السَّعادة الحقيقية وعلم النفس الإيجابي
أفضل السُّبُل إلى سعادة الفرد

ندى الحاج
في العام 1998، حصل تحوُّل فجائي في حياة عالِم النفس الأمريكي مارتن سيلِغْمان، وذلك بفضل ابنته الصغيرة ذات الخمسة أعوام التي أزعجتْه بغنائها ورقصها في أثناء انشغاله في انتزاع عشب حديقته اليابس، قبل أن ترمي العشب في الهواء.
إثر توبيخه لها سألتْه لمَ هو دائم الاعتراض – وإذا بغلالة تتمزَّق في داخله، ويقول: “خلال خمسين عامًا حملت الكآبة في نفسي؛ وفي السنوات العشر الأخيرة لم أشعر بالشمس التي غمرت منزلي.”
مذ أعلن فرويد في العام 1895، في دراسته حول الهستيريا، أن هدف “العلاج بواسطة الكلام” هو تحويل “الألم العصابي” إلى “تعاسة عادية”، مال علماء النفس إلى العمل في شكل أساسي وفقًا لمثال المرض الطبي.
تعكس هذه الظاهرة، في رأي سيلِغْمان، فكرة متجذِّرة عميقًا في الثقافة الغربية، وهي الإيمان بأن السعادة في صورة عامة، وكلُّ عاطفة إنسانية إيجابية، شعور غير أصيل، وأن أساس هذه العقيدة، الفاسدة حتى العظم، يعود إلى مبدأ “الخطيئة الأصلية” Original Sin. صحيح أن علم النفس ساعد ملايين المتألِّمين من الأمراض النفسية، لكن هذا العناد المطلق في سبيل كشف النواقص وتصحيح الأضرار – بحسب سيلِغْمان – كانت له عواقبُه الوخيمة. ويشير إلى أن المجلات المتخصِّصة تنشر مقالاً واحدًا حول السعادة مقابل مائة حول التعاسة! ونفهم الأسباب التي تجعلنا نيأس أكثر من تلك التي تُفرِحُنا. يتساءل سيلِغْمان: “أما من مكان أكبر لعلم النفس الإيجابي المرتكز على الراحة الفكرية الدائمة، أي على السعادة؟”
انطلاقًا من التحوُّل الجذري الذي أصابه، عَقَدَ سيلِغْمان حلقات دراسية مع بعض رفاقه الاختصاصيين في علم النفس الذين قاسموه نعمته الجديدة، ووضع الفريق الصغير الخطوط العريضة لمشروع يهدف إلى جمع الأبحاث الضرورية والإعانات المالية في سبيل تثبيت رؤيته حول علم النفس الإيجابي Positive Psychology الذي كان رائده. ومنذ ذلك الحين، اجتاز علم النفس الإيجابي دربًا طويلة: إذ يمارسه اليوم نحو ألف شخص في الولايات المتحدة وبضع مئات في أوروبا خارج دائرة المحترفين والدراسات المتخصصة والمحاضرات العالمية، وخاصة بعدما نشر سيلِغْمان كتابه السعادة الحقيقية* في أيلول 2002، شارحًا فيه كيفية استعمال علم النفس الإيجابي الجديد لتحقيق الطاقة الكامنة لدى الفرد من أجل تفتُّح شخصيته وانشراحها.
يبدو الكتاب، للوهلة الأولى، إضافة جديدة إلى سلسلة طويلة من الكتب التي تبغي مساعدة العطاش إلى الروحانية وتحقيق الذات، والمتجمهرين حول “حركة تطوير الطاقة الإنسانية” التي تأسَّستْ في الستينيات على يد أبراهام مازلو، الذي كان واحدًا من رؤساء “الجمعية الأمريكية النفسية”. لكن من المؤكد أن سيلِغْمان الذي سبق أن نشر كتبًا أخرى عن علم النفس، مثل التفاؤل المكتَسب وما تستطيع تغييره وما لا تستطيع تغييره، يبغي مساعدة قرَّائه على التطور في سبيل الراحة النفسية، بعدما نشر كتبًا تختصر أبحاثه القديمة، مثل يأس وعلم نفس غير عادي. ويؤكد أن دراساته الجديدة ترتكز على ملاحظات علمية دقيقة.
إن نتائج الدراسات العلمية الحديثة ليست كلَّها مشجِّعة: إذ تدل على وجود أساس وراثي للمزاج؛ ويؤكد عدد كبير من الباحثين اليوم أن 50% من التغيرات المزاجية تحدِّدها الوراثة سلفًا، حتى إن الظروف المسؤولة عن فرحنا أو حزننا، باستثناء الصدمات القوية، لا تبدِّل مزاجنا إلا مؤقتًا، لنعود، بعد نحو ثلاثة أشهر من حصولها، إلى حالتنا العاطفية الطبيعية.
أدَّت تلك الملاحظات بسيلِغْمان ورفاقه إلى استبعاد النظريات الشديدة التفاؤل حول ليونة الشخصية الإنسانية المسيَّجة بحدود حقيقة تكبِّل قدرة الفرد على تغيير طبعه. لكن، في المقابل، يملك علم النفس الإيجابي جوانب جيدة تساعد الإنسان على العيش في المستويات العالية من سلَّم السعادة: الإحساس أكثر بالعواطف الإيجابية، والاكتفاء بالفائض الحقيقي والدائم، من دون اللجوء إلى أدوية.
بعدما ربطت مختلف الإيديولوجيات والعقائد، كالماركسية والفرويدية والداروِنية، قَدَرَ الفرد بقوى مستقلة عن إرادته، كصراع الطبقات والحوافز اللاواعية أو البقاء للأنسب، وفشلت في إقناع الإنسان بوجود السعادة، يشير سيلِغْمان إلى أنه قد حان الوقت لإعادة إحياء الطَّبع كمبدأ أساسي للدراسة العلمية حول السلوك البشري. من أجل ذلك، عمل مع كريستوفر بيترسون، بمساعدة فريق من الباحثين، على وضع تصنيف للعناصر الإيجابية في القوى الفكرية والفضائل، والتركيز عليها أكثر من الاضطرابات النفسية. وهكذا وُضِعَتْ لائحةٌ بأربعة وعشرين عنصرًا، موزَّعة على ستِّ فئات عامة هي: الحكمة والشجاعة والحب والإنصاف والاعتدال والروحانية. وقد عمَّق الفريق أبحاثه العيادية بقراءة أعمال حول الحكمة الآتية من مختلف بقاع العالم، بدءًا بأفلاطون وأرسطو ولاو تسُه، وصولاً إلى التلمود وتوما الأكويني والقرآن، مرورًا بكانط والفلسفة الألمانية، مشددًا على أن علم النفس الإيجابي لا يأمر بل يوصي؛ وهو لا يفرض الصفات التي يجب تبنِّيها، بل يصوِّر لنا نتائج خياراتنا. فالإحصاءات تشير، مثلاً، إلى أن التفاؤل يحضُّ الفرد على تخطِّي الفشل وتحمُّل تحديات جديدة؛ كما أن التسامح والامتنان يحرِّرانه من المرارة والضغينة حيال الماضي.
وتدلُّ دراسات أخرى قام بها سيلِغْمان على أن بعض الأحداث السلبية في مرحلة الطفولة لا تؤثر تأثيرًا خطيرًا على حياة الراشد، باستثناء بعض الصدمات الأساسية، كالعنف البدني؛ مما يعني أن جهد عدد كبير من علماء النفس لتحرير الغضب المكبوت إزاء الوالدين يوفِّر حجة أكبر لتحفيز المرارة.
يمدح سيلِغْمان منافع فضائل أخرى في كتاب السعادة الحقيقية، ناصحًا للقارئ بالتماثُل مع تلك الفضائل التي يشعر في نفسه أنه مستعد لها، وبالتنمية الإيجابية لهذه القوى التي تشكِّل توقيعه الخاص، كالطاقة على الحبِّ أو تربية الأولاد أو العمل.
وعلى الرغم من أن أعمال سيلِغْمان لاقتْ ترحيبًا واسعًا – ولاسيما أنها تشدِّد على أهمية الصحة النفسية البعيدة عن جوِّ الانتحاب والشعور المزمن بالذنب – إلا أن البعض انتقد علم النفس الإيجابي بأنه لا يقدم جديدًا مختلفًا عن الحكمة القديمة؛ مع أنه مَنَحَ انطلاقة جديدة لمبدأ قديم كان يسمي السعادة “الحياة الجيدة”، التي اعتبرها أرسطو ثمرة فضيلة وهي: أن نعرف كيف نحيا.
على غرار سيلِغْمان، سمع القديس أغسطينوس في إحدى الحدائق صوت طفل تسبَّبَ له في رؤية مباغتة، جعلتْه يكتب مقالة حول السعادة عنوانها الحياة السعيدة، وذلك بعد حياة كامدة. والسر يكمن بنظره في اقتناع الإنسان بأنه لن يدرك السعادة في هذه الحياة، بل في الحياة المقبلة. وحده الله هو السعادة، ومن دونه سنظل دائمي الحزن وغير كاملين.
سيلِغْمان لا يشاطر القديس أغسطينوس الرأي بالطبع، بل يشير في كتابه إلى أن في إمكان علم النفس الإيجابي أن يضعنا على سكة إله ليس الإله فوق الطبيعي Supernatural. فكأنه يبشِّر بإله السعادة الذي من واجبنا بشرًا البحث عنه؛ وبمجرد إيماننا به يفي بوعوده لنا.
وُعود جميلة يقدِّمها علم النفس الإيجابي لِمَن لا يحمل أمراضًا نفسية خطيرة أو آثار صدمات تحتاج إلى معالجة طبية جذرية وطويلة الأمد. وعود تُطبَّق في الحياة اليومية على أفراد يبحثون عن تطورهم الدائم من خلال نقد ذاتي بنَّاء ومستمر، بغية إرساء حياة أفضل.
بين حالمي الطبع الهنيء وأصحاب المزاج السيئ، تتفاوت النظرة إلى السعادة، ويختلف السبيل إلى قطفها. ويبقى الإيمان بها هو الجامع المشترك الذي يؤدي إليها.

كاتب المقال :
رامي عياد
الزيارات:
7004
مشاركه المقال :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*


التعليقات

سعيدة عبده
منذ 4 سنوات
#1

جزاكم الله خيرا

علي إسماعيل
منذ 5 سنوات
#2

مقال رائع ومثمر وجيد

سآره آل عمرآن
منذ 5 سنوات
#3

رائئئئئع ( )
شاكرين لك حسن نقلك ..