دراسة مستعرضة للفروق بين الجنسين
فى الاكتئاب لدى عينة مصرية *
مقدمة : منطقية الدراسة
تمثل دراسات درجة انتشار أى اضطراب من الاضطرابات العقلية مصدرا هاما لمد الباحثين بعلامات وعوامل أصل هذا الاضطراب ، فعندما يصيب اضطراب ما أشخاصاً من منطقة جغرافية ما ، أو من طبقة
اجتماعية ما ، أو من جنس ما فقط أو بدرجة أعلى من غيره ، فإن على الباحثين أن يسألوا عن مواصفات الجماعات المستهدفة والتى تجعل أفرادها أكثر عرضة لهذا الاضطراب من غيرهم .
ومن الشواهد العديدة التى تقابل الباحث فى التراث النفسى ، أن المرأة أكثر استهدافا من الرجل للعديد من الاضطرابات العقلية عموما وللاكتئاب على وجه الخصوص ( Flor – Henry, 1979, P. 155., webb &Allen, 1979, p. 93 ) ويظهر استهداف المرأة بدرجة أعلى من الرجل للاكتئاب إما فى صورة ازدياد نسبة النساء إلى الرجال فى الإصابة بالاضطراب ، وحيث تتراوح مابين 1.5 : 1 إلى 3 : 1 نساء / رجال ، وإما فى صورة ازدياد درجة الاكتئاب لدى النساء بمقارنتهم بالرجال ووصول الفرق بين متوسط الجنسين فى الاضطراب إلى حد الدلالة الإحصائية .
وعلى الرغم من أن قضية الفروق بين الجنسين فى الاكتئاب ظهرت فى أواخر العشرينات وبداية الثلاثينات ومن وقتها ظهر العديد من الدراسات النظرية والميدانية بين مؤيد ومعارض لوجود هذه الفروق ، إلا أن الجدل لا يزال مستمراً حتى وقتنا هذا . والحقيقة ، منذ بداية الثمانينات ، ازداد موقف المؤيدين لوجود هذه الفروق قوة ، وبدأ الكثير من أفراد الفريق المعارض فى الاقتناع بأن هذه الفروق أصبحت حقيقة ثابتة ، وانه يجب أن نتخطى مرحلة مناقشتها إلى مرحلة التعامل معها كواقع يستلزم التغيير فى نظرتنا إلى الاكتئاب وخاصة فيما يتعلق بموقف كلا الجنسين من الإصابة به .
وبعد أن وصل الموقف إلى هذا الحد من شبه الاتفاق على وجود الفروق بين الجنسين فى الاكتئاب فى المجتمعات الغربية ، بقيت بعض القضايا الجانبية للموضوع على بساط البحث . وكان مصدر هذه القضايا مجموعة التفسيرات التى اعتمد عليها الباحثون الغربيون فى تأكيد وجود هذه الفروق . ومن أهم القضايا التى أصبحت مطروحة للبحث متصلة بموضوع الفروق بين الجنسين فى الاكتئاب اثنتان . الأولى تقوم على التفسيرات البيولوجية لوجود هذه الفروق ، والتى يرى أصحابها أن تفوق المرأة على الرجل فى الاكتئاب ظاهرة عالمية ،وهذا قد يشير إلى وجود زيادة فى حساسية المرأة للإصابة بالاكتئاب ، ترتبط هذه الحساسية الزائدة بخصائص بيولوجية تختص بها المرأة دون الرجل . وينتظر هذا الفريق من الباحثين نتائج الدراسات عبر الثقافية لتأكيد هذا الافتراض، وذلك ، فإذا كانت العوامل البيولوجية هى المؤثر الرئيس فى ظاهرة تفوق المرأة على الرجل فى الاكتئاب فلابد من تراكم نتائج الأبحاث عبر الثقافات المختلفة التى تؤكد بأن هذا التفوق للمرأة فى الاكتئاب يمثل ظاهرة عالمية أو عامة universal (وذلك لأن العوامل البيولوجية للمرأة ككائن حى واحدة فى كل الثقافات ).
وتقوم القضية الثانية على التفسيرات النفس -اجتماعية لوجود الفروق بين الجنسين فى الاكتئاب والتى ترى ارتباط هذه الفروق بثقافة المجتمع ، وأساليب التنشئة الاجتماعية وغير ذلك من العوامل البيئية ،
ولأن العوامل البيئية تختلف من ثقافة إلى أخرى ، فإن أصحاب التفسيرات النفس – اجتماعية يتطلعون إلى نتائج دراسات فى ثقافات مختلفة للنظر فيما يمكن أن يؤدى إليه الاختلاف الثقافى من تغيير أو تعديل فى الفروق بين الجنسين فى الاكتئاب . ومن هنا ظهرت نداءات عديدة من الباحثين
المهتمين بموضوع الفروق الجنسية فى الاكتئاب بضرورة إجراء دراسات فى ثقافات مختلفة هدفها الأساسى هو النظر فى إمكانية تعميم النتائج التى توصلت إليها الدراسات الغربية حول الموضوع ( Weissman & Klerman, 1979, P. 417; Byrne, 1981, p. 91) بمعنى ، هل الفروق بين الجنسين فى الاكتئاب تمثل ظاهرة عامة ، أم أنها مقصورة على بعض الثقافات دون غيرها ؟ إن الإجابة على هذا السؤال لها عائدها الإنسانى الهائل خاصة فيما يتصل بنظام تصنيف الاضطرابات العقلية الذى يحرص على توحيده علماء النفس والطب النفسى فى أنحاء العالم .
من هنا تأتى أهمية الدراسة فى أنها استجابة لنداءات المتخصصين فى الاضطرابات العقلية والمهتمين بصحة الإنسان ورفاهيته النفسية . وتزداد أهمية الدراسة الحالية فى أنها تتبع منهجا فريدا فى تناول مشكلة الفروق الجنسية فى الاكتئاب – لم يسبقها إليه غيرها حسب علم الباحث – وهو
منهج الدراسة المستعرضة . Cross – Sectional Method إن استخدام هذا المنهج فى الدراسة الحالية يعنى دراسة الاكتئاب فى فئات عمرية متتابعة داخل مدى عمرى كبير مما يعطى الدراسة امتياز القدرة على الوصول إلى بدايات ظهور الفروق بين الجنسين فى الاكتئاب ودراسة تذبذبات ظهورها واختفائها – على فرض حدوث ذلك – مما يكون من شأنه إلقاء المزيد من الضوء على الموضوع من ناحية أسبابه أو العوامل والظروف المرتبطة
به ، سواء من ناحية العموم – أى ما ينطبق على كل المجتمعات – أو من الناحية الخاصة التى تنطبق فقط على المجتمع المصرى وغيره من المجتمعات المتشابهة معه فى المكونات الثقافية .
أهداف الدراسة
تهدف الدراسة إلى بحث الفروق بين الجنسين فى الاكتئاب باستخدام عينة مصرية سواء فى نسبة وجود الاضطراب أو فى درجته لدى الجنسين وذلك كامتداد لما بذل فى هذا الموضوع فى المجتمعات الأجنبية ، والنظر
فى مدى التشابه والاختلاف بين نتائج هذه الدراسة والدراسات الأجنبية. وبذلك ، فإن من ضمن أهداف الدراسة ، النظر فيما إذا كانت الفروق بين الجنسين فى الاكتئاب تمثل ظاهرة عامة تحدث فى كل المجتمعات ، أم أنها ظاهرة خاصة ترتبط بعوامل وأسباب ثقافية ، وتهدف الدراسة أيضاً إلى محاولة التعرف على بدايات ظهور الفروق بين الجنسين فى الاكتئاب وذلك بالتعرف على المرحلة العمرية التى تظهر فيها هذه الفروق ودراستها ودراسة مواصفاتها والعوامل المتصلة بها على أمل أن يؤدى هذا إلى الخروج بتوصيات من شأنها التقليل من تأثير هذه العوامل على درجة استهداف
المرأة للاكتئاب . كما أن الدراسة تهدف إلى تقرير ما إذا كانت الفروق
بين الجنسين فى الاكتئاب تقتضى تخصيص معايير خاصة لكل جنس على حدة ، تستخدم فى دراسة وتقييم أفراده، أما أن هذه الفروق سرعان ما
تختفى وبالتالى معايير واحدة تصلح لأفراد الجنسين .
مشكلة الدراسة
يزخر التراث النفسى الأجنبى بالدلائل العلمية التى تؤكد وجود الفروق بين الجنسين فى الاكتئاب ، سواء فى نسبة الإصابة به ، أو فى درجة شدته ، وذلك بأن المرأة أكثر عرضة من الرجل للإصابة بالاكتئاب ، وأنها تعانى قدرا أعلى منه بمقارنتها بالرجل .
وقد ذكرت العديد من التفسيرات لهذه الفروق الجنسية فى الاكتئاب ، منها البيولوجية والنفسية والاجتماعية ، وغير ذلك من التفسيرات . ولأن
كل الدراسات التى تناولت الموضوع كانت دراسات أجنبية ، فإن مشكلة الدراسة الحالية تتلخص فى محاولة التحقق مما توصلت إليه هذه الدراسات الأجنبية فى المجتمع المصرى وباستخدام عينات مصرية . علاوة على ذلك ، فإن جزء من مشكلة الدراسة يتصل بمعرفة متى تظهر هذه الفروق الجنسية فى الاكتئاب وما هى ملابساتها والعوامل المتصلة بها وذلك للعمل على الحيلولة دون حدوثها أو على الأقل التقليل من حدوثها لدى النساء .
وتتضمن مشكلة الدراسة أيضاً معرفة إلى متى تستمر هذه الفروق الجنسية فى الاكتئاب ومتى تختفى وما هى العوامل المتصلة بهذا الاختفاء .
بناء على ذلك تتلخص مشكلة الدراسة فى التساؤلات التالية :
1- هل هناك فرق فى نسبة الاكتئاب بين النساء والرجال فى العينة الكلية المدروسة .
2- هل هناك فرق فى درجة الاكتئاب بين النساء والرجال فى الفئات العمريه المدروسة ؟ وبالتالى هل يصل هذا الفرق إلى الدرجة التى تستدعى تخصيص معايير لأفراد كل جنس؟
3- هل هناك مرحلة عمرية معينة تظهر فيها الفروق بين الجنسين فى الاكتئاب وأخرى تختفى فيها هذه الفروق؟
تحديد المصطلحات
الاكتئاب
هناك تعريفات عديدة للاكتئاب تختلف باختلاف التصنيف
العام للاضطراب الذى يعتنقه الباحث ، والشائع فى وقت ما من الأوقات . وفى أحدث تصنيف ظهر فى مجال الاضطرابات العقلية والذى ظهر
فيما يعرف باسم الدليل التشخيصى ، والإحصائى الثالث للاضطرابات
العقلية The Diagnostic and Statistical Manual of Mental Disorders ( DSM – III, American Psychiatric Association, 1980 ) تم وضع الاكتئاب فى عائلة من الاضطرابات العقلية تعرف باسم الاضطرابات الوجدانية affective disorders وتنقسم هذه المجموعة من الاضطرابات إلى نوعين من الاضطرابات : اضطراب ثنائى bipolar disorder والذى يتصف بتناوب حالات من الهوس والاكتئاب ، والاضطراب الثانى اضطراب أحادى unipolar disorder ، وفيه لا تظهر إلا نوبات من الاكتئاب فقط .
وتبعاً لـ (DSM – III) فإن الأعراض الشائعة للاكتئاب تتضمن ما يلى :
فقدان الدافعية ، الحزن ، فقدان القدرة على التمتع ، انخفاض فى تقدير الذات وتحقيرها وشكاوى عضوية وصعوبات فى التركيز ، صعوبات فى النوم ، نقصان فى الوزن ( Spitzer; Skodol; Gibbon. & Williams 1981, p. 29 ) وسوف نستخدم فى هذا البحث تعريف بك ( Beck, 1967, p.6 ) للاكتئاب واضع المقياس الأصلى المستخدم فى البحث BDI وذلك لأنه لا يختلف عن تعريف الـ ( DSM – III ) والذى جاء بعده بحوالى عشر سنوات ، ويعرف بك الاكتئاب بأنه حالة تتضمن تغيرا محددا فى المزاج ، مثل الشعور بالحزن والوحدة واللامبالاة ، مفهوم سالب عن الذات مصاحب بتوبيخ للذات وتحقيرها ولومها ، رغبات فى عقاب الذات مع الرغبة فى الهروب والاختفاء والموت ، تغيرات فى النشاط كما تبدو فى صعوبة النوم وفقدان الشهية للطعام وتغيرات فى مستوى النشاط وخصوصا النقص فيه .
المكتئب :
يتعامل البحث الحالى مع عينات من المجتمع العام وليست مجموعات كلينيكية اتفاقا مع ويزمان و كليرمان و بيرن ( Weissman & klerman, 1979, p. 387; Byrne, 1981, p. 83 ) أن هذه الطريقة تعتبر أفضل فى دراسة الفروق بين الجنسين فى الاكتئاب من دراسة الموضوع باستخدام عينات كلينيكية وذلك لأن هذا يطوق أو يحول دون حدوث تحيزات فى
نسبة تواجد كلا الجنسين فى العينة ، لأن الدراسة سوف تتضمن أفراد بأعراض اكتئابية معلنة – سعت طلبا للعلاج – وغير معلنة ، لم تسع أو لم تصل بعد إلى أنظار القائمين على الخدمات النفسية . بالإضافة إلى ذلك ، فإن هناك من الشواهد التى تقترح أن العوامل التى تؤثر على الإفصاح عن الأعراض الاكتئابية الكلينيكية ، يوجد اصلها أو أساسها فى الاتجاهات الاستجابية لدى الأفراد غير المكتئبين . (Byrne, 1980, Cited In Byrne, 1981, p. 90 ) وفى هذه الدراسة فإن الفرد المكتئب هو الذى تتجاوز درجته على المقياس المستخدم المتوسط الحسابى لكل المفحوصين المشتركين فى الدراسة ، بالإضافة إلى الانحراف المعيارى ، أى (المتوسط + انحراف
معيارى واحد ) .
العرض النظرى والدراسات السابقة
فى هذا الجزء من الدراسة سوف نعرض للآراء المختلفة فى موضوع الفروق بين الجنسين فى الاكتئاب وخاصة الرأى المعارض والرأى المؤيد لوجود هذه الفروق .وسوف يكون عرضنا لكلا الرأيين مدعما بالأسانيد والحجج التى اعتمد عليها أصحاب كل رأى ، ثم ننتقل بعد ذلك إلى عرض مختصر للتفسيرات العديدة لهذه الفروق التى ذكرت فى الدراسات والأبحاث . وفى نهاية الجزء سوف نعرض لبعض الدراسات السابقة فى الموضوع.
من النتائج المألوفة فى دراسات انتشار الاضطرابات العقلية ، أن النساء أكثر عرضة للاضطرابات الوجدانية من الرجال ( Turns, 1978,
P. 9; Weissman & Klerman, 1979, p. 398; Nolen – Hoeksema, 1987, P. 259 ) ولأن الموضوع يتصل بالمرأة والرجل والفرق بينهما ، فكان طبيعيا أن يثار جدلا بين مؤيد ومعارض لوجود هذه الفروق .
وهناك عدة مصادر للشواهد والأدلة التى يستخدمها الباحثون فى مناقشة موضوع الفروق بين الجنسين فى الاكتئاب ، ومن أهم هذه الشواهد يذكر وايزمان و كليرمان الأربع التالية :
1- الملاحظات الكلينيكية للمرضى الذين يتقدمون طلبا للعلاج .
2- المسوح surveys المجتمعية للأفراد الذين لم يتقدموا للعلاج.
3- دراسات حالات الانتحار وحالات محاولات الانتحار .
4- دراسات للحالات التى تعانى من حزن شديد griefs أو الشعور بالحرمان أو الفقدان bereavement .
( Weissman & Klerman, 1979, p. 383 )
إلا أن المصدرين الأول والثانى يعتبران من أهم هذه المصادر ، والتى تكتفى بالإشارة إليها أغلب البحوث فى الموضوع .
وباستخدام المصدر الأول – الملاحظات الكلينيكية للمرضى العقليين الذين يتقدمون طلبا للعلاج – استعرض وايزمان و كليرمان عدة قوائم لدراسات عديدة تمت فى الولايات المتحدة والعديد من بلاد العالم وأوضحا بأن الدراسات فى اغلبها توضح تفوق المرأة على الرجل فى الاكتئاب وكان هذا التفوق يتراوح ما بين 1.1 : 1 و 6.7 : 1 نساء : رجال . ( Weissman & Klerman, 1979, PP. 385-387 ) وقامت نولين هوكسيما أيضاً بعرض قوائم لعدة دراسات اعتمدت على ملاحظات ومشاهدات كلينيكية لأفراد تقدموا للعلاج فعلاً من الاكتئاب وأوضحت أن أغلب النسب التى ذكرت فى سبع دراسات قد أوضحت أن التشخيص بالاكتئاب كان عاليا لدى النساء بالمقارنة بما أعطى للرجال وذلك بدرجة دالة إحصائياً ، ووصل متوسط نسب النساء إلى الرجال إلى 1.95 : 1 ، وعندما استخدمت الباحثة مقياس “ت” لقياس دلالة الفروق وجدت أن الفرق دال عند مستوى 01, ( ت = 3.26) (Nolen – Hoeksema, 1987, p. 261).
أما بالنسبة للمصدر الثانى لدراسة الفروق بين الجنسين فى الاكتئاب وهو المسوح المجتمعية فإن أغلب الباحثين يتفقون على أنه أفضل بكثير من المصدر السابق ( الملاحظات الكلينيكية لمرضى حقيقيين بالاكتئاب )
( Weissman & Klerman, 1979, P. 385; Byrne, 1981, p. 83; Nolen – Hoeksema, 1987, P. 262 ) . إذ يرى هؤلاء أن النسب المستمدة من الملاحظات الكلينيكية تعتبر أقل من الواقع ، وعرضة للتغير والاختلاف تبعاً لإمكانيات العلاج واستعدادات الأفراد للسعى للعلاج وفى إمكانية توفير العلاج وغير ذلك من العوامل المتصلة بتوافر الخدمات الطبية . (Weissman & Klerman, 1979, p. 385)
وترى نولين هوكسيما أن عدد الحالات التى يتم علاجها من الاكتئاب لا تمثل المعدل الحقيقى للاضطراب فى المجتمع ، ذلك لأن أغلب الحالات التى تعالج تكون من النوع الشديد فقط ، أو تكون لحالات أصبحت خطراً على المحيطين ، فيلجأون إلى إدخالهم المصحات العقلية ، وبعض من هذه الحالات المرضية تكون من الطبقات المرتفعة اجتماعياً واقتصادياً والقادرة فعلاً على نفقات العلاج.
(Wing, 1976, Cited In Nolen – Hoeksema, 1987, p. 262).
وترى نولين هوكسيما أيضاً أنه عندما يتم الاعتماد على التشخيص السيكياترى ، فإن الذاتية فى تطبيق محكات التشخيص من طبيب إلى آخر ومن بلد لآخر يمكن أن تلوث وتحرف من النتائج .
ويتضمن المصدر الثانى دراسة مدى انتشار اضطراب
الاكتئاب epidemical فى المجتمع العام . وباستخدام هذا المصدر يتم الحصول على بيانات مسحوبة من مسوح surveys من المجتمع العام ، متضمنة عينات عشوائية مختارة من المجتمع الكلى ، لذلك فإن هذا النوع
من الدراسات يمدنا بالمعلومات عن أشخاص عاديين ، وآخرين يعانون فعلاً من الاضطراب ولكنهم لم يتقدموا بعد طلبا للعلاج.
ولقد استعرض وايزمان و كليرمان قائمة للعديد من الدراسات التى استخدمت هذا المصدر لجمع المعلومات عن موضوع الفروق بين الجنسين فى الاكتئاب ، تمت فى أمريكا والعديد من بلاد العالم ، وأظهرت نتائج الدراسات المشار إليها فى القائمة بأنه وبدون أى استثناء فإن المرأة تفوقت على الرجل فى نسبة الاكتئاب .
(Weissman & Klerman, 1979, p. 388)
أما نولين هوكسيما فلقد استعرضت إحدى عشرة دراسة استخدمت طريقة الدراسات المسحية للاكتئاب فى المجتمع العام وأظهرت أغلب الدراسات أن الاكتئاب يوجد وبدرجة مرتفعة لدى النساء بالمقارنة بالرجال ، وكانت نسبة النساء إلى الرجال فى الاكتئاب 1.8 : 1 نساء : رجال
ومتوسط نسبة النساء إلى الرجال للدراسات التى استعرضتها الباحثة
كان 1.62 “ت” = 6.82 والفرق دال عند 0.01 .
وتلخيصاً لنتائج الدراسات السابقة سواء منها ما أعتمد على الملاحظات الكلينيكية للمكتئبين الذين تقدموا للعلاج فعلا أو تلك التى اعتمد على المسوح المجتمعية لعينات من المجتمع العام فإن النتائج والشواهد تؤكد تفوق النساء على الرجال فى الاكتئاب .
وتنقسم التفسيرات التى عرضت للفروق بين الجنسين فى الاكتئاب إلى قسمين رئيسيين يمثلان رأيين متعارضين ، فالرأى الأول يرى أصحابه أن هذه الفروق الجنسية فى الاكتئاب ما هى إلا فروق مصطنعة مرجعها إدراك النساء لضغوط وتغيرات الحياة واستجاباتهن العاطفية الانفعالية لهذه
الضغوط ، وإلى استعدادهن للإفصاح والاعتراف بأعراضهن الوجدانية ، وإلى زيادة نسبة النساء-بالنسبة للرجال – اللاتى يذهبن إلى الأطباء والعيادات الطبية طلبا لأنواع المساعدة الطبية المختلفة .
أما أصحاب الرأى الآخر ، فإنهم يرون أن الفروق بين الجنسين فى الاكتئاب تمثل ظاهرة حقيقية يرجعونها إلى الحساسية البيولوجية للمرأة والتى ترجع إلى اختلافات أو فروق بيولوجية أو هرمونية أو إلى أسباب اجتماعية – مثل التفرقة الأزلية بين الجنسين -أو إلى أسباب نفسية أو إلى التغيرات الحديثة فى دور المرأة فى المجتمع .
وسوف نعرض لكلا الرأيين بشئ من الاختصار مشيرين إلى بعض الدراسات التى استخدمت فى تعضيد رأى أو تفنيد الرأى الآخر . وسوف نبدأ بالتفسير الذى يعارض وجود هذه الفروق ، ثم نتلو ذلك بالرد عليه من أصحاب الفريق المؤيد لوجودها .
يذهب التفسير الأول ، الذى يرى أصحابه بأن الفروق الجنسية فى الاكتئاب فروق مصطنعة artifact أو زائفة إلى أن هذه الفروق ترجع إلى الفروق بين الجنسين فى الدخل income وليس فى النوع gender ويذهب أصحاب هذا التفسير إلى أن كل الدلائل تشير إلى أن دخل المرأة دائماً أقل من دخل الرجل وأن المرأة أيضاً لا تحصل على ما يحصل عليه الرجل من
تعليم ، وعلى هذا فإن الفروق بين النساء والرجال فى الاكتئاب إنما تعود إلى فروق فى المكانات الاجتماعية والاقتصادية لكل منهما .
ولقد أراد بعض الباحثين مثل رادلوف و أنسيل التأكد من الفرض السابق (Radloff, 1975; Ensel, 1982, Cited In Nolen – Hoeksema, 1987, P. 265) وذلك بمقارنة متوسطات النساء والرجال على مقياس للاكتئاب بعد أن تم ضبط عوامل مستوى الدخل ومستوى التعليم والوظيفة . وظهرت النتائج فى كلا الدراستين تؤكد بأن المرأة ظلت تحصل على
متوسط أعلى فى الاكتئاب من الرجل بعد ضبط العوامل السابقة المتصلة بالمستوى الاقتصادى الاجتماعى وأكدت هذه النتائج أن الفروق الملاحظة
بين الجنسين فى الاكتئاب لا يمكن إرجاعها إلى فروق فى المستويات الاجتماعية والاقتصادية.
أما التفسير الثانى والذى يرى أصحابه أن الفروق الجنسية فى الاكتئاب فروق مصطنعه أو زائفة ، فإنه يذهب إلى أن هذه الفروق مرجعها التحريف فى التعبير أو الإفصاح عن الاكتئاب reporting biases . بمعنى أن الفروق الجنسية فى الاكتئاب إنما تنتج من عدم استعداد الرجال
للاعتراف بالأعراض الاكتئابية أو السعى طلبا للمساعدة منها ( Padesky & Hammen, 1977, Phillips, & Segal, 1969. Cited In Nolen – Hoeksema, 1987, p. 266 ) ويرى أصحاب هذا التفسير أن كلا من
النساء والرجال يخبرون مشاعر اكتئابية بطريقة متساوية لا خلاف
فيها وبنفس الدرجة ، لكن ولأن الأعراض أو المشاعر الاكتئابية تدرك أو ينظر إليها على أنها مرتبطة بالأنوثة ، فإن الرجال يكونون أقل استعداد للاعتراف بها .
وقد فشلت العديد من الدراسات التى حاولت التحقق من الافتراض السابق ، ومن بينها دراسة كنج و بتشوولد (King & Buchwald, 1982, Cited In Nolen – Hoeksema, 1987, p. 266) والتى تنبأت بأنه إذا كان هذا الفرض صحيحاً فإن الرجال سوف يكونون أقل استعدادا من النساء
فى الكشف والاعتراف باعراضهم الاكتئابية أمام الآخرين ( مثلما يحدث مثلاً مع الباحثين القائمين بالمقابلة للحصول على مثل هذه المعلومات ) ، أما الفروق الجنسية فى الكشف والاعتراف بهذه الأعراض وبناء على الفرض السابق ، فلابد أن تظهر فى المواقف الخاصة private ( كما يحدث فى الاستجابة غير المعنونة أو التى لا تتطلب من المفحوص ذكر بياناته الشخصية anonymous ) .
وقد وجد الباحثان ، أن الرجال ليسوا اقل من النساء رغبة فى الكشف أو المصارحة أمام الآخرين بأعراضهم أو مشاعرهم الإكتئابية ، وأن كلا الجنسين لم يكونا أقل رغبة فى الكشف عن أعراضهم أو شكواهم أمام الآخرين بالمقارنة بالمواقف الانفرادية أو الشخصية .
ويرى أصحاب هذا التفسير أيضاً أن ذهاب النساء إلى
الأطباء والعيادات الطبية بتكرار أكثر من الرجال يضخم من نسبة النساء
إلى الرجال فى الاكتئاب أيضاً . ففى المجتمع الحديث يسود اعتقاد بأن
( دور المريض ) أو الدور المرضى ، يفسر بواسطة الرجال كعلامة على الضعف (Weissman & Klerman, 1979, p. 394) إلا أن الفرض الذى يقوم عليه هذا التفسير لم يتدعم بالدراسات التى حاولت التحقق من صحته . فالنساء حقيقة يذهبن أكثر سعياً وراء العلاج الطبى ( Faden, 1977, Cited In Nolen – Hoeksema, 1987, p. 266 ) وبينما أشار باديسكى و هامين
( Padesky & Hammen, 1977, Cited in Nolen- -Hoeksema, 1987, P. 266 ) إلى أنه بدراستهم لمجموعة من طلاب الجامعة ، وجدوا أن النساء يسعين طلباً للعلاج النفسى من مستوى من الاكتئاب يكون أقل من ذلك الذى يدفع الرجال إلى طلب نفس نوع المساعدة، إلا أن دراستين أخرتين للسلوك الفعلى لطلب العلاج قد أظهرتا أنه لا توجد فروق بين الجنسين فى شدة الاكتئاب الذى دفع أفراد كل جنس إلى طلب العلاج .
( phillips & Segal,1969, Cited In Nolen – Hoeksema, 1987,
P. 266 ; Amenson & Lewinsohn, 1981, p. 10 )
وباختصار فإن الفرض الذى يذهب إلى أن الانخفاض فى نسبة إصابة الرجال إلى النساء بالاكتئاب إنما يرجع إلى عدم استعداد الرجال للاعتراف بأعراضهم الاكتئابية ، لم يدعم بشكل كاف ، فالرجال يكشفون ويعترفون بأعراضهم ومشاعرهم الاكتئابية ويسعون طلبا للعلاج من نفس مستوى او شدة الاكتئاب الذى يدفع النساء للاعتراف به والسعى طلبا للعلاج منه .
ويرى أصحاب التفسير الثالث فى اصطناعية الفروق بين الجنسين فى الاكتئاب وعدم وجودها حقيقة إلى أن المرأة تدرك وتعترف وتصرح ، وتسعى فى طلب المساعدة فى حالة الضغوط وفى حالة وجود أى مشاكل بطريقة تختلف عن الرجل ، وأن هذه العوامل السابقة هى التى تقف وراء الفروق الجنسية فى الاكتئاب أو بمعنى آخر فإن أصحاب هذا التفسير يرون أن نمط الاستجابة وعمليات وصفية أو تمييزية بين النساء والرجال هى التى تقف وراء تضخيم نسبة النساء فى الاكتئاب ( Weissman & Klerman, 1979, p. 392 ) ولكن هل النساء فعلا يقعن تحت ضغوط أكثر من
الرجال ، وبالتالى فهن عرضة أكثر للاكتئاب ؟ الواقع أن العديد من الدراسات وخاصة التى قام بها هولمز و راه (Holmes & Rahe, 1967, Cited In Weissman & Klerman, 1979, p. 393 ) للتحقق من الفرض الذى يذهب إلى وجود علاقة بين حوادث الحياة الضاغطة ، وبداية وشدة العديد من الأمراض الطبية والاضطرابات العقلية وخاصة الاكتئاب ، أن هذه
الدراسات لم تظهر فروقاً بين الجنسين فى مقدار ما أعلنه أفراد كل جنس
من ضغوط حياتية ، أى أن كلا الجنسين أعلن نفس القدر من الضغوط وبالتالى لم تثبت صحة الفرض السابق.
أما أصحاب التفسير الرابع والذى يرى أصحابه ان الفروق الجنسية فى الاكتئاب فروق مصطنعة فإنهم يرجعون هذه الفروق إلى نوعية الأعراض kinds of symptoms وتبعاً لهذا التفسير فإن كلا من النساء والرجال معرضون بالتساوى للمشاعر الاكتئابية والأعراض الاكتئابية ، إلا أن الاكتئاب لدى الرجال يأخذ شكل التعبير الصريح الواضح الفعلى acting out بدلا من أعراض الحزن السلبية ، البكاء ، والتى تمثل الأعراض الشائعة للاكتئاب والتى تغطيها المقاييس المستخدمة لقياس هذا الاضطراب (Nolen – Hoeksema, 1987, p. 266) وبشكل أكثر تحديدا فإن أصحاب هذا التفسير يرون أن ما يساوى أو يعادل الاكتئاب فى النساء لدى الرجال هو إدمان الرجال للخمر . (Winokur & Clayton 1967, Cited In Nolen – Hoeksema, 1987, p. 267) ويدلل أصحاب هذا التفسير على رأيهم بأنه قد تم تشخيص عدد من الرجال يساوى ضعف عدد النساء كحالات إدمان خمر ( Williams & Spitzer, 1973 ) (فى المرجع السابق) ويقترحون بأن نسبة مدمنى الخمر من الرجال تعوّض غياب الاكتئاب لديهم أو انخفاض نسبته بينهم . ويدعمون رأيهم ، بأنه فى المجتمعات التى تحرم الخمر مثل مجتمع الآميش Amish ، لم توجد فروق بين الجنسين فى الاكتئاب . كما أن العديد من الدراسات قد أشارت إلى وجود أعراض اكتئابية عديدة لدى مدمنى الخمر من الرجال . وقد دفع كل هذا بأصحاب هذا التفسير إلى القول ، بأن الاكتئاب وإدمان الخمر مرتبطان وراثياً ببعضهما ، مع ارتباط المظاهر الاكتئابية بكروموسومات النساء وارتباط إدمان الخمر بكروموسومات الرجال
( Winokur & Clayton, 1971, Cited In Nolen – Hoeksema, 1987, P. 267 ) ويرى أصحاب هذا التفسير أيضاً ، أن كلاً من الاكتئاب وإدمان الخمر اضطرابين مختلفين ولكنهما متكافئين ، فالنساء تصاب بالاكتئاب ، أما الرجال فإنهم يترددون فى الاعتراف بأنهم مكتئبون ، ويترددون أيضاً ، فى طلب المساعدة ، ويتخففون mitigate من هذه المشاعر الاكتئابية بإدمان الخمر ، فإنهم بذلك يقومون بعلاج أنفسهم بأنفسهم .
ويرى وينوكر و كلايتون أن العوامل البيئية ربما تجعل من الصعب على النساء أن يشربن الخمر ، أو أن يشربن الخمر بكثافة مثلما يفعل الرجال. ويريا بأن كلا من الاكتئاب وإدمان الخمر يعتبران وسيلتين مختلفتين للتعبير عن اضطراب واحد ( Weissman & Klerman, 1979, p. 395) .
ويشير أصحاب هذا التفسير للفروق الجنسية فى الاكتئاب ، بأن
العديد من الرجال الذين تم علاجهم من إدمان الخمر ، قد أظهروا أعراضا اكتئابية . كما أن العديد من الدراسات أظهرت أن الأعراض الاكتئابية
عادة ما تتواجد لدى المدمنين وبدرجات تتفاوت ما بين 35% و 53%
( Ibid., p.396 )
إلا أنه يرد على أصحاب هذا التفسير بالشواهد العديدة التى أوضحت أن الاكتئاب يمكن أن يكون نتيجة للإدمان ، كما أنه أيضاً يمكن أن يكون سببا له . فقد وجد باتى ونصر الله ( Petty & Nasrallah, 1981,Cited In Nolen – Hoeksema, 1987, P. 267 ) أن هناك اتجاها قويا لأن يتلو الاكتئاب مباشرة حالات إدمان الخمر وخاصة بالنسبة للرجال ، وذلك أكثر من أن يتلو إدمان الخمر ظهور الأعراض الاكتئابية . وأشار الباحثان إلى أن اكتئاب الرجال من مدمنى الخمر غالباً ما يرجع إلى التأثير السام لإدمانهم الخمر بطريقة مزمنة .
ويرى أصحاب هذا التفسير أيضاً – والذى يعتمد على نوعية الأعراض- بأن المرأة تتفوق فى مدى ظهورها طلبا للرعاية الصحية – فى النظام الصحى – بينما يتفوق الرجل عليها فى ظهوره فى النظام القانونى والعقابى . أى لأن الأعراض أو المشاعر الاكتئابية لدى الرجال تأخذ شكل الفعل أو التنفيذ acting out فإنه يفترض أن المكتئبين من الرجال يظهرون فى المحاكم وفى المؤسسات العقابية أكثر من ظهورهم فى المستشفيات أو العيادات. فالرجال المكتئبين ربما يشربون أو يدمنون الخمر ، ويتورطون
فى شجارات وينتهى الأمر بهم إلى المحاكم ثم السجون ( Weissman & Klerman, 1979, p. 397 ) وقد أوضح مازير (Ibid.) (Mazer, 1974) أن الرجال والصبية المراهقين كانوا أكثر ميلاً للتعبير عن ضغوطهم الانفعالية بالتورط مع المؤسسات القانونية والعقابية أكثر من ظهورهم فى العيادات الطبية .
ويمكن الاستفادة من عرض التفسيرات السابقة فى تلخيص الشواهد التى تؤكد تفوق المرأة على الرجل فى الاكتئاب فى النقاط التالية :
1- أن النساء لا يتعرضن لمواقف حياتية ضاغطة أكثر من الرجال كما أنهن لا يقمن بتقييم المواقف الحياتية الضاغطة بطريقة أكثر مبالغة مما يفعل الرجال .
2- بينما يعرف أن النساء لديهن أعراض وآلام ومشاكل انفعالية بدرجة أكثر من الرجال ، إلا أن هذا ليس سببا فى أنهن يشعرن بدرجة أقل من الوصمة بالاكتئاب stigma لإفصاحهن عن هذه الأعراض ، أو لأنهن يتمنين الحصول على استحسان من القائم بالمقابلة التشخيصية.
3- أن النساء والرجال يختلفون فى طرق طلب المساعدة ، فالنساء
يذهبن للأطباء والعيادات الطبية بدرجة أكثر من الرجال بسبب الأمراض ،سواء كانت بسيطة أو خطرة ، وليس فقط بسبب الاضطرابات النفسية .
4- على وجه العموم ، فإن النساء لا يتورطن فى صعوبات مع القانون سواء نتيجة لمشاكل نفسية أو غير ذلك .
5- بينما يؤدى ميل النساء للذهاب إلى مراكز العلاج الطبية إلى تضخيم نسبتهن فى حالات الاكتئاب التى يتم علاجها ، فإن الزيادة فى استفادة المرأة من الخدمات الطبية لا تؤدى إلى تفوقها فى الاكتئاب فى الدراسات التى تعتمد على المسح الاجتماعى لأن الحالات التى يتضمنها المسح الاجتماعى لا تكون تحت العلاج الكلينيكى سواء وقت تطبيق البحث أو قبل تطبيقه.
6- ليس هناك أى شك فى أن هناك نسبة أكبر من الرجال بالمقارنة بالنساء يدمنون الخمر ، لذلك فإن نسبة غير معروفة من المكتئبين من الرجال يظهرون فى نسبة المدمنين ، ولا يتم التعامل معهم كمكتئبين ، ولكن لا يزال الخلاف قائماً حول ما إذا كان هؤلاء الرجال يمكن اعتبارهم أو لا يمكن اعتبارهم مكتئبين حقيقيين.
7- ينطبق نفس الشئ على المكتئبين من الرجال الذين يتورطون مع القانون والنظام العقابى وعلى الرغم من أن الافتراض بأن بعضهم مكتئب افتراض قائم ، إلا أن هذا الافتراض لم يتم التحقق منه بعد .
وعندما توضع كل النتائج السابقة فى الاعتبار فإن الخلاصة تكون أن تفوق المرأة فى الاكتئاب عن الرجل ليس تفوقا زائفاً أو اصطناعياً ، إنما
هو حقيقة مؤكدة (Weissman & Klerman, 1979, p. 398; Nolen – Hoeksema, 1987, p. 267) وإذا كان الأمر كذلك فما تفسير هذه الفروق بين الجنسين فى الاكتئاب ؟
هناك عدة تفسيرات تم طرحها للفروق بين الجنسين فى الاكتئاب ، ويمكن وضع هذه التفسيرات فى فئات ثلاث . تقوم الفئة الأولى من التفسيرات على أساس الخصائص البيولوجية الهرمونية التى تختص بها النساء وتجعلهن أكثر حساسية للعديد من الاضطرابات العقلية وفى مقدمتها الاكتئاب . أما الفئة الثانية من التفسيرات فتقوم على معطيات التحليل النفسى فيما يتعلق بالنمو النفسى – جنسى للمرأة ، وكيف أن هذا النمو يؤهلها بدرجة أكبر للإصابة بهذا الاضطراب . أما الفئة الثالثة فهى تفسيرات ذات أساس نفسى – اجتماعى تركز على تخلف المكانة الاجتماعية للمرأة وعلى الأدوار الاجتماعية الجنسية sex roles وما تتركه من آثار فى حياة كل من الجنسين.
وفى هذا الجزء من الدراسة سوف نتناول كل فئة من هذه الفئات الثلاث من التفسيرات باختصار .
بالنسبة للتفسيرات البيولوجية للاكتئاب فقد احتلت كثيراً من اهتمام الباحثين فى جميع المجالات ، كما تم إجراء العديد من الأبحاث حول الأساس البيولوجى الهرمونى للفروق الجنسية فى الاكتئاب . وتقوم مجموعة التفسيرات البيولوجية على النتائج التى توصلت إليها دراسات شيوع وانتشار اضطراب الاكتئاب والتى أوضحت أن الفروق بين الجنسين فى الاكتئاب – بتفوق المرأة- هى فروق عالمية ، بمعنى أنها توجد فى كل الثقافات ، وهذا يعنى أن زيادة حساسية أو استهداف المرأة للاكتئاب يرجع إلى خصائص بيولوجية تختص بها المرأة ككائن حى فى كل مكان .
وقد تم عرض مجموعتين من التفسيرات البيولوجية للفروق بين الجنسين فى الاكتئاب ، يقوم التفسير الأول على أساس الشواهد التى توضح أن المرأة معدة أو مهيئة للاكتئاب ، أو تكون عرضة للإصابة به فى فترات معينة من حياتها ترتبط بوجود تغيرات فى مستويات الهرمونات وخاصة هرمونى الاستروجين estrogen والبروجستيرون progesterone وغيرهما من الهرمونات ( Rohrbaugh, 1979, Cited In Nolen – Hoeksema, 1987, p. 267) ويقوم التفسير البيولوجى الثانى للفروق بين الجنسين فى الاكتئاب على أساس إرجاع ارتفاع معدل الاكتئاب لدى النساء إلى وجود استعدادات وراثية لديهن للإصابة بهذا الاضطراب ، وتبعاً لهذا التفسير فإن المرأة تعتبر أكثر قابلية وعرضة لأن ترث الاضطراب لأن الخلل الوراثى الذى يؤدى إليه مرتبطاً بطريقة ما بالكروموسوم × والذى يحدد الجنس. (Nolen -Hoeksema, 1987, p. 267)..
وبالنسبة للتفسير البيولوجى الذى يقوم على أن المسئول عن ارتفاع معدل إصابة النساء بالاكتئاب بالمقارنة بالرجال إنما يعود إلى حدوث تغيرات فى مستويات هرمونات المرأة فى فترات معينة فى حياتها ، فإن أصحاب هذا التفسير يؤسسون آرائهم على أساس ما هو شائع ومعروف من أن حدوث تغيرات فى مستويات الهرمونات يؤثر بشكل واضح على الحالة المزاجية للإنسان ، ولأن المرأة تتعرض لحالات عديدة ، تتغير فيها مستويات هرموناتها – مرحلة ما قبل مجئ الطمث الشهرى ، مرحلة ما بعد الولادة ، مرحلة الانقطاع النهائى للطمث – فإنها تعتبر أكثر عرضة من الرجل للتقلبات المزاجية .
ويرى أصحاب هذا التفسير أنه إذا كانت النساء على وجه العموم يخبرن مشاعر اكتئابية خلال الفترات التى عرف عنها بحدوث تقلبات وتغيرات فى مستويات إفرازات الهرمونات فإن هذا يوحى بأن قابليتهن أو حساسيتهن الشديدة للاكتئاب ربما تكون نتيجة للتأثيرات السلبية للتغيرات الهرمونية أو لعدم الاتزان الهرمونى على الناحية المزاجية .
والواقع أن الدراسات لم تدعم هذا التفسير البيولوجى ، فبالنسبة لما كان يعرف باسم اكتئاب سن اليأس والذى تم ذكره فى العديد من المراجع والتصنيفات المتعارف عليها دولياً منها (DSM-II DSM-I,). والذى كان مرتبطاً بفترة الانقطاع النهائى للحيض عند النساء ، تم إهماله تماماً فى الوقت الحاضر ( غريب ، 1985). ( Rosenthal, 1968; Winokur, 1973; Adelstein et al, 1964; Juel – Neilson et al, 1961 Mckinlay & Jaffrey, 1974, Cited In Weissman, & Klerman, 1979, p. 404 )
ونتيجة لذلك ، فقد تم حذف اكتئاب سن اليأس involutional melancholia من التصنيفات الحديثة للاضطرابات العقلية وفى مقدمتها (DSM-III) وذلك كرد فعل لانعدام وجود دلائل على وجوده ، بل لقد ظهر العكس أن مستويات المشاعر والأعراض الاكتئابية المعلن عنها من النساء تنخفض بعد الانقطاع النهائى للطمث (غريب ، 1985) (Frieze, et al, 1978, Cited In Nolen-Hoeksema, 1987, p. 267) .
وبالنسبة للمشاعر والأعراض الاكتئابية التى تلى عملية الولادة مباشرة فهى تقدر بحوالى 30% – 60% من الحالات ،إلا أن الغالبية
العظمى من النساء اللاتى يخبرن هذه المشاعر والأعراض يتم شفائهن تماما منها خلال يوم واحد ( Pitt,1973, Cited In Nolen-Hoeksema, 1987,
P. 268 ) أوهارا وزملاؤه وأتكسون وريكل ( O’Hara, et al, 1982; Atkinson & Rickel, 1984 Cited In Nolen-Hoeksema, 1987,
P. 268 ) إن أغلب النساء اللاتى يبقين مكتئبات لعدة أسابيع بعد الولادة كن بالفعل مكتئبات قبل الولادة .ولأن من المعروف أن مستويات الهرمونات تختلف فى فترة الحمل – ما قبل الولادة – عنها فى فترة ما بعد الولادة
فإن هذه النتائج تعارض التفسير البيولوجى القائم على تأثير التغير والاختلاف فى مستويات الهرمونات على وجود الاكتئاب لدى النساء ، لأنه رغم تغير هذه المستويات فى فترة ما قبل الولادة وما بعد الولادة ، فإن النتيجة ظلت واحدة بالنسبة لهؤلاء النساء وهى الاكتئاب .
أما فيما يتعلق بظهور مشاعر وأعراض اكتئابية فى فترة ما قبل مجئ الطمث الشهرى ، فقد أشارت بعض الدراسات إلى أن نسبة حدوث هذه المشاعر والأعراض لدى النساء تراوحت ما بين 90% – 100%
( Jonowsky, et al, 1967; Sherman, 1971, Cited In Nolen – Hoeksema, 1987, P. 268 ) وفى بعض الدراسات الحديثة ، تراوحت هذه النسبة ما بين 43% – 52% . ويمكن بناء على ذلك أن نتوقع أن هذه النسبة تكون مسئولة عن ارتفاع عدد النساء إلى الرجال فى الاكتئاب فى أى عينة يتم دراستها .
وقد أوضحت نتائج الدراسات التى تصدت للتحقق من الفرض السابق، أن تسجيلات النساء اليومية لحالتهن المزاجية أثناء الطمث لا تختلف عنها فى فترة ما بعد الطمث وحيث أوضح ( Abplana,et al, 1979 ) أن الفروق الجنسية فى الاكتئاب لا يمكن إرجاعها إلى تغيرات مزاجية تحدث أثناء فترة الطمث . ويرى بياج وزملاؤه و فرايز ( Paige et al, 1971; Frieze, 1978, Cited In Nolen-Hoeksema, 1987, p. 268 )
أنه حتى فى المجتمعات المتقدمة ، نجد أن الاتجاهات الاجتماعية نحو الطمث لا تزال سالبة ، فإنه ينتظر من المرأة المحيضة أن تخفى كل علامات تدفق طمثها ، كما أن التحريم المفروض على العلاقات الجنسية أثناء
الطمث يشكل عاملاً آخر تجاه طمث النساء . إنه من الممكن بناء على ذلك وعلى التوقعات السالبة للمرأة نحو حالتها المزاجية خلال فترة ما قبل المحيض وخلال المحيض ذاته ، أن تعبر عن خوفها أو حساسيتها تجاه العواقب الاجتماعية غير المستحبة تجاه هاتين الفترتين . وبالتالى فإن الارتفاع فى القلق والاكتئاب لدى النساء خلال فترتى ما قبل الطمث وخلالها ربما تكون رد فعل نفسى للنواتج الاجتماعية السلبية للطمث وللمشاعر الفسيولوجية غير المريحة للطمث ذاته وليس كنتيجة مباشرة لأى تغيرات أو تقلبات بيولوجية .
وتعليقاً على التفسير البيولوجى الأول والذى يرجع الفروق بين الجنسين فى الاكتئاب إلى التغيرات فى المستويات الهرمونية لدى المرأة ، نجد أن هذا التفسير لم يتم دعمه ، فإن الشواهد تدل على أن تأثيرات
التغيرات أو التقلبات البيولوجية فى مستويات الهرمونات على الاكتئاب لدى النساء تأتى بطريقة غير مباشرة وبالتالى تكون عرضة لتفسيرات متعددة ومتغيرة ، ويكون من الممكن معارضتها بعدد مساو من الشواهد والدعائم . إلا أن هذا لا يعنى أيضاً إنكار الدور الذى يمكن أن تلعبه التقلبات
البيولوجية لدى النساء فى حالاتهن المزاجية ، وذلك لأن نتائج الدراسات حول هذه التفسيرات لا زالت غير متفقة .
أما بالنسبة للتفسير البيولوجى الثانى للفروق بين الجنسين فى الاكتئاب فإنه يرجع زيادة معدل الاكتئاب لدى النساء بالمقارنة بالرجال إلى زيادة طبيعية فى الحساسية للاكتئاب تختص بها النساء دون الرجال ، ويقوم هذا التفسير على بعض الشواهد التى تؤكد أن الاضطرابات الوجدانية تنتشر فى عائلات بعينها ( Nolen-Hoeksema, 1987, p. 270) إن وجود الاكتئاب بوصفه أحد الاضطرابات الوجدانية فى عائلات بعينها يمكن أن يشير إلى وجود عوامل وراثية . ولقد وجد الين (Allen, 1976) فى دراسته للاضطرابات الوجدانية باستخدام التوائم ، أن متوسط حدوث الاضطرابات الوجدانية وخاصة الاكتئاب الأحادى 11% بالنسبة للتوائم المتشابهة ،
بينما وصل المتوسط بالنسبة للتوائم المتطابقة إلى 40% وتوضح هذه النتيجة احتمال وجود نوع ما من الانتقال الوراثى فى حدوث اضطراب الاكتئاب . كذلك أوضحت بعض الدراسات (Gershon et al, 1971; Klerman & Barrett, 1973, Slater and Cowie, 1971, Cited In Weissman, & Klerman, 1979, p. 398 ) ازدياد نسبة الخطر بالإصابة بالاضطرابات الوجدانية لدى الأقارب من الدرجة الأولى للمرضى بها بالمقارنة بأفراد المجتمع العام . وأحد التفسيرات المحتملة لهذه الظاهرة ، وجود خلل فى أحد جينات الكروموسوم × (Perris, 1966; Winokur, & Tanna, 1969, Cited In Nolen-Hoeksema, 1987, p. 270) ولأن الإناث يحملن زوجا من هذا الكروموسوم بينما يحمل الرجال واحد فقط ، فإن هذا يجعل الإناث أكثر عرضه للاكتئاب من الرجال .
وقد حاولت العديد من الدراسات التحقق من صحة هذا الافتراض. ومن هذه الدراسات تلك التى سعت إلى فحص انتقال الاضطرابات الوجدانية من الآباء إلى الأبناء ، ونظرت فيما إذا كان الأب يحمل الجين المختل mutant gene فى كروموسومه X ويعانى أو يظهر لديه اضطراب وجدانى ، هل كل أبنائه الإناث يحملن هذا الجين ؟ وذلك لأن الأب دائماً يعطى أبنائه الإناث كروموسوم X ، فلابد أذن أن يحمل كل أبنائه الإناث هذا الكروموسوم المختل. وأيضاً هل كل أبنائه الذكور لا يحملون هذا الجين المختل ؟! وذلك لأن الأب دائماً يعطى أبناءه الذكور كروموسوم Y وعلى ذلك لا يجب أن يحمل أى منهم هذا الجين المختل . أما إذا كانت الأم هى التى تحمل الجين المختل فى أحد كروموسوماتها ( وكلاهما X ) فإن كل أبنائها الذكور والإناث سوف تكون لديهم فرص متساوية لحمل هذا الجين المختل .
وباختصار ، إذا كان هناك ارتباط بين الاضطرابات الوجدانية ، وبين الخلل فى أحد جينات الكروموسوم X ، فأننا لابد أن نشاهد أزواجاً من الآباء والبنات مصابين بالاضطراب ولا نشاهد أزواجاً من الآباء والأبناء الذكور مصابين بالاضطراب ، وأيضاً لابد أن نشاهد أعداداً متساوية من الأزواج الأم والابنة والأم والابن .
وقد أوضحت أغلب دراسات تاريخ الأسر التى تصدت للتحقق من هذا الفرض ، أن هناك أزواجاً أكثر من الأب والابن فى الاضطراب الوجدانى ، وهذا يتعارض مع الفرض السابق (Fler, et al, 1984; Green et al, 1973, Cited In Nolen-Hoeksema, 1987, p. 270 )
وترى بعض الدراسات الحديثة أنه من غير المتوقع أن تنتج أغلب الاضطرابات العقلية من شذوذ كروموسومى رئيس ، لكنها نتيجة تجميع لاضطرابات وراثية بسيطة تتفاعل مع متغيرات بيئية وتجعل الفرد عرضة للإصابة بالاضطراب . ( Cloniger, et al, 1978., Kidd & Spence, 1976, Cited In Nolen-Hoeksema, 1987, p. 270)
وقد اقترح كلونجر وزملاؤه أن يتم تجميع كل العوامل الوراثية والأسرية التى تؤثر فى مدى قابلية الفرد لاضطراب معين تحت لفظ القابلية liability وقالوا أيضاً بأن الأفراد الذين تزيد قابليتهم عن عتبة threshold معينة سوف يظهرون الاضطراب ، فإذا أظهر أحد الجنسين اضطرابا ما ، بدرجة أقل من الجنس الآخر ، فربما يكون ذلك بسبب أن هذا الجنس لديه عتبة عالية للإصابة بهذا الاضطراب .
وتلخيصاً للتفسيرات البيولوجية للفروق بين الجنسين فى الاكتئاب نجد أنه لا توجد شواهد قوية متماسكة على أن هذه الفروق يمكن إرجاعها إلى استعداد وراثى لدى المرأة للإصابة بهذا الاضطراب . كما أن الشواهد على أن التقلبات أو التغيرات فى مستويات الهرمونات لدى النساء وغير ذلك من العوامل البيولوجية لها تأثير على الناحية المزاجية كانت شواهد متعارضة . فقد أظهرت بعض الدراسات شواهد غير مباشرة على العلاقة بين مستويات بعض الهرمونات والمزاج ، إلا أن العديد من الدراسات أظهرت عكس ذلك ، وأيضاً، فإنه لم يتم تدعيم الرأى الشائع الذى يذهب إلى أن الاكتئاب شائع أو عام فى فترة ما قبل الطمث الشهرى ، أو فترة ما بعد الولادة ، أو فيما بعد الانقطاع النهائى للحيض . وأخيراً فإن التفسيرات البيولوجية للفروق
بين الجنسين فى الاكتئاب لم تفسر عدم وجود هذه الفروق فى بعض الجماعات ، مثل جماعة ” الآميش ” Amish وجماعات طلاب وطالبات الجامعات .
تفسيرات التحليل النفسى للفروق بين الجنسين فى الاكتئاب
من أكثر التفسيرات شيوعاً بين الأطباء النفسيين الكلينيكيين للفروق بين الجنسين فى الاكتئاب يرى أن سبب هذه الفروق صراعات المرأة النفسية الداخلية . فمن وجهة نظر فرويد أن شخصية المرأة البالغة سواء كانت سوية أو عصابية تتصف بالنرجسية والمازوخية وانخفاض فى تقدير الذات والاعتمادية وعدوانية مكبوتة ، وذلك كنتيجة لحل الفتاة الصغيرة للصراع الأوديبى (Weissman & Klerman, 1979, p. 409) ويرى أصحاب نظرية التحليل النفسى الكلاسيكسية أن النساء لذلك أكثر عرضة من الرجال للاكتئاب وذلك لطبيعة بناء شخصياتهن والذى ينتج من النمو النفسى – الجنسى . (Mitchell, 1974, Cited In Nolen-Hoeksema, 1987, p. 271) فخلال المرحلة الأوديبية ، بينما يدفع قلق الخصاء بالصبى ليكَّون أناه الأعلى ، فإن الفتاة تدرك أو تعرف أنها وكل الفتيات قد حرمن من القضيب وكل القوى والمكانات التى تصاحب كون الفرد ذكرا. إن إدراك الفتاة هذا يؤدى بها إلى أن تكون عدوانية تجاه أمها بسبب هذا الحرمان ، كما يقلل بشكل هائل من تقديرها لذاتها وينمى لديها حقدا هائلاً تجاه والدها وكل الرجال .
إن تثبيت الفتاة على أبيها – والذى يمثل شكلاً لعلاقة الحب فيما بعد مع الرجال – علاقة ضعيفة قائمة على حب نرجسى أكثر من قيامها على الارتباط أو التعلق بموضوع ، وذلك لأن الفتاة مدفوعة نحو هذه العلاقة بالرغبة فى استعادة جزء من ذاتها تشعر أنها قد فقدته . إن هذا الاتجاه نحو علاقة حب نرجسية ، مدفوعة بحسد القضيب هو الذى يجعل المرأة
أكثر عرضة من الرجل للاكتئاب . أن المرأة تنظر إلى الرجل ليعَّوض ما خسرته ولكنها لا محال سوف يخاب ظنها . وبعد خيبة الأمل هذه فإنها تميل إلى أن تحول طاقتها الجنسية مرة أخرى إلى نفسها بدلاً من إعادة ربطها بموضوعات جديدة ، إن “أناها” المجروح يجد نفسه مواجها بالعدوانية التى تشعر بها تجاه الموضوع الذى فقدته توا وتظهر الميلانكوليا.
وقد وجهت أوجه نقد عديدة لنظرية التحليل النفسى الكلاسيكية وخاصة أنه لم يتمكن أحد من تدعيم الفروض التى ذهبت إليها ، فليس هناك تدعيم للتغير الأوديبى لدى الفتيات من العلاقة بالأم إلى العلاقة بالأب (Scherman, 1971, Cited In Nolen-Hoeksema, 1987, p. 271) كما أنه لا يوجد دليل على وجود ما يسمى بقلق الخصاء لدى الفتيان أو حسد القضيب لدى الفتيات ، هذا على الرغم من أن النساء يعلن حسدهن من قوة الرجال الاجتماعية .
وهناك نظرية تحليلية حديثة قللت من تأثيرات المحددات البيولوجية فى بناء الشخصية ، وركزت على التفاعل بين دور هذه المحددات والقيود الثقافية أو التحريمات على سلوك المرأة ، فقد أوضح التحليليون الجدد أن القيود المفروضة على تعبيرات المرأة الجنسية وعلى حريتها الشخصية –
من جانب ثقافات معينة – تمثل مصادر للإحباط وتؤدى إلى إصابتها بالاكتئاب . أيضاً فإن دور المرأة كمربية مثلا يتصارع مع حاجاتها لنمو الذات والاستقلال للدرجة التى تؤدى إلى معاناتها من عدم الاستحسان أو القبول الاجتماعى إذا ما قللت أو تقاعست عن قيامها بهذا الدور . إن هذه القيود المفروضة على المرأة وعلى تعبيرها عن نفسها ، وأيضاً المكانة
الدنيا للدور الأنثوى ، والصراع بين الرغبة الفطرية داخلها لتنشئة الأطفال وبين حاجاتها للاستقلال ونمو الذات ، كل هذه عوامل تساعد على تعرضها للمازوخية ( Horney, 1967, Cited In Nolen-Hoeksema, 1987,
P. 271 ) والواقع ، وعلى الرغم من ثراء نقاش التحليليين فى تناولهم لنفسية المرأة ، إلا أن هذا الثراء لا يزال فى حيزه النظرى ولم يخضع بعد للدراسات التجريبية . وعلى الرغم من ذلك فإن نولين هوكسيما ترى أن العديد من التفسيرات التحليلية الجديدة التى تناولت كيف تؤثر أدوار المرأة السالبة كزوجة ، وكأم فى صحتها النفسية ، قد تم الاستفادة منها فى تفسيرات جديدة تتناول الأدوار الاجتماعية النفسية sex roles الخاصة بكل جنس وأثرها على اضطراب المرأة العقلى .
تفسيرات الأدوار الاجتماعية الخاصة بكل جنس للفروق بين الجنسين فى الاكتئاب
من أولى النظريات التى اعتمدت على أثر الأدوار الاجتماعية الجنسية فى إحداث الفروق بين الجنسين فى الاكتئاب ، تلك التى اقترحها ميلر (Miller, 1976) و سكارف (Scarf, 1980 ) والتى تأثرت إلى حد كبير بأعمال كارين هورنى (Cited in Nolen-Hoeksema, 1987, p. 271 ) .
وقد رأت هورنى أن العديد من النساء يبالغن فى علاقات الحب وذلك كنتيجة لإدراكهن الرفض من جانب آبائهن ، وتؤدى هذه المبالغة فى علاقات الحب إلى البحث الملح عن تحقيق الذات من خلال الاشتراك فى علاقات حميمة ومن خلال استدماج الغضب داخليا ، الغضب من كل المنافسين على المحبوب – وكلهن نساء – والغضب من المحبوب ذاته . وكذلك رأى ميلر وسكارف أن من العناصر الهامة لدور المرأة فى المجتمع هو رعايتها للعلاقات nurturing ، إن الحرص الزائد عن الحد من جانب المرأة على العلاقات ينظر إليه بواسطة التحليليين ومن جانب أصحاب نظريات النمو الخلقى بوصفه مؤشراً على أن المرأة لا تتقدم إلى مرحلة عالية من النمو الخلقى مثلما يفعل الرجل .
فالرجل يهتم أكثر بموضوعات تتعلق بالعدالة والمنطقية ، بينما
يمثل اهتمام المرأة بالعلاقات طريقاً مختلفاً لموضوع الخلق بالمقارنة بطريق الرجل . ويقترح أصحاب هذه النظريات أن اهتمام المرأة بالعلاقات يجعلها أكثر عرضة للشعور بالاكتئاب واليأس .
وقد اقترحت هورنى و ميلر وسكارف أن الرغبة فى العلاقات تعتبر مظهراً طبيعيا فى شخصية المرأة ، فإن النساء اللاتى يحاولن النجاح فى العمل سوف يواجهن باستمرار صراعات مقلقة بين النزعة الطبيعية نحو العلاقات وبين مطالب الاستقلالية والمنافسة فى مجال العمل .
ومن نظريات الأدوار الاجتماعية الجنسية الأخرى فى تفسير تفوق المرأة على الرجل فى الاكتئاب واحدة اهتمت بالتوقعات المتصارعة التى تجد المرأة نفسها فيها عندما تدخل مجال العمل (Frieze, et al, 1978; Kohn, et al, 1965, Cited In Nolen-Hoeksema, 1987, p. 272) فالمرأة ينتظر منها أن تكون سلبية وغيرية وغير انانية ومساندة ومعاضدة وذلك تماشياً مع دورها الأنثوى ، ولكن وفى نفس الوقت ، فهى مطالب منها أن تؤكد ذاتها وأن تكون متمكنة لو أرادت أن تنجز عملها ، وهذه الازدواجية فى التوقعات أمراً فى غاية الصعوبة ، وذلك لأن المرأة ربما تضطر إلى إهمال أحد الدورين فى سبيل تحقيق الدور الثانى . إن الانحراف عن الدور الاجتماعى الجنسى الطبيعى للمرأة ربما يؤدى إلى رفض اجتماعى لها.
وقد وجد فعلا فى بعض الدراسات أن المرأة المؤكدة لذاتها assertive woman قد تم تقديرها على أنها أقل جاذبية وأنها فى حاجة إلى علاج نفسى وذلك أكثر من الرجل الذى يؤكد ذاته (Costrich et al, 1975, Cited In Nolen-Hoeksema, 1987, p. 272) وقد ظهرت بعض التدعيمات لافتراض صراع الأدوار وتأثيره على تفوق المرأة فى الاكتئاب عن الرجل . فقد وجدت أنثيسيل وزملاؤها ( Aneshensel, Frerichs. & Clark, 1981, p. 384 ) أنه من بين الأفراد المتزوجين العاملين ظهر أن النساء قد أعلن أعراضاً اكتئابية أكثر من الرجال ، وهذا يؤكد أن وجود أدوار مزدوجة dual roles يمكن أن يشكل عاملا خطراً للإصابة بالاكتئاب بالنسبة للمرأة .
إلا أن راد لوف (Radloff, 1975, Cited In Nolen-Hoeksema, 1987) قد وجد أن كلا من الزوجات العاملات والزوجات غير العاملات
قد أظهرن اكتئابا أكثر من الرجال العاملين ، كما وجد أن الزوجات غير العاملات كن أكثر اكتئابا من الزوجات العاملات.
وقد توصلت روزنفليد و انسيل ( Rosenfield, 1982, P. 37., إلى نتائج متشابهة Ensel, 1982, Cited In Nolen-Hoeksema, 1987 ) .
وهذه النتائج الأخيرة لا تعضد افتراض تصارع الأدوار لدى المرأة وأثره على تفوقها فى الاكتئاب .
ومن النظريات المثيرة للاهتمام فى الأدوار الاجتماعية الجنسية وأثرها على تفوق المرأة فى الاكتئاب على الرجل ، تلك التى قال بها جوف وتودور (Gove & Tudor, 1973 ) حيث اقترح الباحثان أن وجود نوعين من المهام أو الأدوار فى حياة الفرد بالتأكيد يؤدى إلى حمايته من الاكتئاب. وعلى هذا الأساس ، فإن مصدر الخطأ فى الدور التقليدى للمرأة -سيدة البيت – هو أنه يسمح لها بمصدر واحد للإشباع – العائلة – بينما يمكن أن يفسر انخفاض نسبة المكتئبين من الرجال بوجود نوعين من المهام أو الأدوار -العائلة والعمل – وذلك إذا ما فقد الرجل مصدرا للإشباع فسوف يظل لديه مصدرا آخر يلوذ إليه وقت الضرورة ( Cited In Nolen-Hoeksema, 1987, p. 272 )
وفى تعليقنا على التفسيرات التى تقوم على طبيعة الأدوار الاجتماعية الخاصة بكل جنس وأثرها فى تفوق المرأة فى الاكتئاب على الرجل ، فإنه يمكن القول ، بأنه من الصعب رفض الافتراضات التى تقوم عليها هذه التفسيرات ، وفى نفس الوقت ، فإن العاملين فى المجال لا يزالون فى حاجة لمعرفة الوصف التفصيلى للعملية التى يؤدى بها صراع الأدوار إلى الاكتئاب أو غير ذلك من الاضطرابات النفسية ، فمن الصعب تفسير لماذا تؤدى ضغوط الدور الاجتماعى الجنسى ببعض النساء إلى الاكتئاب ولا تؤدى ببعضهن الآخر .
تفسيرات تقوم على أنماط الاستجابة لحالات الاكتئاب
ترى نولين هوكسيما أنه يمكن تفسير الفروق بين الجنسين فى الاكتئاب بالاختلاف بينهما فى استجابتهما للمواقف المثيرة للاكتئاب . أن أغلب الناس يخبرون فترات اكتئابية بين الحين والآخر ، ولا تدوم هذه الفترات بالنسبة لبعض الناس سوى عدة ساعات أو عدة أيام ، ولكن بالنسبة للبعض الآخر قد تدوم هذه الفترات الاكتئابية لمدة أطول ، وقد تزداد شدتها حتى يصل الأمر بهم إلى السعى طلباً للعلاج .
وترى الباحثة ، أن الرجال عموماً يميلون إلى الاستجابة لما قد يخبرونه من مشاعر اكتئابية بطريقة أكثر فعالية يكون من شأنها القضاء على هذه المشاعر . بينما يميل النساء إلى الاستجابة للمشاعر الاكتئابية بطريقة فيها تضخيم ، وتأمل ذاتى زائد فى أسباب هذه المشاعر وأصولها وما يمكن أن تنتهى إليه .
وقد أشار العديد من الباحثين إلى أن الطريقة التى نستجيب بها لحالاتنا المزاجية تؤثر فى شدة هذه الحالات وفى مدى دوامها .( Ripper, 1977 Cited In Nolen -Hoeksema, 1987, p. 274 ) وبمعنى آخر ، فإن الأفراد الذين يميلون إلى الاستجابة لحالتهم الاكتئابية باندماجهم فى أوجه نشاط يكون من شأنها تشتيت انتباههم عما يعانون منه من حالات مزاجية ، يبدو أنهم يكونون أسرع فى تغلبهم على هذه الحالات من هؤلاء الذين
يميلون لأن يكونوا غير نشطين ، ويجترون أفكارهم حول أسباب ونتائج هذه الحالات ( Beck, et al, 1979 ) .
وتشير نتائج الدراسات فيما يتعلق بهذا الموضوع إلى أن الرجال والنساء يظهرون نماذج أو أنماط مختلفة من الاستجابة عندما يمرون بمشاعر اكتئابية . فالرجال عندما يشعرون بالاكتئاب يميلون إلى الاندماج فى أوجه نشاط يكون المقصود منها الهاء أنفسهم عن حالاتهم الاكتئابية ، بينما تميل النساء عندما يكن مكتئبات إلى أن يكن أقل نشاطاً وحركة وأكثر ميلاً إلى التعمق الذاتى والتفكير فى الأسباب المحتملة لما هن فيه .
وبذلك فإن نولين هوكسيما ترى أن ميل المرأة الاستجابى نحو الاكتئاب يمثل سببا فى زيادة اتجاهها نحو هذا الاضطراب ، بينما تؤدى اتجاهات الرجل الاستجابية نحو الاكتئاب إلى التقليل من فرص دوام حالات الاكتئاب لديه وبالتالى التقليل من نسبة المكتئبين من الرجال بالمقارنة بنسبة المكتئبات من النساء .
وترجع الباحثة الأصل فى اختلاف الاتجاهات الاستجابية بين
الرجل والمرأة نحو الاكتئاب إلى أن معنى الذكورة بالنسبة للرجل هو أن يكون نشطاً وفعالاً وأن يتجاهل مشاعره ، بينما بالنسبة للمرأة فإن نمط
الأنوثة يقتضى منها أن تكون عاطفية وأقل فاعلية .
والواقع وفى تعليقنا على ما جاء فى العرض السابق لتفسيرات الفروق بين الجنسين فى الاكتئاب نجد أنه من الصعب الاعتماد على نوع واحد من هذه التفسيرات لشرح هذه الفروق ، أو أن نقتنع بأن كل أنواع الاكتئاب
يمكن إخضاعها لنفس عوامل الخطر . ويرى وايزمان وكليرمان
( Weissman, & Klerman, 1979, p.416 ) أنه بينما يتطلب العمل فى موضوع الفروق بين الجنسين فى الاكتئاب تضافر جهود العاملين فى مجالات عديدة، فإننا نرى مع الأسف أن الباحثين يعمل كل منهم بمعزل عن الآخر غير مستفيد بما تصل إليه التخصصات الأخرى من نتائج .
وفى ختام هذا الجزء من الدراسة ، سوف نعرض لعدة دراسات سابقة تصدت للتأكد من الفروق بين الجنسين فى الاكتئاب وبعض هذه الدراسات دعمت وجود هذه الفروق وبعضها الآخر لم يدعم وجودها واقترح أنه لا توجد فروق بين الجنسين فى الاكتئاب .
قام بالدراسة الأولى بومجارت و أوليفير ( Baumgart & Oliver, 1981, PP. 570-573 ) وكان الهدف من الدراسة هو بحث ظاهرة الاكتئاب لدى الجنسين ودراسة الاختلافات المرتبطة بالجنس / النوع gender فى عينة من الراشدين من المجتمع العام باستخدام مقياس من مقاييس التقرير الذاتى بدون أن يطلب من المفحوصين ذكر بيانات عن شخصياتهم .
تكونت مجموعة المفحوصين فى الدراسة من 275 فردا ( 105 ذكور ، 170 إناث ) وهم من البالغين عاملين وعاملات وزوجات لعاملين . وقد أعطى الباحثان وصفا تفصيليا للخصائص الديموجرافية demographic لأفراد المجموعة ذكور وإناث من النواحى الآتية : الحالة الاجتماعية – الاقتصادية ، العرق race ، السن ، الحالة الزواجية ، عدد الأطفال المعالين ، الحالة الوظيفية . واستخدم الباحاثان مقياس بك للاكتئاب BDI ( الصورة الكاملة ) كما استخدما استفتاء لجمع البيانات الديموجرافية . وأوضحت نتائج الدراسة أنه لا توجد فروق بين الجنسين فى نسبة الاكتئاب ، باستخدام
مقياس BDI وذلك بعد تحليل تكرار المفحوصين فى كل فئة من فئات الاكتئاب كما أنه لم توجد اختلافات بين الجنسين فى متوسط الدرجة على المقياس . وقد أقر الباحثان بأن نتائجهم تعارض الاتجاه الغالب فى
الدراسات التى تناولت موضوع الدراسة ، وعللوا هذا ، بأن دراستهم وكل الدراسات التى وجدت تساوى فى نسبة وجود الاكتئاب لدى الجنسين قد استخدمت مقاييس التقرير الذاتى مجهولة الهوية – الذى لا يطلب من المفحوص فيما ما يدل على شخصيته – بينما على العكس من ذلك ، فإن الدراسات التى توصلت إلى وجود فروق بين الجنسين فى الاكتئاب –
لصالح المرأة -استخدمت أسلوب المقابلة وجها لوجه . ورأى الباحثان أن استخدام أسلوب المقابلة وجها لوجه ربما يؤدى إلى التقليل من فرص كشف اكتئاب الرجال لأن اعترافهم بالاكتئاب له تأثير على جاذبيتهم الشخصية وتقديرات عجز الدور كوظيفة للجنس / النوع gender .. ويرى الباحثان
أن هذه التأثيرات ربما تختفى لو أتيح للرجال الاستجابة للمقاييس بدون
أن يواجهوا الباحث وبدون أن يطلب منهم ذكر بياناتهم الشخصية على
ورقة المقياس .
والدراسة الثانية قام بها بيرن فى أستراليا ( Byrne,1981,
PP. 83-92 ) وتعرض الباحث لوجهتى النظر المؤيدة والمعارضة لوجود الفروق بين الجنسين فى الاكتئاب ، ثم حدد هدفه من الدراسة فى نقطتين الأولى هى دراسة الفروق بين الجنسين فى نسبة الاكتئاب بوجه عام ، والثانية هى دراسة الفروق بين الجنسين فى الأعراض الاكتئابية التى تظهر
على أفراد كل جنس على حدة . وفى توضيحه لمنطقية النقطة الثانية من هدف البحث ، أشار الباحث إلى أنه يدرس مدى صحة الفرض الذى يذهب إلى أن الفروق بين الجنسين هى فروق اجتماعية ثقافية الأصل ترجع إلى الأدوار الاجتماعية الجنسية sex roles التى يفرضها المجتمع على النساء والرجال فيه . وبالتحديد فإن التقبل الاجتماعى لما تظهره المرأة من
أعراض وجدانية انفعالية ، وعدم التشجيع الاجتماعى لهذا النوع من السلوك بالنسبة للرجل يؤدى إلى عدم اتزان اصطناعى فى نسبة اعتراف كلا الجنسين بالمشاعر الاكتئابية فى المجتمع .
ورأى بيرن أن دراسة هذا الفرض تقتضى دراسة مفصلة للأعراض التى تُكّون اضطراب الاكتئاب وافترض الباحث ، أنه لكى تكون الفروق بين الجنسين فى الاكتئاب حقيقية فإن الفروق بين الجنسين لا يجب فقط أن تكون فى الدرجة النهائية على مقياس يقيس الاكتئاب كزملة أعراض ، ولكن أيضا لا بد أن تشمل هذه الفروق كل أو أغلب الأعراض التى تُكّون زملة
الاكتئاب وخاصة تلك الأعراض التى يمكن تسميتها بالأعراض المحايدة بالنسبة للجنس وهى الجسمية الفسيولوجية ، والحركية والأعراض المتصلة بفقدان الشهية للطعام .
تكونت عينة الدراسة من 756 فرداً (360 رجل بمتوسط عمر 36.7 سنة وانحراف معيارى 13.5) و ( 396 امرأة متوسط عمر 38.7 سنة وانحراف معيارى 14.5) واستخدمت أداة واحدة وهى مقياس ذونج
للاكتئاب (Zung) وأظهرت نتيجة الدراسة أن نسبة انتشار الاكتئاب لدى الجنسين كانت فى الاتجاه المتوقع ، إذ أن نسبة النساء إلى الرجال كانت
أعلى والفرق دال إحصائيا . وبالنسبة للفروق بين الجنسين فى الأعراض الاكتئابية المنفصلة كما تمثلها عبارات المقياس المستخدم ، وجد أن النساء حصلن على درجات أعلى من الرجال ليس فقط على المقياس ككل
ولكن أيضا على 11 عرضا من العشرين التى يتكون منها المقياس ، وفوق ذلك لم يحدث أن حصل الرجال على درجات أعلى من النساء فى أى من الأعراض العشرين (Ibid., p.85) .
وبالنسبة للأعراض الجسمية والفسيولوجية وتلك المتصلة بالنشاط الحركى ،فقد كانت هناك فروق بين الجنسين أيضا ، بأن استجابت النساء أكثر من الرجال للبنود التى تمثل هذه الأعراض . وبذلك فإن نتائج الدراسة أوضحت أن النساء لسن فقط أكثر استعدادا من الرجال فى الإفصاح عن وجود الاضطرابات الانفعالية من قبل الحزن والبكاء وفقدان الشهية – والتى تشير إلى ضعف عاطفى أو وجدانى – بل أنهن أكثر قابلية أيضا من الرجال فى التعبير عن الاضطرابات الجسمانية الفسيولوجية .
ويرى الباحث أن نتائج دراسته لا تؤيد الفرض الذى يذهب إلى وجود تأثيرات تتصل بالأدوار الاجتماعية الجنسية على وجود الفروق بين الجنسين فى الاكتئاب ، كما أن النتائج أيضا وبطريقة حاسمة لا تؤيد الفرض الذى يذهب إلى أن التأثيرات الاجتماعية تؤثر على عملية الإفصاح عن
الأعراض الاكتئابية لدى الجنسين ، وأن نسبة الاكتئاب لدى النساء تزيد
عن تلك الموجودة لدى الرجال فقط لعدم وجود قيود اجتماعية على النساء على اعترافهن وإفصاحهن عن ضعفهن الانفعالى .
وخلاصة البحث ، فإن نتائجه تشير إلى أنه ليس هناك شك من
وجود فروق بين الجنسين فى الاكتئاب وأن هذه النتيجة تؤكد ما توصلت
إليه الدراسات السابقة من أن نسبة الاكتئاب فى الجنسين تتراوح ما
بين 1.50 : 1 إلى 3 : 1 نساء رجال وذلك فى اتجاه المرأة ، أى أن
نسبة وجود الاكتئاب فى النساء أكثر من نسبة وجوده فى الرجال .
وقامت بالدراسة الثالثة هيرمان (Herman, 1979, pp. 918-919) تكونت عينة الدراسة من 42 طالباً وطالبة من الجامعة (21 إناث و 21 ذكور ) متوسط عمر20-21 سنة . وقد تم مقابلتهم بطريقة فردية باستخدام استفتاء متكون من 33 سؤال مفتوح ، ودارت الأسئلة حول خبراتهم
الذاتية مع الاكتئاب ، وملاحظتهم لآبائهم ، وانطباعاتهم عن الأنماط الاجتماعية . كما تم تطبيق مقياس بك BDI على المفحوصين . وقد
استخدمت درجات المفحوصين كلها فى التحليل الإحصائى وأيضا تم استخدام المفحوصين والمفحوصات الحاصلين على أقل الدرجات وأعلى الدرجات على مقياس الاكتئاب فى دراسة حالة .
وتم تلخيص النتائج فيما يلى :
شدة الاكتئاب : لم تظهر نتائج الدراسة فروق بين الجنسين فى شدة الاكتئاب – كما يقاس بمقياس BDI أو باستخدام البيانات المستقاة من المقابلات .
المواقف المحدثة للاكتئاب : أعطى عدد كبير من النساء مواقف وأسباب شخصية للاكتئاب ، ولكن لم تكن هناك فروق دالة بين المواقف المحدثة للاكتئاب متضمنة التحصيل أو الإنجاز .
العلاقات الشخصية : كان هناك عدد كبير بدرجة دالة من النساء مرتبط أو متعلق بطريقة شخصية ( يسعى إلى الاتصال بالآخرين والحصول على تدعيمات منهم ) بينما كان هناك عدد كبير ودال من الرجال منفصل seperated ( ينسحب ويخفى الاكتئاب عن الآخرين ) .
احتمال الاكتئاب : لم توجد فروق بين الجنسين فى قبول أو رفض الاكتئاب أو فى الطرق السلبية مقابل المقاومة فى التعامل مع المشاعر الاكتئابية .
اكتئاب الآباء : كانت الأم أكثر اكتئاباً من الأب بالنسبة للمكتئبين من أفراد العينة المدروسة .
الأدوار الجنسية والاكتئاب : ظهر تنميط ثقافى متصل بالاكتئاب لدى النساء ( أن النساء كان متوقع منهن ومسموح لهن بأن يكن مكتئبات ، بينما لم يعتبر الاكتئاب بواسطة الرجال كمظهر من مظاهر الذكورة ).
ومن أهم تعليقات الباحثة على النتائج ، أن المرأة أكثر تحملاً للاكتئاب من الرجل ،وأن الاكتئاب بالنسبة لها يحدث كنتيجة لأسباب شخصية فى علاقتها مع الآخرين ، بينما يحدث الاكتئاب بالنسبة للرجل لأسباب تتعلق بالإنجاز ، وأنه أقل تحملاً لحالات الاكتئاب ، أيضا توضح الدراسة إتفاقها مع بعض الدراسات الأخرى فيما يتعلق باختفاء الفروق بين الجنسين فى الاكتئاب فى عدة مجالات تقليدية ، بمعنى ، لقد اقترحت العديد من الدراسات ، أنه ربما تؤدى التغيرات التى تحدث فى العصر الحديث إلى التقليل من الفروق بين الجنسين فى الاكتئاب وخاصة لدى طلاب الجامعات الذين يعيشون فى بيئة اجتماعية تتشابه فيها الأدوار الاجتماعية الجنسية لكلا الجنسين ( وذلك بالمقارنة مثلا بما كان حادثاً لأباء هؤلاء الطلاب ) . ورأت الباحثة أنه
يمكن الاستنتاج بأن التفسير الاجتماعى الثقافى هو أكثر ملاءمة لتفسير الفروق بين الجنسين فى الاكتئاب وذلك أكثر من التفسيرات البيولوجية ، أو تلك القائمة على التحليل النفسى .
وقام بالدراسة الرابعة روبرتس و أوكيف (Roberts & Okeefe, 1981, pp. 394-400) وقد حدد الباحثان هدفهما من الدراسة فى إعادة بحث الفروق بين الجنسين فى الاكتئاب ، خصوصا فيما يتعلق بالتفسيرات التى قدمت فى بحوث سابقة لهذه الفروق والتى قامت على اختلاف الأدوار الاجتماعية الجنسية للنساء أو الرجال .
تضمنت عينة الدراسة 3119 فردا تم توصيل الاستفتاء المستخدم إليهم وقاموا بإرساله بعد استجابتهم عليه إلى الباحثين بالبريد ، وقد تم قياس الأعراض الاكتئابية بواسطة 18 عبارة متصلة أو مرتبطة بالعديد من الضغوط النفسية . فقد تم اختيار عبارات تتصل باضطراب المزاج ومفهوم سالب عن الذات وفقدان الطاقة ومشكلات مع الأكل والنوم ومشكلات تتصل بالتركيز وانتكاس نفسى حركى وهذه العبارات تتصل بأعراض متفق عليها فى (DSM-III) لتشخيص الاكتئاب.
ولقد تمت مقارنة مستويات أعراض الاكتئاب لكل من :نساء أكثر تقليدية traditional فى مقابل أقل تقليدية ، وأيضاً رجال أكثر تقليدية فى مقابل رجال أقل تقليدية وذلك تبعاً للنمط المحدد لسلوك الدور الجنسى . وقد تم وصف الحالة الزواجية كالآتى : غير تقليدية ، وذلك إذا كانت الزوجة تعمل خارج المنزل ، تقليدية ، إذا كانت الزوجة لا تعمل . وقد تم الاقتصار على 752 زوج (1504 فرداً ) فى التحليل الأحصائى للدراسة .
وقد أوضحت النتائج أن الفروق بين متوسط الإناث المتزوجات والذكور المتزوجون فى الاكتئاب كانت فروق دالة فى اتجاه النساء .
وقد أظهرت الفروق فى متوسطات المجموعات بين الجنسين أن النساء لديهن أعراضاً اكتئابية أكثر من الرجال على وجه العموم ، وأيضاً أظهرت تحليلات إحصائية تالية أن الجنس عامل دال فى تحديد درجات الاكتئاب (Ibid., p396). أما فيما يتعلق بالمقارنات بين الأزواج ، فإن
تعليم الزوجة يعتبر عاملاً مؤثراً ودالاً ، كذلك دخل الزوجين اعتبر عاملاً مصاحباً أيضاً . وأظهرت النتائج أيضاً أن الزوجات كن أكثر اكتئاباً من الأزواج ، وأن الزوجين عندما تكون الزوجة أقل من المتوسط فى التعليم ، يعتبران أكثر اكتئابا من الزوجين عندما تكون الزوجة بمستوى تعليم أعلى من المتوسط . وأيضاً فإن الزوجين ذوى الدخل المنخفض كانا أكثر اكتئاباً من الزوجين ذوى الدخل الأعلى.
وتعليقاً على ما جاء فى الإطار النظرى والدراسات السابقة عن الفروق بين الجنسين فى الاكتئاب ، فالحقيقة الواضحة هى أن النساء أكثر اكتئاباً من الرجال ، وأن نسبة أكبر منهن معرضة للإصابة أو الشكوى من هذا الاضطراب . ومهما تعددت التفسيرات لهذه الفروق ، سواء ما قام على أساس أنها فروق اصطناعية ، أو حقيقية ، ثم ما عرض من تفسيرات لها فإن الحقيقة الثابتة أن هذه الفروق موجودة . ولأن هذه النتيجة قامت على نتائج دراسات أجنبية ، فإننا سوف نحاول دراسة هذا الموضوع فى المجتمع المصرى لنرى مدى التشابه والاختلاف فى وجود هذه الفروق فى هذا المجتمع .
إجراءات الدراسة
أ-المفحوصين
اشترك فى الدراسة عدد 757 فرداً ، 400 ذكور ، 357 إناث ، كلهم متعلمون واقل مؤهل دراسى هو الشهادة الإعدادية . ولقد تم توزيعهم على خمس فئات عمرية ، بمدى عمرى أربع سنوات فى كل فئة . وفيما
يلى وصفاً تفصيلياً للمفحوصين :
الذكور (ن = 400) : الفئة العمرية الأولى : ( ن = 80 )
سن 15 – أقل من 19 سنة ، متوسط السن 200.737 شهراً ، انحراف معيارى 12.134 ، وتكونت مما يلى : 44 فردا من أولى ثانوى 19 من ثانية ثانوى ، 17 من ثالثة ثانوى .
الفئة العمرية الثانية : ( ن = 80 ) سن 19 – أقل من 23
سنة ، متوسط السن 255.312 شهراً ، انحراف معيارى 13.323 ، وتكونت مما يلى : 69 من طلاب الجامعة ، 11 من العاملين .
الفئة العمرية الثالثة : (ن = 80 ) سن 23 – أقل من 27 سنة ، متوسط السن 299.212 شهرا بانحراف معيارى 13.787 ، وتكونت مما يلى : 39 من طلاب الجامعة ، 41 من العاملين .
الفئة العمرية الرابعة : (ن = 80) سن 27 – أقل من 31 سنة ، متوسط السن 343.287 شهرا بانحراف معيارى 14.307 وتكونت
مما يلى : العاملين بوظائف حكومية ، فنية ومكتبية وإدارية .
الفئة العمرية الخامسة : (ن = 80 ) سن 31 – أقل من 35 سنة ، متوسط السن 395.775 شهرا بانحراف معيارى 14.0667 وتكونت مما يلى : العاملين بوظائف حكومية ، فنية ومكتبية وإدارية .
الإناث (ن = 357 ) : الفئة العمرية الأولى : (ن = 80 ) سن 15 – أقل من 19 سنة ، متوسط السن 200.28 شهرا ، بانحراف معيارى 12.02 ، وتكونت مما يلى : 20 طالبة أولى ثانوى ، 29 من ثانية ثانوى ، و 31 من الثالثة ثانوى .
الفئة العمرية الثانية : (ن = 80 ) سن 19 – أقل من 23 سنة ، متوسط السن 253.00 شهرا بانحراف معيارى 11.52 ، وتكونت مما يلى 51 من طالبات الجامعة ، و 29 من العاملات .
الفئة العمرية الثالثة : ( ن = 80 ) سن 23 – أقل من 27 سنة ، متوسط السن 293.71 شهرا ، بانحراف معيارى 14.09 ، وتكونت مما
يلى : 46 من طالبات الجامعة و 34 من العاملات .
الفئة العمرية الرابعة : ( ن = 77) سن 27 – أقل من 31
سنة ، متوسط السن 343.73 شهرا ، بانحراف معيارى 14.20 ، وتكونت من العاملات بوظائف حكومية فنية ومكتبية وإدارية .
الفئة العمرية الخامسة : ( ن = 40 ) سن 31 – أقل من 35
سنة ، متوسط السن 389.68 شهراً ، بانحراف معيارى 13.52 وتكونت من العاملات بوظائف حكومية فنية ومكتبية وإدارية .

ب-أدوات الدراسة
استخدم فى الدراسة أداة واحدة وهى مقياس الاكتئاب (د) BDI
( غريب 1985) وقام بوضعه فى الأصل بك وآخرون (Beck, et al 1961) ثم قام بنشر صورة مختصرة له بمساعدة أحد تلاميذه (Beck & Beck, 1972) وقام الباحث الحالى بإعداده إلى اللغة العربية ونشره وإعداد معايير قومية له ( غريب 1985، 1986) . ويتكون المقياس من 13 مجموعة من الأعراض والاتجاهات تتكون كل منها من سلسلة متدرجة من أربع عبارات ، تتدرج لتعكس مدى شدة الأعراض . ومجموعات
الأعراض الثلاثة عشر هى : الحزن ، التشاؤم ، الشعور بالفشل ، عدم
الرضا ، الشعور بالذنب ، عدم حب الذات ، إيذاء الذات ، الانسحاب الاجتماعى ، التردد، تغير فى صورة الذات ، صعوبة العمل ، التعب ،
فقدان الشهية .
وقد أظهرت العديد من الدراسات سواء فى البيئات الأجنبية أو البيئة المصرية ثبات وصدق المقياس. ففى البيئة الأمريكية استخدمت طريقة الاتساق الداخلى ،حيث اتضح باستخدام تحليل التباين أن كل مجموعة من مجموعات المقياس أظهرت علاقة دالة إحصائيا مع الدرجة الكلية للمقياس . كما استخدمت طريقة التجزئة النصفية فى دراسات ثبات المقياس فى البيئة الأمريكية ، ووجد ارتباط بين المجموعات الفردية والمجموعات الزوجية وصل بعد استخدام معادلة سبيرمان – براون إلى 0.93 (ن = 97) .
أما فى البيئة المصرية فقد استخدم الباحث الحالى طريقة التجزئة النصفية فى دراسة ثبات المقياس ووصل معامل الثبات إلى 0.87 (ن= 50) ( غريب 1985) . واستخدمت أيضا طريقة إعادة التطبيق فى البيئة المصرية باستخدام درجات 33 فرداً من البالغين ، بفاصل زمنى مقداره شهر ونصف ووصل معامل الثبات بهذه الطريقة إلى 0.77.
أما بالنسبة لصدق مقياس الاكتئاب ( د) BDIفقد استخدمت عدة طرق فى دراسته فى البيئات الأجنبية منها طريقة الصدق التلازمى ، وحيث وجد بك معاملات ارتباط مرتفعة بين النتائج على المقياس وبين النتائج
على مقاييس أخرى للاكتئاب ، فقد وجدت معاملات ارتباط تراوحت ما
بين 0.62 إلى 0.66 بين النتائج على مقياس الاكتئاب (د) وبين
التشخيصات السيكياترية . ووجدت معاملات ارتباط بين النتائج على
المقياس وبين النتائج على مقياس (د) من مقياس الشخصية المتعدد
الأوجه MMPI، وبين النتائح على المقياس وبين النتائج على مقياس
هاملتون Hamilton للاكتئاب ، وتراوحت معاملات الارتباط بين
النتائج على مقياس الاكتئاب (د) والنتائج على المقاييس السابقة ما
بين 0.72 إلى 0.76.
أما فى البيئة المصرية فقد استخدمت طريقة الصدق التلازمى لدراسة صدق المقياس وذلك بدراسة الارتباط بين النتائج على مقياس الاكتئاب (د) وبين نتائج نفس المجموعة (ن = 43) من البالغين على مقياس (د) من مقياس الشخصية متعدد الأوجة ووصل معامل الصدق بهذه الطريقة إلى 0.60.
كذلك استخدمت طريقة الصدق التكوينى فى دراسة صدق مقياس الاكتئاب (د) وذلك بإيجاد معامل الارتباط بين النتائج على المقياس ، ومقياس القلق A) ) (غريب ، 1986) ووصل معامل الارتباط بين النتائج على المقياسين إلى 0.26 ( ن = 58 طالباً جامعياً ) وإلى 0.63 ( ن = 60 ) موظفا وموظفة ( 33 ذكور ، 27 إناث ) .
جـ- منهج الدراسة
لأن هذه الدراسة وصفية فى طبيعتها Descriptive Research فإنه سوف تستخدم طريقة الدراسة المستعرضة Cross-Sectional Method بوصفها أكثر طرق المنهج الوصفى ملاءمة لتحقيق أهداف هذه الدراسة . وفى الدراسة المستعرضة ، يتم جمع البيانات فى وقت واحد ولكن لعينات من مجموعات فرعية ، أى أن الدراسة المستعرضة هى تلك التى يتم فيها مقارنة أفراد يختلفون فى بعض المواصفات – مثل السن – وذلك باستخدام بيانات تم جمعها فى وقت واحد وفى فترة زمنية واحدة . (Lewin, 1979, PP.57-60) إن الطريقة المستعرضة تستعيض عن التتابع الزمنى للفرد الواحد بمجموعة كبيرة من الأفراد يمثلون الأعمار المختلفة التى سيمر بها الفرد خلال فترة المتابعة .. وبعبارة أخرى ، تركز هذه الطريقة على مجموعات من الأفراد يمثلون أعمار زمنية متتابعة .
ويناسب المنهج الوصفى ، والطريقة المستعرضة أهداف الدراسة الحالية ، وحيث تركز على تتبع الفروق بين الجنسين فى الاكتئاب فى محاولة للتعرف على المرحلة العمرية التى تظهر فيها هذه الفروق ، وعلى المرحلة التى تختفى فيها – على فرض احتمال ذلك – وذلك على أساس افتراض أن أفراد المجموعة العمرية الأولى هم ذاتهم ما سوف يكون عليه أفراد المجموعة العمرية الثانية بعد المدى العمرى الذى يفصل بين المجموعتين ، وأن أفراد المجموعة العمرية الثالثة هم ذاتهم ما سوف يكون عليه أفراد المجموعة العمرية الثانية وهكذا.
د- التحليل الاحصائى
سوف يستخدم مقياس ” ت ” لدراسة دلالة الفروق بين متوسطات الجنسين فى الفئات العمرية المدروسة على مقياس الاكتئاب (د) كذلك ، سوف يستخدم أسلوب دراسة دلالة الفرق بين النسب المئوية للمكتئبين من الجنسين . (Bruning & Kintz, 1968, pp. 99).
هـ-خطوات الدراسة
1- تم تحديد الحد الأدنى والحد الأعلى للمدى العمرى الذى سوف يتم تغطيته فى الدراسة ، وقد كان هذا التحديد محكوم بالأرضية العمرية للأداة المستخدمة فى قياس الاكتئاب وهى 15 سنة ، وحيث لا تتوافر أدوات لقياس الاكتئاب لأقل من هذه السن . أما بالنسبة للحد الأعلى العمرى فقد كان محكوماً بإمكانية الحصول على أفراد من سن أكبر قدر الإمكان . وقد تحدد المدى العمرى ما بين 15 سنة إلى 35 سنة أى عشرون عاماً .
2- تم تقسيم المدى العمرى الذى تغطيه الدراسة إلى أكبر عدد من الفئات العمرية وبحيث يتناسب هذا التقسيم مع تقسيمات حلقات العمر فى حياة الإنسان . والفئات العمرية فى الدراسة هى :
الفئة العمرية الأولى : من 15 سنة إلى أقل من 19 سنة .
الفئة العمرية الثانية : من 19 سنة إلى أقل من 23 سنة .
الفئة العمرية الثالثة : من 23 سنة إلى أقل من 27 سنة .
الفئة العمرية الرابعة : من 27 سنة إلى أقل من 31 سنة .
الفئة العمرية الخامسة : من 31 سنة إلى أقل من 35 سنة .
3- تم تطبيق أداة البحث على العينات المنتقاه ، بهدف التطبيق ، على 80 فردا من كل جنس ( أنثى / رجل ) من كل فئة عمرية ، إلا أن الباحث وجد صعوبة فى تحقيق هذا الهدف بالنسبة للنساء وخاصة فى الفئتين العمريتين الأخيرتين .
4- تم تصحيح أداة البحث واستبعدت كافة أوراق الإجابة الناقصة ، أو التى شابها خطأ أو اتصفت باهمال المفحوص ، وتم تبويب البيانات تبعا لتقسيمات الفئات العمرية الخمس السابقة ، وتبعا للجنس ، ثم استخدمت الأساليب الاحصائية المشار إليها فى قسم التحليل الاحصائى .
نتائج الدراسة
أولاً – الفرق فى نسبة وجود الاكتئاب لدى النساء والرجال فى العينة الكلية المدروسة .
بلغ متوسط الدرجات على مقياس الاكتئاب (د) لكل مجموعة المفحوصين (ن = 757 ، 400 ذكور ، 357 إناث ) 8.038 ، بانحراف معيارى 5.939 لذلك اعتبر مكتئبا فى هذه الدراسة كل من حصل على
درجة 14 أو زاد عنها على مقياس الاكتئاب (م + 1 ع ) = 8.038 + 5.939 = 13.977 ) . وقد انطبق هذا المحك على 126 فرداً من أفراد مجموعة المفحوصين (ن = 757) أى بنسبة 16.64% ، منهم 75 أنثى
بنسبة 9.91% و51 ذكرا بنسبة 6.74 ، أى أن نسبة النساء إلى
الرجال فى الاكتئاب 1.47 : 1.00.
أما بالنسبة للمكتئبين من الذكور بالنسبة لمجموعتهم ( ن = 400) فهى 13% بينما نسبة المكتئبات من الإناث بالنسبة لمجموعتهن ( ن = 357 ) فهى 21% .
وباستخدام معادلة دلالة الفرق بين النسب (Bruning & Kintz, 1968, p. 99) وجد أن قيمة z للفرق بين نسبة الإناث إلى نسبة الذكور فى الاكتئاب فى مجموعة المفحوصين الكلية (ن = 757 ) = 4.0 وهى دالة عند أقصى حدود الدلالة (Ibid.,p.199) أى أن نتائج الدراسة فى هذا الصدد توضح ازدياد نسبة المكتئبات من النساء بالنسبة للمكتئبين من الرجال فى مجموعة المفحوصين الذين خضعوا للدراسة ، وأن الفرق بين نسب المكتئبات من الإناث والمكتئبين من الذكور فرق دال إحصائياً .
ثانياً : الفروق بين متوسط الجنسين فى الاكتئاب
أظهرت النتائج بالنسبة لدراسة الفروق بين متوسط الجنسين فى الاكتئاب وفى الفئات العمرية الخمس التى تم تقسيم المدى العمرى إليها ما يظهره الجدول رقم (1) .
جدول (1)
المتوسطات والانحرافات المعيارية للنساء والرجال
فى الفئات العمرية المدروسة وقيمة “ت” ودلالتها
الجنس ذكور إناث قيمة “ت” الدلالة الإحصائية
الفئة العمرية ن م د ع د ن م د ع د
15-35سنة
المجموعة الكلية 400 7.17 5.65 357 9.01 6.11 4.43 دال عند 0.01
15-19 80 7.94 4.97 80 10.40 6.25 2.73 دال عند 0.01
19-23 80 7.64 5.44 80 10.06 5.85 2.42 دال عند 0.01
23-27 80 8.36 6.05 80 10.62 6.89 1.68 غير دال
27-31 80 6.21 5.55 77 6.62 4.66 0.37 غير دال
31-35 80 5.69 5.81 40 6.23 4.95 0.52 غير دال

ويلاحظ من جدول (1) ما يلى
1- أن الفرق بين متوسط الذكور (ن = 400 ) والإناث (ن = 357 )
فى درجة الاكتئاب فرق دال إحصائياً عند مستوى 0.01 فى اتجاه
الإناث ، أى أن الإناث أكثر اكتئاباً من الذكور .
2- أن الفرق بين متوسط الذكور (ن = 80 ) والإناث ( ن = 80) فى درجة الاكتئاب فى الفئة العمرية الأولى – سن 15 سنة إلى 19 سنة – فرق دال إحصائيا عند مستوى 0.01 فى اتجاه الإناث ، أى أن
الإنات أكثر اكتئاباً من الذكور .
3- أن الفرق بين متوسط الذكور (ن = 80) والإناث ( ن = 80 ) فى درجة الاكتئاب فى الفئة العمرية الثانية – سن 19-23 سنة – فرق دال إحصائياً عند مستوى 0.01 فى اتجاه الإناث أى أن الإناث أكثر اكتئابا من الذكور .
4- أن الفرق بين متوسط الذكور (ن = 80) والإناث ( ن = 80 ) فى درجة الاكتئاب فى الفئة العمرية الثالثة – سن 23- 27 سنة – فرق غيردال إحصائيا.
5- أن الفرق بين متوسط الذكور ( ن = 80 ) والإناث ( ن = 77 ) فى
درجة الاكتئاب فى الفئة العمرية الرابعة – سن 27 – 31 سنة فرق غير دال إحصائياً .
6- أن الفرق بين متوسط الذكور ( ن = 80 ) والإناث ( ن = 40) فى
درجة الاكتئاب فى الفئة العمرية الخامسة سن 31-35سنة فرق غير دال إحصائياً .
مناقشة النتائج
بالنسبة للسؤال الأول للدراسة : هل هناك فرق فى نسبة الاكتئاب بين النساء والرجال فى العينة الكلية المدروسة ؟
توضح النتائج أن نسبة النساء إلى الرجال فى الاكتئاب فى العينة المدروسة (ن = 757) وباستخدام محك ( م + 1ع) هى حوالى 1.5 : 1 نساء / رجال ، ومعنى هذا أن هناك عدداً أكثر من النساء انطبق عليهن
محك الاكتئاب بالمقارنة بالرجال . علاوة على ذلك، فباستخدام معادلة دلالة الفرق بين النسب اتضح أن الفرق بين نسب المكتئبات والمكتئبين فرق دال إحصائياً فى اتجاه النساء .
وتوضح هذه النتيجة اتساق نتائج الدراسة الحالية مع أغلب الدراسات الأجنبية التى تصدت لدراسة موضوع الفروق بين الجنسين فى الاكتئاب . وتشير النتائج ، أنه بغض النظر عن الاختلافات الثقافية والاجتماعية والمستويات الاقتصادية وغير ذلك من العوامل البيئية ، فإن نسبة النساء المكتئبات إلى نسبة الرجال المكتئبين تشابهت فى المجتمع المصرى مع باقى المجتمعات الأجنبية مثل الولايات المتحدة ، دول أوربا ، دوال آسيا ،
وبعض من دول أفريقيا . والنتائج بهذا الشكل تشير إلى زيادة احتمالية أن الفروق بين النساء والرجال فى الاكتئاب فروق عامة وغير مرتبطة
بثقافة معينة .
السؤال الثانى : هل هناك فرق فى درجة الاكتئاب بين النساء والرجال فى العينة الكلية المدروسة ؟ وهل يصل هذا الفرق إلى الدرجة التى تتطلب تخصيص معايير لأفراد كل جنس ؟
توضح نتائج الدراسة فيما يتعلق بهذا السؤال ، أن الاكتئاب لدى النساء أشد درجة منه لدى الرجال على وجه العموم ، أى فى العينة الكلية نساء ( ن = 357) مقابل العينة الكلية رجال (ن = 400) .واتضح أن الفرق بين متوسط النساء ومتوسط الذكور فى الاكتئاب فرق دال إحصائيا عند مستوى 0.01 . وتتفق الدراسة فيما يتعلق بالجزء الأول من السؤال الثانى مع أغلب الدراسات الأجنبية التى تصدت لدراسة موضوع الفرق فى درجة أو شدة الاكتئاب لدى الجنسين .
إن جمع النتائج فيما يتعلق بالسؤال الأول للبحث والجزء الأول
من السؤال الثانى يساعدنا على الإجابة على الجزء الثانى من السؤال الثانى وهو : هل يصل هذا الفرق – فى شدة الاكتئاب بين الجنسين – إلى الدرجة التى تتطلب تخصيص معايير لأفراد كل جنس ؟
إن تراكم النتائج الهائلة حول الفرق فى نسبة الاكتئاب بين الجنسين ، والفرق فى شدة الاكتئاب بين الجنسين ، يحتم علينا تخصيص معايير
منفصلة لكل جنس على أى مقياس يستخدم لقياس الاكتئاب .
إن هذا الكم الهائل من النتائج يجعل من غير العدل استخدام معيار واحد لقياس كل من المرأة والرجل، رغم أن اختلافهما الجوهرى فى الاكتئاب أصبح حقيقة .
وكما أن هناك معيارا مختلفا لقياس كل من النساء والرجال فيما يتعلق بالطول والوزن مثلا ، فإنه من الأجدى فى مجال الاضطرابات العقلية ، وبعد وضوح حقيقة الفروق الجوهرية بين الجنسين فى الاكتئاب ، استخدام معيار لكل جنس على حدة . وعلى هذا الأساس ، فنحن نفترض أن استخدام متوسط واحد لمقارنة النساء والرجال هو إنكار لكل ما تراكم من معلومات فى التراث النفسى مؤكدا الفروق بين الجنسين فى هذا الاضطراب .
السؤال الثالث : هل هناك مرحلة عمرية معينة تظهر فيها الفروق بين الجنسين فى الاكتئاب وأخرى تختفى فيها هذه الفروق؟
كان الغرض من استخدام الطريقة المستعرضة فى الدراسة الحالية هو الإجابة على هذا السؤال بالذات ، وبالنظر إلى نتائج الدراسة نكتشف أنه وبداية من الفئة العمرية التى بدأت الدراسة ببحثها (15-19سنة ) فإن الفروق بين الجنسين كانت واضحة وكان الفرق دال إحصائياً فى اتجاه الإناث . ومعنى هذا أن الدراسة الحالية لم توفق فى الوصول إلى المرحلة العمرية التى تبدأ فيها الفروق بين الجنسين فى الاكتئاب والتى على ما يبدو توجد فى مرحلة عمرية تسبق أول مرحلة عمرية درست فى هذه الدراسة .*
ومعنى هذا ، أن الإجابة على هذا السؤال سوف تظل مطروحة على بساط البحث وفى حاجة إلى إجابة . فهل فعلا هناك مراحل عمرية فى حياة الجنسين ، يتشابه أفرادها فى الموقف من الاكتئاب سواء فى نسبته أو فى درجته ؟! وما هى هذه المراحل ؟! وفى أى مرحلة تالية تبدأ الفروق
بين الجنسين فى الاكتئاب فى الظهور ؟! وبماذا تتصف هذه المرحلة ؟!
هذه الأسئلة لا زالت فى حاجة إلى إجابة ، ولم يوفق البحث الحالى
فى الإجابة عليها وذلك لعدم توفر أداة مناسبة لقياس الاكتئاب لدى أطفال أقل من 15 سنة **
والواقع أن تفوق النساء على الرجال فى الاكتئاب فى المرحلة العمرية الأولى المدروسة فى هذه الدراسة – سن 15- 19 يشير إلى أن تأثير مرحلة المراهقة على الفتاة يكون أشد من تأثيرها على الفتى ، كما يمكن أن يؤكد إلى حد كبير دور بعض التغيرات البيولوجية الهرمونية التى
تختص بها الفتاة فى زيادة درجة الاكتئاب لديها ، وايضا فإن التغيرات الفسيولوجية الجسمية الهائلة التى تحدث للفتاة وتنعكس على حالتها المزاجية ،
لا يمكن إنكار أثرها فى هذا الشأن – تغير نسب الجسم ، استدارة بعض أجزائه ،ظهور الشعر فى بعض الأماكن ، ثم تدفق الحيض وما يشوبه من تأثيرات سلبية – .
أما فيها يتعلق بتفوق المرأة على الرجل فى الاكتئاب فى المرحلة العمرية الثانية المدروسة (سن 19-23) فإن النتيجة تتفق مع أغلب الدراسات الأجنبية فى الموضوع وإن كانت تتعارض مع بعض الدراسات الهامة فى التراث النفسى . فهناك عدد غير قليل من الدراسات الأجنبية ، أشارت إلى أن الفروق بين الجنسين فى الاكتئاب تختفى لدى طلاب وطالبات الجامعة وذلك على أساس أن النساء الصحيحات أو ذوى الصحة النفسية الجيدة ، أو غير المكتئبات هن اللاتى يدخلن الجامعة (Nolen-Hoeksema, 1987, p.264) ومن ناحية أخرى فإن الرجال الذين يلتحقون بالجامعة يمثلون الصحة النفسية للرجال عموما، وذلك ربما لأن من المنتظر أن يذهب
الرجال للجامعات أكثر من النساء ، ومعنى ذلك ، حتى الرجال المكتئبين يلتحقون بالجامعة . ومعنى هذا ، أن غياب الفروق بين الجنسين لدى طلاب الجامعة يرجع إلى أن النساء الملتحقات بالجامعة يعتبرن نساء منتقيات من ناحية الصحة النفسية (Ibid.,p.265).وهناك دراسات عديدة أكدت اختفاء الفروق بين الجنسين فى الاكتئاب لدى طلاب الجامعة (Herman, 1979, P. 918; Parker, 1979, P. 129)
وبالنظر إلى تكوين عينة الفئة العمرية 19-23 ، نجد أن الإناث فيها تكونت من 51 طالبة جامعية و 29 من العاملات ، والذكور تكونت من 69 طالب جامعى و 11 من العاملين ، وإذا كانت الدراسات السابقة التى
أشارت إلى عدم وجود فروق بين الجنسين فى الاكتئاب لدى طلاب الجامعة صحيحة ، كان من المنتظر أن تختفى هذه الفروق فى هذه الفئة العمرية المدروسة فى الدراسة الحالية وذلك لأن عينات الإناث والذكور تتكون فى الأغلب من طلاب الجامعات .
والواقع أن نتيجة الدراسة فيما يتعلق بهذه الفئة العمرية تؤكد استمرار تواجد الفروق بين الجنسين فى الاكتئاب فى هذه المرحلة العمرية ، وتشير إلى احتمال تواجد هذه الفروق لدى طلاب الجامعات أيضا.
وبالنسبة للفئة العمرية الثالثة سن 23 – 27 ، نجد أن الفروق الجنسية فى الاكتئاب بدأت فى الانخفاض وقد يكون ذلك مؤشراً على تأثير الحياة الجامعية فى سنواتها الأخيرة على شخصية ونفسية الفتاة- وحيث
كانت 46 من أفراد العينة طالبات جامعيات – ، وتدفعنا هذه النتيجة إلى ضرورة النظر فى نتائج بعض الأبحاث التى تناولت علاقة المستوى التعليمى بالصحة النفسية عموماً وبالاكتئاب على وجه الخصوص * . فقد أشارت العديد من الدراسات إلى العلاقة السالبة بين الاكتئاب ومستوى التعليم
بالنسبة للمرأة ، أى كلما ارتفع مستوى تعليم المرأة ، كلما انخفض مستوى
ما تشكو منه من اكتئاب (Graig & Van Natta, 1979, P. 153 ; Roberts & O’Keffe,1981 P.398)
أما بالنسبة للفئتين الرابعة والخامسة ( سنة27 – 31 ، 31- 35) فإن الفروق بين الجنسين فى الاكتئاب اختفت تماما . وأهم ما يمكن الاعتماد عليه فى تفسير هذه النتيجة ، أن كل أفراد الفئتين العمريتين من العاملات ، وهذه النتيجة تتفق مع نتائج الدراسات السابقة والتى أشارت إلى أن المرأة العاملة أقل فى الاكتئاب من المرأة غير العاملة .
إن وجود أمرأة عاملة فى الأسرة يجعلنا نطلق على هذه الأسرة اصطلاح أسرة غير تقليدية ، وحيث تنزل المرأة إلى مجال العمل مما يتيح لها- مثل الرجل- مصدرين للإشباع النفسى – العائلة والعمل- وإذا ما فقدت أحد هذين المصدرين ، فإنها يمكن أن تلوذ إلى المصدر الثانى ويكون فى هذا حماية لها من الاكتئاب وفى نفس الوقت يساوى بينها وبين الرجل فى فرص الإصابة بهذا الاضطراب . ويعتمد هذا التفسير على ما ذهب إليه جوف و تودور (Gove & Tudor, 1973,Cited In Nolen- Hoeksema, 1987,
P. 272)
وحيث رأى الباحثان فى نظريتهما عن الأدوار الجنسية ، أن وجود نوعين من المهام أو الأدوار فى حياة الفرد بالتأكيد يؤدى إلى حمايته من الاكتئاب ، وعلى هذا الأساس فإن مصدر الخطأ فى الدور التقليدى للمرأة – التى لا تعمل – هو أنه يسمح لها بمصدر واحد للإشباع – وهو العائلة – بينما يتمتع الرجل بمصدرين من مصادر الإشباع – العائلة والعمل – وإذا ما فقد مصدراً منهما ، فسوف يظل لديه آخر يلوذ إليه وقت الحاجة .
وهناك بعض الدراسات التى تقوم على الأدوار الجنسية تعارض النتائج السابقة ومنها واحدة ترى أنه بالعكس ، أن المرأة العاملة لا تزال تتفوق على الرجل فى الاكتئاب . ويفسر أصحاب هذه النظرية ذلك ، بأن نزول المرأة إلى العمل يضعها فى توقعات متصارعة (Frieze, et al,1978 ; Kohn, et al., 1965, Cited In Nolen- Hoeksema, 1987, p. 272)
لذلك فمن المنتظر من المرأة أن تكون سلبية ، غيرية أو غير أنانية ، وذلك تمشيا مع دورها الأنثوى ، وفى نفس الوقت فهى مطالبة فى مجال العمل أن تؤكد نفسها أو أن تكون مؤكدة لذاتها assertive ، ومتمكنة لو أرادت أن تنجز عملها .
وهذه الازدواجية فى التوقعات تعتبر أمرا فى غاية الصعوبة ،
لذلك فإن المرأة ربما تضطر لاهمال أحد الدورين فى سبيل تحقيق الدور الثانى ، فإن الانحراف عن الدور الجنسى الطبيعى ربما يؤدى إلى رفض اجتماعى لها . وقد أكدت نتائج بعض الدراسات وجهة النظر هذه .
ورغم ذلك ، فإن هناك دراسات عديدة أكدت ما توصلت إليه الدراسة الحالية ، من أن نزول المرأة إلى العمل، قد مكنها من مصدرين للاشباع ، وساعد على اختفاء ما كان بينها وبين الرجل من فروق فى الاكتئاب ، فقد وجد رادلوف (Radloff, 1975) أن النساء العاملات كن أقل اكتئاباً من النساء غير العاملات ، كما توصلت روزنفيلد و انسيل ( Rosenfield, 1980, P. 37., Ensel, 1982 Cited In Noln -Hoeksema, 1987) إلى نتائج متشابهة .
وهناك تفسير ثانى لاختفاء الفروق بين الجنسين فى الاكتئاب
ابتداء من سن 27 ، وهو الحالة الزواجية ، فبالنظر إلى الحالة الزواجية متزوج ، أعزب ، أرمل ، مطلق – للإناث الفئة العمرية 27-31 ، وجد
ما يلى : 50 متزوجة ، 23 أعزب ، 3 مطلقة ، واحدة أرملة = 77.
كذلك بالنسبة لأفراد الفئة العمرية 31-35 ، وجد مايلى : 23 متزوجة ،6 أعزب، واحدة مطلقة ، ولا واحدة أرملة = 40 وتعنى هذه البيانات أن الحالة الزواجية متزوج هى السائدة لدى مجموعات الفئتين العمريتين (27-31، 31 -35) .وقد أشارت العديد من الدراسات إلى العلاقة السالبة بين الحالة الزواجية والاكتئاب ، وبالتحديد ، فإنه ينتظر أن تكون المرأة المتزوجة أقل اكتئابا من غير المتزوجة ، أو أن يزداد انتشار الاكتئاب لدى النساء غير المتزوجات بالمقارنة بالنساء المتزوجات* فقد أوضح كريج وزملاؤه (Craig, et al , 1979, p. 150) أن المتزوجين لديهم نسبة أقل من الأعراض الاكتئابية ، كما وجد تيرنز (Turns, 1978, P. 10) أن عامل الخطر للإصابة بالاضطرابات الوجدانية يقل لدى المتزوجين بالمقارنة بغير المتزوجين – باستثناء ذهان الهوس – الاكتئاب .
ولابد من الإشارة إلى أن التفسيرات التى تم ذكرها لاختفاء الفروق بين الجنسين فى الاكتئاب ابتداء من سن 27 قد لا تنطبق على الفئات
العمرية التالية ، والتى لم تخضع للدراسة. فهناك عوامل أخرى عديدة
سوف تتدخل فى الظاهرة موضوع الدراسة – الفروق الجنسية فى الاكتئاب – وتجعل من الصعب القول بأن اختفاء الفروق بين الجنسين فى الاكتئاب والذى اتضح فى هذه الدراسة ابتداء من سن 27 هو اختفاء نهائى .
ومن بين العوامل الهامة التى ينتظر أن تؤثر فى الفروق بين الجنسين فى الاكتئاب فيما بعد سن 35 نجد عامل السن ذاته ، وما يتركه التقدم فى العمر على المرأة من آثار جسمية فسيولوجية ( توقف الطمث مثلا وما أثير حوله من جدل ) انخفاض الجاذبية وارتباطها بمفهوم الذات الأنثوى .
ومن العوامل الهامة التى تم بحثها فى هذا الصدد ، تعدد الابناء وزيادة المسئوليات الملقاة على كاهل الزوجة العاملة للدرجة التى قد تضعها فى صراع تعدد الأدوار والذى ذهب إليه بعض الباحثين ، وقد أشارت انشنسيل وزملاؤها (Aneshensel, et al, 1981,p. 388) إلى أن وجود أطفال فى منزل الأسرة ، يزيد من وجود الفروق بين الجنسين فى الاكتئاب – فى
اتجاه المرأة – وذلك لأن هذا يزيد من المطالب الملزمة للمرأة .
وفى نهاية مناقشتنا للنتائج ، تبقى عدة توصيات أوضحتها هذه المناقشة :
الأولى : بما أن الفروق بين الجنسين فى الاكتئاب أصبحت حقيقة ثابتة ،
فلابد من تخصيص معايير منفصلة لكل جنس على مقاييس الاكتئاب .
الثانية : من المفيد دراسة الفروق بين الجنسين فى الاكتئاب باستخدام عينات من الأطفال ، وهذا يقتضى إعداد مقياس مناسب لقياس الاكتئاب لدى الأطفال ، وذلك بهدف معرفة متى تبدأ الفروق بين الجنسين فى الاكتئاب ، وما هى العوامل التى تساهم فى ظهور هذه الفروق .
الثالثة : من المفيد دراسة الفروق بين الجنسين فى الاكتئاب لفئات عمرية
فوق 35 عاماً وإلى فئات عمرية أعلى وذلك لمعرفة هل تظهر الفروق بين الجنسين فى الاكتئاب مرة أخرى وما هى العوامل التى سوف تؤدى إلى ذلك (بيولوجية ، نفسية ، اجتماعية ) .
إن تحقيق هذه التوصيات الثلاث يعتبر أمراً ضرورياً لزيادة فهمنا للاكتئاب سواء كان مجرد مشاعر اكتئابية ، أو أعراضاً اكتئابية أو زملة متكاملة ومترابطة من الأعراض يطلق عليها مصطلح اكتئاب .

المراجع العربية
-غريب عبد الفتاح غريب (1985) خرافة أسمها سن الياس . مجلة
العلميون ، فبراير العدد الرابع 46-47.
-غريب عبد الفتاح غريب (1985)* : مقياس الاكتئاب (د) كراسة التعليمات وأوراق الإجابة ، القاهرة . النهضة المصرية .
-غريب عبد الفتاح غريب (1986) ** : مقياس القلق (A) كراسة التعليمات وأرواق الإجابة وقائمة المعايير القاهرة . النهضة العربية .
-غريب عبد الفتاح غريب (1988) : مقياس الاكتئاب (د) للصغار ، كراسة التعليمات وأوراق الإجابة وقوائم المعايير . القاهرة . النهضة العربية .
REFERENCES
-Amenson, C. & Lewinsohn, M.(1980) An Investigation into the observed sex difference in prevalance of unipolar depression. Journal of Abnormal Psychology, 90. No.1, 1-13.
-Aneshensel, C., Frerichs, R.& Clark, V.(1981) Family roles and sex difference in depression. Journal of Health and Social Behavior. 22, Dec, 379-393.
-Baumgart, E.P. & Oliver, J.M. (1981)Sex – ratio and gender differenes in depression in an unselected adult population. Journal of Clinical Psychology, July, 37, No. 3, 570-573.
-Beck, A. (1967) The Diagnosis and Management of Depression. Philadelphia: University of Pennsylvania Press.
-Beck, A., Rush, A., Shaw, B. & Emery,G.(1979) Cognitive Therapy of Depression. New York : The Guilford .
-Bruning, J. (1968) Computational Handbook of Statisitcs. New Jersy: Scott, Foresman and Company .
-Byrn, D.G. (1981) Sex differences in the reporting of symptoms of depression in the general population. British Journal of Clinical Psychology, 20, 83-92.
-Craig, T & Van Natta, P. (1979) Influence of demographic characteristics on two measures of depressive symptoms.Arch Gen Psychiatry, 36 Feb, 149-154.
-Flor-Henry, P. (1978) Gender, hemispheric specialization and psychopathology. Social Science and Medicine . Jul. 12. 155-162.
-Herman, M.(1979) Sex differences in depression. Dissertation Abstracts International. Aug, 40 (2.B) 918-919.
-Lewin, M.(1979) Understanding Psychological Research. New York : John Wiley & Sons.
-Nolen-Hoeksema, S.(1987) Sex differences in unipolar de -pression, evidence and theory. Psycological Bulletin 101. No. 2. 259-282.
-Parker, G.(1979) Sex differences in non- clinical depression. Australian and Newzealand Journal of Psychiatry. No. 13. 127-132.
-Roberts, R. & O’keefe, S. (1981) Sex differences in depression reexamined . Journal of Health and Social Behavior .22, Dec, 394-400.
-Rohrbaugh, J.(1979) : Women : Psychology’s Puzzle. New York : Basic Books.
-Rosenfield, S(1980) Sex differences in depression : do women always have higher rates ? Journal of Health and Social Behavior, 21, 33-42.
-Spitzer, R., Skodol, A., Cibbon, M. & Williams, J. (1981) DSM-III Diagnostic And Statistical Manual of Mental Disorders (3rd ed ) Case Book. New York : American Psychiatric Association.
-Turns, D. (1978) The epidemiology of major affective disorders. American Journal of Psychotherapy . 32, Jan. No. 1, 5-19.
-Webb, L. & Allen,R. (1979) Sex differences in mental health. Journal of Psychology, 101, 89-96.
-Weissman, M.& Klerman, G.(1979) Sex differences and the epidemiology of depression.In Edith Gomberg, & Violet Franks (Eds. ) Gender and Disordered Behavior, Sex Differences in Psychopathology. New York : Brunner / Mazel, .

كاتب المقال :
جويرية بنت الحارث
الزيارات:
6518
مشاركه المقال :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*


التعليقات

جويرية بنت الحارث
منذ 7 سنوات
#1

و فيكم بارك الرحمن .

افرام
منذ 7 سنوات
#2

بارك الله فيك ، تحياتي