ولد ليف فيجوتسكي في بيلورسيا عام 1896م ،وهو من اسرة روسية يهودية، لقب في سن الخامسة عشر ب”البروفسير الصغير” نظير جهوده في قيادة مناقشات الطلاب وأعداد الندوات والأعمال التمثيلية. حصل على الدرجة الجامعية من جامعة موسكو في القانون.
يعتبر من أبرز رواد اللغة وبناء الفكر ، قدم رؤية لدور المجتمع والثقافة التي تؤثر علي التنمية المعرفية للمتعلم ، قرأ كثيراً في مجال الأدب والعلوم اللغوية وعلم الاجتماع وعلم النفس بدأ عملة في مجال علم النفس عام 1924م ، كان يلقى محاضرات عبر الاذاعة لسنوات جعلته مشهوراً بين الناس. كما جدد علم النفس في روسيا بناءً على الفكرة الماركسية كجزء من الوضع الاجتماعي المترتب على الثورة الروسية آنذاك.
أهتم بالتعليم وخاصة في مجال الصعوبات العقلية والبدنية ،مثل العمى والتخلف العقلي وفقد القدرة على الكلام. أقام العديد من المعامل خصص بعضها لدراسة الأطفال ذوي الصعوبات البدنية والعقلية.
وقع في صراع مع الحكومة في عهد ستالين ووضع في القائمة السوداء خلال حكمة، حضرت اعمال فيجوتسكي من النشر.
وبالرغم من أن نظريته لم تحظ في البداية بالاهتمام والتجريب في التربية وعلم النفس مثل نظرية بياجيه ، فقد زاد الاهتمام بها حديثاً في المراكز التربوية وخصوصاً في شمال أمريكا.
في عام 1934م توفي بالسل وعمره 37 عاماً بعد عشر سنوات من العمل في مجال علم النفس.

الأطار العام للنظرية :
يرى أن التفاعل الاجتماعي يلعب دور أساسي في تطوير الإدراك، ويظهر مدى تطور الطفل الثقافي مرتين الأولى على المستوى الاجتماعي والثانية على المستوى الفردي.
فبداية يظهر بين الناس وبعد ذلك داخل الفرد، وهذا ينطبق على حد سواء على الانتباه الطوعي والذاكرة المنطقية وتشكيل المفاهيم ، وكل الوظائف العليا التي تنشأ كعلاقات فردية.
والسمة الثانية لهذه النظرية هي أن التطوير الإدراكي يعتمد على منطقة النمو القريبة المركزية فمستوى التطور يتقدم عندما ينخرط الأطفال في السلوك الاجتماعي.
فالتطوير يلزمه تفاعل اجتماعي كامل، ومدى المهارة التي تنجز بتوجيه بالغ أو تعاون أقران تتجاوز ما يمكن أن ينجز لوحده.
وتقول القاعدة التي شكلت قاعدة عمل فيجوتسكي ان الوعي لا يوجد في الدماغ بل في الممارسة اليومية.
ويعتقد أن الاتجاه الثقافي التاريخي يقدم حلاً لفهم المعضلة العلمية وتضاد المثيرات وذلك عن طريق دراسة الظواهر كتعميمات في حالة تغير وحركة مستمرة، ويرى ان التغير التاريخي في المجتمع والحياة تؤدي الى تغير في طبيعة الناس وخاصة في سلوكهم.
كما عمل على توسيع مفهوم انجلز عن العمالة واستخدام الآلة كوسيلة لتغيير الطبيعة ومن ثم تغيير نفسه. فهو يرى ان استخدامها يعتبر فعل تطوري في طبيعة الانسان تميزه عن الحيوان الذي يستخدم الطبيعة او يغيرها بوجوده فيها فقط، في حين يعمد الانسان الى ذلك عن طريق ضبطها وتغييرها لمقابلة حاجاته. ومن هذا المنطلق فإن على علماء النفس دراسة الظواهر النفسية كظواهر لها تاريخها التطوري كيفاً وكماً( تغيير البناء والسمات) ، وقد استخدم هذا الاسلوب لدراسة الانتقال من العمليات النفسية البسيطة الى العمليات العقلية المعقدة.
يعمل الانسان على استخدام الأدوات والعلامات ثم الرموز كوسائل وسيطة في سيطرته على البيئة او تكيفه لها، هذه الوسائط والتي تستدخل تدريجياً لتصبح رموزاً لغوية تمثل جهداً اجتماعياً تطورياً نمى عبر تاريخ الانسان وتغير مع تغير المجتمع.
يرى ان استدخال العلامات لتصبح رموزاً عقلية تحدث تحولاً سلوكياً ،وهذا يعني ان هذه الرموز تحدث تغيراً كيفياً وكمياً في نمط تفكير الفرد ويستمر تدخلها في العمليات العقلية المعرفية.
كما استخدم فيجوتسكي المنهج الوظيفي ذو الإثارة المزدوجة وهي طريقة تتميز بالآتي:
1- العمل في التجربة يفوق قدرة الطفل ولا يمكن حله عن طريق قدرات الطفل الطبيعية التي تم تحقيقها الى تاريخه.
2- توضع اشياء مساعدة بالقرب من الطفل ويلاحظ المجرب كيف يحاول الطفل الاستفادة منها في حل المشكلة.
3- تقديم مجموعة من المثيرات والتي تملك وظائف خاصة، وهذا يساعد على دراسة حل المشكلات عن طريق هذه الوسائل المساعدة.
تقوم هذه النظرية علي عدة نقاط منها :-
1- أنها أكدت علي توسيع مداركنا للكيفية التي يتعلم بها الطالب مادة العلوم وتأسيس ودمج الثقافة الاجتماعية في التعليم المدرسي وتنمية المنطقة المركزية 0
2- أنها تنقل بؤرة الاهتمام إلي الخبرة الاجتماعية للمتعلم 0
3- تركز علي اللغة ومدي أهميتها لنقل الخبرة اجتماعية إلى الأفراد 0
4- تركز علي تنمية المنطقة المركزية( وهي المسافة بين مستوي النمو الواقعي المحدد عن طريق حل المشكلات باستقلالية، ومستوي التنمية الكامنة المحدد عن طريق حل المشكلات تحت إرشاد وتوجيه من المعلم وتعاون مع الأقران)0
5- يتحدد التعليم في ضوء سياق اجتماعي يتطلب درجة من المهنية في تعلم مادة العلوم.
رؤيته حول التعليم:
يركز علي تأثير العوامل غير المعرفية في التعلم وتنمية استراتيجيات التدريس التي تستخدم في سياقات الفصول الحقيقة وبناء المعني من خلال التفاوض الاجتماعي، كما أنه ركز علي اللغة باعتبارها أداة تنقل الخبرة الاجتماعية إلى الأفراد وتشكل المناخ العام لبيئة الفصل ، وباعتبارها وسيطاً للتفكير ولدورها في تنمية المنطقة المركزية0
وقد زاد الاهتمام في الفترة الأخيرة بوجهات النظر المعرفية للثقافة الاجتماعية وأدرك الباحثون أن التعلم يكون في المقام الأول عملية اجتماعية معقدة تأتي بجانب نقل المعرفة ونتيجة لذلك بدأ الباحثون يستكشفون كيف تسهم اللغة والتفاعلات الاجتماعية والسياقات الاجتماعية في التنمية المعرفية لتنمية المنطقة المركزية ، فلا يمكن فهم المعني ما لم يتم ربطه بالسياق الثقافي الاجتماعي المحيط.
مفهوم النضج عند فيجوتسكي:
يعتقد ان النضج البيولوجي كعملية سلبية لا يفسر بكفاية نمو الأنماط المركبة من السلوك الانساني والتي تتميز بالتعقيد نظراً لتحولها (تطورها) الكيفي من نمط إلى آخر.
– خلافاً لذلك يعتقد أن قدرة الانسان على التغير او التطور تمكنه من تسخير الأدوات كوسيلة مساعدة لحل المشكلات الصعبة في الطبيعة أو بمعنى آخر استعمالها كوسائط.
– العلامات والرموز كالكلمات تستدخل لتقابل الأدوات الخارجية وتعمل كوسائط للتفاعل ، إضافة الى وظائفها المعرفية، وبهذه الوظائف تصبح القاعدة الأساسية للأنشطة المعرفية الأخرى.
* ويشير فيجوتسكي الى وظائف العلامة بالنقاط التالية:
أ. تظهر كنتيجة لعملية معقدة وطويلة تخضع لكل القوانين الأساسية لعملية التطور النفسي, فاستخدام الاطفال للعلامات ليس مجرد تعلم بسيط من الكبار ، ولكنها تظهر من شئ ليس في الاساس علامة ثم تصبح كذلك من خلال عمليات عديدة من التحول الكيفي (التطوري).
ب. يؤدي كل تحول من هذه التحولات المتتابعة إلى وضع أو استعداد للمرحلة التالية، كما أن المرحلة الحالية مشروطة بتحقق المرحلة السابقة.
ج. العمليات النفسية العليا تحكم بنفس قوانين النمو والتطور، ففي عملية النمو العامة يمكن أن تفرق بين العملية البدائية والتي يكون اساسها بيولوجي والعمليات النفسية العليا والتي يكون اساسها اجتماعي –ثقافي ويتولد تاريخ نمو وتطور السلوك من الحركة الداخلية لهذين الخطين.
يشير Mahn ( 1999م) انه ” عندما يبدأ الأطفال باكتساب الكلمات فهم يميلون إلى وضعها في سلسة عناصر تتصل خارجياً بالانطباع لديهم عن تلك الكلمات، وهذا الانطباع لا يكون بنفس الصورة عند جميع الأطفال في الفئة العمرية نفسها، وقد يتزامن كلام الطفل مع كلام البالغ أحياناً، فهذا التقاطع هو الذي يؤسس للطفل تفاعلاً اجتماعياً من خلال تلك الكلمات التي لها معنى. وبالرغم من اختلاف معاني الطفل عن البالغ إلا أن الطفل عنده صورة توفيقية، وتعني أن بطريقة ما أو بأخرى تجمعت هذه الصورة في مزيج واحد في فهم وتمثيل الطفل اللذان يتطابقان في هذه المرحلة مع معنى الكلمة، وخلال عملية المحاولة والخطأ، يبدأ الأطفال الصورة التوفيقية ويستمر ذلك، ولكن ليس يتوجه من الارتباطات الموضوعية الموجودة في الأشياء نفسها ، ولكن بالارتباطات الشخصية التي يستدعيها” .
يرى عبدالفتاح (1997م) أن المفاهيم لا تظهر فجأة، وإنما تتطور تدريجياً وعى نحو طبيعي، مع وجود الخبرة المناسبة والنضج والنمو العقلي، ويشرح في فيجوتسكي تطور المفاهيم لدى الطفل حتى تصبح في صورتها الناضجة لدى الشخص البالغ في المراحل التالية:
1- مرحلة الأكوام:
يميل الطفل الى تكديس الأشياء مع بعضها البعض ،فالطفل الرضيع حالما يصبح قادراً على التركيز على الأشياء الواقعة في مجال بصره يكون قادراً على استكشاف الأشياء وتشخيص هويتها بموجب صفاتها المميزة.
ويتضمن كل عمل استكشافي ينشغل الطفل به، شكلاً من اشكال التصنيف. فالطفل يتعلم تصنيف الأشخاص حسب مظاهرهم وأعمالهم.
أن الارتباطات الأولية تتراكم لتكون قاعدة من الخبرات لتكوين مفاهيم في المستقبل.
2- العقد الترابطية:
يقوم الطفل بالتصنيف على اسس أكثر موضوعية مما سبق، فهو يصنف على اساس وجود أوجه شبة أو تقارب ، إلا ان عمليات التصنيف هذه لا تعتبر دائماً دقيقة، فقد ينخدع الطفل بمظهر الشيء ويتصور أنه ينتمي الى فئه معينة يوجد بينها وبين هذه الشيء اوجه تشابه.
3- تكوين المجاميع:
يبدأ الطفل في تكوين المجموعات المتقابلة او المكاملة فهو يضع الأشياء معاً لا على اساس من وجود شيه بينهما وإنما على اساس أنها تنتمي لنفس الفئه أو تؤدي الوظيفة نفسها.
4- العقد المتسلسلة:
يبدأ الطفل في التصنيف على اساس صفة معينة، ثم يشرد ذهنه إلى صفة اخرى. وهذا في حد ذاته تطور هام إذ يعني ان الطفل يدرك أن للشيء الواحد عدداً من الصفات، وأن كل منها يصلح اساساً للتصنيف، وفي هذه المرحلة يمكننا أن نلاحظ مدى المرونة التي اكتسبها الطفل.
5- العقد الاستشارية:
لا يحدث تغير كبير في هذه المرحلة في طرق التجميع بقدر ما يحدث صقل لتلك القابلية ، فتزداد المرونة لدى الطفل.
6- أشباه المفاهيم:
يقوم الطفل بتكوين تجمعات للمفاهيم ، إلا انه غالباً ما يكون غير متأكد تماماً من طبيعة مهمته بالضبط.
7- تكوين المفاهيم:
نتيجة لتعزيز المراحل السابقة، يكون هنا تطور طبيعي للإحساس ب”أصناف” الاشياء والإحساس بأن لكل شيء في هذا العالم خصائص وصفات وسمات تشاركه بها اشياء أخرى.
نظرية فيجوتسكي في التدريس (تنمية المنطقة المركزية):
وهي الفرق بين مستوي الأداء بين التعلم الذي يكتسبه المتعلم بمفرده ومستوي التعلم الذي يكتسبه المتعلم تحت توجيه وإرشاد المعلم ، وتعتمد نظرية فيجوتسكي لتنمية المنطقة المركزية في عملية التدريس والتعلم في الفصل المدرسي علي أربعة ركائز هي:
1) طبيعة التفاعل الاجتماعي للتعلم.
2) دور الأدوات النفسية والفنية.
3) دور التفاعلات الاجتماعية كوسيط لتفكير المتعلم والممارسة الثقافية.
4) الدور المتبادل بين المفاهيم اليومية والعلمية.
ويمكن مناقشتها فيما يلي:
– طبيعة التفاعل الاجتماعي للتعلم:
طبيعة التفاعل الاجتماعي للتعلم هي عدم فصل الفرد عن المجتمع في بناء السياق المعرفي وتشجيع التعلم من خلال النشاط الجماعي التعاوني بين الطالب والمعلم وبين الطلاب وبعضهم البعض.
وبناء المعرفة وفقاً لنظرية فيجوتسكي في فصول العلوم يتم من خلال المناقشة الاجتماعية والتفاوض بين المعلم والطلاب، وبين الطلاب وبعضهم البعض كعملية اجتماعية ثقافية لتوجيه تفكير الطلاب وتكوين المعني، فالمعرفة تأتي بداية من حلال تفاعل اجتماعي لمتعلم مع شخص أكثر معرفة ومعلوماتية ، ثم بعد ذلك تبني ذاتياً كنشاط فردي ،وبذلك المعرفة العلمية تحدث من المستوي الاجتماعي ثم إلي المستوي السيكولوجي وبين الأنفس ثم إلي داخل الأنفس فتظهر في المستوي النفسي الخارجي بين الطفل وأسرته والبيئة المحيطة ، ثم تظهر بعد ذلك علي المستوي الداخلي ، ثم تتداول بين المعلم والآخرين .
– دور الأدوات النفسية والفنية:
وهي أدوات يستخدمها المعلم لتعليم طلابه ومنها :-
1- أدوات نفسية :وهي أدوات وسيطة للرؤية والعمل والتحدث والتفكير تجاه المفهوم، و تُستخدم كأداة لرؤية المفهوم من وجهة نظر المتعلم لتمده بطرق المعرفة ومنها الكتابة والرسم والحوار الشفهي والرموز والإشارات والأفكار والمعتقدات واللغة.
-2 أدوات فنية : وهي أدوات عملية يستخدمها المعلم لتمد المتعلمين بكيفية الحصول علي المعرفة ومنها الأجهزة والمقاييس والميكروسكوب .

كاتب المقال :
الحزم
الزيارات:
29589
مشاركه المقال :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*