وُلدوا ليعيشوا في جوّ يسوده الثقة
إشكالية الأطفال (0 -12 سنة) المعرضين للعنف الأسري والانعكاسات

من إعداد / د. بوعلام قاصب: باحث بجامعة الجزائر2
أخصائي في الصحة النفسية
إن مفهوم التعرض يغطي عدة حقائق، لأن أن الطفل بإمكانه أن يكون شاهد عيان للعنف الممارس على أمه. ثانيا، بإمكانه أن يسمع كلمات أو تصرفات عنيفة وهو في غرفة مجاورة. ثالثا، بالإمكان أن يفرض عليه التعايش مع تبعات العنف وكأنه لم يرى ولم يسمع بمسرح العنف الذي يحدث، مثال: لما يتحقق من أن أمه مصابة نتيجة عنف مورس عليها، تبكي وهو يرى، تقص له ما حدث لها وتخبره أنها تنوي مغادرة المنزل، أو حتى أحيانا حضور الشرطة للمنزل
إن الأطفال عرضة العنف الأسري يمرون بخبرة معقدة حيث يمكن أن يعايشوه من خلال أربع أوجه مختلفة:
1-أولا: الطفل يعيش حاملا لأسرار. إن ذكريات الأحداث العنيفة تبقى مخبأة في ذاكرة الطفل لكن تبعاتها يستمر صداها في حياته اليومية، هذه الحالة تحمل انعكاسات سلبية جسمية وانفعالية على الطفل، كونهم ليس لديهم وعي عام بمدى وحدّة العنف ولا قوة الخطر. من الناحية الانفعالية، السر يعيد خاصية اللاحقيقة أو الوهمية للعنف ويعرقل قدرات الطفل في مواجهة الأزمة وكذا خطر الصعب المشترك.
فالأطفال ينهون بالاعتقاد أنه من الخطر مواجهة الحقيقة بقبول تواجد العنف وتفضيل إغماض العينين من هز أساسيات الأسرة والشعور بالذنب بعد ذلك.في هذه الأسر، يتم تعميم مكانزم الإنكار (شعور الأطفال بأن ما حدث لم يحدث في حقيقة الأمر) ثم تصبح هناك إستراتيجية تسمح بتجاوز الحالات المقلقة. لان السر مخبأ أيضا بداخل الأسرة وليس بخارجها، فالأطفال الذين ينوون التخلص من مشاعرهم السلبية وتناقضاتهم في مواجهة وضعية عنف، يقومون بها لوحدهم.
2-ثانيا: يعيش الأطفال صراعات. فالعنف يخلق انفعالات قوية، يستنهض مسائل أخلاقية ومعنوية عميقة ويخلق انشقاق حقيقي في وسط الأسرة. هؤلاء الأطفال يعلمون أن العنف حاضر في الأسرة، لكنهم عاجزين عن اخذ وضعية واضحة اتجاهه. بإمكانهم تقمص آلام ومعاناة أمهاتهم ويحسون بالقلق اتجاه آبائهم بسبب عنفهم وتصرهم الخشن إزاء أمهاتهم.
من ناحية أخرى، يمكنهم أن يشعروا بازدراء أمهاتهم بسبب فشلهن ومحاولتهن مشاركة هذا الأب، هذا الشخص الذي يمثل بالنسبة إليهم مصدر القوة والتحكم في العائلة. كما أنهم يتصورون مجهودات أمهاتهم لأجل وضع نهاية أو حد للعنف باعتباره بسبب الانفصال في الأسرة وأخذ الجانب الأبوي لأنه سوف يغادر العائلة، يعيش وحيدا وبإمكانه أيضا حتى دخول السجن.
إذا، بإمكان الأطفال العيش في آن واحد مشاعر وعواطف متناقضة (حب وكراهية، تعلق وانفصال، القرب والنبذ) اتجاه أحد الوالدين أو الاثنين معا. تظهر تبعات هاته العواطف والمشعر المتناقضة من خلال العزلة الإجتماعية، غالبية الأطفال لا يستطيعون تحمل مثل هاته المشاعر المتناقضة لمدة أطول ومنه يرغبون في حل صراعاتهم الداخلية عن طريق تقمص جانب من شخصية أحد الوالدين. في حالة ما تقمصوا شخصية الأب، فإنهم يلجأون إلى إقرار حل صراعاتهم عن طريق العنف ويعتبرون العنف كجانب من جوانب حياتهم اليومية ويستوجب مقاسمته مع الطرف الآخر.
3-ثالثا، يعيش الأطفال في خوف ورهبة. فعندما يأخذ الأطفال وضعية أحد الوالدين، سوف يعيشون –أي الأطفال-في خوف ورهبة. يبدءون إذا في استبطان عالم قائم على العنف والعدوان. في هذه المرحلة، يكونون على وعي تام بوجود العنف بين الوالدين ويتعرفون عليه عادة من خلال وجود طرف ضحية، في الغالب تكون الأم. وبتحديدهم الأم كطرف ضحية، ينتج عن ذلك مشاعر القلق والخوف والرهبة، للأطفال اتجاه أنفسهم وعلى أمهم كذلك. هذه المخاوف لديها ما يبررها لأن الأطفال عادة ما يُعنفون أيضا مباشرة بعد تعرض الأم لذلك.
إن العنف الحالي والمجهد يخلق محيط يجعل من توقع العنف والإرهاب النفسي اللاحق جانب من واقع اليومي. في عيون الأطفال، تنقسم العائلة ما بين المُعنف (المُعتدي) القوي والفظ، في العادة هي شخصية الأب، والضحية والتي تعاني دون مساعدة أو دعم، في العادة هي شخصية الأم. أولائك الأطفال يشجعون غالبا من طرف الأم (خاصة الفتيات) بدعمهم وتقوية الروابط بينهم. بالنسبة إليها، هو أسلوب تحمي به الأم أطفالها من عنف الزوج أو الوالد.
إن مفهومهم –أي الأطفال-للوضع، يمكن أن يقودهم إلى الاعتقاد أن العالم خطر وبإمكانهم أن يعيشوا الإرهاب النفسي من خلاله. في هذه الأثناء تبرز مشاعر العجز والاكتئاب مشاركة مع الانطواء على الذات، ونقص الثقة وزيادة في مستوى التركيز واليقظة.
4-وأخيرا، يعيش الأطفال في سياق الهيمنة/السيطرة والعدائية. يتشاركون مع المٌعتدي أو المُسيء ويتقبلون من خلال سلوكهم نفس التصرفات العنيفة والتحكم في علاقاتهم الإجتماعية. تهيمن مشاعر الحنق والغضب على عالمهم الانفعالي. زيادة على ذلك، ينتهي الأطفال (خاص الذكور) إلى انه، بما أن الصراعات التي كانت بين والديهم حلت باستخدام العنف، يستدعي وجود فائز وخاسر. كما أن الأطفال يقرون ويقدرون الوالد (الأب) على تفوقه ويأخذون أمهاتهم مأخذ الضحية. ومنه، فإنهم في خطر أن يصبحوا هم أنفسهم مُسيئون ومُعتدون أو ضحايا للعنف في علاقاتهم خلال مرحلة الرشد.
ومنه، فإن الأطفال يعشون في “محيط مسموم”، في مناخ يسود مشاعر الخوف والقلق. على كل، يعتبر الطفل ضحية غير مباشرة للعنف الزوجي، سواء لأنهم شهود على ذلك، أو لأن ضغط، المخاوف وإحباطات الأم تنعكس على الأطفال. الكثير من الأطفال ينشغلون بتبعات العنف المنصب على أمهاتهم. كما أن الأمهات ينشغلن بأبنائهن أيضا، لأن غالبية نزيلات المراكز الخاصة بالنساء المعنفات تركن أزواجهن بسبب قلقهن وخوفهن على أمن أبنائهن. فالأمهات اللائي صرحن بأن طفلهم كان شاهد على العنف الزوجي كن أكثر الأمهات قابلية لترك المنزل والمغادرة بالأبناء على من يم يكن طفلهن شاهدا على العنف الزوجي (Rodgers, 1994).
إن من بين الأطفال الذين كانوا عرضة أو شهودا للعنف الزوجي، دلت أغلب الدراسات على أن ما نسبته (30 و87%) من ضحايا سوء معاملة، انتقلوا من العدوان اللفظي والنفسي إلى العدوان الجسدي والجنسي. دلت دراسة لـ “أو’كيف” O’keefe 1996 عل أن هناك ارتباط دال بين العنف الزوجي والعنف الممارس على الطفل، وأن الأطفال الذين يعيشون هذين الإشكالين كذلك، هم أكثر تأثرا في أدائهم. غالبا ما يكونوا عرضة وضحايا لأكثر من شكل من أشكال العنف (Chénard et al, 1990). أشارت إحدى الدراسات إلى أن 25% من الأطفال يتلقون ضربات أثناء حدوث العنف الزوجي (Moore et al., 1981) ويبدو أن الأطفال الأقل سنا بالخصوص، هم الأكثر تعرضا للخطر بطريقة غير مباشرة كونهم محمولون في أذرع أمهاتهم (centre national d’information sur la violence dans la famille, 1991; Bouchard, 1999; Hilton, 1992; Fantuzzo et al, 1997).
الانعكاسات السلبية الناجمة عن تعرض الطفل للعنف الممارس بين الزوجين على الصحة الجسمية والنفسية للطفل:
على المستوى الجسمي، يشتكي الطفل كثيرا من آلام في الرأس أو آلام في المعدة، ينمي أمراض الحساسية، يتعرض لأمراض جلدية، المعاناة من الربو أو التبول اللاإرادي، فقدان الشهية أو النوم-اضطراب النوم-(Kérouac et al, 1986 ; Hughes, 1986 ; Moore et al, 1981 ; Boutin, 1998). كما دلت دراسة “شينار وزملاؤه” Chénard et al 1990، على أن الأطفال الذي تعرضوا للعنف الزوجي يعانون الكثير من الإضطرابات النفسية الحادة كالعصابية والتهيج أو الهيجان (سرعة الغضب)، مقارنة مع الذين لم يتعرضوا للعنف الزوجي. وفي دراسات أخرى أجريت على 40 طفل ممن تعرضوا للعنف الزوجي و72 طفل لم يتعرضوا للعنف الزوجي. تبين أن الفئة الأولى أظهرت استجابات ذات مستويات عالية من الحدة مقارنة بالفئة الأولى وهذا على المستوى الانفعالي (مستوى عالي من الهم والأسى، خصوصا عند الذكور)، الشعور بالحاجة غل الأمن، مستويات عالية من القلق، تقديرهم لذواتهم متدني جدا، التأكيد على وجود الصدمة النفسية لأنهم كانوا عرضة لصدمات نفسية ويتجاوبون بخوف حاد، مشاعر العجز والرعب، سلوكيات مشوشة أو مضطربة.

كاتب المقال :
أ.بوعلام
الزيارات:
4785
مشاركه المقال :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*