن يكون منهج الثواب والمكافأة مطردا مع جميع الأبناء،وليس مع بعضهم دون بعض.
  1. أن يعرف بقية الأبناء لماذا تمت مكافأة فلان فقط دون غيره هذه المرة،وذلك حتى تحد من غيرتهم ، وحتى تحثهم في الوقت نفسه  على الإقتداء بهذا السلوك الإيجابي الذي صدر من أخيهم .
  1. في بعض الحالات يمكن أن تكون المكافأة عامةً لجميع الأبناء ولكن على أن يتم إخبارهم أنهم حصلوا على هذه المكافأة لأن فلاناً من إخوانهم أنجز كذا وكذا .

اقرأ ايضا

التنافر المعرفي

يصعب على بعض الأشخاص احياناً فهم جميع التناقضات في حياتة… المزيد
خلود المورعي

هل علم النفس تخصص علمي أم أدبي؟

كتب د. خالد عبدالله الخميس ود. أحمد كساب الشايع: هذه رسالة… المزيد
د. خالد عبدالله الخميس ود. أحمد كساب الشايع

ماذا لو كان ابنك ضحية للتنمر ؟

 ماذا لو كان ابنك ضحية للتنمر ؟ من أكثر المشكلات التي… المزيد
أمل علي الغامدي

مقالات علمية الاسئلة الشائعة اضف رقم جوالك
0
اجمالي الزيارات
0
عدد الاعضاء
0
المستفيدين من الدورات
0
الدورات المجانية
0
اجمالي الدورات
0
اجمالي الدبلومات