image

منع التنمر بالذكاء العاطفي


حُرر في 18 فبراير/ 2014 بواسطة مارك أ. براكيت وسوزن إي. ريفيرز

للمشاعر أهمية بالغة في حياتنا بشكل عام وفي المدارس بشكل خاص، لذلك نجد أن الطفل الذي يشعر بالقلق أو الغيرة أو اليأس أو الغربة سيواجه صعوبة في التعلم واتخاذ الاقرارات السليمة وبناء العلاقات.

تأخذ المشاعر نصيب الأسد فيما يتعلق بالتنمر؛ وهي مشكلة صحية عامة خطيرة نراها في مدارسنا، حتى أن ثلث الأطفال على الأقل في أمريكا قد تعرضوا للتنمر، وهي من أسوأ التجارب التي قد يعيشها أي طفل، وللتنمر أوجه عديدة مثل العنف الجسدي والاعتداء اللفظي والنبذ، نجد أن الأصل في كل من هذه الأعراض هو عدم وجود فهم عاطفي وتنظيم ذاتي.

قد يكون الإدراك بخطورة التنمر في المدارس حظي بالاهتمام الكافي ونلاحظ أن معظم طاقم التدريس ينشرون الوعي حول التنمر بشكل جيد، حيث يصنف التنمر على أنه نمط سلوك متكرر عدواني متعمد ينطوي على اختلال توازن القوى، هذا ونحن مدركون بأن التنمر ليست ظاهرة حديثة بل إنها مرت على مختلف العصور ولكن لا يسعنا أن نعتبره مجرد أمر عابر.

للتنمر عواقب عاطفية وخيمة لكلا الطرفين، فالمتنمر عليه يتعرض للاكتئاب والقلق والتفكير بالانتحار وكذلك المتنمر؛ فهو يشعر بالاكتئاب أيضًا والقلق والعداء ويميلون إلى تعاطي المخدرات ويلاحظ عليهم السلوك العدواني تجاه المجتمع، حتى قد يشعر الإنسان باليأس وانعدام الأمان وتظهر عليهم آثار الصدمة، والغريب أن بعض الذين يتعرضون للتنمر قد يتنمرون على غيرهم مما يسبب لهم معاناة أكبر؛ مثل ارتكاب الجرائم وإساءة معاملة شريك الحياة، والأدهى أن تغيُّب المدارس عن الوعي بمخاطر التنمر قد يفتح الطريق له حتى يصل الحال إلى أن حالة واحدة للتنمر تجعل طلاب المدرسة في حالٍ يرثى له، بالإضافة إلى زعزعة رفاهية الأسرة والتأثير سلبًا على حياة الطفل بأكملها.

جهود مكافحة التنمر في تحسن لم يشهد له مثيل؛ حيث ساهمت 49 ولاية في أمريكا في  وضع تشريعات لمكافحة التنمر وتسعى المدارس في وضع برامج إرشادية لعلاج هذه المشكلة، أنفقت أمريكا مليارات الدولارات سعيًا في مكافحة التنمر ولكن وفقًا للاستطلاعات فإن معدل التنمر لم ينخفض، فسّرت النتائج أن البرامج لا تحقق النتائج المرجوة لأنها تحل مشكلات آثار التنمر ولا تحل أسبابها التي قد يشملها الافتقار إلى الذكاء العاطفي؛ وهي مجموعة من المهارات التي تساعدنا في فهم المشاعر والتواصل معها.

يجب أن يكون الذكاء العاطفي مكونًا أساسيًا لمكافحة التنمر في المدراس من رياض الأطفال وحتى الثانوية، لأن اتباع القانون والنظام الذي يتم تدريسه في مناهج البرامج الحالية لا يحتوي على المهارات الأساسية لتنظيم المشاعر القوية التي بدونها نجد سلوكيات سلبية على الصعيد النفسي والجسدي، عادةً لا نجد للذكاء العاطفي حيزًا في مكافحة التنمر مثل انعدام التسامح ومراقبة بؤر التوتر وخلق القواعد بل حتى للتدخلات الحسنة النية التي قد تجني عواقب دون قصد؛ مثل تشجيع الأطفال على الصمود أمام المتنمرين الذي بدوره قد يبعث القلق في نفوسهم وربما يصل بهم الحال إلى مرحلة الانتقام، لذلك لا يخفى على أحد أن المناهج الحالية لا تجدي نفعًا.

ما يحتاجه جميع الأطفال هو تعليم الذكاء العاطفي الذي بدوره سيساعد على منع الأطفال من التهجم على أقرانهم أو التنمر عليهم أو إيذائهم بغلاف التفريغ العاطفي، أما في الحالات التي لا نجد فيها مفر من التنمر فإنها ستكون الفرصة الملائمة للمتنمرين والمتنمر عليهم أن يطوروا من مهاراتهم في إدارة الخوف والقلق والتواصل مع من يحتاجونهم وحتى نيل الدعم المطلوب.

" أكدت ست نتائج لبرامج مكافحة التنمر أن هذه البرامج لا تحقق النتائج المرجوة".

الذكاء العاطفي هو القدرة على التعرف على مشاعر الذات ومشاعر الآخرين وفهم أسباب المشاعر وعواقبها على التفكير والسلوك، يتجلى معنى المشاعر في كونها تعبر عنا بطريقة مناسبة اجتماعيًا وعلى نحوٍ فعال.

يواجه الأطفال والبالغون الأذكياء مجموعة واسعة من المشاعر مثل الغبطة والصفاء والحزن والغضب، وهم يعاملون المشاعر على أنها وسيلة للحفاظ على علاقات صحية، ينعكس ذلك إيجابًا عليهم فتجدهم يتمتعون برفاهية أكثر ويندر أن تجد فيهم حالات الاكتئاب والقلق والعدائية، حتى أن أدائهم في الحياة المدرسية والعملية أفضل ممن يفتقرون الذكاء العاطفي المعرضون إلى صحة عقلية غير متزنة ويميلون إلى العيش غير المشروع وزيادة السلوك العدواني.

لحسن الحظ أننا نستطيع تدريس الذكاء العاطفي مثل المواد الأخرى كالرياضيات أو القراءة، بحيث يتم دمجها في المناهج الأكاديمية وتؤثر في تحسين الفصول الدراسية، أما النتائج فهي حتمًا ستكون إيجابية؛ بيئة دراسية أفضل وطاقم تدريس وطلاب تغمرهم السعادة والتفاعل الإيجابي وانخفاض نسبة التنمر، لكن المشكلة هي أن البالغين بحاجة إلى التدريب على ذلك أيضًا.

معظمنا لم يحصل على تعليم رسمي في الذكاء العاطفي، لدرجة أن المعلمين لم يتلقوا التدريب حول كيفية تطبيق علم العاطفة لإشراك الطلاب في التعلم أو وضع استراتيجيات فعالة للتنظيم الذاتي وإدارة الفصول الدراسية بفعالية أو تهيئة بيئة إيجابية في الفصل الدراسي. كيف يمكننا أن نتوقع من الأطفال أن يتعلموا مفردات التنظيم واستراتيجياته المناسبة للتعبير عن مشاعرهم إذا لم يحظى معلموهم التدريب الكافي على هذه المهارات؟ لن تطلب المدرسة من أستاذ لم يتدرب على الرياضيات أن يعلم طلابه الهندسة أو الجبر أو حساب التفاضل والتكامل.

صممنا برنامج "رولر" وهو متخصص في تعليم مهارات التعرف على المشاعر وفهمها والتعبير عنها وتنظيمها، يعد أحد الأساليب الفعالة لتدريس الذكاء العاطفي وتم تطويره في مركز "ييل" للذكاء العاطفي تحت إدارتنا، حيث ساعدنا أكثر من 500 مدرسة على دمج الذكاء العاطفي في روتين حياتهم اليومية في كثير من الجوانب مثل؛ دروس فنون اللغة واجتماعات هيئة التدريس وتطبيق سياسات إدارة السلوك. يتضمن "رولر" أفضل ممارسات التدريس ولغة مشتركة من المشاعر في التعليم اليومي لجميع مستويات الصفوف الدراسية، والأهم من ذلك أنه يوفر التنمية المهنية والشخصية لجميع البالغين في مجتمع التعليم من قادة المدارس وطاقم التدريس وموظفي الدعم والأسر.

تتمثل إحدى خطوات عملية دمج الذكاء العاطفي في صفوف التعليم فيما يسمى بكتابة ميثاق الذكاء العاطفي، يعتبر هذا الميثاق العمود الفقري لخلق بيئة تعليمية داعمة عاطفيًا تتيح لأفراد المجتمع فرصة التعبير عن أنفسهم وإدارة مشاعرهم وصراعاتهم وقياس مزاجهم وتبني الوعي الذاتي العاطفي ووضع أهدافهم، كما تساعدهم أيضًا على وضع استراتيجيات التنظيم الذاتي وتحقيق أهداف التعليم.

تشير الأبحاث إلى أن الأطفال الذين يدرسون في مدارس تتبع منهجية "رولر" لا يتعرضون للقلق والاكتئاب وقلّت مشكلاتهم في التعلم والسلوك بل وأصبحوا أفضل في حل المشكلات مقارنةً بالسابق، علاوةً على ذلك أنهم أصبحوا ذوي مهارات اجتماعية وقيادية أكبر وتحسّن أدائهم الأكاديمي وبيئتهم التعليمية أكثر، ازدادت علاقاتهم قوة وإيجابية خاصةّ بين المعلم والطالب وارتفعت نسبة مشاركاتهم وتحسّن التركيز في الفصول الدراسية وانخفض معدل الإرهاق لدى المعلمين.

يؤكد التحليل الأخير حول برامج التعلم الاجتماعي والعاطفي مثل "رولر" أن تعليم الذكاء العاطفي يمثل السمة المشتركة بين المدارس التي تتسم بيئاتها التعليمية بالأمان والاهتمام، وذلك لأنها تجني أفضل النتائج عندما يتم تلقين الدروس بانتظام وبجودة عالية، في هذه المدارس لا تنخفض معدلات التنمر فحسب؛ بل ترتفع مؤشرات الصحة العقلية والنتائج الأكاديمية.

إن إهمال التعليم العاطفي للأطفال والكبار يهددهم بالعيش تحت رحمة مشاعرهم ورحمة كل متنمر، يؤدي هذا الإهمال إلى خلق فجوة في النظام التعليمي بين المتنمرين والمتنمر عليهم، لذلك تسعى برامج التعليم الاجتماعية العاطفية بسد هذه الفجوة ومنح الأطفال والمعلمين فرص تطوير المهارات التي يحتاجونها ليصبحوا أصحاء عاطفيًا، يقول أرسطو "تعليم العقل دون تعليم القلب ليس تعليمًا على الإطلاق".

المصادر:

Brackett, M. A., & Rivers, S. E. (2014, February 18). Preventing Bullying With Emotional Intelligence

ترجمة تطبيق مساعد الأخصائي النفسي