القيادة تحتاج الى العنصر البشري بوصفه الشخص الذي يتحمل مسؤولية القيادة لأي نشاط في هيكل الدولة التنظيمي أو في القطاع الخاص، لذلك فقد اهتم علماء النفس في مجالات الانتقاء والتصنيف للأفراد، بدراسة هذا الموضوع اكاديميا، نظريا وتطبيقيا من خلال البحوث الميدانية، بهدف الوصول الى أفضل الوسائل التي تُمِكنُ صاحب القرار من اختيار الشخص المناسب للمنصب القيادي المطلوب، بعيدا عن التحيز والذاتية أو أي من الاعتبارات الاخرى التي تقع خارج اطار القدرة والقابلية والإمكانية لتبؤ هذا الموقع القيادي يعتقد الناس على اختلاف مستوياتهم، أنهم قادرون على تمييز “القائد” من النظرة الأولى، لكن الادبيات التاريخية، تكشف لنا خطأ هذا الاتجاه الذي يرتبط بالوجدانيات أكثر من إرتباطه بالحكمة والاختيار السليم، لذلك فأن إهتمام الباحثين المتخصصين في مجال الانتقاء، ينصب دائما في إعداد الوسائل العلمية المقبولة في اختيار القادة المؤثرين في مجالات العمل المختلفة. واليوم تتوافر العشرات من الاختبارات التي تقيس القابليات القيادية الكامنة والظاهرة. ومن الجدير بالذكر فأن كل الاختبارات المتوافرة عالميا، تنطوي على العديد من المحددات ويجب إستخدامها بدقة واهتمام ومن قبل مختصين محايدين.
ويُشير العالم فيردريك ويندل (1992) الى أن الاختيار الضعيف أو غير السليم للقيادات، يُرتِبُ نتائج إقتصادية وتنظيمية باهضة على المدى المتوسط والبعيد. لذلك، تذكر العالمية مريم كلارك (1996) بالأدلة العلمية، أن استخدام بطارية (مجموعة) من الاختبارات المختارة بشكل دقيق، إضافة للمعلومات الموضوعية عن الشخص المطلوب تقييّمه لتبؤ موقع قيادي من خلال المقابلة الشخصية المقننة، يمثل أفضل الطرائق للتنبؤ الصحيح بدلا من حصر عملية الانتقاء بالخبرة المهنية فقط.
وتحدد المصادر العلمية عددا من المزايا أو المحاسن التي يجب أن تتوافر في التقييمات العلمية المقننة لمناصب الكوادر القيادية المتقدمة مقارنةً مع الوسائل الاخرى، نذكر هنا، أهم ثلاث منها:
01ان تكون الاختبارات والتقييمات موضوعية objective، والتصحيح يتم من قبل مختصيين خارجيين، أو أن تكون طريقة التصحيح سَلِسة وبَسيطة الى الدرجة التي لا يُسمح فيها للتحيزات الشخصية.
02لقد صممت هذه الاختبارات لتكشف بشكل منظم عن المفاتيح الاساسية لقابلية القيادة. مثلا: يسأل الاختبار ضمن عشرات الاسئلة المقننة عن اتجاهات المفحوص نحو فريق العمل ومشاركة المرؤوسين في الأداء والإنتاج وإتخاذ القرار، بينما لا تُوفر المقابلة الشخصية هذهِ المعايير، بل على النتائج المباشرة كونها تستند في الاساس الى السؤال المفتوح والاجابة المفتوحة فقط، إضافة للمعلومات الشخصية.
03إن حصيلة المعلومات والتغذية الاسترجاعية من التقييمات تُوفر الفرصة لأختبار أعدادٍ كبيرة من المرشحين للمناصب القيادية العليا في المجالات المختلفة، مقارنة بالأعداد القليلة التي يمكن توفرها المقابلات الشخصية.
وقبل التعرف على بعض الاختبارات المستخدمة عالميا في إنتقاء الافراد للمناصب القيادية العليا في المنظمات الحكومية والقطاع الخاص، لا بد ان نتساءل عن وضوح المفهوم لأي اختبار من الاختبارات ولما يقيسه هذا الاختبار أو ذاك، اذ إرتبط مفهوم القيادة والقائد الاداري أو العلمي عبر السنين بالحضور الاجتماعي، والرؤية الثابقه، والذكاء، والكفاءة الشخصية، والطاقة والديناميكية العالمية، والمهارات التقنية، والمهابة وسمات اخرى كثيرة. أما على مستوى الاختبارات المقننة، فأن كل اختبار يعكس مجموعة من السمات حول القيادة والقائد وليس كل السمات والخصائص. لذا فأن المنظرين في مجال الاختصاص لا زالوا يجادلون في موضوع الفروق بين الادارة والقيادة (Management & Leadership)، بوصف الاولى على انها الادارة التقليدية، والثانية على انها الهادفة والمَوجَهة والمبدعة والأنسانية.
وعلى سبيل المثال لا الحصر، فأن اختبار Benchmarks في الآفاق والتوجهات الادارية، يُركِز على أمور، مثل: التفاوض، المعرفة التقانية المتقدمة، وحل المشكلات. بينما، يُركِزُ اختبار التطبيقات القيادية Leadership Practices Invetory ، بعكس ذلك، على: القيادة المبدعة وغير العادية في مجالات، مثل: التحدي، رؤية الشراكة في العمل، وتشجيع الجوانب الأنسانية. لذلك فمن الواضح، على المفحوص أو المرشح لمنصب قيادي، أن يجتاز كلا الاختبارين بطريقة تختلف أحدهما عن الاخرى وتبعا لأهداف كل اختبار.
وبغض النظر عن تعريف أو توصيف المنصب القيادي بشكل محدد، فان الاختبارات الذاتية، نادرا ماتقدم مؤشرات قياسية مباشرة عن كفاءة الأداء في القيادة، بل تقدم بدلا من هذا، مؤشرات تبين مُستوى إدراكات المفحوص أو المرشح للمنصب القيادي، لأداءه، ومن وجهة نظره. وبما ان الادراكات الذاتية عموما تنطوي على النظرة الذاتية العالية، فأن علماء القياس والاختبارات، يذهبون الى التحقق من نتائج الاختبارات من خلال النظر الى الترابطات الأحصائية بين هذه النتائج ومستوى الاداء الفعلي على أرض الواقع لهؤلاء الاشخاص. ولغرض ايجاد المصداقية والثبات في هذه الاختبارات فأن الدرجات العالية فيها، اذا ما ارتبطت بالاداء العالي على أرض الواقع، إذاً فهي (أي الاختبارات) سليمة وصحيحة من ناحية التنبؤ بنجاح المرشح.
ومن أهم الاختبارات العالمية الواسعة التطبيق في هذا المجال اختبار المهارات القيادية The Leadership Skills Inventory (LsI) ، والذي يستخدم في إتجاهين، الاول: التعرف: على القدرات والقابليات الموجودة لدى المرشح، والثاني: وضع خطة تدريبية كاملة للمرشح بضوء النتائج لتعزيز المهارات التي يكشف الاختبار عن عدم وجودها أو ضعفها لدى المرشح. ويستغرق التطبيق لهذا الاختبار حوالي(50) خمسين دقيقة. واثناء التطبيق يُمكِنُ الكشف عن مستوى المهارة لدى المرشح من خلال خمسة أقسام ينطوي عليها الاختبار، وهي كما يأتي:
1. القسم الاول: مهارات الادارة الذاتية، في السيطرة على الذات وتطور الذات
Self-Management skills for self-control and Development.
2. القسم الثاني: المهارات البين – شخصية لبناء العلاقات الايجابية
Interpersonal skills for Building Positive Relation ships” ”
3. القسم الثالث:المهارات الارشادية والتوجيهية في إدارة المشكلات
“Counseling Skills for Problem Management”
4. القسم الرابع: المهارات الاستشارية في تطوير وتنمية المجموعات والمنظمة الادارية.
“Consulting skills for Group and Organization Development”
5. القسم الخامس: مهارات الاسلوب والدور والمناورة في تنمية المرونة والتأثير على الآخر.
Style, Role, and skill shifting to Develop verstality and Effectiveness”
ومن خلال التطبيق ومن ثم تطوير المهارات بضوء النتائج، يصبح الفرد المرشح للمنصب القيادي أو الموجود في المنصب القيادي حاليا أكثر ثقة بنفسه، ومستعداً لان يكون أكثر تأثيرا في الاخرين والمجموعات في منظمته، فضلا عن قدرته التعرف على المهارات التي يحتاج اليها في منظمات أخرى غير منظمته.
وهناك اختبار ظريف أخر يمكن تطبيقه على المرؤوسين في المنظمة التي يعمل فيها القائد الاداري في المستويات المختلفة، ويُطلق عليه إختبار المهارات القيادية- الاخرين:
” Leaders ship Skills Lnventory- Others, (LsL-o)
ويوفر هذا الاختبار للقياديين البيانات والمعلومات التي بضوءها يستطيع القائد الاداري أن يقيس الكيفية التي ينُظُر بها اليه، وزملاءه في العمل والمقربين منه ضمن فريق العمل الذي يقوده.
وخلاصة القول أن الاختبارات المستخدمة لقياس المهارات لدى المرشحين للمناصب القيادية أو للعاملين فعلا في هذه المناصب، وفي مقدمتها اختبار ( LSI ) الذي سبق ذكره، يستخدم لـ:
1. قياس قدرة القائد في التأثير بالاخرين.
2. تصميم وخلق الخطط التدريبية للقيادة الجيدة.
3. زيادة الانتاج والعمل الجماعي.
4. زيادة القدرات والقابليات والمهارات لدى القائد.
لذلك فأن هذه الاختبارات لاتهدف فقط لفرز المؤهلين للمناصب القيادية وانما تساهم بشكل علمي وفعلي في تطوير مهاراتهم وتنميتها بالاتجاه الذي يجعلهم قادة متميزين ومبدعين في مجال أعمالهم القيادية.
ومن المعروف عالميا، ولابد من ذكره هنا في هذه المقالة، أن المرشحين للمناصب القيادية العليا والمتوسطة والدنيا، وقبل تطبيق اختبار المهارات القيادية، يجب أن يمروا بسلسلة من الاختبارات الأولية الأخرى التي تؤهلهم لتطبيق الاختبار الأساس، وهي:
1. إختبارات في الذكاء الفطري والاجتماعي والانفعالي. ومن اهمها اختبار وكسلر
( WAIS ).
2. اختبارات في الشخصية والصحة النفسية. ومن اهمها اختبار مينسوتا المتعدد الأوجة للشخصية (MMPI ).
2. اختبارات للاستعدادات والاتجاهات، ومن أهمها اختبارات فلانجن بأشكالها المتعددة
( Flanegan Tests).
4. إختبارات في الابداع والابتكار، ومن اهمها اختبارات تورنس وكلفورد (Guilford and Torrans tests ).
وبهذه الطريقة نكون قد وضحنا ما أردنا تسليط الضوء عليهِ في هذهِ المقالة، وما يتفق مع التوجهات العالمية في الدول المتقدمة والمتحضرة في إختبار المرشحين للمناصب والمواقع القيادية في المنظمات الحكومية والقطاع الخاص وعلى اختلاف مستوياتها: العليا والمتوسطة والدنيا.
ولاندّعي هنا توفر الأمكانات لتطبيق (مجموعة) متكاملة من هذه الاختبارات مرّة واحدة وفي كل المفاصل والمحطات في الدولة، لكن البدء بهذا المشروع في واحدة من مؤسسات الدولة أو وزاراتها، يُمثل نقطة الشروع أو الانطلاق نحو تطبيقات أكثر أتساعا وشمولا، وبعد أن يتحقق أصحاب القرار من اهمية هذا المشروع وصلاحيته في زيادة الانتاج، ومقاومة الفساد الاداري والمالي، وتحجيم الهدر في أموال الدولة من خلال بعض الأختيارات غير الصحيحة للاشخاص لتبوء مواقع وأماكن قيادية.
ومع البدء في التأسيس لهذا المشروع، لابد من إناطة العمل به الى مختصين محايدين ومدربين في مجال الانتقاء وتصنيف الافراد ضمن أحد المراكز العلمية البحثية النفسية الموجودة في الجامعات العراقية. وقد سبق وان نوهنا في مقالة سابقة عن فكرة تأسيس وحدة للانتقاء والتصنيف والقياس في مركز البحوث النفسية في جامعة بغداد، لتقوم بجمع وتصنيف الاختبارات العالمية في المجالات المختلفة بهدف تطبيقها والاستفادة منها، وفي إطار مشروع اكبر وأوسع، ذلك هو المختبر النفسي الذي بامكانه أن يقدم كل ما يحتاج اليه أصحاب القرار، أو ما تحتاج اليه المنظمات والمؤسسات في الدولة والقطاع الخاص من معلومات وتنبؤءات عن الافراد المرشحين للمهن والوظائف والاعمال وعلى اختلاف أنواعها واشكالها.

كاتب المقال :
نور فهد
الزيارات:
8212
مشاركه المقال :
مقالات مشابهه:
    لاتوجد مقالات مشابهه

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*