image

أقسام علم النفس والمجلس الصحي: الثورة الناعمة


للتاريخ؛  حكايتنا هذه المرة طويلة، طولها خمسين عاماً تقريباً، وسأختصرها ما أمكن.

يحكي أنه في قديم الزمان وتحديداً في عام١٩٩٢هـ ( ١٩٧٢م) تم إنشاء قسم يدعى بقسم علم النفس يتبع لكلية التربية بجامعة الملك سعود، يمنح خريجيه  شهادة (بكالوريوس تربية) ويؤهلهم للعمل في وزارة التعليم كمدرسين أو مرشدين طلابيين، والقليل من خريجيه يطرق باب القطاع الصحي، وكان هذا القسم رائداً في رسالته ولا زال، وكانت أحوال الخرجين تمشي بأحسن حال.

في عام 1996 أوعزت وزارة التعليم للجامعات خطاباً تفيد باكتفائها من معلمي مادة علم النفس وهذا يعني الاستغناء عن توظيف خريجي القسم من المدرسين. لم يكن الأمر صادماً للقسم، فوجود وظيفة مرشدين طلابيين بوزارة التعليم كفيلة لإبقاء القسم في بيت كلية التربية. في غضون ذلك ازداد الطلب على خريجي القسم من قطاعات غير تربوية خصوصاً من قِبل وزارة الصحة لتعينهم كأخصائيين نفسيين، وتولت الهيئة السعودية للتخصصات الصحية مهمة تصنيف الأخصائيين النفسيين.

الان تحولت بوصلة الخريجين من المجال التعليمي إلى المجال الصحي، وظهرت نتيجة لذلك مشكلة كبرى؛ وهي كيف يمكن لمن يتخرج من كلية التربية، تلك الكلية المختصة في إعداد التربويين؛ أن يتحصلوا على تصنيف صحي، فكما أنه لا يمكن للطبيب أن يُمنح وساماً تربوياً، فكذا لا يمكن للتربوي أن يُمنح وساماً صحياً.

كان الاجراء البديهي الذي يُفترض على قسم علم النفس أن يتبعه هو إنشاء قسم علم نفس مستقل ثاني يتبع للكليات الصحية ليحصل خريجوه على مؤهل بكالوريوس علوم صحية بدلاً من بكالوريوس تربية، مع تغيير تسمية القسم الذي يبقى في كلية التربية إلى: قسم علم النفس التربوي. ولكن هذا الإجراء لم يُعلم به، فعوضاً عن ذلك تمسكوا بإبقاء القسم كاملاً في التربية واستحدثوا فيه مساريين؛ مسار تربوي، ومسار اخصائي نفسي، هذا الاجراء لم يحل المشكلة إذا بقيت مسمى الشهادة التي يحصل عليها مسار الاخصائي: بكالوريوس تربية كونها مختومة بختم الكلية، لتقول: أنت تربوي (B.E)  فلا مناص، وليست صحي (B.S)، فعنوان شهادة الكلية المانحة هي من تعكس طبيعة المهنية وليس مجرد مسمى تخصصك. حاولوا تعديل مسمى الشهادة لاحقا لتصبح: بكالوريوس تربية في علم نفس تخصص اخصائي نفسي، (رغم أنه لا يوجد في علم النفس تخصص يسمى اخصائي نفسي Psychologist))) وهكذا ظلت صفة "بكالوريوس تربية" تلاحق الخريجين الذين يرغبون في المجال الصحي. ولم تؤثر صفة "بكالوريوس تربية" سلباً على الراغبين في الالتحاق بالقطاع الصحي فحسب، بل شمل ذلك قطاعات أخرى، إذ المعلوم أن المجالات التطبيقية لعلم النفس ممتدة، فما من مجال قطاع مهما كان إلا ولعلم النفس بصمته، سواء كانت قطاعات أمنية أو حربية أو إدارية أو قضائية أو رياضية أو استخباراتية، خذ على سبيل المثال تلك الوظائف: أخصائي إرشاد عام، أخصائي إرشاد أسري، أخصائي إرشاد مهني، أخصائي مقاييس نفسية، أخصائي إرشاد جنائي، أخصائي نفسي عصبي إكلينيكي وغيرها كثير. وكل تلك المجالات والتطبيقات لا يلزم لممتهنيها أن يتخرج من كلية التربية، ولذا خرجت بعض الجامعات العالمية لتخصيص كلية باسم كلية علم النفس أو كلية العلوم السلوكية بدلاً من كونها قسم منفرد.

على العموم لا أريد الاسترسال في هذه النقطة، فهي ليس موضوع حديثنا، وسنعود لإكمال حكايتنا التي وصلنا فيها إلى الحرج الذي أصاب قسم علم النفس القابع في كلية التربية رغم أن طلب التوظيف ازداد في المجال الصحي: أخصائي نفسي عيادي.


ظل حال القسم علة ما هو عليه عقداً من الزمان حتى جاء عام ٢٠١١، فقام بعمل إجراءين علّه يجد حلولاً بديعة؛ الأول القيام بورشة عمل سميت "مشروع تطوير قسم علم النفس" ورصد لهذا المشروع ميزانية خاصة، والاجراء الثاني هو إرسال وفد من القسم لزيارة أقسام علم النفس لجامعات أمريكية وأخرى بريطانية، ولكن لم يتمخض عن هذين الإجرائيين سوى خطابات هوائية، واجترار نفس الحلول لنفس المشاكل، وهكذا بقي القسم في مربع الأول "كلية التربية.

وعام 2012 وبينما كان القسم في مربعه الأول ويدور حول دائرة يبحث عن منتهاها، انتهت جامعة الأميرة نورة لصلب الحل واقتدت بما عليه الجامعات العالمية، فعمدت بفصل قسم علم النفس التابع لكلية التربية إلى قسمين (وليس مجرد مساريين)، أحدهما ظل على حاله في كلية التربية والاخر فُتح في كلية الصحة، ليمنح الأول درجة بكالوريوس تربية (B.E) والاخر درجة بكالوريوس علوم صحية (B.S). وبهذا فحينما يُقدم المتخرج من القسم الصحي شهادته إلى القطاع الصحي، لا يجد حرجاً كون شهادته مختومة بختم "صحي" وليس “تربوي". وأكثر من هذا أن تعليمه وتدريبه يركز على العلاج النفسي، بعكس القادمين من كلية التربية، ولذا يجد القادمين من الكلية الصحية وظائف في القطاع الصحي بكل يسر، بعكس القادمين من الكليات التربوية الذين يعانون من البطالة.

ومن جانب التأهيل العلمي، فكانت لي شخصياً تجربة فريدة، وأقول وبدون مبالغات، أن المادة العلمية التي تستغرق محاضرة واحدة لدي القسم "الصحي"، تستغرق ثلاث محاضرات في القسم “التربوي"، وهذا إن دلّ على شيء فإنه يدل على جودة معايير القبول في الكليات الصحية وجودة الخطة الدراسية. وإن كانت التجربة الشخصية لا تعكس كل شيء، فلا أبلغ من دلالة التوظيف، فالقطاع الصحي يحرص كثيراً على تعيين الاخصائيين النفسيين القادمين من الكليات الصحية بعكس القادمين من التربية.

 على كل حال لم يستفد قسم علم النفس بجامعة الملك سعود من تجربة قسم علم النفس بجامعة نورة، واستمر حال القسم على وضعه بكلية التربية وبفكرة المسارات.

بعد ذلك بسنوات قدّم أربعة من أعضاء القسم، بإعداد مذكرة لوزير التعليم يطالبون فيها بضرورة تصحيح أوضاع أقسام علم النفس وضرورة التنوع في تسكين تلك اقسام علم النفس لتشمل الكليات الصحية  وكليات العلوم أسوة بما علية حال الجامعات العالمية، تم الانتهاء من إعداد المذكرة،  ولكن قبل تسليمها للوزير تراجعوا عن ذلك، لتصورهم أن مصير تلك المذكرة ستحال إلى  لجنة سيرأسها كبار القوم ممن هم على سياسة التمسك بكلية التربية، ولو كُونت اللجنة، فسيصبح القاضي هو الخصم، ولذا اكتفوا  بنشر تلك الفكرة التصحيحية  في صحيفة الجزيرة في عددها الصادر ٣٠/٣/٢٠١٦ وعددها الصادر ٢/٣/٢٠١٨.

الان، رغم كل هذا الوضوح الذي يستوجب أن يدفع قسم علم النفس لاتخاذ خطوة تصحيحية مشابهة لما عليه قسم علم النفس (الصحي) بجامعة الاميرة نورة، أصرّوا على الاستمرار على الخطأ، وخلّف هذا الخطأ ضحايا من خريجين عاطلين، ولم يتوقف خطأ القسم على تحمل تباعات خريجيه بل تعدى الأمر لتحمل تبعات خريجي أقسام علم نفس من جامعات أخرى وضعت القسم كقدوة لها، كون القسم يتبع للجامعة الأم (جامعة الملك سعود).

ومما يؤسف له، أنه بعد النجاح المنقطع النظير لقسم علم النفس (الكلية الصحية) بجامعة نورة، بشهادة وإشادة الاطباء والمعالجين النفسيين، إلا أنه حتى هذه اللحظة هو القسم الوحيد من بين حوالي 15 قسم علم نفس الذي ينتمي لكلية صحية.

لم تنتهي القصة عند هذا الحد ولم تنتهي مراوغة القسم مع الاحداث؛ ففي نهاية عام 2018  صدر توجيه من وزارة التعليم إلى الجامعات بضرورة إيقاف جميع برامج البكالوريوس من كليات التربية لعدم الحاجة لمدرسين لسنوات عدة، قدّمت مذكرة للقسم من قبل بعض أعضائه بضرورة المسارعة في تقسيم كيان القسم إلى قسمين، أسوة بما عليه حال جامعة نورة، لكن "الكيان العميق" في القسم لم يستجب لهذا، وظل "القسم" ينافح عن حماه في كلية التربية، وسعى في البحث عن مخارج وطرق ملتوية ليحصل على استثناءات، وبالفعل تم لهم ما أرادوا واستمروا في كلية التربية.

لنتوقف لحظة هنا، إنك بالفعل لتعجب من الإصرار على السباحة بعكس التيار، لقد أصيب البعض بخيبة أمل ويأس بتغيير قناعة القوم.

وأكثر من هذا، أنه حينما عزمت وزارة الصحة لدراسة تقديم الخدمات النفسية في مراكز الرعاية الأولية، لاحظت ضعف شديداً في تأهيل الاخصائيين النفسيين كون الغالبية العظمى ليسوا صحيين، والوزارة لن تجازف بتدشين برنامج صحي إلا وهي متأكدة بوجود وفرة من المختصين المؤهلين.

كل هذا وذاك أسباب تدعو لقسم علم النفس أن يتحرك أو يُحرك أحد أفرعه ويجرب أن يسلم أمر إدارته لكلية صحية بدلاً من الاقتصار على الكلية التربوية. كيف لأحد أن يفهم ردة فعل قسم تتناوشه وزارتين وهو مصرّ على رأيه؛ وزارة التعليم تقول: أوقفوا برامج البكالوريوس في كليات التربية، ووزارة الصحة تقول: حسنّوا مخرجات خريجيكم. ومع هذا كله، لا زال "القسم" مصراً على تغطيه الشمس بالغربال، ولسان حاله يقول: ولدت هنا، وسأبقى هنا، وسأموت هنا، ولن أسمح لواحد من أفرعي الذي هو من صلبي أن ينفصل عني.

وبينما كان اليأس من إصلاح "القسم" يأخذ منتهاه، خرج على السطح سلطة تجاوزت قوتها سلطة الجامعات ووزارة التعليم ووزارة الصحة والهيئة السعودية للتخصصات الصحية، تلكم هي المجلس الصحي السعودي الذي كان يراقب كل تلك التحركات ويعي عن كثب قصور تأهيل الاخصائيين النفسيين ويألمه وضعهم الحالي وفي ذات الوقت يسعى جاهداً لإيجاد حلول جذرية قاطعة لهذه المشكلة الوطنية.

ولمن لم يسمع بالمجلس الصحي الوطني فهو مجلس تأسس عام ١٤٣٥ من قبل مجلس الوزراء، ومرتبط إداريا مباشرة بمقام خادم الحرمين الشريفين؛ رئيس مجلس الوزراء، ودور المجلس معني بإصدار النظم الصحية.

هذا المجلس كان يرقب عن كثب ما يدور في الساحة، وساءه ما عليه وضعية الاخصائي النفسي، وكان لزاما أن يضع خارطة طريق وخطة انقاذ وطني تهدف لرفع تأهيل الاخصائيين النفسيين، وسميت تلك الخطة بـ "الخطة الوطنية لتطوير ممارسة الاخصائيين النفسيين".

وألتزم المجلس بأن تُعد الخطة بشكل احترافي وأن يتولى إعدادها جهة مختصة، واستبعد أن يتولى إعدادها كل من خاض تجارب لمشاريع تطوير فاشلة، لكونهم سيكررون نفس الحلول ونفس الأخطاء.


 أُرسي مشروع الخطة على أحد الجهات الوطنية، وكانت لجنة الصحة النفسية التابعة للمجلس الصحي تراقب عن كثب سير إعداد الخطة إلى أن تم انجازها، وتمخض عن تلك الخطة قرارات ونُظم تصب في رفع مستوى العلاج النفسي وتأهيل الاخصائيين النفسيين.


هذه القرارات التطويرية تم اعتمادها من مقام خادم الحرمين الشريفين بتاريخ ١٩/٨/١٤٤١، وأصبحت تلك القرارات ملزمة لكل الجهات المعنية.


هذه الخطة تتضمن اجراءات وقرارات تهدف لرفع أهلية الاخصائي النفسي بدءاً من التعليم الجامعي إلى التدريب إلى الممارسة العلاجية، إضافة إلى سنّ تشريعات ونظم خاصة بمهنة الاخصائي النفسي.

ولعلي أن أحيلكم لسماع تعريف "بالخطة الوطنية لتطوير ممارسة الاخصائي النفسي” من قبل أحد عرّابي المشروع الدكتور سعيد وهاس.

ولعلي أيضاً أن أتوقف عند ثلاثة نقاط فهمتها مما تضمنته الخطة:


١/ لا يمكن لأحد أن يحصل على تصنيف "أخصائي نفسي" ما لم يتخرج من قسم علم النفس التابع للكليات الصحية، وهذا يعني أن المتخرجين من قسم علم نفس التابع للكليات التربوية أو حتى الآداب أو العلوم الاجتماعية لا يُمنحوا  درجة الاخصائي النفسي.


٢/  إلغاء تصنيف "اخصائي نفسي مساعد" من قائمة تصنيف الاخصائي النفسي كون تصنيف "مساعد" يُعطى كمجاملة لأي خريج من قسم علم النفس دون التأكد من تأهيله.

٣/ إدراج الرعاية الصحية السلوكية في مراكز الرعاية الصحية، وهذا يعني اتساع الخدمات النفسية للمواطنين ويعني من جانب اخر وفرة في وظائف للأخصائيين النفسيين.

كل تلك القرارات تصب في مصلحة الأخصائي النفسي من جانبين: جودة تأهيله وتسويق مهنته.

الجدير بالذكر أنني عندما أقول "أخصائي نفسي" فاقصد به على وجه التحديد أخصائي نفسي اكلينيكي (عيادي).

إن كنت أيها الطالب ترغب أن تكون معالجاً نفسياً "أخصائي نفسي اكلينيكي" فعليك أن تتأكد حينما تلتحق في دراستك بقسم علم نفس أن القسم يتبع لكلية صحية، وإلا فلن تحصل على تصنيف "اخصائي نفسي" من هيئة التخصصات الصحية.

الان استطيع أن أقول أن القصة شارفت على الانتهاء، فأي قسم يسكن كلية التربية فهو وشأنه، لكن ليعلم أن خريجيه لن يحصلوا على تصنيف "أخصائي نفسي".

إن ما قام به المجلس الصحي لا يمكن وصفه إلا بالثورة الناعمة ضد أي رأي متصلب وهذه الثورة تمت من دون صدام أو صرع ومن دون صخب أو ضجيج ومن دون إقصاء أو جدال. ومن هنا استطاع المجلس الصحي أن يضع حداً لاستمرار التخبطات، ويتولى بهدوء رسم خارطة طريق تُجود من منتج "اخصائي نفسي".

الان، لن يمضى "القسم" في استكمال لعب المناورة والبقاء في مساكن كلية التربية بعد خروج تشريعات صريحة من المجلس الصحي.

ولن يستمر على الاصرار على تخريج أخصائي نفسي اكلينيكي وهو يقبع في كلية التربية.

كل ما نتمناه ويتمناه كل محب أن نحتفل سوياً  بمضي خمسين عاماً  على نشأته ونحتفل باليوبيل الذهبي، فهذا القسم يستحق التكريم فلا شك أنه قدم خلال مسيرته الطويلة خدمات أكاديمية وغير أكاديمية جليلة تسطر بماء الذهب، ولا زال بحمد الله يضم نخبة من أفضل الاساتذة، المهم أن الاحتفال يكون هذه المرة في بيت الصحة، تهانينا مقدماً.


المجلس الصحي السعودي: شكراً