اللغة بين منطقتي فيرنيك ……..وبروكا

-خلق الله تعالى البشر وفطرهم على التجمع وجبلهم على التواصل فأبو البشر آدم عليه السلام إستوحش البقاء في الجنة وحيداً ، ولكي يحدث هذا التجمع لابد من تداول المعارف والخبرات والمعلومات ولن يتم ذلك إلا من خلال التواصل ، وللتواصل أشكال عديدة فألوان الفراشات تعد تواصل وأصوات النحل تواصل والإشارات باليد تواصل وتبقى اللغة أعقد وأهم أنواع التواصل ، ويضيف حسام شرارة إختصاصي النطق واللغة أن أول من تكلم بجميع اللغات هو سيدنا آدم عليه السلام علمه الله تبارك وتعالي إياها وتلك اللغات المتنوعة واللهجات المتعددة تفرقت في أولاده وستظل منتشرة بينهم علي اختلاف أجناسهم وألوانهم إلي أن تقوم الساعة ويرث الله الأرض ومن عليها قال تعالي : ” وعلم آدم الأسماء كلها ” البقرة : – 31 ،أي أن الله تعالى علم آدم عليه السلام أسماء الأشياء كلها وباللغات جميعها ومن بينها اللغة العربية وغيرها من لغات اليوم ، ولذلك نرى أن تطور اللغات من لغة واحده هو أمر مستحيل وغير مقتع وفي ذلك يقول الله تعالى ( ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم ، ان في ذلك لآيات للعالمين ) الروم-22 إضافة إلى أن عدد اللغات الحية المعروفة في العالم 6912 لغة مما يؤكد على صعوبة الإشتقاق .
فما المقصود باللغة إذاً :
-اللغة هي نسق من الإشارات والرموز التي تم الإتفاق عليها بين البشر أو بين مجموعة من البشر ، وتعتبر اللغة أهم وسائل التفاهم والتواصل بين أفراد المجتمع في جميع ميادين الحياة ، وبدونها يتعذر نشاط الناس المعرفي والإجتماعي والحياتي ، وترتبط اللغة بالتفكير ارتباطًا وثيقًا ؛ فأفكار الإنسان تصاغ دومًا في قالب لغوي ، حتى في حال تفكيره الباطني ومن خلال اللغة فقط تحصل الفكرة على وجودها الواقعي وتتم من خلال ثلاثة مراحل رئيسية وهي مرحلة الإستقبال ومرحلة المعالجة ومرحلة الإرسال اللغوي وحدوث أي خلل في هذه المراحل يحدث خللاً في اللغة يؤثر تأثيراً مباشراً على تواصلنا مثل التأخر في النمو اللغوي والإضطرابات اللغوية والنطقية المختلفة والأفيزيا وهو موضوع هذا المقال.
فما المقصود بالأفيزيا :
-هي اضطراب لغوي عبارة عن فقدان اللغة بعد إكتسابها بسبب إصابة دماغية ذات علاقة بمدى انتشار هذه الإصابة ومراكز اللغة في الدماغ وهناك أسباب عديدة قد تؤدي إلى الأفيزيا منها : الجلطات، الأورام ، والإصابات الخارجية المباشرة للدماغ وإرتفاع درجات الحرارة بمعدلات خطيرة مما يؤثر على منطقتي الإستقبال والإرسال اللغوي بالدماغ ( فيرنيك وبروكا) .
:Wernicke’s area أولاً : منطقة فيرنيك
-سميت منطقة فيرينك بهذا الأسم نسبة إلى د / كارل فيرنيك وهو طبيب أعصاب و نفسي من الجنسية الألمانية عام 1874، أفترض هذ الطبيب وجود صلة بين القسم الخلفي الأيسر من التلفيف الصدغي العلوي و القدرة على فهم الكلمات و المقاطع التي ترتبط بالصور الحسية و الحركية للكلمات المنطوقة ، و قد فعل ذلك على أساس مكان وقوع اصابات الدماغ التي تسبب فقدان القدرة على الكلام وتوصل إلى أن إصابة هذه المنطقة يؤدي إلى اضطراب في قدرة . أي أفيزيا إستقبالية Receptive aphasia الفرد على الإستيعاب اللغوي وينتج عنها
:Broca’s area ثانياً : منطقة بروكا
-تنسب هذه المنطقة إلى مكتشفها عالم الأعصاب د / بول بروكا وتوجد في مقدمة الفص الأيسر من الدماغ في الفص الجبهي وهي المسؤولة عن تنفيذ عملية الكلام حركياً فهي المسؤولة عن تشكيل وبناء الكلمات والجمل وعن استخدام صيغة الجمع ووصف الأفعال واختيار الكلمات الوظيفية والسياق اللغوي كحروف الجر والعطف ، وتقترب من وتشترك مع المناطق المسؤولة عن التحكم بحركة الجسم وكذلك عن التحكم بعضلات الوجه والفك واللسان والحنجرة والإنفعال Expressive Aphasia وتؤدي المشكلات في هذه المنطقة إلى اضطراب
أي أفيزيا تعبيرية فيكون الشخص قادر على فهم الكلام المسموع والمقروء ولكنه غير قادر على إنتاج الكلام ( التحدث ) .

اللغة بين المنطقتين …….
عندما نسمع كلمة ما تصل النبضات العصبية المتولدة في الأذن الداخلية إلى المنطقة السمعية في الدماغ عن طريق العصب السمعي وبعد ذلك ترسل هذه النبضات عن طريق خلايا عصبية متخصصة إلى منطقة فيرنك حيث يتم تفسير وفهم الكلام المسموع وعندما يرتبط الكلام المسموع بتصور معين فإن رسالة عصبية ترسل إلى منطقة التلفيفة الزاوية حيث يتم تحويل التصور إلى مثير بصري يمكن إدراكها في المنطقة البصرية فإذا سمعنا كلمة تفاحة يعطي لنا الدماغ أقرب صورة مسجلة للتفاحة نتيجة التصور البصري في الدماغ الناتج عن السمع
وعندما نريد أن نبدأ في عملية التحدث فإن الكلام يرسل من منطقة فيرنك عن طريق حزمة الألياف المقوسة إلى منطقة بروكا والتي بدورها تقوم بتحديد الشكل الحركي لهذا الكلام وبعد ذلك ترسل الرسائل من منطقة بروكا إلى المنطقة الحركية ليتم التنسيق والتحكم بشكل أعضاء النطق والجهاز الصوتي لإنتاج هذا الكلام الذي تم تجهيزه في منطقة فيرنيك .
ويضيف حسام شرارة أن خلل الإستقبال يتوقف على عطب في منطقة فيرنيك وخلل الإرسال اللغوي يتوقف على عطب في منطقة بروكا وأن المعالجة اللغوية هي عملية معقدة تشترك فيها عدة مناطق ومراكز في الدماغ فهي ليست مرتبطة بمنطقة معينة .
التدخل والعلاج …….
أولاً : علينا أن نعرف أن هناك مراكز أخرى ( إحتياطية في الدماغ ) لديها قدرات إستقبالية وإرسالية للغة وخاصة في النصف الأيمن من المخ .
وثانياً : مازال المخ البشري واحداً من أعظم معجزات الله تعالى وسر من أسرار الكون فلم فهو يعتبر أكثر آلات الكون تعقيداً ويحوي أكثر من 95 مليارمن الخلايا العصبونية ولم يتوصل العلم إلى الآن إلا على قدر ضئيل منها .
إنطلاقاً من ذلك أن الدماغ قادر على معالجة نفسه وقادر على خاصية التعويض وهي أن تقوم مراكز بعمل مراكز أخرى تالفة فإذا كان هناك تلف بسيط في منطقة بروكا يستطيع المريض إستعادة المهارات اللغوية ودون علاج ، هذا النوع من الشفاء التلقائي عادة ما يحدث بعد نوع من السكتة الدماغية التي يتوقف فيها تدفق الدم الى المخ مؤقتا لكن يسترد عافيته بسرعة ، كما يحتاج معظم المصابيين للعلاج اللغوي لإعادة تأهيل مهاراتهم اللغوية واستكمال مهارات الاتصال الخاصة بهم وعمل تدريبات لأعضاء النطق والكلام وتحفيز مهارات الإستقبال والإرسال بالدماغ وتنشيط مراكز الدماغ فيستعيد عافيته وقد أثبتت الدراسات أن المرضى الذين حصلوا على علاج تخاطبي تحسنت قدراتهم بشكل أسرع وأفضل من المرضى الذين لم يحصلوا على هذا التدخل كما يحتاج العلاج أيضاً إلى أخصائي في العلاج الطبيعي والفيزيائي حيث أن في معظم المرضى يحدث خلل في القدرات الحركية وخاصة في الجزء الأيمن من الجسم لإصابة الفص الأيسر من الدماغ ، أما العلاج الدوائي فهناك العديد من الأدوية التي تساعد المريض في تحسين حالته وتنشيط الذاكرة واللغة وتشمل الأدوية التي قد تحسن من تدفق الدم إلى الدماغ ، وتعزيز قدرة الانتعاش في الدماغ أو مساعدة في استبدال المواد الكيميائية العصبية التالفة في الدماغ كما أن هناك أدوية أخرى للتخفيف من حالات التشنج وتساعد في إرتخاء العضلات مما يسهل عمل عضلات الفكين واللسان مما يساعد في تطور اللغة بشكل أفضل وليكون العلاج أكثر فاعلية لابد من أن يكون هناك فريق عمل متكامل يضم طبيب المخ والأعصاب والتخاطب والنطق والعلاج الطبيعي والطبيب النفسي حيث أن نفسية المريض تلعب دوراً هاماً في تقدمه وخاصة أن العلاج يحتاج لفترات زمنية طويلة .

بقلم / حسام فتوح عبد السلام شرارة
إختصاصي النطق واللغة

كاتب المقال :
حسام فتوح عبد السلام
الزيارات:
3722
مشاركه المقال :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*


حمل تطبيق الاكاديمية