الأسئلة السقراطية

أسامة الجامع
أخصائي نفسي متخصص في علاج الاضطرابات
النفسية في العيادات النفسية الحكومية

 الأسئلة السقراطية

تغيير القناعات أوالقيادة نحو الاستكشاف؟

د. كريستين باديسكي

مركز العلاج المعرفي السلوكي، هنتينغتون، كاليفورنيا

ترجمة الأخصائي النفسي "أسامة الجامع" بإذن من صاحب المقال

لماذا اخترت أن تأتي إلى هنا وتستمع لهذا الحديث؟

ما الذي كنت أريد قوله؟

ما الذي تعرفه مسبقا عن الأسئلة السقراطية؟

هل تعتقد أنه من الخطأ أن تسأل أسئلة دون وجود هدف في ذهنك؟

جميعها عبارة عن أسئلة، لكن هل هي جميعا أسئلة في مستوى واحد من الجودة؟ لا أظن ذلك. عندما بدأت ممارسة العلاج المعرفي السلوكي قبل خمسة عشر عاما من الآن، كنت أنظر لعملية الأسئلة السقراطية أنها الأكثر إثارة لاهتمامي ولا زالت. اليوم سأعرفكم على أفضل الأسئلة التي سُئلت بها عن الأسئلة السقراطية، والمسار الذي اتبعته للإجابة عليها.

وأؤكد أن بعض الأسئلة هي أفضل من بعض، وأنه من الممكن تطوير إرشادات لمساعدة المعالجين النفسيين والعملاء لكي يستخدموا الأسئلة السقراطية بشكل فعال، لذلك من المهم أن أجيب على تلك الأسئلة. مثال "هل الهدف من الأسئلة السقراطية هو أن نغير من قناعات العميل أو أن نجعله يكتشف مساره بنفسه؟.

تلك الفكرة بدأت معي منذ عام 1986م، في تلك الفترة تمكنت من مهارة العلاج المعرفي، حتى أن المعالجين بدءوا يسألونني "كيف تعرفين ما هي الأسئلة المناسبة التي ينبغي طرحها؟" في الحقيقة المسألة تكاد تكون حدسية، هي أسئلة تقفز إلى ذهني، إلا أن هذه الإجابة لم تكن مرضية بالشكل المطلوب. ومع ذلك، أزعم أن الإجابة من قبل معالجين نفسيين آخرين متمكنين أيضا ستكون صعبة التوضيح.

مثل هذا السؤال الذي ظل في ذهني منذ سبع سنوات " كيف تعرفين ما هي الأسئلة المناسبة التي ينبغي طرحها؟" قادني لمزيد من التعلم كمعالجة نفسية ومدربة للعلاج المعرفي السلوكي أكثر من أي سؤال آخر. كان السؤال المحفز لي والذي دفعني لمراقبة نفسي وملاحظة كل من حولي من المعالجين ملاحظة شاملة، ومستمرة بالبحث والتأمل عن إجابة مرضية ومقنعة خلال السبع سنوات الماضية. بالطبع المعالجين النفسيين الذين كانوا يدرسون   معي العلاج المعرفي السلوكي استمروا مرة تلو أخرى في طرح السؤال نفسه. الذي فعلته أني قمت بتزويد طلبتي قائمة بالأسئلة المناسبة التي يمكن طرحها في الجلسة العلاجية، ثم نخضع تلك الأسئلة في دوراتنا التدريبية للتفكير المنطقي العقلاني ونتناقش لماذا هذا السؤال يصلح للطرح ولماذا ذاك لا يصلح، ما الأسئلة التي تُسأل أولا، وما الأسئلة التي تُسأل لاحقا، وما الأسئلة التي تُستبعد. هذا النوع من التعاون قادنا لتطوير قائمة من الأسئلة السقراطية جيدة البناء، ذات طبيعة شاملة، وبشكل عام قادت تلك الطريقة العميل ليكتشف معلومات مفيدة. الأسئلة السقراطية الجيدة تضمنت:

هل مررت بظروف مشابهة من قبل؟

ما الذي فعلته؟ وماذا كانت النتائج؟

ما الذي كنت تعرفه الآن، ولم تكن تعرفه مسبقا وقتها؟

ما الذي تنصحه لرفقاء لك مروا بتجربة مشابهة لتجربتك؟

اكتشفت أن ما فعلناه لم تكن طريقة نافعة لتعليم العلاج المعرفي السلوكي فحسب بل بدأت بإعطاء تلك الأسئلة للعملاء ووجدت أن تلك الأسئلة ساعدتهم لتقديم استجابات مختلفة وبديلة تجاه الأفكار التلقائية المكتوبة والخاصة بهم. بدأت هنا أصبح أكثر وعيا عن ماهية الأسئلة التي أريد سؤالها أكثر فأكثر، مثل هذه المعرفة فرصة للمشاركة بها مع معالجين آخرين أو عملاء.

استمر سؤال "كيف تعرفين ما هي الأسئلة المناسبة التي ينبغي طرحها؟" يدور في ذهني منذ عام 1986م، وعلى الرغم أن تدريب الطلبة على قائمة الأسئلة الشاملة التي تعاونّا في كتابتها كان جيدا، إلا أن هناك معالجين نفسيين أكثر تقدما يرون أن هذه الأسئلة لم تكن كافية. لذا في عملي لم ألتزم حرفيا بتلك الأسئلة بل جربت المئات من الأسئلة المختلفة وذلك مع كل عميل على حدة. من أين أتت تلك الأسئلة؟ وهل لاحظت أن هناك أنماط أثناء طرح تلك الأسئلة في جلساتي العلاجية التي أجريتها بشكل جيد؟.

ما يقارب من 100,000 سؤال علاجي طرحته كانت هناك أنماط اكتشفتها، مع مشاهدة نفسي ومعالجين نفسيين آخرين أثناء الجلسة العلاجية على مقاطع فيديو،

أعتقد أنها ستكون فرصة لبداية اطلاعنا على أنماط أكثر وضوحا للأسئلة السقراطية في سياق العلاج المعرفي.

لذا سأعرض عليكم بعض الإرشادات التي تطور من مهارات المعالجين النفسيين فيما يخص تلك الأسئلة. لكن قبل ذلك أود عرض الغاية من استعمال الأسئلة السقراطية.

كانت البداية عام 1990م عندما كتب لي أحد المعالجين بعد ورشة تدريبية كبرى عقدت آنذاك، وطلب مرجعا يختص بالأسئلة السقراطية، وتحديدا كان يريد ما هو أشبه بوصف مكتوب عن تعريف الأسئلة السقراطية في العلاج المعرفي، مع بعض الأمثلة والإرشادات عن كيفية تنفيذها وطرحها.

الذي فعلته أني قمت واتجهت لمكتبتي الخاصة بكتب العلاج المعرفي للبحث عن مرجع يختص بالأسئلة السقراطية حتى أستطيع أن أجيبه، بدأت بمراجع العلاج المعرفي للاكتئاب وبحثت أيضا في كتب نشرت آنذاك عام 1990م، وكانت المفاجأة، لم أجد شيئا ذو بال، كانت هناك مئات المراجع تتحدث عن أهمية الأسئلة السقراطية، لكن نادرا ما تجد مرجعا يتحدث بطريقة وصفية عن خطوات عمل الأسئلة السقراطية وتعريفها.

كانت هناك كتب لتيم بيك، ميلاني فينيل، جاري إميري، جميعهم قدموا قائمة من الأسئلة الجيدة في الموضوع، لكن لا أحد منهم ناقش العملية وخطواتها بالتفصيل. في الحقيقة الورقة الوحيدة التي كتبت في هذا الموضوع تحديدا وبشكل مفصل كانت لأوفرهولسر عام 1993م.

كنا في ذلك الوقت في عام 1990م، قلت في نفسي لعلي أرسل له مقالات قصيرة تتحدث عن الموضوع لكن أيضا عندما بحثت عن مقالات علمية في العلاج النفسي لم يكن هناك مقالا يتحدث باستفاضة مرضية عن الأسئلة السقراطية.

لحسن الحظ كانت لدي تجارب جيدة في هذا الموضوع، وقررت كتابة معايير للأسئلة السقراطية الجيدة، وأدركت للوهلة الأولى أنه ليس كل المعالجين النفسيين في العلاج المعرفي يتفقون على معايير واحدة لتلك الأسئلة وكيف تكون جيدة.

واستعراضا لما قرأته من بين العديد من المقالات العلمية ومراجع الكتب في العلاج المعرفي، أدركت أنهم يتفاوتون في تناولهم لهذا الموضوع، كمثال رأيت من كتب ويعرف بالضبط أين يتجه، كان المعالج يكتب سلسلة من الأسئلة المتسلسلة، بحيث يُكتب السؤال الأول ثم يعقبه الثاني ثم الثالث، ثم يقول له " ما دامت تلك إجابتك فكيف يستقيم ما تعتقده تجاه ما يخص كذا وكذا !" هنا يجيبه العميل "أوه، حسنا، فهمت ما ترمي إليه".

في هذا المثال في العيادة، العميل يصرّح بتغيير في معتقده، لكن ومع هذا شعرت بخيبة أمل في تلك العملية العلاجية، ربما مصدر تلك الخيبة ما لي من خبرة متراكمة بأن المعالج أظهر العميل كم هي أفكاره غير منطقية ومتناقضة، لقد كانت العديد من المقالات العلمية تتبع في أسلوب المعالج مع العميل "السؤال الأول، ثم الثاني، ثم آها... أرأيت!".

نظريا، لا أستطيع قبول أن الهدف من الأسئلة السقراطية هو تغيير معتقدات العميل. لماذا؟!، أليس تغيير معتقدات العميل هو أحد أهداف العلاج المعرفي الأساسية، الإجابة هي نعم... ولا. على الرغم من أن تغيير معتقدات العميل هو أحد منظومة العملية العلاجية بلا شك، إلا أن قلقي يتزايد بسبب التكلفة المدفوعة لسير العملية العلاجية فيما إذا كان "تغيير المعتقد" هو الهدف بحد ذاته. إن أحد أهم أسس العلاج المعرفي هو التعاون التجريبي المشترك بين العميل والمعالج.

المعالج النفسي الذي يرى تدفق أفكار العميل ثم يحاول أن يغيرها في ذهنه، هل يتبع أسلوب العلاج التعاوني التجريبي مع العميل؟ عادة ما نقول نعم، لكن غالبا الذي يحدث غير ذلك. دعوني أعطيكم تجربتين من عيادتي، والتي تبيّن الفرق بين تغيير ذهن العميل وبين قيادته نحو اكتشاف هذا التغيير بنفسه، المثال التالي هو لعميل اسمه "ستيوارت" ونرمز له "س" الذي يعتقد عن نفسه أنه شخص فاشل أينما حلّ. ونرمز "م" للمعالج وسأكون المعالجة في كلا المثالين.

المثال الأول : تغيير معتقد "ستيوارت":

س: أنا فاشل تماما أينما ذهبت.

م: تبدو مقهوراً عندما تقول ذلك، هل تشعر بالانهزام؟

س: هذا صحيح، أنا لست جيدا.

م: تقول أنك لست جيدا، هل صحيح أنك لم تفعل أي شيء جيد على الإطلاق؟

س: نعم لا شيء يستحق الذكر.

م: ماذا عن أطفالك هذا الأسبوع- هل اهتممت بهم قط؟

س: بالطبع، ساعدت زوجتي على ذهابهم للفراش، وأخذتهم للتدريب في كرة القدم.

م: هل تظن أن ذلك كان مهما بالنسبة لهم؟

س: أظن ذلك!

م: وهل فعلت أي شيء هذا الأسبوع أسعدت به زوجتك؟

س: كان يعجبها أني أصل من عملي في الوقت المناسب.

م: هل "الفاشل تماما" يحقق ما حققته لزوجتك وأبنائك؟

س: لا أظن ذلك.

م: حسنا، هل كان وصفك لنفسك دقيقا عندما قلت أنك فاشل تماما أينما ذهبت؟

س: لا أظن ذلك.

م: حسنا، ما هو شعورك الآن؟

س: أشعر بأنني أفضل.

في المثال السابق، حاولت أن أظهر لكم مثالا جيدا لمحاولة المعالج تغيير ذهن العميل. لم يكن علاجا سيئا، المعالج استلم خطاً منطقيا في أسئلته أثناء المقابلة وكان ما فعله مفيدا للعميل. إلا أنني أعتقد أننا كمعالجين يمكننا أن نفعل أفضل من هذا المستوى. أعتقد أن أدائنا سيكون أفضل لو كان بين أيدينا وصفا محددا لعملية الأسئلة السقراطية، الآن قارن المثال السابق بالمثال التالي الذي سأورده، والذي ليس من أهداف المعالج تغيير ذهن العميل، بل قيادته لاكتشاف هذا التغيير بنفسه.

المثال الثاني: القيادة نحو الاستكشاف:

س: أنا فاشل تماما أينما ذهبت.

م: تبدو مقهوراً عندما تقول ذلك، هل تشعر بالانهزام؟

س: هذا صحيح أنا لست جيدا.

م: ماذا تعني بقولك أنك لست جيدا؟

س: لقد أفسدت على نفسي حياتي، لم أحسن صنع شيء.

م: هل حدث شيء مؤخراً قادك لمثل هذا الاستنتاج أم أنه شعور لازمك منذ فترة طويلة؟

س: أعتقد أنني بدأت أرى نفسي الآن بشكل أكثر وضوحا.

م: إذن هو تغيير في طريقة تفكيرك؟

س: نعم (صمت)، ذهبت لاجتماع عائلي ورأيت شقيقي مع أبنائه وزوجته، جميعهم بدوا سعداء جدا، وهنا أدركت أن عائلتي لم تكن سعيدة. وكل ذلك بسببي، كنت المذنب بسبب ما أعانيه من اكتئاب، لو كانت عائلتي تعيش في بيت شقيقي لكان حالهم أفضل الآن.

م: هكذا إذن، أفهم أنك بسبب اهتمامك وعنايتك بعائلتك أحسست بأنك فاشل تماما لأنك تشعر أنك خذلتهم.

س: هذا صحيح.

م: وكذلك أشرت أن ما حدث لك هو تغيير في طريقة تفكيرك. سبق وأن أصبت بالاكتئاب أكثر من مرة، ورأيت عائلة شقيقك سابقا أيضا أكثر من مرة، كيف كان تفكيرك وقتها؟

س: في العادة كنت أظن نفسي أنني بخير لأنني حاولت أن أكون زوجاً وأباً صالحا، لكن أعلم الآن أن مجرد المحاولة لم تكن كافية.

م: لست متأكدة من فهم المعنى، لماذا "المحاولة لم تكن كافية"؟

س: لأني مهما بذلت من قصارى جهدي، فلا تزال عائلتي ليست سعيدة بالدرجة التي يمكن أن يكونوا عليها لو كانوا مع شخص آخر.

م: هل هذا ما قالوه لك؟

س: لا، لكنني لا زلت أرى سعادة عائلة شقيقي وأبنائه معه.

م: وأنت تريد أن يكون أبنائك أكثر سعادة؟

س: نعم.

م: من وجهة نظرك ما الشيء الذي كنت ستفعله بطريقة مختلفة لو كنت بدرجة أقل من الاكتئاب أو والداً صالحا بدرجة أفضل ؟

س: أظن أنني كنت سأتحدث معهم أكثر، وأشجعهم كما يفعل شقيقي مع عائلته.

م: هل يمكنك أن تفعل مثل هذه الأمور، حتى لو أنك تمر بحالة اكتئاب؟

س: حسنا، ربما أستطيع.

م: هل يشعرك بالتحسن فيما لو قمت بفعل أشياء جديدة كونك أب بدلا من فعل الأشياء القديمة؟

س: نعم أعتقد ذلك، لكن لا أظن أنه سيكون كافيا ما دمت في حالة اكتئاب.

م: ماذا تقترح القيام به؟

س: أظن أنني سأحاول ذلك لأسبوع أو نحوه.

م: وكيف ستقيّم أن ما فعلته من تغييرات جديدة، سيجعل أبنائك أكثر سعادة أو لا؟.

في المثال السابق، نجد أن المعالج قد سأل سلسلة من الأسئلة إلا أنه لم يكن واضحا أين يتجه. بما أني كنت المعالجة في هذا المثال يجب أن أعترف أني لم تكن لدي أي فكرة عندما بدأت عملية الأسئلة إلى أين سوف أنتهي. وأضيف أن هذا كان شيئا جيدا.

ماذا! شيئا جيدا والمعالج لا يعلم إلى أين يتجه! نعم لأنه أحيانا إذا كنت كمعالج واثق أكثر من اللازم إلى أين تتجه، سوف تشخص بنظرك للأمام لدرجة أنك قد تفوّت تحويلات جانبية مهمة أثناء الحوار قد تقودك لنتائج أفضل.

المعالج المعرفي يمكنه قيادة العميل للاستكشاف دون معرفة إلى أين هو والعميل سينتهيان إليه. في المثال الثاني المعالج كان يسأل ليفهم العميل من جهته ووجهة نظره للأمور وليس فقط من أجل تغيير قناعاته. والنتيجة أن العميل غدا أكثر نشاطاُ.

بعد فترة من الزمن أثناء الجلسة العلاجية وبعدما استعرض المعالج والعميل معا ما كان يدور في ذهن العميل وخبراته، قام المعالج بسؤال العميل كيف يريد من مجريات الأمور أن تكون مختلفة، وماذا عليه أن يفعل لتكون كذلك وكما يود أن يراها، وفي نهاية الجلسة طرح المعالج تساؤل عن كيف للعميل أن يقيس نجاح التغيير الذي أحدثه.

في هذا المثال العملي أكثر نجد (1) جمع للمعلومات، (2) النظر لتلك المعلومات من زوايا مختلفة مع العميل (3) دعوة العميل ليستنبط خطط تناسبه مع المعلومات التي تم استخراجها ووضعت بين يديه. هنا نعلم أن هناك قيادة للاكتشاف تجري.

في المثال الأول هناك أيضا قيادة للاستكشاف لكن قارن بين طبيعة الاكتشافين. في المثال الأول كان هدف المعالج تغيير ذهن العميل، وكان المعالج يملك "الإجابة مسبقاَ" وقاد العميل ليجدها. أما المثال الثاني عندما كان هدف المعالج قيادة العميل للاستكشاف، فإن المعالج لم يكن يملك الإجابة، لم يكن يملك سوى فضول طبيعي. وإن الاستكشاف الذي وصل إليه العميل هو ملك للعميل وليس للمعالج. وللفائدة فإن إجابة "ستيوارت" التي توصل إليها كانت مختلفة عن الإجابة التي بنيتها في ذهني وظننت أنها ستناسبه حتما.

في معرض الحديث عن الأسئلة السقراطية هناك العديد الأمثلة التي تتحدث عن تغيير ذهنية العميل، بت أدرك الآن بعد هذين المثالين أنهما يحفزان في داخلي السؤال الأصلي: "كيف تعرفين أي سؤال يناسب طرحه؟، عندما بدأ طلبتي في العلاج المعرفي يقرأون مثل تلك الأمثلة تبادر إلى ذهنهم أن المعالج يعرف الإجابة لذلك سألوا "أثناء عملية العلاج المعرفي كيف تعرفين ما هي الإجابة حتى يمكنك تغيير ذهنية العميل؟". في الحقيقة لا يمكنك معرفة الإجابة، توجد فقط أسئلة جيدة تقود الفرد لاكتشاف مليون إجابة مختلفة.

هل يعني هذا أن العلاج المعرفي لا يملك شكلا واضحا في العلاج؟ بالطبع لا، هناك أدلة أثبتت أن العلاج المعرفي يقدم أفضل النتائج خلال ساعة العلاج عندما نقدم للعملاء مهارات محددة. ما أريد قوله هنا نحن نستطيع أن نطرح أسئلة تتضمن تقديم حقيقة واحدة فاتت على العميل، أو يمكننا أن نلتقط بأسئلتنا اللحظات الممتعة لحقيقة القيادة نحو الاستكشاف.

يسألني بعض المعالجين إذا ما كنت أتعب من عمل "سجل الأفكار" للعملاء أو من تعليمهم نموذج نوبات الذعر أو أي عنصر من عناصر العلاج المعرفي وواجباته والتي فعلتها مئات أو آلاف المرات، وأقولها صدقا أنه عندما أتعب من عمل تلك الأمور هذا يعني أني توقفت عن عملها بشكل متقن وجيد،

وأن تعمل تلك المهام بطريقة ذات جودة عالية هذا يعني أن ما تعمله من عمل مكرر ينبغي أن يكون بطريقة مختلفة قليلاَ في كل مرة بما يتناسب مع كل عميل على حدة، لأنه مهما كانت أسئلتك لقيادة الاستكشاف متشابهة فإن الإجابات عادة ما تكون مختلفة قليلا، وهذا يعني أن هناك دائما فرصة أن تصل في نهاية الطريق لمنطقة جديدة.

قبل سنوات مضت، وبينما كنت في إحدى البرامج التدريبية في العلاج النفسي رفع أحد المعالجين يده قائلا بنغمة مُحبَطة " لا أرى حاجة تُرتجى من طرح كل تلك الأسئلة، بإمكاني استخراج المشكلة في ذهنية وتفكير هذا العميل بسرعة وبشكل مباشر"، كلامه صحيح بلا شك، لكن في أغلب الحالات إن مواجهة المعتقدات بشكل مباشر كعلاج هو ليس بجودة قيادة العميل نحو الاستكشاف، لماذا؟.

إذا ما نحن فقدنا أسلوب التعاون التجريبي بين المعالج والعميل في العلاج المعرفي فقدنا فائدته على المدى البعيد. الهدف من علاجنا للعميل ليس جعله يشعر بتحسن هذا اليوم أو أن يفكر بشكل مختلف، الهدف أن نعلّم العميل كيفية تقييم أهدافه، وأفكاره، وسلوكياته، ومزاجه، بحيث يكتسب وسائل لتحسين حياته لسنوات قادمة.

أنت كمعالج ليس فقط تعالج المشكلات ولكن أيضا تعلّم طرقاً للبحث عن حلول. هناك دراسات خرجت بنتائج مفادها أن الكثير من المعالجين يحققون نتائج جيدة في علاج الاكتئاب، والقلق، والعديد من المشكلات. العلاج المعرفي يتألق في التقليل من الانتكاسات، وهو حتى الآن يُكسب العميل مفاهيم محددة ومهارات تجعله يتنبأ بالانتكاسات البسيطة وليس تغيير تفكيره.

هناك فرق كبير بين العميل الذي يغادر الجلسات العلاجية قائلا "كنت مكتئبا لأن طريقة تفكيري كانت سلبية" وبين العميل الذي يقول "تعلمت كيف أعيد تقييم أفكاري السلبية عندما تكون مشوّهة، وكيف تقود تلك الأفكار إلى حل المشكلات عندما تكون صحيحة".

من بين المعالجين النفسيين هناك فرق كبير بين المعالج الذي يعتقد أن العلاج المعرفي هو تغيير الأفكار المشوّهة وبين المعالج الذي يعتقد عن العلاج المعرفي أنه عملية مستمرة لتعليم العميل كيف يقيّم أفكاره، وسلوكه، ومزاجه، وظروفه حياته، وردود أفعاله الفسيولوجية عند الإقدام على خيارات في الحياة تكون الأكثر تكيفا.

بات واضحا ً أنني أريد من المعالجين أن يستخدموا الأسئلة السقراطية كقيادة للاستكشاف. ولأجل ذلك، أقدم لكم بعض الإرشادات، لتعليم المعالجين كيف يستعملون تلك الأسئلة أثناء العلاج المعرفي. بداية، فيما يلي تعريفا للأسئلة السقراطية المتوافقة مع قيادة العميل نحو الاستكشاف:

الأسئلة السقراطية هي:

  • العميل لديه المعرفة الكافية ليجيب عليها.
  • هي اسئلة تلفت بها انتباه العميل، لمعلومات لها صلة بالموضوع الذي يناقشه إلا أنها خارج تركيزه في اللحظة الراهنة.
  • بشكل عام تنقله من الملموس إلى المجاز.
  • في النهاية تقود العميل لمعلومات جديدة فيتجه إما إلى إعادة تقييم أستنتاجاته السابقة أو خلق أفكار جديدة.

دعونا نلقي نظرة عن كثب لكل تعريف من تلك التعاريف،

العنصر الأول : العميل لديه المعرفة الكافية ليجيب على أسئلتك: أحد اسئلتي الافتتاحية لك هو مضاد لهذا التعريف، "ما الذي كنت أريد قوله؟" وهذا لا يعد من الأسئلة السقراطية التي تقود العميل للاستكشاف، فلا يمكنك معرفة بالطبع ما سأقوله لذا فهو سؤال سقراطي تعيس.

هذا المثال قد يبدو واضحا، لكن يحدث أحيانا أننا نسأل العملاء أسئلة لا يمكن بأي حال الإجابة عليها. مثلا أن نسأل عميلا لا يدرك المشاعر التي يشعر بها سؤال "صف لي مشاعرك الآن؟"، إنه مما يضعف التعاون في العلاج، مثل هذه الأسئلة التي نعلم يقيناً أن العميل لا يمكنه الإجابة عليها. والسؤال الأفضل منه سيكون "هل أنت مدرك لأي نوع من التوتر أو التغيير يحدث لجسدك الآن ونحن نتحدث عن والدك؟"  هذا النوع من الأسئلة هو ما يقود العميل نحو الاستشكاف بدلا من أسئلة تقوده نحو تأكيد عجزه.

العنصر الثاني: أن الأسئلة الجيدة تقود العميل للانتباه للمعلومات التي لها علاقة للمشكلات التي تتم مناقشها والتي تكون خارج تركيز العميل في وضعه الحاضر.

الأسئلة ذات الصلة مهمة جدا، أحيانا كمعالجين نسأل أسئلة لا علاقة لها بمشكلة العميل، أو لأن جزءً من تاريخ العميل أثارانتباهنا حتى لو لم يكن له علاقة بموضوع المشكلة. لكن ما المعلومات ذات العلاقة لمشكلة العميل وتقع خارج تركيزه؟

هناك العديد من الدراسات التجريبية تشيرأنه تراودنا أفكار لها صلة أو تدعم أفكارنا الحالية وعواطفنا. عندما نكتئب فإننا نعيد استدعاء الذكريات الكئيبة، وإذا ما اعتقدنا عن أنفسنا أننا ناجحون فسنستدعي ذكريات نجاحنا بسهولة أكثر من ذكريات فشلنا. ليس هذا فحسب بل لدينا القدرة على استعادة معلومات وذكريات تتناقض مع حالتنا المزاجية ومعتقداتنا الراهنة إذا ما وجد محفز يستحثنا لاستدعاء تلك المعلومات.

إن الأسئلة السقراطية الجيدة لها القدرة على حثنا على استعادة تلك المعلومات التي لها علاقة مع ما يحمله العميل داخل وعيه. وبهذه الطريقة، فإننا كمعالجين نحمل نظاما خدميا لذاكرة إضافية لاستدعاء ذكريات العميل، بحيث نستحثه لمزيد من المعتقدات والمشاعر ذات الامتداد ونقدح زناد انطلاقها، ونسلط الضوء على معلومات خارج وعي العميل في جلستنا العلاجية معه.

العنصر الثالث: الأسئلة السقراطية بشكل عام تنقل العميل من ماهو ملموس إلى ماهو مجاز. عندما يقوم العميل بالتصريح للمعالج بإفادة يقرر الطرفان التوقف والنظر فيها، فالمعالج لديه عالم مفتوح من الأسئلة يختار منها ما يشاء، كثير من تلك الأسئلة هي أسئلة جيدة ليختار منها. بشكل عام من المفيد البدء بأسئلة ملموسة التي تساعد على التعريف بقلق العميل أو تساعد على إعطاء مثال محدد لمشكلته. إن تحويل المشكلة لمثال ملموس وحي يضمن أن كلا الطرفين المعالج والعميل يتحدثان بانسجام عن الأمر نفسه.

عندما ذكر ستيوارت بالمثال الآنف الذكر "أنا لست جيداً" من المهم أن يتشارك المعالج مع العميل الفهم نفسه في المعنى الذي يقصده، هل يقصد أنه "شرير"؟ هل يقصد أنه لم يفعل شيئا صحيحاً قط في حياته؟ هل يقصد أنه فشل في مراحل محددة من حياته؟ بشكل عام تبدأ الأسئلة السقراطية في جعل شكوى العميل وقلقه يبدوان أكثر تحديداً.

من المكاسب الأخرى أيضا في استخراج شكل محدد لشكوى العميل أن المعالج والعميل يستطيعان أن يختبران المعتقدات المستخرجة والاستنتاجات بسهولة أكثر، وكذلك فهم الاستجابات العاطفية عندما يتم وصف إحدى المواقف المعينة. عندما قال ستيوارت أنه "ليس جيدا" ولاحظ المعالج نغمة الإنهزامية في صوته، لكن عندما تم ذكر رابط العائلة قام ستيوارت بذكر أحد المواقف التي استطاع من خلالها المعالج الدخول.

بعد أن يتم التحرّي عن عدة مواقف محددة، فإن الأسئلة السقراطية الجيدة ستقود لبعض التعلم أو الاستكشاف. وفي هذه اللحظة ستقود تلك الأسئلة العميل من الحالة الملموسة إلى الحالة المجردة. وهنا سيقوم المعالج بمساعدة العميل بسؤاله عما تعلمه من النقاش بينهما ليتوصل فيما بعد لعمل سلوك تجريبي عن هذه الفكرة أو تلك لتطبيقها في حياته. بهذه الطريقة فالأسئلة السقراطية يمكنها مساعدة العميل في تطوير الواجب السلوكي لطريقة العلاج الخاصة به لاحقا، وتطوير طريقة ملاحظته لنفسه، والتحقق من أفكار جديدة أخرى.

سأل المعالج النفسي ستيوارت ما التفاعل الاجتماعي الذي يجعله والداً ناجحا مع طفله بعدها شجعه لتقييم قدرته على تفعيل تلك السلوكيات. مثل هذا النقاش قاد إلى خطة عملية لعمل تغييرات محددة في حياته في مدة قصيرة ثم تقييم نتائجها. بهذه الطريقة الأسئلة السقراطية في الحياة الواقعية تنقلنا من الحالة المجردة "أنا لست جيدا" إلى الحالة الملموسة "الاجتماع العائلي" ثم مرة أخرى إلى الحالة المجردة " أب جيد للعائلة" ثم إلى الحالة الملموسة "الواجب السلوكي التجريبي". نحن كمعالجين نفسيين نكون مقصرين إذا لم يتضمن نقاشنا مع العميل كلا الحالتين "المجرد والملموس" للحصول على مستويات أعمق من التعلم.

عندما نستعمل الأسئلة السقراطية التي تقود نحو الاستكشاف. فإن هدفنا الأسمى هو تمكين العميل من استخدام تلك المعلومات التي ساعدناه لكشفها لأجل إعادة تقييم استنتاجات سابقة لديه أو تكوين أفكار جديدة. ورغم أن هذا الهدف الأسمى مفهوم ضمنا في العملية السقراطية للأسئلة، فإن العديد من المعالجين وأنا من ضمنهم يسألون العميل العشرات من الأسئلة لكنهم لا يساعدون العميل في رصف الأجوبة مع بعضها لتكوّن ما له معنى.

ولزيادة فرص التحسين في جعل جميع الأسئلة تتجه نحو الاستكشاف أو التطبيق التجريبي في حياة العميل، أقدم لكم مراحل أربعة في عملية القيادة نحو الاستشكاف:

المرحلة الأولى: طرح أسئلة استعلامية:

الأسئلة المطروحة هي بحسب ما تم ذكره من إرشادات في التعاريف السابقة. العميل سيجيب على أسئلة يعرفها وأجوبتها ستقوده لحالة من الوعي تجاه معلومات تكون مفيدة، تلك الأسئلة ستجعل ما يقلق منه العميل ملموس ومفهوم وستكون الأمور واضحة لكلا الطرفين العميل والمعالج.

المرحلة الثانية: الإنصات:

إنه لمن بالغ الأهمية أن دور المعالج ليس أن يسأل أسئلة جيدة فحسب بل أيضا يستمع بشكل مرهف للأجوبة. الأسئلة السقراطية التي تتبع المعالج صاحب ذهنية "تغيير القناعات" عادة تشكل اعتقاداً مفاده أن بعض أجوبة العميل الدقيقة لا علاقة لها بمشكلته. فالمعالج يحاول أن يبني صياغة للحالة تلك وما دام أن الأجوبة على اسئلته تتجه لاتجاه معين ومتوقع، فصياغته في طريقها لأن يتم إثباتها.

في المقابل، الأسئلة السقراطية التي تتبع معالج "القيادة نحو الاستكشاف" فذهنيته يجب أن تكون مهيئة لاكتشاف ماهو غير متوقع حتى لو كان السؤال ذو جواب دقيق. حصل لي كثير من المرات حصل وأن سألت العميل أسئلة ودهشت من الإجابة. إذا لم أكن كمعالج نفسي تصيبني الدهشة بشكل منتظم من أجوبة العميل، فهذا يعني إما أنني لا أسأل الأسئلة الصحيحة المثيرة للاهتمام أو أنني لا أنصت لردود وكلام العميل. لكن هل هناك وظيفة "للإنصات" تتجاوز مجرد "فهم" العميل؟.

بالطبع نعم، أنصت للكلمات النوعية المميزة، والاستجابات العاطفية النوعية. أنصت للمجاز الضمني في حديث العميل، وقم بتخيل صورهم الذهنية في ذهنك. أنصت للكلمات التي وضعت في جُمل بطريقة غير منسجمة وليست في مكانها. أنصت لمقاطع الكلام غير المتوقعة في قصة عميلك، واستعدها في ذهنك مرة تلو أخرى بدلا من الإمعان في مقاطع الكلام المتوقعة، فهذا كفيل بإحداث تأثير مكثف على المخطط الذهني للعميل وخلق مشاهد جديدة في حياته.

الإنصات يعد الشق الآخر من طرح الأسئلة، وإذا لم يكن الجواب يثير اهتمامك فلا تطرح السؤال منذ البداية.

المرحلة الثالثة: التلخيص:

إن الأسئلة السقراطية تستغرق وقتا في الجلسة العلاجية. يتخللها العديد من الجرعات المعلوماتية التي تُستدعى وتناقش، وأثناء حدوث ذلك قد يكون العميل في حالة من الشحن العاطفي وهو يتسائل في حيرة لماذا تطرح عليه تلك الأسئلة المركزة لجوانب محددة من حياته!.

من الأخطاء الشائعة التي لاحظتها والتي يرتكبها المعالجون أثناء عملية الأسئلة السقراطية، أنهم لا يمارسون التلخيص بدرجة كافية. أنت كمعالج وأثناء ممارستك للأسئلة السقراطية ينبغي عليك عمل تلخيص كل بضع دقائق، بحيث يكون ملخصاُ متصلا بمشكلة العميل ويعكس له معنى، ثم يقوم العميل بكتابة التلخيص لديه ليراجعه فيما بعد.

التلخيص يعد فرصة أيضا للعميل والمعالج لكي يعرفا أنهما يفهمان المشكلة بطريقة واحدة وبفهم متطابق أو يكتشفان أن هناك اختلاف. وأخيرا، فالتلخيص يعطي العميل الفرصة للتعرف على مشكلته والمعلومات المتعلقة بها بشكل متكامل، فيعطيه ذلك فهما أعمق من مجرد مجموعة من المعلومات المتقطعة هنا أو هناك.

المرحلة الرابعة: الأسئلة التحليلية المدمجة:

أخيرا، بعد أن يتم اكتشاف معلومات جديدة، وبعد أن يتم الإنصات للكلمات النوعية واكتشاف معناها المميز، وبعد أن يتم كتابة التلخيص وتدوينه، هنا يقوم المعالج بإكمال عملية "القيادة نحو الاستكشاف" عبر سؤال العميل أسئلة تحليلية أو مدمجة بحيث يتم إسقاط ذلك التعلم الجديد وما حواه من معلومات على معتقدات العميل القلقة الأصلية، مثال "ستيوارت": بعد كل ما خضناه معاً من تعلم ومعلومات جديدة، كيف تراها تتفق مع فكرتك "أنا لست جيدا"؟.

المعالجون يقللون من الوقوف طويلا في هذه المرحلة النهائية والحرجة والمهمة في عملية القيادة نحو الاستكشاف. في بداياتي في العلاج المعرفي السلوكي كنت قلقة جدا أنني سأنسى مساعدة العميل بربط الأجوبة معاً بطريقة لها معنى في نهاية الجلسة ومع هذا تعد الأسئلة التحليلية المدمجة فرصة أخيرة للعميل لاكتشاف ماهو غير متوقع. أذكر مرة أني سألت إحدى عميلاتي عن فكرتها عن إحدى المعلومات التي تبلورت تجاه مشكلتها وكنت أتوقع أن تتقدم لي بعد اسبوع من الجلسة بخطة للتكيف مع حالة الحزن خاصتها، بدلا من ذلك بدأت بالضحك قائلة "لقد أتيت إلى هنا لكي أكون سعيدة إلا أنني أدركت أنني أكون أكثر صحة أحيانا عندما أكون حزينة".

في الختام:

بعد مرور سبع سنوات من التأمل في عبارة "كيف تعرف ما الأسئلة المناسب طرحها؟" لا زلت غير راضية عن أجوبتي، لكن عملية اكتشاف تلك الأجوبة كانت ممتعة ولا زالت. كأي اكتشاف آخر أكون أحيانا متفاجئة بما أجد. مع مرور السنوات أجد نفسي أكثر اهتماما بمثل هذا السؤال أكثر مما كانت بدايتي معه.

اليوم أجد أن اهتماماتي أصبحت مشوبة ببعض القلق، لقد أصبح العلاج المعرفي السلوكي منتشرا في العالم وأكثر قبولا، وأخشى أن جذوره التجريبية غدت أكثر نسياناً، وأن طريقة العلاج قد ضعفت لدمجها مع أشكال من التكنولوجيا الهزيلة لغرض تغيير القناعات. ومع الضغوط الاقتصادية على المعالجين في الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا ودول أخرى، مطلوب منّا أن نقدم العلاج النفسي بطرق أكثر اختصاراً مرة تلو أخرى، وسنشعر نحن كمعالجين بتلك الضغوط لأجل أن نغير قناعات وذهنية العميل بشكل أسرع وأسرع.

إن فقداننا لسن تشريعات محددة للأسئلة السقراطية الجيدة، لم تساعدنا في التمكين لعمل بحوث تقييم تجريبية لطريقة "القيادة نحو الاستكشاف" لمعرفة ما إذا كانت لهذه الطريقة جوانب إيجابية على المدى الطويل مقارنة بالأسئلة المبسطة لتغيير القناعات. تلك البحوث ستكون مهمة للمرحلة التجريبية القادمة من العلاج المعرفي السلوكي والتي بدأنا فيها باكتشاف مكونات مهمة وحرجة في هذا العلاج والتي أظهرت نتائج مؤثرة وفعالة. أتمنى أنني استطعت أن أثير شغفكم بدرجة كافية ليساهم بعضاً منكم لاختبار تلك الأفكار الجديدة.

من جهتي، سأواصل السعي نحو تعريف وتوصيف عملية الأسئلة السقراطية في أفضل أشكالها، وذلك من أجل استعمالها من قبل المعالجين ليقودوا العملاء نحو الاستكشاف إذ أنه جزء أصيل من التعاون التجريبي في العلاج. عليه وحتى مزيد من الأسئلة سأظل أبحث أكثر في لغز " كيف تعرف الأسئلة المناسب طرحها؟".

Copyright 1993 Christine A. Padesky, PhD

www.padesky.com

حقوق الترجمة محفوظة للأخصائي النفسي أسامة الجامع

تويتر oaljama@ - gmail.com@oaljama 


اقرأ ايضا

النضج الانفعالي

  عند قراءة مصطلح "النضج الانفعالي" ترتسم بمخيلتنا صورة… المزيد
خوله الحربي

التعزيز ودوره في التربية

إن السلوك البشري الإنساني يتأثر بالعوامل البيئية المحيطة… المزيد
د. موسى بن أحمد آل زعله

إضطراب النوموفوبيا

إضطراب النوموفوبيا أضواء خافتة تسيطر على زوايا صالة الجلوس… المزيد
ملك الحازمي

مقالات علمية الاسئلة الشائعة اضف رقم جوالك
0
اجمالي الزيارات
0
عدد الاعضاء
0
المستفيدين من الدورات
0
الدورات المجانية
0
اجمالي الدورات
0
اجمالي الدبلومات