كتاب الأمراض النفسية والعقلية
تقديم الطبعة الأولى
عزيزي القارئ : المعالج والمرشد والأخصائي والطبيب النفسي والأخصائي الاجتماعي والمربي والوالد وطالب الأمراض النفسية والعقلية .
أقدم لك هذه الكتاب في الأمراض النفسية والعقلية .
وأود أن أشير إلى أن اهتمامي في هذا الكتاب كان موجها إلى التركيز على ما يحتاجه المهتمون بالأمراض النفسية والعقلية من معلومات أساسية لأغراض الوقاية ، وما يحتاجه المعالجون النفسيون من دليل لمعرفة الأمراض النفسية والعقلية وأعراضها وتصنيفها وأسبابها وتشخيصها وعلاجها .
وأرجو أن يتابع القارئ فصول الكتاب متتالية حسب ترتيبها ، إن كل فصل يمهد لما يليه من فصول . ففي الفصل الأول تناولت الطب النفسي عبر التاريخ وأحداث في تاريخ الطب النفسي خالدة وتعريف الأمراض النفسية والعقلية ، وفي الفصل الثاني الأساليب الدفاعية . وفي الفصل الثالث تناولت أعراض الأمراض النفسية والعقلية . وفي الفصل الرابع صنفت الأمراض النفسية العقلية إلى الأمراض العصابية ( القلق – توهم المرض – الوهن النفسي – الهتسيريا – المخاوف المرضية – الوسواس والقهر – الاكتئاب – أنواع أخرى من العصاب – التفكك – استجابة اضطراب الإنية – رفض الطعام العصبي – العصاب الصدمي – العصاب الخلطي – عصاب الحرب – عصاب الحادث – عصاب السجن – عصاب القدر . والأمراض الذهانية ( الفصام – الهذاء ” البارانويا ” – الهوس – ذهان الهوس والاكتئاب ) والسيكوباتية و لانحرافات النفسية و الأمراض السيكوسوماتية والمشكلات النفسية للأطفال – الضعف العقلي – التأخر الدراسي – الاضطرابات الانفعالية – اضطرابات الغذاء – اضطرابات سلس البول – اضطرابات الإخراج – اضطرابات النوم – أمراض الكلام – مشكلات ذوي العاهات – جناح الأحداث – الاضطرابات الوجدانية – ذهان الأطفال – مشكلات الشباب – مشكلات الشيخوخة . وفي الفصل الخامس تناولت أسباب الأمراض النفسية والعقلية والوقاية الأمراض النفسية والعقلية . وفي الفصل السادس تم تناول علاج الأمراض النفسية والعقلية .
لذا يسعدني أن أقدم الطبعة الأولى من كتاب ” الأمراض النفسية والعقلية ” إلى المهتمين بالأمراض النفسية والعقلية من معالجين ومرشدين وأخصائيين وأطباء نفسيين وأخصائيين اجتماعيين ومربين وطلاب .
وأود أن أسجل جزيل شكري إلى كل من ساعدني سواء في كتابة هذا الكتاب أو في طباعته … وإنني أؤكد هنا أن هذا الكتاب قد وضع أساسا لمن قطع شوطا من الدراسة في علم النفس وألم بمداخله ومبادئه .
وفي هذه الطبعة وضعت في نهايتها قاموس لمصطلحات الأمراض النفسية والعقلية .
فإذا حقق الكتاب هذه الأهداف أو شيئا منها ، فذلك ما رجوت وماقصدت إليه .
كما وأرجو أن أكون قد وفقت في هذه الطبعة
والله أسأل أن أكون قد وفقت في تقديم هذا الجهد المتواضع خلاصة خبراتي في تدريس الصحة النفسية وعلم النفس الشواذ وعلم النفس الاكلينيكي , وخلاصة خبرتي في تدريس وممارسة العلاج النفسي .
اللهم علمني ما ينفعني وانفعني بما علمتني وزدني علما .
غزة في رمضان 1427 هـ – أكتوبر 2006 م

المؤلف
الدكتور أنور حمودة البنا

الفصل الأول
أولا – الأمراض النفسية والعقلية عبر التاريخ
ثانيا – تعريف الأمراض النفسية والعقلية
الفصل الأول
أولا – الأمراض النفسية والعقلية عبر التاريخ
إن تاريخ الأمراض النفسية والعقلية يوضح لنا التطور والتقدم الذي لاحق هذا الفرع من الطب في الآونة الأخيرة ….
فبعد أن كانت الأمراض النفسية والعقلية شرا مستطيرا ، وسيطرة من أرواح خبيثة ، وعمل من أعمال الشيطان ، وكأنها من صنع قوى خارقة أوجدتها ، فكأنها حدثت نتيجة لسخط الآلهة ، ، أو إذا تم الشفاء منها وزالت ، فإنما يكون البرء منها نتيجة لرضا تلك الآلهة ( 3 ) .
وبعد أن كان المرضى يحرقون أحياء في الشوارع ، نظرا لتلوثهم بهذه الأرواح الشريرة ، فكان ينظر إليهم أحيانا أنهم أناس مغضوب عليهم من الآلهة ، أو كان ينظر إليهم بوصفهم أناسا منبوذين … ولهذا فكثيرا ما كانوا يقتلون تخلصا منهم ومن الشياطين التي تلبستهم ، أما المحظوظين منهم ، ممن كانوا يكابدون حالات الجنون أخف وطأة ، فكانوا يحاطون بالرعاية ، ومن مظاهر تلك الرعاية أنهم كانت ٍتخلع عليهم الألبسة المزركشة ، وتزين هاماتهم بأكاليل الغار
بعد كل ذلك تطور هذا الفرع من الطب تدريجيا ، عندما جاء أبو قراط – في القرن الخامس قبل الميلاد – وقال : ليكن معلوما أن المخ يحتوي على مناطق محددة هي مواطن اللذة ، والانشراح ، والمرح ، والميل إلى اللهو ، من جهة ، ومن جهة أخرى ، فإنه يحتوي – في تلافيفه – على ما هناك من حزن ، وأسى ، وامتعاض ، وأسف ، وأنه بسبب ما يتعرض له الدماغ أحيانا من إعطاب ، يقع بعض الناس فرائس في شراك الجنون ، والهذيان ، وما يتعرض له الإنسان من مؤثرات ومخاوف تؤرقه ليل نهار ، ومصدر كل ذلك هو ما يصيب الدماغ من خلل .
ومن ملاحظات أبوقراط قوله ، مثلا ، إن أي عطب أو خلل يحصل بسبب صدمة معينة في أحد نصفي الدماغ ، يؤدي بدوره إلى حدوث تشنجات في الجانب الآخر من الجسم .
وقد قسم أبوقراط أنماط الجسم إلى أربعة هي :
1 – المزاج الدموي
2 – المزاج البلغمي
3 – المزاج الصفراوي
4 – المزاج السوداوي
وأضاف أبوقراط أن خصائص هذه الأمزجة ترتبط ارتباطا وثيقا بكل من البيئة الطبيعية – أي المناخ الجغرافي – وبتأثير العوامل الاجتماعية .
وقام أبوقراط بمحاولات حثيثة في معالجة الأمراض العقلية ، فلعلاج حالات الإدمان على الكحول مثلا ، أوصى باستخدام أسلوب العلاج بالتنفير : أي إحداث حالة من التقزز عند المريض ليبتعد عن الكحول وينفر منها ، وذلك بإعطاء المدمن جرعات من مادة مرة مقززة أو عن طريق فصده وإسالة دمه وهو في حالة سكره ، ليرى دمه يسيل فيرتبط في ذهنه منظر دمه بما يتعاطاه من شراب مسكر ن وبذلك يكره المادة التي أدمنها . وكان يقترح علاجا لبعض المرضى عقليا ونفسيا بأن يغيروا أماكنهم ، فتغيير المكان ، كما اقترح ، من شأنه أن يغير من الذكريات المؤلمة ، فينسى المريض آلامه وهمومه .
وقد أدى سقوط الإمبراطورية الرومانية إلى انحطاط في العلوم القديمة وتدهورها ، ولاسيما في الطب الذي أصابه الانتكاس والوهن . وكانت العصور الوسطى في أوربا فترة ظلام حالك ، حيث تم فيها إبعاد العلوم إلى زوايا الإهمال بسبب التعصب الديني آنذاك . ولكن بسبب ما تعرضت له حينذاك المراكز الثقافية الرومانية ، من حروب طاحنة ، ومن قحط وجدب ، ودمار وتدمير ، كل ذلك أدى إلى ركود العلم ، وتفشى الجهل ، وانتشار الظلام ، فصار الطب في قبضة قلة من الجهلة الذين كانوا لا يتورعون عن اتهام أي معترض على أساليبهم البالية في الطب تلك ، بالزندقة ، ومن ثم تعريضه إلى أفظع أنواع العقاب .
كان الاعتقاد السائد آنذاك أن الاضطرابات العقلية تصيب من يصاب بها بسبب مس من الشيطان يتخبطه ، فيتلبسه في إهابة ، أو أنها تنشأ نتيجة تعرض المرء للسحر الأسود ، أو التعرض للأرواح الشريرة ، وأن الشفاء من ذلك كله يكمن في وجوب تعذيب المرضى ، كما كان يظن المشعوذين واهمين .
ومن القرن الثالث حتى القرن الرابع عشر ، وفي الشرق ، كان الطب يخطو نحو مزيد من الارتقاء ، وأن كثيرا من العلماء الأوربيين قد نجوا مما كان يتهدد حياتهم من بلدانهم ، فلجأوا إلى بلدان حوض البحر المتوسط ، وبلاد فارس ، وفي بعض المحميات العربية الأخرى .

وفي القرن السادس عشر مثلا كانت هناك أفران قد أعدت خصيصا لغرض معالجة المرضى عقليا ، وفي تلك الأفران كان يؤتى بالمريض فيدس رأسه في ذلك الفرن الساخن ، مع بعض الكلمات تقال له قبيل ذلك الإجراء الخالي من المسحة الإنسانية : ” في هذا الفرن ستشفى سريعا ، فيه يكمن شفاؤك ، وسرعان ما سيرتد إليك عقلك ” .
وفي عصر النهضة حققت العلوم الطبيعية والعلوم الطبية تقدما سريعا وملحوظا . وفي هذه الأثناء وجدت آراء أبوقراط في الطب طريقها إلى الانتعاش من جديد ، فلم يعد ينظر إلى المصابين بالأمراض العقلية بأن بهم أرواحا شريرة تلبستهم فأفسدتهم ، ألا أن هؤلاء المرضى كانوا موضع ملامة ، وكانوا يحتجزون عادة مع عتاة المجرمين .
وعندما بدأت النظرة الإنسانية ، والتطور في العلاج – في أوائل القرن التاسع عشر – وظهر في الأفق علماء وهبوا أنفسهم لخدمة وتقدم هذا العلم …
وفي أوروبا عامة ، وفي فرنسا خاصة – في القرن التاسع عشر – تطورت الاتجاهات نحو من يعانون من المرض النفسي أو العقلي تطورا كبيرا ، وذلك بفضل حملة جديدة حمل لواءها الطبيب الفرنسي ” فيليب بينيل ، ومن بعده تلميذه ” أسكويرول ” الذي رفع في الطب النفسي شعار : ( أسعفوهم بالعلاج ، لا بالصدقات المتبوعة بالإزعاج ) ، ومنذ ذلك بدأ الناس ينظرون إليهم بأنهم أشخاص يحتاجون فعلا إلى علاج ، وعند ذاك تم تحويل السجون التي كانوا فيها يحتجزون ، إلى مستشفيات فيها يعالجون .
كان إنشاء مستشفيات متخصصة بالطب النفسي أن ترتب عليها معرفة ضخمة مكنت المختصين من استنباط نتائج جد ناجحة .
ففي عام ( 1822 ) كان الطبيب النفساني بيل قد وصف الشلل المستفحل لدى المريض وصفا دقيقا ، وقام أسكويرول بأول محاولة لتصنيف الأمراض النفسية ، وعرف خصائص أمراض الأوهام والهلوسات ، وأكد على أهمية العلامات الجسمية الدالة على مدى تدهور الحالات العقلية ، وذكر تشخيصات طبية تحقق منها هو أيضا ، وأكد كل من ديادوفسكي والينسكي دور العوامل البيئية في تسريع نشوء الذهانات والتسبب في وجودها لدى بعض الأفراد.
وفي القرن التاسع عشر كانت هناك مثل تلك الممارسات المستفظعة ، سارية المفعول وسائدة ، ومنها مثلا ، صب الماء البارد فوق رأس المريض وجسمه ، والفصد لإسالة الدم بغزارة ، والتدوير بسرعة كبيرة في مكائن خاصة أعدت خصيصا لهذا الغرض .
وبقي الحال كذلك إلى أن جاء الطبيب الألماني جريسنجر ( 1817 – 1868 ) الذي كان يصر على وجوب توجيه العناية في الطب النفسي إلى النواحي الجسمية في حالة نشوء الأمراض العقلية ، ومن هنا جاءت فكرة الدمج بين الطب النفسي والطب العام .
وفي نهاية القرن التاسع عشر طرأ تقدم ملحوظ في مجال البحوث الخاصة بفسلجة الجهاز العصبي وتشريحه ومعرفة وظائفه . كل ذلك أفضى إلى اكتشاف الوظائف الحركية في أنحاء متفرقة من أنسجة الجسم ، وأدى إلى التعرف على الإنعكاسات الحاصلة في الجملة العصبية من الجسم ، الأمر الذي أدى إلى تقدم ظاهر في مجالات علم النفس عامة والطب النفسي خاصة .
وما إن شارف القرن التاسع عشر على نهايته حتى كان هناك أطباء في ميدان الطب النفسي أمثال بلنسكي ( 1827 – 1902 ) من روسيا ، الذي قسم الأمراض العقلية إلى أمراض عصبية واضطرابات عقلية ، وكاندنسكي ( 1849 – 1889 ) الذي أدخل موضوع التحليل الفسيولوجي في تشخيص الاضطرابات العقلية ، وكورساكوف ( 1824 – 1900 ) الذي اكتشف بعض الأمراض العقلية والنفسية كالذهان العصبي المتعدد ، وهذا النوع من الذهان ينجم عادة من تعاطي الكحول وإدمانها ، حتى أن أصبح هذا المرض يعرف باسم(ذهان كورساكوف) .
وهناك إنجاز أخر تحقق على يدي كورساكوف ، ذلك هو التمييز بين نوعين من الضعف العقلي ( الضعف العقلي الولادي ، والضعف العقلي الطارئ الناجم عن أحداث البيئة بمختلف أعراضها وعوارضها ) وميز بين ( الضعف العقلي الولادي ، وبين ذهان الهوس الاكتئابي ) .
كل هذه التطورات قد رسخت مكانتها الجهود التي قام بها الطبيب النفساني الألماني كريبلن ( 1856 – 1926 ) ، إذ أنه عزز ما كان هناك من تصنيفات للأمراض العقلية وأكد عليها ، وبين كيف يمكن التصدي لمعالجتها للتخفيف مما يتعرض لويلاتها كثير من الناس في أنحاء العالم .
ولعل أكبر إسهام في ميدان الطب النفسي هو ما قام به الطبيب النفساني الألماني المرموق بونهايفر ( 1868 – 1948 ) الذي أكد على العوامل الخارجية التي تبدو أعراضها على المريض فيستشفي منها ومما يكمن وراءها من عوامل داخلية . وإذا ما أهملت هذه الأعراض فإنها تتفاعل فيما بينها فتفضي إلى ما يضر بالصحة النفسية والجسمية للمريض ، فتنشأ عن ذلك متلازمات Syndroms تحمل في طياتها أمراضا عقلية غير محددة ، تتخلخل من جرائها قوى العقل ، ولاسيما الجوانب اللاشعورية منه .
ومن الإسهامات البارزة في مجال الطب النفسي هو مبدأ بافلوف ( 1849 – 1936 ) المتعلق بالميكانزمات الفسيولوجية التي تحصل على شكل نشاط فعال في الجهاز العصبي الأعلى ، والذي ترتب على هذا المبدأ وجود علاقة مرضية مؤكدة بين الاضطرابات العقلية والاختلالات العصبية .
ونحن بصدد السياق التاريخي للطب النفسي ، فلا بد من التعريج على ذكر المدرسة الفرويدية ، ومؤسسها سيجموند فرويد ( 1856 – 1939 ) والذي استمد نظريته من خبراته الذاتية ، والمشاهدات الإكلينيكية ، وأماط اللثام عن الكثير من غياهب النفس البشرية ، وأفصح عن العمليات الشعورية واللاشعورية ، وفسر الأحلام ، وقد حلل الأسباب الرئيسية للأمراض النفسية والعقلية ، وأعطى تفسيرا واضحا للميكانيزمات الداخلية المسببة لهذه الأمراض ( 3 ) .
ولاشك أن الكثير منا يتعرض يوميا لشدائد ، ولكن البعض يحتمل والبعض ينهار ، والبعض يصاب ببعض الأمراض النفسية والعقلية … ومن الممكن أن يؤول هذا الاختلاف على أساس فروق فسيولوجية بين الأفراد … فطريقة التعبير عن المرض بأعراض خاصة لاشك أنها تعتمد إلى حد كبير على شخصية الفرد ، على تطوره وتفاعله مع البيئة … ولكن نشأة المرض تحتاج إلى استعداد فسيولوجي خاص … ، لذلك فقد فسرت كل شكل من أشكال الاضطرابات العقلية بأنها تعزى إلى صراعات بين تطلعات الشعور وكوافي اللاشعور ، فهي تعتبر اللاشعور مستودعا تتراكم فيه وتتكتل غرائز عمياء ونزوات هوجاء تنبثق من مصدر الطاقة الجنسية ، وهي الطاقة التي تظنها هذه المدرسة فطرية ، وترافق مسيرة حياة الإنسان ، فتتحكم في جميع نشاطاته طول حياته ، لذلك فهي تسيطر حتى على الحياة الاجتماعية للفرد ، حسب اعتقاد المدرسة الفرويدية .
غير أن وجهة نظر فرويد هذه ، قد طرأت عليها تبدلات أجراها يونج وأدلر ، فيونج مثلا الذي افترق عن فرويد فيما بعد وخالفه الرأي ، أسس مدرسة علم النفس التحليلي ذهب إلى أن سلوك الإنسان تتحكم فيه وتهيمن عليه عوامل جمعية ، وعوامل فردية ذاتية ، في حين أن العصاب عند الفرد يعزى إلى انفصام في العلاقة بين هذه العمليات النفسية ، وأنه – العصاب – إنما ينشأ نتيجة لعدم تكامل قوة الإرادة عند الإنسان .
وتخفيفا من الغلو في نظرية فرويد عن ( الجنسية الشاملة الكلية ) جاء الفرويديون الجدد ، ومنهم ( هورناي ، وفروم ،وسليفان وغيرهم آخرون ) فأكدوا دور المؤثرات الاجتماعية والثقافية ، ورأوا أنها هي التي تتسبب في نشوء الأمراض العصابية ، لكنهم قصروا دور الثقافة على تنشئة الطفل وتربيته ، فكأنهم أرادوا إبراز مفعول الثقافة وتأثيره على مرحلة تربوية بعينها .
ولقد تزعم كل من الكسندر ، وفايس ، ودنبر ، المدرسة النفسجسمية ، هذه المدرسة التي تبنت رؤية توفيقية فيما نجم بين الآراء من تفاوت ، ففي الوقت الذي يحث أتباع هذه المدرسة ، على دراسة الفرد بوصفه وحدة ، نفسية ، وجسمية ، ويحذرون من الاعتماد على الأساليب المعملية المختبرية اعتمادا مبالغا فيه ، فإنهم في الغالب يركنون إلى استخدام المبادئ المثالية على نطاق واسع في مجال علم النفي المتعمق الذي يبحث ما وراء الشعور ، وما يكمن وراء الظواهر السلوكية ( إنهم باختصار يتحرون معطيات التحليل النفسي ، مضافا إليها الحقائق الفسيولوجية ، ولاسيما تلك الحقائق التي جاء بها بافلوف وما تمخضت عنها أبحاثه في هذا الشأن .
وكذلك تزعم كرتشمر المدرسة الجبلية – الوراثية – التكوينية ( 1888 – 1964 ) والذي يرى أن الأمراض النفسية تنشأ أساسا نتيجة للتكوين الجبلي لجسم الإنسان ، وأن لكل فرد سمات ، تبدو ظاهرة في سلوكه ، مما يسمح لنا لأن نسميه بسمة مرض عقلي معين ، وأن الفرق بين شخص مريض وآخر سوي إنما هو فرق كمي فقط ، بمعنى أن أي مرض نفسي إنما ينم عن تفاقم في الكم الذي مصدره العاهات الولادية .
ومن الإسهامات المهمة التي كان لها دور فعال في مجال تقدم الطب النفسي الخاص بطبيعة الأمراض العقلية ، هو إسهام بكتريف ( 1857 – 1927 ) في دراسة الظواهر المتعلقة بمختلف ظواهر الأعراض العقلية . بيد أن أسلوبه في هذا الشأن لم ينج مما وجه إليه من نقد حاد على أساس أنه تبنى في العلاج النفس وجهة نظر مادية بحتة . غير أن هذه الهنات لم تقلل من جهده شيئا ، إذ أن بحوثه العلمية في ميادين الطب النفسي وعلم التشريح وعلم الأعصاب وعلم النفس قد بقيت شاخصة في هذا المضمار .
ويشير مرجع الكسندر وسيلزنك عن تاريخ الطب النفسي(1966 ) إلى أن الجمهور والحكومة والمهتمين بالصحة أصبحوا يعون أن الأمراض النفسية تمثل خطرا على البشرية لا يقل عن أشد الأمراض الجسمية خطورة ، وأنه بقدر وجود واحد من كل عشرة أشخاص في الولايات المتحدة الأمريكية يعاني نوعا من المرض النفسي ، وأن ثلاثة عشر بالمائة من الشباب الذين يفحصهم الجيش الأمريكي يتبين أنهم غير مناسبين للخدمة العسكرية بسبب اضطرابات نفسية ، وأن بليونا ونصف من الدولارات يضيع سنويا في أمريكا بسبب تغيب الناس عن أعمالهم نتيجة اضطراباتهم النفسية ، وأننا بدأنا ندرك أخيرا هذه الضربة الفادحة التي تأخذها الأمراض النفسية من طاقات البشر وانتاجيتهم .
ويؤيد جيلمر ( 1971 ) نفس الرأي في مدى انتشار وخطورة الأمراض النفسية على المجتمع والإنتاج ، عند إشارته إلى قضاء واحد من كل ثلاثة عشر فردا ، جزءا من حياته في مستشفى عقلي ، وإلى أن واحدة من كل ثلاث عائلات فيها – على الأقل – واحد من أفرادها يعاني مشكلة انفعالية خطيرة ، وأن نصف أسرة المستشفيات في الولايات المتحدة الأمريكية يشغلها مرضى عصبيون ونفسيون . كما يضيف جيلمر أن هناك من البيانات ما يشير إلى أن مشكلة الأمراض والاضطرابات النفسية في أوروبا لها نفس الخطورة والحدة .( 19 )
وعلى الرغم من عدم توافر بيانات مماثلة عن الواقع الفلسطيني والعربي إلا أننا نتوقع من – استقرائنا لظروفنا – تزايد انتشار وخطورة هذه الأمراض والاضطرابات النفسية ، وإن كانت تقل عنها في المجتمعات التي سبقتنا في التقدم والمدنية .
وما دمنا في سياق تاريخ الطب النفسي ، يجب التأكيد هنا على أن بعض الأطباء النفسانيين قد تأثروا بالمدرسة الوجودية في علم النفس ، وتقول هذه المدرسة أن موضوع علم النفس هو محتوى الشعور ومنهج دراسته هو الاستبطان ، ويركز التحليل النفسي ، حسب رأي هذه المدرسة على الأفعال القصدية والظواهر السلوكية الشعورية .
إن ما طرأ من مفاهيم في ميدان الطب النفسي قد تباينت فيما بينها كثيرا ، فمنها ما يؤكد كما رأينا ، على الجانب المثالي ، ويشيح جانبا عن الركن المادي ، ومنها ما يأخذ بمفاهيم بافلوف ، ويعول على النزعة الفرويدية ، ومنها ما يناهض هذا الاتجاه أو ذاك (17) .

ثانيا – تعريف الأمراض النفسية والعقلية
إذا كان الطب قد أحيط عبر التاريخ بشيء من الغموض والخرافات ، فإن هذا الأمر أكثر ما يتجلى في مجال الأمراض النفسية والعقلية . فما تزال هناك الكثير من العقبات والصعاب في طريق من يحاول أن يستوعب مظاهر أمراض الدماغ ، والأمراض النفسية بشكل عام ( 23 ) .
وبشكل عام يستطيع الواحد منا أن يفهم الأمراض الجسدية العضوية من التهابات ، وجروح ، وكسور بشكل أسهل من فهم الأمراض النفسية ، وكذلك يستطيع الإنسان أن يشعر بشعور المصاب بالتهاب أو كسر ، فهذا المريض ما هو إلا ” مثلي ” ، ولكن يصعب على الإنسان أن يعتبر نفسه ” مثل ” المصاب بالأمراض النفسية ، ولذلك يشعر الكثير من المرضى النفسيين بالعزلة عن بقية الناس بسبب مرضهم ، وبسبب موقف الناس منهم ، وحتى قد يعاني البعض منهم من سوء المعاملة من جراء اختلافه عن الآخرين .
وفي مجال الأمراض الجسدية يسهل على الطبيب أن يؤكد وجود المرض أو الإصابة عن طريق صور شعاعية ، أو تحليل مخبري ، ولكن يصعب هذا الأمر في الأمراض النفسية ، والتي قد لا تتجلى بعلامات جسدية عضوية للمرض . فالمرض النفسي يلاحظ عادة من خلال سلوك المصاب أو دلائل مشاعره وتفكيره ، أو في أسلوب نظرته للعالم من حوله ، أو كل هذه الأمور مجتمعه .
ولدى الطبيب النفسي وسيلة للدخول إلى عقل المصاب ليؤكد تشخيصه للمرض ، ولكن المرض النفسي يتوقع عادة عندما يختل واحد من ثلاثة جوانب في حياة الإنسان النفسية ، وتصبح غير ” طبيعية ” أو غير صحية ، وهذه الجوانب هي :
1 – التفكير .
2 – المشاعر .
3 – السلوك .
ولكن هذا قد يثير سؤالا آخر محيرا ، وهو : ما هو ” الطبيعي ” وما هو الصحي السليم ” ؟
فنحن لا نستطيع مثلا أن نعتبر الإنسان مريض نفسي لمجرد أنه يشعر بالاكتئاب والحزن الشديد ، وقد لا يوجد هناك أحد من الناس يعيش كامل حياته دون أن تمر به مرحلة من القلق أو الخوف .
ويمكن لتبسيط الموضوع أن نعرف المرض النفسي بأنه :
” حالة نفسية تصيب تفكير الإنسان أو مشاعره أو حكمه على الأشياء أو سلوكه وتصرفاته إلى حد تستدعي التدخل لرعاية هذا الإنسان ، ومعالجته في سبيل مصلحته الخاصة ، أو مصلحة الآخرين من حوله ” .
وبشكل عام ، نقول بوجود المرض النفسي إذا كان هناك تغير في سلوك الإنسان أو تفكيره ومشاعره لدرجة تؤثر سلبيا في مجرى حياته ، أو لحد تسبب فيه الإزعاج الشديد له أو لغيره ممن حوله . ومن الأمور المساعدة هنا أن نتصور الصحة النفسية وكأنها مجال واسع يمتد بين الصحة التامة والمرض الأكيد ، آخذين بعين الاعتبار أنه يصعب جدا التحديد الدقيق للنقطة التي تنتهي عندها الحالة الصحية لتبدأ الحالة المرضية غير السوية .وقد يتفاوت وضع الإنسان على هذا المجال بين الصحة والمرض ، من وقت لآخر . وبين هذين القطبين هناك منطقة مبهمة في الوسط ، حيث يكون فيها بعض حالات القلق ، أو الاكتئاب الخفيف ، والتي قد يختلف الناس في تسميتها ” بالمرض ” ، أو أنها ” حالة طبيعية في ظروف صعبة غير طبيعية ” . ومن الحالات التي تقع في المنطقة المبهمة ، الحالات العاطفية والتي قد تكون ردات فعل ( استجابات ) متوقعة ، لبعض الحوادث ، مثل الحزن عقب وفاة قريب ، أو الأسى بعد عملية استئصال جراحية .
ومن الأمور التي قد تصيب الإنسان لحد ما ، دون أن تعتبر علامة لمرض نفسي معين ، وإن كان يشير بعضها مجتمعة إلى أن هذا الإنسان قد يحتاج للمساعدة هي :
* تغير في الشخص لمدة أطول مما يعتبر عاديا عقب حادثة مفجعة .
* تغير في مشاعر الإنسان ، أو سلوكه أو علاقاته بشكل شديد ، أو طويل الأمد مسببا له معاناة وألما .
* عندما تمر بالإنسان مشاعر غير معتادة يجد صعوبة في تعليلها ، أو فهمها ، أو يجد صعوبة في شرحها للآخرين .
* تغير في الإنسان يحدث اضطرابا أو معاناة لدى الآخرين من حوله .
* صعوبات في إقامة علاقات طبيعية مع الآخرين ، وفي الاستمرار في هذه العلاقات .
* تغير في الإنسان يصعب ربطه ، أو فهمه ، في ضوء الأحداث الجارية من حوله ( 23 ).
وإذا كان من العسير أن نحدد ما هو ” الطبيعي ” لنستطيع الفصل بين الصحة النفسية والمرض النفسي ، فالنقطة الهامة أن نعرف ما هو طبيعي بالنسبة لشخص معين ، فالمرض النفسي يتبدى من خلال تغير في هذه الحالة ” الطبيعية ” فيظهر اختلاف عن حالته السابقة ، والتي كان متكيفا معها وبشكل مناسب إلى حالة أصبح فيها نوع معين من التفكير ، أو المشاعر ، أو السلوك يسيطر ويطغى على حياته ، فاقدا بذلك توازنه السابق .
وفي بعض الحالات يكون هذا التغير واضحا جدا كما هو الحال في حالات مرض الفصام ، بحيث لا يشك المراقب بأن الشخص مصاب بمرض عقلي أو نفسي . وفي الماضي القريب كان هناك تباين كبير ، واختلاف شديد وحتى في تشخيص مثل هذه الأمراض النفسية الشديدة . فالشخص قد يعتبر مصابا بالفصام بالنسبة لطبيب ، وغير ذلك بالنسبة لطبيب آخر . وقد تحسن الأمر كثيرا في السنوات القليلة الماضية ، حيث وضعت بعض الضوابط والشروط لتشخيص معظم الأمراض النفسية ، إلا أن بعض الاختلاف والتباين ما زال موجود بين الأطباء الممارسين حول بعض الحالات النفسية .
وهناك قلة من الناس لا يعتقدون مطلقا بمفهوم المرض النفسي ، ولا يرون أن مظاهر اضطراب المصابين علامات “المرض”،وإنما هي أساليب متوقعة لسلوك بعض الناس في صراعهم مع ظروف معيشية ، وحياتية معينة .ودون أن نخوض في هذا الأمر الذي قد يكون في جوهرة ” لفظيا ” ، نقول أن بعض الناس يتعرضون وفي بعض الظروف لتغيرات نفسية يحتاجون معها للرعاية و ” المعالجة ” لسلامتهم وسلامة الآخرين ، حتى ولم يسمها البعض ” مرضا نفسيا ” ( 2 ).
الفصل الثاني
الأساليب الدفاعية
أنواع الأساليب الدفاعية
أولا – الحيل الدفاعية الشعورية
ثانيا – الحيل الدفاعية اللاشعورية
أنواع الحيل الدفاعية
أولا – الحيل الدفاعية الإعتدائية
ثانيا – الحيل الدفاعية الانسحابية
أنواع الحيل الدفاعية الانسحابية
ثالثا – الحيل الإبدالية

الفصل الثاني
الأساليب الدفاعية
إن عملية التوافق والتكيف ليست قاصرة على الإنسان دون الحيوان ، فقد تلجأ بعض الحيوانات لأساليب خداع ، لحماية نفسها من عدوها في البيئة الخارجية . فالحرباء مثلا قد تلجأ لتغيير لونها حسب ما حولها من أحجار ، لتجنب نفسها من الخطر الخارجي . كل هذه الأساليب التي يستخدمها سواء الإنسان أو الحيوان ما هي إلا لحفظ تماسكه ، وحفظ ذاته ونوعه ، وللتكيف مع البيئة الخارجية ، وللدفاع عن الكيان الشخصي في آن واحد .
لكن ما هو المثير الحقيق لهذه الأساليب ؟ وما هو الهدف الأساسي من ورائها ؟
يعتبر القلق الشديد الذي لا يستطيع الإنسان تحمله هو المثير لكل هذه الأساليب ، ويعتبر خفض التوتر هو الهدف الأساسي وراء تلك الأساليب .
أنواع الأساليب الدفاعية ( الشعورية واللاشعورية ):
1 – حيل دفاعية شعورية :
وهي التي تخضع للتفكير والإرادة للوصول إلى قرار ، والعمل والمثابرة .
2- حيل دفاعية لا شعورية :
وهي التي لا تخضع للتفكير ولا للإرادة ، ويلجأ إليها أغلب الأسوياء ، ولكن فد تزيد عن حد المعقول ، وتصبح وسائل أو حيل هروبية ، ومن ثم يكون الإغراق فيها من مظاهر المرض النفسي .
أولا – الحيل الدفاعية الشعورية
1- إزالة العقبة :
لكل إنسان دافع يريد أن يشبعه ، ولكن إذا صادفه عقبة ، فأول إجراء يتجه إليه هذه العقبة عن الطريق . فالطفل الذي يجد أمامه كرسي مرتفع ، يحول بينه وبين قطعة الحلوى ، سرعان ما يحاول إزالته من طريقه . والشاب المتقدم لفتاة ، وفي نفس الوقت تقدم لها شاب آخر ، فسرعان ما يحاول إزاحته عن طريقه ، وذلك بإظهار عيوبه والإنقاص من شأنه ، والتقليل من قيمته في نظر الفتاة وأهلها . وكذلك الحيوان قد يزج ما أمامه من كائنات للوصول إلى فريسته .
2- تغيير الطريق :
إذا لم يكن هناك إمكانية لإزالة العقبة ، فقد يتجه الإنسان إلى تغيير الطريق للوصول إلى تحقيق الهدف أو إشباع الدافع ، فالطفل في المثال السابق إذا سم يستطع إزاحة الكرسي المرتفع ، فقد ينصرف عن هذه المحاولة ، ويتسلق كرسي للوصول إلى هدفه .
3- تغيير الهدف :
إذا لم يتوصل الفرد للهدف ، أو يشبع الدافع بواسطة إزالة العقبة أو تغيير الطريق ، فإنه لم يتوصل لخفض التوتر ، وبالتالي يكون الهدف بعيد أو غير مناسب وقدرات الفرد . فهنا يلجأ إلى طريقة أخرى وهي تغيير الهدف . فالطالب الذي حصل على مجموع عال في الثانوية العامة ودخل كلية الهندسة وفشل ، لأن إمكانياته وقدراته الميكانيكية والحسابية غير متناسبة مع كلية الهندسة ن فهنا يحقق أمله ويدخل كلية الآداب ، ويكون إبداله ناجحا ، ولو دخل كلية الطب لربما كان أنجح ، وذلك لتقارب كليتي الطب والهندسة في مستوى المجاميع .
4- التوفيق والتأجيل :
ونعني به التقريب بين القوى المتصارعة ، ومحاولة إرضائها جميعا ، ولو بطريقة جزئية ، أو لو على حساب تأجيل إحداهما مؤقتا . فالطفل الذي يريد الطعام ويريد ممارسة اللعب أيضا ، قد يؤجل الطعام إن لم يكن ملحا ، وحتى يرضي دافع اللعب والاستطلاع . وقد يفعل العكس إن كان دافع الجوع شديد ، فلا يستطيع تأجيله ، وفي كلا الحالتين يعود لإرضاء الدافع المتروك بمجرد إشباع الدافع الملح .
5 – التعويض :
والذي يعنينا هنا النوع الشعوري من التعويض ، والذي ينتج من دراسة الموقف ، والتفكير فيه بموضوعية ، ثم دراسة العوائق ، ثم رسم الخطة نحو تعويض النقص الذي يشعر به . فالطالب ذو القدرات العقلية المتدنية ، لا تؤهله للتفوق الدراسي ، فقد يعوض هذا النقص بممارسة الرياضة والتفوق فيها .
وهناك التعويض الزائد : وفيه يتحدى الفرد نقصه في نفس المجال ويزيد تفوقه ، ف ” ديموستيشني ” كان مصابا بعقلة في لسانه ، ويشكو من صوته ، استطاع أن يتغلب على ذلك بالمران على الخطابة ، بوضع الحصى في فمه وبرفع صوته عاليا ، فأصبح أخطب قومه وحاكما ورئيسا لهم .
وكذلك ” روزفلت ” كان يعاني من شلل الأطفال ، ولكنه تفوق بالرياضة إلى جانب تفوقه بالسياسة .
إن جميع الطرق السابقة الذكر ، يلعب التفكير الإرادي دور أساسي في حل المشكلة وتحليلها موضوعيا ، فيلجأ الإنسان إلى مواجهة نفسه ، فلا يخدعها ، ولا يتغاضي عن عيوبه الخاصة ، ثم يبحث عن الطريق السليم لحل مشكلته ، وذلك باللجوء إلى كل الوسائل السابقة ، لإثارة دوافعه وتقوية إرادته ، وتصميمه على المثابرة للوصول للهدف .

ثانيا – الحيل الدفاعية اللاشعورية
كما قلنا سابقا أن هدف الحيل الدفاعية الشعورية هو : خفض التوتر ، وأن عدم بلوغ الهدف هو ضعف في الإمكانيات أو القدرات . ولكن قد يجد الأسوياء في أن الجهد الذي يتطلبه خفض التوتر أكثر مما يحتملون ، أو أنهم يخشون زيادة التوتر ، أو يستأخرون الوصول إلى الهدف الذي يزيل التوتر ، أو يستكثرون المتاعب والآلام التي تصاحب الحل الإرادي ، فيلجأون إلى الحيل الدفاعية اللاشعورية ، التي تهدف إلى خفض التوتر والوصول إلى الهدف .. وقد تحدث الحيل الدفاعية اللاشعورية بصفة متكررة حتى تصبح عادة سلوكية ، ولكن إذا زاد اللجوء إليها تصبح حيل دفاعية مرضية ، ويلجأ الفرد لاستخدامها لتجنب الألم مهما صغر . وبالتالي تصبح حيل دفاعية مرضية تعوق التوافق السوي ، بعد أن كانت تهدف لخفض التوتر والتوافق .ويجب التنويه إلى أن الحيل الدفاعية الخمسة السابقة قد تصبح لاشعورية ، فإزاحة العائق ، وتغيير الطريق ، وتغيير الهدف ، والتأجيل ، والتوفيق والتعويض ، قد تحدث جميعها بغير إدراك لحقيقة الهدف المراد الوصول إليه … بمعنى أن الحد الفاصل بين الحيل الدفاعية الشعورية والحيل الدفاعية اللاشعورية إنما إدراك الفرد لها ، ولمرادها ولمغزاها من عدمه .
ولكن السؤال المطروح هنا … كيف يمكن أن تبدأ هذه الحيل الدفاعية ؟
تبدأ بعملية أساسية هي “الكبت” وممكن أن نعتبر عملية الكبت في ذاتها ن حيلة دفاعية اساسية ، وممكن أن نعتبرها جزء من حيلة دفاعية أخرى مترتبة عليها ، فالخطوات الأساسية للحيل الدفاعية تبدأ بالصراع ، هذا الصراع هو الذي يخلق التوتر والقلق ، ومن ثم لا يطيقها الإنسان ، فيلجأ إلى ما يسمى بالكبت . إذا الكبت هو عملية لا شعورية ، تحدث بصفة آلية ، ويتم فيها نقل الأفكار والخيرات من دائرة الشعور إلى دائرة اللاشعور ، أي من دائرة الوعي إلى دائرة اللاوعي ، ويتم فيها حل الصراع ، وتجنب القلق والتوتر ، ويمكن اعتبارها عملية نسيان آلي للأفكار والنزاعات ، هذا النسيان يصاحبه إنكار أصلا .
مثال : إذا أحسست برغية في مصاحبة إحدى الفتيات ، وامتنعت عن ذلك لظروف اجتماعية أو شخصية ، فهذا ليس كبتا ، لأنك ادركت رغبتك وتحكمت بها ، أما إذا أنكرت أصلا أنك ترغب في مصاحبتها ، فإن إلغاء الاعتراف بهذه الرغبة في وجودها في اللشعور بعينه ، إذن الكبت هو العملية التي يتم بها محو الأفكار والاندفاعات التي تؤلم وتحزن وتخيف الفرد ، من الشعور إلى اللاشعور ، بمعنى عملية إنكار المشاعر التي تبدو قاسية ، وهروب من الواقع المؤلم .
ومن أبسط السلوك الدال على عملية الكبت ما يلي :
1- النسيان الآلي ، كنسيان ميعاد طبيب الأسنان لتجنب الألم عند خلع الضرس.
2- عدم زيارة أخ لأخيه بدون مبرر ، وذلك لشعوره بمحبه شديدة لزوجه أخيه مثلا ( إحدى المحرمات ) ، فقام بعملية الكبت ، ولو لم يقم بها لما استطاع أن يستمر في احترام ذاته ، التي تجرأت وانتهكت واشتهت المحرمات .
3 – عدم إباحة الطفل بمشاعره العدوانية ، نحو أبيه ، فيقوم بعملية الكبت ، فينكر على نفسه تلك المشاعر ، لأنه لو اعترف بها لحطم المثل التي تربى عليها .
4 – أحيانا قد يصل الكبت إلى سلوك مرضي ، فمريض الوسواس القهري مثلا ، لا يقوم بأعراض هذا المرض إلا نتيجة لكبت ميول جنسية مثلية ، يكبتها كبتا غير ناجحا ، فتستمر تلك الميول تلح للإشباع .
علاقة الكبت بعملية المقاومة :
تعتبر عملية المقاومة هي العملية المكملة لعملية الكبت ، وهي الحاجز النفسي ضد إخراج أو ظهور المؤثرات اللاشعورية إلى دائرة الشعور . ولكن عدم ظهور هذه المؤثرات وبقائها في اللاشعور ، لا يعني عدم ظهورها إلى الشعور مرة أخرى ، وإنما تأجيلها أو إخفائها لتجنب الصراع المؤلم ، وليبقى سلوك الفرد مقبولا اجتماعيا وأخلاقيا ، وتبقى في عمل دائب ومستمر ، محاولة الخروج إلى الشعور ، مرة أخرى ، فيقاومها الإنسان حتى لا تشوه فكرته عن نفسه وتخل بتقاليده ، وتزعج راحته النفسية .
وظائف عملية الكبت في الحياة النفسية :
ولعملية الكبت وظيفتين أساسيتين في الحياة النفسية :
1 – وظيفة وقائية :
وهي تقي الفرد مما يؤذيه أو يؤلمه ، أو لا يتفق مع فكرته عن نفسه ، أو لا يتفق مع مثله الاجتماعية والجمالية والخلقية ، وما يمس احترامه لنفسه ، بمعنى وسيلة لخفض التوتر النفسي .
2 – وظيفة دفاعية :
وهي تمنع الدوافع الجنسية أو العدوانية من أن تفلت من زمام الفرد ، وأن تتحقق بالفعل بصورة ظاهرة ومباشرة ، فتكون خطرا على الفرد نفسه ، أو تكون ضارة بصالح الفرد في المجتمع .
مما سبق يتضح أن تحديد كيفية عملية الكبت هي أن تقوم ” الأنا ” باستبعاد الذكريات أو الأفكار أو الدوافع من منطقة الشعور إلى منطقة اللاشعور ، غير أنها لا تموت ، بل تظل حية نشطة ، تعمل على ظهورها لمنطقة الشعور مرة أخرى ، إلا أن قوى المقاومة تظل حائلا بينها وبين أن تصبح شعورية ، فتضطر هذه الذكريات أو الأفكار أو الدوافع إلتماس الإشباع بغير الطريق الصحيح المباشر ، إشباعا محرفا مقدما ، فتظهر بصورة هفوة أو حلم أو مرض نفسي .
إن عملية الكبت ، ما هي إلا استبعاد لكل ما من شأنه إيلام الأنا ، وخاصة استبعاد الغرائز والدفعات الجنسية والعدوانية ، والتي دوما تحاول التعبير عن نفسها ، مما يجعلها تصطدم بقيم المجتمع ، والقوة التي تمنعها من التعبير عن نفسها هي ( عملية الكبت ) . وأن هناك رغبات تريد الإشباع في الواقع ، ولكنها منافية لهذا الواقع ، فيقوم الفرد باستبعادها لاشعوريا … وكلما زادت عملية الكبت ، كلما زادت مخاطر انفجار الفرد ، لأن الكبت يستمد طاقته من النشاط النفسي الداخلي التي يتطلب توجيهها إلى الخارج لتحقيق الأهداف .
فمثلا لو تصورنا شخصا يتعرض لاحباطات وتوترات باستمرار ، وفي نفس الوقت لا تتاح له الفرصة للتعبير عن ذاته واقعيا ، فنجده يلجأ للتعبير عن ذاته خياليا ، ويتفاعل مع المواقف كما لو كان في الواقع ، فقد نجده يتكلم مع نفسه ، لأن صلته بالواقع انقطعت .
ومن المفروض أن توجه طاقة الفرد داخليا وخارجيا ، ولكن نتيجة لكثرة الاحباطات ، ولعدم إتاحة الفرصة له للتعبير عن ذاته ، فقد استهلك جميع طاقته الداخلية لمواجهة الإحباطات والتوترات والتي يجب أن يوجهها إلى الخارج ، فقام بسحبها وتوظيفها داخليا ، مما أدى إلى انقطاع صلته واقعيا بالواقع . كشكل البالون ، فحينما نبدأ بنفخ البالون ، تكون كمية الهواء الموجودة داخلة قليلة ، حتى لو ضغطنا على البالون بشدة ، ولكن كلما زاد نفخ البالون ، كلما زاد حجمها ، وبالتالي يزداد ضغط الهواء الداخلي ، وتقل قدرة الجدار الخارجي على تحمل الضغط ، وقد ينفجر البالون تحت تأثير أقل عامل خارجي بسيط ( مثل القشة التي قسمت ظهر البعير ) ، وهكذا بالنسبة للإنسان ، فكلما كان حجم الضغوطات التي يتعرض لها بسيطة ، كلما استطاع أن يقاومها ، بل ويتخلص منها بشكل سهل جدا ، وبدون مجهود ، لأن قدرته لم يتم استنزافها في أي من الضغوط أو الظروف ( 20 ) .
الفرق بين عملية الكبت وعملية القمع :
1 – عملية الكبت :
هي عملية لاشعورية ، وغير مقصودة ، تصدر عن الفرد دون قصد أو إرادة ، تبعد عن الفرد مشاعر التوتر والقلق والذنب والنقص والخجل ، وتظهر في مرحلة الطفولة نتيجة لتكرار الدافع ، مع عدم إشباعه ، فيؤدي إلى كبته .
2 – عملية القمع :
هي عملية شعورية ، يتم فيها منع الرغبات أو النزعات غير المستساغة ، تحدث تحت إرادة ووعي الفرد ، ويقوم بها جهاز ” الأنا ” بتأجيل الدافع ، أو التعبير عنه ، إلى أن تتهيأ الظروف المناسبة لهذا الإشباع ، أو لهذا التعبير ، ولا تظهر في مرحلة الطفولة ، لأن ظهورها يحتاج لجهد وضبط نفسي يفتقد إليها الطفل ( كما يحدث للموظف عندما يكتم غيظه أمام رئيسه ، طالما في حضرته ، حتى إذا انصرف عنه ، إنهال عليه بأقبح الشتائم الممزوجة بأسوأ الإهانات وأسوأ التجريح .
أنواع الحيل الدفاعية :
أولا – الحيل الدفاعية الإعتدائية :
1 – العدوان Aggression :
وهو توجيه الأذى إلى الذات نفسها أو إلى الآخرين ، ويحدث لخفض التوتر ، نتيجة لتأزم شديد أو نتيجة لإعاقة بالغة . ومن أهم صوره :
أ – قد يتخذ صورة مباشرة شعورية ( وفيها يدرك الفرد توجيه اندفاعاته نحو هدفه ، سواء نحو شخص أو شيء أو مسئول عن التعويق ، وهذا لا يعتبر حيلة دفاعية لأنها دخلت دائرة الشعور .
ب – وقد يتخذ صورة غير مباشرة لاشعورية ( وفيها يوجه الفرد اندفاعاته إلى هدف غير سبب التعويق ، كالمثل الشائع : ما لقوس عيش يتعشوا بيه …. جابوا عبد يلطشوا فيه . فالشخص الذي لديه دافع الجوع وعاجز عن إشباعه ، فيتسبب لديه حالة من التوتر ، يحاول الشخص بخفضها بعدوان غير مباشر على شخص لم يكن هو السبب لإشباع دافع الجوع ) .
ج – وقد يتخذ صورة الكيد أو التشهير أو الغمز أو حتى الإمتناع عن المساعدة .
د – وقد يتجه العدوان نحو الجماد ، وخاصة إذا لم يشبع دفع العطش ، فينشأ حالة من التوتر ، قد يكسر الإناء عدوانا عليه ، وفي هذا قيل : ” العطشان يكسر الحوض ” .
هـ – وقد يكون العدوان على أشياء تافهة ، لا علاقة لها بمصدر التوتر مثل قذف الحاجيات ، أو سب الأشياء أو لعنها ، ويقول في المثل : ” دي مش دبانة … دي قلوب مليانة ” .
و – وقد يتخذ العدوان عدوانا على الذات ، وفيه يتقمص الشخص المراد إذائه ، كتصرف الطفل عندما يلقي بنفسه على الأرض ، أو يضرب رأسه في الجدار ، وكأنه يضرب العائق الذي أعاقه .
ز – وقد يتخذ العدوان صورة مرضية ، كتوجيه العدوان إلى الخارج ، فقد يصل إلى الرغبة في القتل ، أو توجيه إلى الداخل ، فقد يصل إلى الانتحار .
2 – الاسقاط Projection:
هي حيلة لاشعورية بها اللوم عن أنفسنا ، فنتحرر من المسئولية التي نشعر بها بأن ننسبها للآخرين ، ويتخذ الإسقاط مظهرين أساسيين :
أولهما : نسب عيوبنا ورغباتنا المستكرهة إلى غيرنا من الناس ، للتخفيف والتقليل مما نشعر به من خجل أو قلق أو ذنب . فالإرتباك في الناس قد يكون اسقاطا ، لعدم ثقة الفرد بنفسه ، والشعور بأن الناس يراقبوننا ، قد يكون إسقاطا لرقابة الضمير علينا ، والشعور بأن الناس يكرهوننا ، قد يكون إسقاطا لكرهنا لهم ، والكاذب ينسب الكذب ، إلى غيره ، والزوج الذي تنطوي نفسه على رغبة في حيانة زوجته يميل لإتهامها بالخيانة , كالمثل القائل : ” زاني ما يأمن امراته ” . وسبب كرهنا لغيرنا هو أننا حينما نكره أحد ، قد نسقط كراهيتنا عليه ، فنرى أنه هو الذي يكرهنا ، ولسنا الذي نكرهه ، فنتخلص من ذلك بنسبته إلى الغير ونفيه عنا ، لأن ذلك غير محبذ اجتماعيا ، ولأنه يصغرنا أمام أنفسنا .
ولكن هل تقتصر عملية الاسقاط على الأفكار السيئة ؟ أم قد يكون الأسقاط لصفات حميدة طيبة ؟
بالطبع لا يقتصر الإسقاط على الأفكار السيئة ، بل قد يكون أيضا إسقاطا لصفات حميدة طيبة ، فالكريم مثلا يصف الناس بالكرم ، والشجاع مثلا يتصور الناس شجعانا ، والشخص السعيد مثلا يحس بأن الآخرين سعداء … وهكذا ..
ثانيهما : لوم غيرنا من الناس أو الأشياء أو الأقدار أو الحسد أو سوء الطالع ، لومهم بما تلقاه من صعوبات ، وما تقع فيه من أخطاء أو فشل … فكثيرا ما نعزو الرسوب في الامتحان إلى صعوبته أو التأخر في الحضور إلى المواصلات ، أو الفشل في المشروعات إلى سوء الحظ . فقديما ألقى آدم اللوم على حواء ، فألقت حواء اللوم على الشيطان ، فأخرجهما الله – الذي يعلم السر وأخفى – من الجنة .
وكما قال الشاعر :
نعيب زماننا والعيب فينا وليس لزماننا عيب سوانا

والإسقاط في حدوده الطبيعية ، حدث يحدث لكل إنسان كل يوم ، أما إذا زاد عن حده الطبيعي فيصبح عادة ، ثم يصبح غشاوة على بصيرتنا ، فنبتعد عن عيوبنا ، ونلصقها بالغير .
علاقة الإسقاط بالهلاوس أو الهذاءات :
ففي الهلاوس يسقط المريض رغباته ، ومخاوفه ، وعواطفه على العالم الخارجي ، فيرى أشباحا ، أو يسمع أصواتا تناديه . فمثلا قد تهيب به هذه الأصوات بأن يرمي أطفاله من النافذة .
وفي الهذاءات يعتقد المريض أن أحدا من الناس يكرهه ، ويضطهده ، في حين أن المريض هو الذي يكرهه ويضطهده . فمثلا قد اتهمت مريضة أن رجلا يحبها ، ويغازلها ، ويراسلها ، في حين أنها هي التي كانت تحبه وتغازله وتريد مراسلته .
كيف يعمل ميكانيزم الإسقاط ؟
تتفاعل العديد من حيل الدفاع بعضها مع البعض الآخر ، كالإنكار والكبت ، ثم التحويل ، ومن ثم بعد ذلك الإسقاط . فالفرد يدرك أن هناك بعض الصفات لا تتفق مع ذاته ، فيقوم بإنكارها ثم يحاول كبتها ، ثم يحولها إلى بعض الأفراد الذين يكرههم ، ومن ثم ينسب هذه الصفات غير المرغوب بها ، ويبدأ يتصور أن هذه الصفات هي فيهم وتنسب إليهم .
مثلا : إذا كان الفرد يكره الآخرين ، فيقوم هذا الشخص بعملية الإسقاط ، وذلك بتحويل كراهيته على الآخرين ، ويبدأ بتصور أن الآخرين هم الذين يكرهونه ، وبالتالي فمادام الآخرين يكرهونه فهو يكرههم ، بمعنى ” أنا أكره فلانا بل هو الذي يكرهني ، فطالما هو يكرهني ، فأنا أكرهه .
ما هي أبسط صور الإسقاط ؟
أبسط صور الإسقاط هو الفرد الخائف الذي لا يجرؤ على إدراك الخوف في ذاته ، فيبدأ يسقط خوفه على المحيطين به ، ويقول لهم لماذا أنتم خائفون ؟ لماذا أنتم لونكم أصفر ؟ لماذا أنتم ترتجفون ؟
وفي الحقيقة لا أحد منهم خائف ، ولا أحد منهم لونه أصفر ، ولا أحد منهم يرتجف … ولكن الذي يعاني الخوف هو نفسه …. ولأجل التخفيف من ذلك الخوف يتصوره بالآخرين ..
الفرق بين الإسقاط والإحتواء :
الإسقاط عكس الإحتواء تماما ، والاحتواء Introjection هو استدماج الموضوعات والأشكال والأشخاص( المكروهين أو المحبوبين ) في داخل الفرد … بحيث تصبح جزءا من ذاته . كاستدماج الرضيع لحليب الأم ، بحيث يصبح جزءا منه ، وكامتصاص الفرد للموضوعات الموجودة في العالم الخارجي ، أو يبتلعها وتصبح جزءا من ذاته …. وطالما تم ابتلاعها ، فيستطيع أن يوجه اهتماماته ودوافعه إلى ذاته هو ، لأن تلك الموضوعات والأشكال والأشخاص أصبحت جزءا من ذاته ، وجزءا من عالمه الداخلي ، وهذا يساعد الفرد على أن ينفصل عن العالم الخارجي ، ويتمركز حول ذاته ، ويوجه إليها اهتماماته ، ويجد فيها إشباعاته . فيستعيض بهذه الحالة عن العالم الخارجي المحيط بحالة أشبه بالاكتفاء الذاتي .
ثانيا – الحيل الدفاعية الانسحابية :
معنى الانسحاب :
هو الابتعاد عن الموقف المتأزم الذي يحتمل أن يثير في نفس الفرد القلق المؤدي إلى الألم . وخاصة الإبتعاد عن الناس . كالزوج الذي يبتعد عن أسرته تجنبا للفشل ، والطالب الذي يبتعد عن مدرسته أو كليته تجنبا للفشل … ولكن إن اضطرته الظروف للبقاء في هذا الموقف المتأزم فيتقوقع ويعيش بجوار الناس لا معهم ( كالزوجة التي تضطر للبقاء مع زوجها من أجل أطفالها ، وكالطالب الذي يجلس في الفصل شارد الذهن لا يكلم أحد ولا يتعاون مع أحد ) .
ومن أهم وظائف الإنسحاب هو تجاهل الصراع ، والهروب اللاشعوري الذي يهدف لاحترام الذات ، وعدم الاعتراف بالفشل الذي يعتبره الفرد مخجلا .
ومن أهم صور الانسحاب :
1 – الانسحاب النفسي :
كانخفاض مستوى الطموح واعتراف الفرد باستحالة الوصول لحل أزمته وحالة المريض الذي أيقن من دنو أجله .
2 – الانسحاب المادي ( الانطواء ) :
كعدم الرغبة في المشاركة الاجتماعية ، والانصراف إلى عالم خاص ليس فيه احتكاك مع العالم الخارجي إلا نادرا ، وهذه الصفة التي يتصف بها كثير من الأفراد الانطوائيين . وقد يهرب المتأزم من موقفه ويلتمس راحته في أحلام يقظته أو في الخمر ، أو في المخدرات ، أو في الإسراف في العمل ، أو في المذاكرة ليلا نهارا ليشتغل بها عن مواجهة مشاكله ، وهذا ما يعرف بالاحتماء بالعمل . هذا الشخص المحتمي بالعمل يكون علاجه أصعب من علاج الشخص العدواني ، لأنه يصعب إعادة تكيفه للمجتمع ، وذلك لعدم اكتسابه المهارات الاجتماعية اللازمة للتعامل مع الناس .
وقد يحدث الانسحاب في صورة تقهقر من مرحلة من النضج إلى مرحلة سابقة ( نكوص ) ، أو قد يحدث الانسحاب بإنكار الصراع كلية وكأن شيئا لم يكن ، وذلك بإبطال مفعول الصراع ، أو محوه .
ومن الملاحظ أن جميع الأساليب الانسحابية يصاحب أغلبها حيلة التبرير ، التي تفسر كل التصرفات تفسيرا منطقيا ، يبدو لأول وهله بأنه معقول ، في حين أن التبرير تكملة لمحاولة الانسحاب . ويعتبر الانسحاب في الوقت المناسب ومع تقدير الموقف بطريقة سليمة من أفضل الحيل الدفاعية ، وخاصة إذا لم يبالغ فيه . وهذا عبر عنه المثل القديم : ” الهرب نص الشطارة ” . و ” إن جار عليك جارك ، حول باب دارك ” .
ولكن إن كان الانسحاب في غير موضعه ، وأصبح عادة عند الفرد ، فيفقده بصيرته ، وقد يؤدي به إلى المرض النفسي .
لذا يمكن القول أن مواجهة الواقع مهما كان مؤلما ، ومهما كانت الامكانيات الشخصية قليلة ، أفضل من اللجوء للانسحاب أو الهروب ، وهذا مصداق للمثل الآخر ” ضرب الطوب ولا الهروب ” .
أنواع الحيل الدفاعية الانسحابية :
ومن أهم أنواعها ما يلي :
1 – الانطواء Introvesion:
وفيه يكون الانسحاب ماديا ، فيعزف الفرد عن مشاركته للناس ، ويهرب منهم إلى نفسه ، ويقلل من الاختلاط بهم ، حتى لا يعرض نفسه للصراع ، ثم يأخذ في تبرير موقفه ، كالمثل القائل : ” اللي يخرج من داره ينقل مقداره ” ، وكالشخص الذي تحل به هزيمة مهنية ، فيغلق على نفسه باب حجرته ، ويرفض مقابلة إي شخص لمدة تطول أو تقصر .
وفي الانطواء المرضي وخاصة في الأطوار المتأخرة من مرض الفصام يلجأ المريض لاعتزال العالم ، وينصرف عن كسب عيشه ، وينطوي على نفسه ، ولا يحدث غيرها ، ولا يتصل بأي شخص مما حوله .
2 – أحلام اليقظة Day Dreams:
هي نوع من التفكير ، لا يتقيد بالواقع ، وهي قصص يرويها الفرد لنفسه بنفسه ، وفيها يستسلم لتخيلات يرى فيها نفسه ، وهو يحقق أماله ويشبع دوافعه . وخير تعبير عن هذه الحقيقة العلمية ، كالمثل الشعبي القائل : ” الجعان بيحلم بسوق العيش ” ، و” الفقير بيحلم بفوزه بجائزة مالية ويتخيل بأنه ذهب هنا وهناك ليشتري ما يلزمه ” . والطالب الذي لم يوفق في إجابة معينة في الامتحان الشفوي ، قد يتخيل بحضور الإجابة ويجلس مع نفسه ، ويتصور أن الأستاذ يساله وهو يجيب الإجابة الصحيحة . والضعيف يحلم بالقوة ، والمظلوم يحلم بالبطش .
وقد تكون أحلام اليقظة لخفض التوتر ، أو لخفض القلق ، أو فرارا من الملل والضجر … لكن هل هناك ضرر من هذه الأحلام ؟
بالطبع لا ضرر منها خاصة إن التجأ الفرد بمقدار ، لكن إن أصبح أسيرا لها ، فقد تؤدي به إلى أن يلتبس عليه الخيال بالواقع ، كمريض الفصام الذي يكثر منها ، فتجعله بعيدا عن الواقع المعاش .
3 – أحلام النوم :
ويكون فيها التفكير أقرب إلى المستوى اللاشعوري ( اللاواعي) ، وتستخدم أساليب التفكير البدائي ، لذا يصعب علينا تفسيرها لعدم تعودنا وتدريبنا على التفكير المنطقي المتحضر . كما أن دوافعها الشعورية تغلب على دوافعها اللاشعورية ، بمعنى أن الحالم يستطيع أن يعرفها جيدا أثناء الاستيقاظ ، كأحلام المراهقة من طبيعة جنسية لشدة الدافع الجنسي غير المشبع . ولكن ما هو الدلالة من تكرار أحلام النوم ؟
الدلالة من التكرار هو أن هناك مشكلات لم تحسم بعد ، فإن حلت هذه المشكلات لم تعد هذه الأحلام تظهر ، كالموظف المسرف لرئيسه في الخضوع ، خوفا على فقد عمله ، فقد رأى الموظف في نومه أنه أعرض عن هذا الخضوع ، وأخذ يعامله وهو مرفوع الرأس ، فإذا برئيسه قد بدأ يحترمه ، ويراعي كرامته … فهذا الحلم قد جعل من هذا الموظف أن يفطن من أن رئيسه يحتقره بسبب خضوعه ، وإن تخلص من هذا الخضوع فسوف يعامله معاملة حسنة ، وبذا كان الحلم قد شجعه على عمل ما ، لم يكن يجرؤ عمله من قبل … وسواء كان الحلم يستهدف تحقيق رغبة أو محاولة لحل مشكلة ، إلا أنه يستهدف أيضا استعادة التوازن النفسي الذي يختل من ما نكابده من رغبات معوقة أو مشكلات غير محسوسة .
4– النكوص Regression:
ونعني به الرجوع على المستوى الشعوري أحيانا ، وعلى المستوى اللاشعوري أحيانا أخرى ، بمعنى الرجوع بالسلوك إلى طور سابق من أطوار النضج . فنكوص الكهولة ، ما هو إلا رجوع إلى طور وسط العمر أو إلى الطفولة ، سواء في الملبس أو المشرب أو المظهر ، وذلك باعتماده على الغير ، وهو طور من أطوار الطفولة .
لكن متى يلجأ الفرد لعملية النكوص ؟
يلجأ إليها الفرد إذا استحالت عليه إمكانية إشباع دوافعه في الوقت الراهن ، وبالطريقة السوية . فعبث الراشد بأعضائه التناسلية ما هي إلا إشباع لدوافعه الجنسية ، عندما استحال عليه الإشباع الجنسي السوي مع فرد من الجنس الآخر ( عن طريق الزواج ) . وهذا العبث ما هو إلا رجوع لطور من أطوار الطفولة للإشباع الجنسي ، سبق للراشد أن تخطاه أثناء مراحل نموه السوي نحو الرشد .
ولا تقتصر عملية النكوص على الكبار دون الصغار … لأن الطفل ذو السادسة من عمره ، قد يأخذ في التبول اللاإرادي ، أو يأخذ في مص أصابعه ، أو يأخذ ويكثر من العناد والعصيان إن رأى أخاه الأصغر منه سنا ، قد استأثر بعناية أمه وعطفها من دونه ، فهنا ينكص إلى أمه نكوصا لاشعوريا ، عسى أن يصيبه شيء من الحنان المفقود …
إن عملية النكوص عملية طبيعية ، تحدث بمرور الزمن ، وقد أشارت الكتب السماوية لذلك … فقال تعالى : ” ومن نعمره ننكسه في الخلق ” صدق الله العظيم … ولو أن النكوس غير النكوص ، إلا أن النكوس يعني الرجوع أيضا ، فنكسه المرض تعني الرجوع إلى طور سابق من المرض بعد الشفاء . وقد يستفيد الفرد من النكوص الوقتي في حدوده السوية في سعيه للتوافق .. فالشخص الناضج الذي ينكص في مجال الانفعال ، ويطلق العنان لتعبيراته أن تعبر عن نفسها بطريقة طفولية في البكاء والصياح ، يفرغ طاقة أو شحنة ، لو كان حبسها لخلقت له توترا مخلا … ولكن هناك ضرر على الفرد للنكوص الذي يحدث له لمدة طويلة .. وقد يظهر هذا الضرر في حالات المرض العقلي وخاصة ” مرض الفصام ” ، والذي نجد فيه المريض لا يتحكم في تبوله أو تبرزه كالأطفال سواء بسواء .. وقد تصل به الحالة ، إلى التعري التام ، وكأن النكوص قد وصل إلى مرحلة الولادة أو قبلها …
ولكن هل هناك فرق بين تفسير العامة أو الخاصة لعملية النكوص ؟
كثيرا ما يستعمل العامة ألفاظا تدل على فهم لهذه العملية ، فإذا سلك الرجل سلوكا متهورا ، وعدم ضبط النفس ، قيل له : ” عامل زي الصغار ” ، أي يتشبه بالأطفال في تصرفاتهم …
ويرتبط النكوص بفترة معينة ، وبشكل دائم بالتثبيت Fixation ( أي احتجاز جزء من الطاقة النفسية في مرحلة معينة من مراحل النمو ومنعها من التطور ) ، أي بقاء جزء من الطاقة النفسية داخل الشخص في مرحلة معينة ، بحيث يظل الشخص يحن إلى هذه المرحلة بشكل كما لو كانت هناك قوة داخلية تجذب الفرد إليها … لذلك فإذا كان التثبيت في المرحلة الأولى من العمر ، فإن النكوص يكون إليها لحظة حدوثه .. أي يرجع الفرد إلى مرحلة التثبيت التي حدثت في المرحلة الأولى من العمر … فلو تصورنا حرب بين جيشين ، ويريد جيش منهم غزو بلد آخر ، فلا يتقدم إلا بعدما أن يترك ورائه بعض الدفاعات الخلفية لحماية ظهر الجيش وتدعيمه والمحافظة على تقدمه ، ولكن إذا حدث إلتحام بين الجيشين ولم يستطع الجيش الغاز المقاومة ، فإنه يتقهقر إلى الوراء ، وإلى أقرب نقطة خلفية تركها وراءه بالقوة وتحافظ على صعوده ، فإذا استمد منها ما يساعده على البقاء ، فإنه يقاوم ويستمر ، وإذا لم يستطع يظل يتقهقر إلى الوراء بشكل سوف يؤدي به إلى الهزيمة والفشل ، أي إنكسار هذا الجيش (20 )
فلو أردنا تحليلا للمثال السابق ، لوجدنا أن الجيشين ، عبارة عن قوتين ، أو دافعين … وترك بعض الدفاعات ، هي عبارة عن نقاط التثبيت … وإلتحام بين الجيشين هو عبارة عن وجود الصراع .. وعدم استطاعه الجيش الغاز من المقاومة هو عبارة عن ضعف المقاومة .. والتقهقر إلى الوراء هو عبارة عن النكوص … ونقاط خلفية هي عبارة عن التثبيت … وانكسار الجيش هو عبارة عن ظهور بعض الأمراض النفسية …
وتأكيدا لما سبق ، فإن علم نفس النمو يبين أن الفرد يمر بمراحل النمو الأساسية عبر مراحل الطفولة … فالتثبيت عند أي منها يؤدي إلى بقاء تأثيرها في الشخصية ، بحيث يجعل منها قوة جذب للطاقة العائدة … وحدوث النكوص هنا يعني أن الشخص يحيا في الحاضر نمط الماضي ، أو أن يعيش الماضي في الحاضر ، بحيث يجعل سلوك الماضي يطفو على السطح … فكثيرا ما نحكم على شخص ما بأن سلوكه أو تفكيره أقل من سنه ..
ولكن هل هناك صور للتثبيت ؟
من أهم وأبسط صور التثبيت هو ما نشاهده أحيانا حينما يبلغ صديقا صديقه – كان يعتقد بأنه من الناجحين – بانه راسب ، فيستوضحه بقوله : إيش بتقول … إيش بتقول … إيش بتقول … ؟ يقولها بلا معنى أو هدف …
وتوقف التثبيت عند مرحلة من مراحل النمو ، قد يصبح ظاهرة مرضية خطيرة ، كالشخص الذي يثبت على المرحلة الجنسية ، ولا يتعداها ، لأنه لم ينتقل إلى مرحلة الجنسية الغيرية .
5 – الإنكار Denial :
فكما نعرف أن الصراع يستوجب وجود قوتين متصارعتين ، ولكن الإنكار يعتبر إحدى هاتين القوتين غير موجودة أصلا ، كالنعام يدفن رأسه في الرمال عند رؤيته للحيوان المتوحش القادم لافتراسه … ظنا منه أنه تجنب الخطر .. وقد يفيد الإنكار في تجنب الألم ، وخاصة إذا كان الهدف منه التأجيل لحين استجماع الإنسان قواه ، ليكون أكثر تحملا للمصاعب …
وقد يصل الإنكار إلى حد المرض النفسي الخطير ، كإنكار الفرد لوجود العالم الخارجي ، كمريض الفصام أو الاكتئاب الشديد ، والذي ينكر أيضا وجود أحد أعضائه ، أو وجوده هو أصلا ، وهذا يسمى ” بضلال الإنعدام ” .
كما أن الانكار يرتبط بالواقع الخارجي للفرد ، فحينما يعيش الفرد في واقع محبط ، يلجأ لإنكار وجود مثل هذا الواقع بشكل كلي أحيانا أو بشكل جزئي …
والانكار ما هو إلا حيلة دفاعية شائعة بين الناس ، فالأم شديدة التعلق بإبنها ، تنكر أية عيوب ، أو نقائص فيه … والفرد نفسه يميل لإنكار ما به من عيوب ، أو قصور ، أو ما يقابله من فشل ، لأن أساس ميكانيزم الإنكار هو مبدأ اللذة والواقع … فالفرد عندما ينكر بعض المثيرات الخارجية لعدم تحمله ما هو في الواقع ، نجده يرى العيوب في الآخرين ، ولا يراها في نفسه ، وينكر عيوب حبيبه ، ويضخم عيوب الآخرين …
6 – الإبطال Undoing :
وفيه يبطل الفرد مفعول عمل ما ، أو فيه يغطي الفرد فعله بفعل آخر .. كالطفل الذي يضرب أخاه الأصغر ، ثم يسرع لملاعبته وتقبيله ، ظانا منه أن هذه الملاعبة أو ذلك التقبيل سيعطل مفعول عمله السابق … وكالشخص الذي يعمل عملا ظانا منه أنه سيصلح عمل سابق ، وأنه سيتخلص من شعوره بالذنب عن الفعل الأول … وكرجل الأعمال الناجح الذي جمع ماله بطريقة غير شرعية ، فيبني مؤسسة تخدم الأغراض العلمية ، ظانا منه أنه سيكفر عن الطريقة غير الشرعية التي جمع بها ثروته ..
أما في المرض النفسي ، فيشعر مريض الوسواس القهري ، بالذنب ، ظانا أن غسيل اليدين باستمرار يبطل هذا الشعور ، وكأنه يحاول محو هذا الشعور ، وهو نوع من الهرب من الفعل ( الشعور بالذنب ) ، باعتباره لم يكن ، بمحاولة محوه بالفعل ( غسيل اليدين ) .
7 – التفكيك Dissosation :
وفيه يتم عملية انفصال بين الأجزاء المتصارعة ، بهدف حل الصراع مؤقتا ، أو التخفيف من حدته على الأقل ، أو اختفاء التوتر المصاحب للصراع ، فأحيانا يحدث التفكيك في الأحوال السوية ، كالمشي أثناء النوم ، حيث ينفصل الجهاز الحركي عن بقية مقومات النفس والجسم ، وأحيانا أخرى قد يحدث التفكيك في الأحوال المرضية ، كحالات الهستيريا أو ازدواج الشخصية .
8 – التبرير Rationalization :
وفيه يقوم الفرد لتقديم أسباب غير حقيقية لسلوكه ، أو ميوله ، أو دوافعه ، فلا يلق قبولا من المجتمع أو الغير أو من الأنا الأعلى ، ولكن تجد قبولا من الشخص نفسه . كالتلميذ الذي رسب في مادة ما ، فيقوم بتقديم أسباب غير حقيقية ( كوجود خلاف بينه وبين المدرس ) ، فلا يلق قبولا من والديه ، ولكن هو نفسه مقتنع بذلك التبرير …
ومن فوائد التبرير ما يلي :
أ – تحفظ للفرد ثقته بنفسه .
ب – تحفظ للفرد تقديره لكفايته .
ج – ترفع قيمة الفرد في نظر نفسه .
فالحبيب يبرر كافة سلوك المحبوب ، بحيث يصبح مقبول حتى وإن كان مرفوض ، والعدو يفسر كل شيء من جانب عدوه على أنه خطأ وضار وعدائي مهما كان صوابا .
والفرق بين عملية التبرير وعمليتي التمويه أو الخداع هو أن الفرد في عمليتي التمويه أو الخداع يلجأ على المستوى الشعوري ، ليقنع غيره بعذر ملفق يبرر به سلوكه ، كالشخص الذي يعطي أو يقدم موعد لزميله دون نية الوفاء بوعده ، وبعد انقضاء الموعد وعدم الوفاء به ، يبرر ذلك لزميله بأنه قد ألم به مرض مفاجئ أقعده عن الوفاء بوعده ، مع علمه ووعيه تماما بأنه عذر ملفق ، يبديه ليتفادى به الحرج في مواجهة هذا الزميل ، كالمثل الشعبي القائل : ” اعمل أي شيء تقرره …. تجد مثلا يبرره ” .
ومن أهم صور التبرير :
أ – صورة العنب الحصرم :
حيث يقوم الفرد باستخدامه لتعطيه الشعور بالنقص بالخبرة ، أو العجز في القدرات ، كالمثل الشعبي القائل : ” اللي ما بتعرف ترقص …. بتقول الأرض عوجه ” . وكما قال الشاعر :
العنب ده طعمه مر قال كده الثعلب في مرة
والدليل على أنه مر أنه جوه وأنا بره
ب – صورة الليمون الحلو :
ويقوم الفرد باستخدامه ليقر بقبوله المر ، والرضا به ، وأنه خير الأمور ، وأنه لا مفر منه ، وذلك دون أن يبذل الفرد جهدا لتغيير الحال … وباستخدامه يخفف الفرد من شعوره بالعجز والاستسلام ، أو أنه غير عاجز ، أو كسول .
إن التبرير كميكانيزم دفاعي يلجأ إليه الفرد في موقف الضعف أو الحرج ، لأنه لا يريد أن يظهر أمام الآخرين بهذا المنظر ، فيلجأ للتحايل على الذات لإيجاد مصوغات منطقية تقبلها الأنا …. بمعنى أن الفرد يستخدم منطق عقلي ، لإيجاد أسباب تبدو منطقية أو مقبولة اجتماعيا ، لتبرير الموقف أو الحدث( 20 )
ثالثا – الحيل الإبدالية :
أ – إذا كان هدفها إبدال هدف مكان هدف ، أو إبدال شعور ، مكان شعور ، أو إبدال انفعال مكان انفعال ، هذا هو ” إزاحة أو نقل ” .
ب – وإذا كان هدفها إبدال هدف بعكسه ، هذا هو ” التكوين العكسي ” .
ج – وإذا كان هدفها إبدال الكل مكان الجزء ، هذا هو ” التعميم ” .
د – وإذا كان هدفها إبدال عام ، مكان حاجة دنيا هذا هو ” الإعلاء أو التسامي “.
هـ – وإذا كان هدفها إبدال الغير مكان الذات ، هذا هو ” التقمص أو التوحد ” .
و – وإذا كان هدفها إبدال الغير بتقدير بالغ وأصبح مثلا أعلى يحتذى به سمي ذلك ” تقديسا ” .
ز – وإذا تم إبدال نشاط معين مكان نقص ، لمحاولة تعويض النقص ، سمي ذلك ” تعويضا ” ( 18 ).
وفيما يلي تفصيل الحديث عن هذه الحيل الإبدالية :
أ – الإزاحة Displacement أو النقل :
حيلة دفاعية ، يتم فيها رغبة مرتبطة بموضوع معين إلى موضوع آخر ، على مستوى شعوري أحيانا ، وأحيانا أخرى على مستوى لاشعوري ، كنقل رغبة من طعام معين غير موجود إلى طعام آخر موجود ، وكنقل العدوان من الزوج لأول شخص يقابله ، دون أن يكون مستحقا لهذا العدوان . كالمثل الشعبي القائل : ” ما قدرش على الحمار إشاطر على البردعة ” .
وسبب استخدام الفرد لهذه الحيلة هو أن الشخص المحبط والذي لا يستطيع التعبير عن ذاته ، يقوم بتخريب الأدوات والممتلكات كأنها هي المصدر للتوتر والعنف ، أي يقوم بنقل التوتر الداخلي من المصدر الأساسي إلى مصدر آخر بديل .
ب – التكوين العكسي Reaction Formation :
ونقصد به دافع غير مرغوب فيه ، من لاشعور الفرد ، بحيث يتغير إلى الضد في شعور الفرد ، أي يكون شعور الفرد مضادا لما هو موجود في لاشعوره ، أي يكون الفرد غير شاعرا بالدافع ، ولا يفطن لوجوده ، لأنها دوافع محظورة مكبوتة بل ينكرها . كالطفل ذو أربع سنوات يغرق أخيه الرضيع بالقبلات ( هذا على الجانب الشعوري ) ، وفجأة تظهر حقيقة مشاعره بالقرص أو العض ( وهذا على الجانب اللاشعوري ) ، فلا نسمع إلى صراخ الرضيع … كما يقال أن الحنو البالغ يخفي وراءه دافع عدواني ، كما اتضح في المثل العامي الشائع في حنو القط على الفأر ، حينما وقع من السقف ، قال القط : ” اسم الله عليك …. قال الفأر له : ابعد عني ، وخلي العفاريت تركبني .
ويلجأ الفرد لاستخدامه لأن الرغبات والميول والدوافع التي يستخدمها التكوين العكسي ، ما هي إلى رغبات وميول ودوافع منبوذة اجتماعيا ، ويقاومها الضمير ، فيضطر الأنا إلى عكسها ، إرضاءا للمجتمع ، وتمشيا مع قيم الضمير والأنا الأعلى .
ولكن هل هناك فرق بين سلوك الكرم الحقيقي والتكوين العكسي ؟
فسلوك الحكرم هو سلوك متناسب طبيعي لا يتسم بالمبالغة ، بمعنى أنه سمة عامة لصاحبه ، فلا يبدو صاحبه متناقض ، لا نراه مرة كريم وأخرى بخيل.
وهل هناك فرق بين الكبت والتكوين العكسي ؟
في ” الكبت ” يتم استبعاد الرغبة من الشعور إلى اللاشعور ، ومنعها من الخروج . في حين أن في ” التكوين العكسي ” يتم استبعاد الرغبة واستبدالها بأخرى ( عكسها ) … فالفرد لا يكتفي باستبعاد الرغبات العدوانية تجاه الآخرين فقط ، وإنما يتبنى اتجاه التسامح والصفح الشديد حتى عمن يسيئون إليه .
ج – التعميم Generalization :
هي حيلة دفاعية ، يعمم بها الفرد خبرته ، من تجربة معينة على سائر التجارب المشابهة ، أو القريبة منها ، كالمثل الشعبي القائل : ” اللي انقرص من الحية ، يخاف من ذيلها ، أو اللي انقرص من التعبان يخاف من الحبل ” .
د – الإعلاء أو التسامي Sublimation :
حيلة دفاعية ، فيها يوجه الفرد طاقة دافع لديه ، من موضوع غير مقبول اجتماعيا ، إلى موضوع آخر مقبول اجتماعيا . كتوجيه طاقة دافع الجنس إلى موضوعات كالرياضة ، أو توجيه طاقة دافع العدوان إلى موضوعات كالمصارعة . وقد يحدث الإعلاء أو التسامي نتيجة لفشل واضح ، أو حرمان ظاهر ، كالفرد الفاشل في الحب يتجه إلى الفن ، أو الأدب ، وكالسيدة المحرومة من الزواج تتجه لمهنة التمريض أو التدريس لإرضاس دافع الأمومة .
هـ – التقمص أو التوحد Identifacation :
لكي نفهم المقصود بعملية التقمص أو التوحيد ، لابد من التفرقة بين التقليد والتقمص :
فالتقليد أو المحاكاة ، عملية مؤقتة ، يقوم بها الفرد بوعي ، وبهدف تقليد حركات وتفكير وعادات شخص آخر … مثلما يقوم الممثل بتقليد نابليون على خشبة المسرح ، حتى إذا انتهى عاد إلى شخصيته الأصلية .
أما التقمص ، فهو عملية ، يلجأ إليها الفرد بشكل لاشعوري ، وهي استدماج الشخصية بشخصية أخرى … فقد يتقمص الطفل بشخصية أبيه ، ليشعر بالقوة التي يصبو إليها … وقد يتقمص الأب بشخصية إبنه ، فيشعر بما يشعر به الإبن من مختلف ألوان السرور أو الحزن ، أو الحب أو الكره …. وقد يتقمص قارئ القصة بشخصية بطلها … وقد يتقمص الفتى شخصية الجماعة التي ينتمي إليها ، فيكون النجاح الذي يحدث للجماعة نجاحا له , والإحباط الذي تواجهه الجماعة ، هو إحباطا له ..
لذا نجد التقمص أو التوحد يظهر بأحاديث المحبين ، فيشعرون بما يشعر به أحباؤهم ، بل ويذوبون فيهم ، كأنهم كل لا يتجزأ … وفي ذلك يقول الأب الذي يتقمص بشخصية الأبن : ” من أطعم صغيري بلحة … نزلت حلاوتها في بطني ” .
وفي ذلك يقول الشاعر أيضا :
أنا من أهوى ، ومن أهوى أنا نحن روحان حللنا بدنا
وقد يستهدف التقمص أو التوحد التغلب على الحزن ، كالطفلة التي ماتت قطتها ، فأعلنت أنها صارت قطة ، وأخذت تحبو على أربع ، وامتنعت عن الطعام …
وقد يستهدف التقمص أو التوحد التحرر من الخوف والقلق ، كما يظهر في ألعاب الأطفال ، حين يقوم الطفل بتمثيل دور طبيب الأسنان ، ويقوم بخلع ضرس أخيه الأصغر …
وقد يستهدف التقمص أو التوحد التحرر من الخوف الشديد من المعتدي ، كخوف اليهود من النازيين ، جعلهم يتقمصوا شخصية المعتدي ( النازيين ) ، مما أتاح لهم فرصة التغلب على الخوف من العرب وتوجيه العدوان عليهم ، وأتاح لهم الاستعداد للتوازن النفسي .
و – التقديس :
حيلة دفاعية ، تستخدم لرفع قيمة الفرد بشكل مبالغ فيه ، فيصفه بكل المحاسن التي فيه فعلا , والتي حرم منها ، وينزهه عن كل نقيصة أو خطأ … ومن أهم عيوب هذه الحيلة ، أنها تبعد الشخص ، عن الحقيقة ، وتحرمه من النظرة الموضوعية للأمور ، وتصيب صاحبها بالإحباط الشديد ، عندما يتبين الفرق بين ما تصوره وبين ما هو كائن فعلا … كالمثل القائل : ” محب لا يرى حسنا سواها ” ..
يقال هذا المثل عندما يقع الحب ، فالمحب لا يرى في محبوبته إلا محاسنها ، ويبالغ فيها ….
ز – التعويض Compensation :
حيلة دفاعية ، يلجأ إليها الفرد على المستوى الشعوري أحيانا ، وعلى المستوى اللاشعوري أحيانا أخرى … وتبدأ عندما يشعر الفرد أن هناك نقصا في جانب من جوانب مظاهر النمو ، فيقوى في جانب آخر للتغلب على هذا النقص … أو قد تظهر حينما يشعر الفرد بالحرمان من نوع معين من الإشباع ، فيفرط في نوع آخر من الإشباع لكي يعوض ألم الحرمان غير المشبع ويشعر باللذة المتاحة ….
ولكن أحيانا قد لا يدرك الفرد أنه يعاني من نقص ما ، في حين أن هذا النقص يعاني من وجوده ( في اللاشعور ) ، كالفرد الذي لا يدرك بعدم التقدير الاجتماعي له ، فيقوم ببذل جهدا من نوع آخر من أنواع الرياضة ، بهدف تعويض هذا النقص اللاشعوري .
ونجد أبسط أنواع التعويض في السيدة التي حرمت من الجمال ، فنكسبها خفة الروح ونقول كما يقال في المثل الشعبي : ” يا وحشة كوني نغشة ” ، أي كوني خفيفة الظل والحركة …. وكذلك الفرد الذي فقد عضو من أعضاء جسمه ، فيقوم بأنشطة تقوي لديه عضوا آخر من أعضاء جسمه ، كالحكمة القائلة : ” كل ذي عاهة جبار ” .
وهناك التعويض الزائد :
وغالبا ما يمعن الفرد باستخدامه ، كأن يهاجم النقص بعنف ، أو يضخم التعويض … كضعيف البنية الذي يمارس الألعاب الرياضية ، ولا يقتنع بأن يصبح جسمه عاديا فقط ، بل يجهد نفسه بأن يكون من الأقوياء ، ومن ذوي العضلات المفتولة …
ومن أهم صور التعويض الزائد :
1 – قد يتخذ التعويض الزائد صورا منحرفة كأن يصطنع الفرد أنواع من السلوك السخيف في جذب انتباه الآخرين ، وااختلاق قصص كاذبة ومزيفة .
2 – وقد يتخذ صورا عدوانية ، كي يثبت الفرد للناس ، بأنه غير ضعيف ، ولديه من القوة ما يتحدى القانون .
3 – وقد يتخذ صورا من انحطاط الفرد من شأنه أمام الآخرين طمعا أن يمتدحه الناس ، وأن يرففعوا من قدره … فإذا به دائم الحديث ، عن نفسه ، بأنه عاجزا لا يصلح لشئ ، ولكن الاستمرار ، في حط الفرد لنفسه ، قد يجعله يتهم الآخرين بارتكاب ذنوب لم يرتكبها ، وهنا يكون قد اجتاز منطقة السواء إلى منطقة اعتلال الشخصية .
وهناك بعض الحيل الدفاعية لم نذكرها ضمن الحيل الدفاعية السابقة ، ولكن ذكرت في بعض الكتب والمراجع النفسية الأخرى منها : التحول ، العزل ، التكفير ، الاحتماء بالمرض …
1– التحول :
هي حيلة دفاعية ، يلجأ إليها الفرد لحل صراعاته ، بتحويلها إلى أعراض جسمية ، فبدلا من أن يعبر عن نفسه تعبيرا نفسيا ، يعبر عنها تعبيرا جسميا … كالشلل الهستيري للذراع مثلا : إذ لا توجد في هذه الحالة أي اصابات عضوية للذراع ، أو مراكز المخ ، أو بالوصلات العصبية … ولكن تفسير ذلك هو أن الصراع النفسي الذي يهدف لمنع الذراع من عمل شيء معين ، وإعاقته عن الحركة ، قد تحول إلى عرض جسمي ، تمثل في الكف الفعلي لوظيفة الذراع ، فلا يعود المريض يقوى على تحريكه ، ويفشل العلاج الجسمي في علاجه ، وينجح العلاج النفسي …
2 – العزل :
هي حيلة دفاعية ، يتم فيها فصل الأفكار والرغبات والمعتقدات بعضها عن بعض ، لأنها لو التقيت لسببت الصراع والقلق … كالرجل الصادق في بيته ، والكاذب في محله ، والرجل الذي يؤدي العبادات على أكل وجه لكنه يغش ويخدع في تجارته ويقول هذا أمر أو عمل يخالف عمل ، ويعبر عن ذلك بالعامية بقوله : ” هذا شيء وهذا شيء ” ، ولكنه يرفض الاعتراف بهذا التناقض …. فالمريض الذهاني مثلا يعتقد بأنه ملك عظيم ، لكنه يمسح الأرض عن طيب خاطر ، دون أن يفطن إلى ما بين اعتقاده وسلوكه من تناقض … وكالشخص الذي يعتقد بأنه أغنى أهل الأرض لكنه يستجدي سيجارة من زملائه …
3 – التكفير :
هي حيلة دفاعية ، يستخدمها الفرد عندما يشعر بالذنب ( وخز الضمير ) ، وهو شعور يرتبط بالخجل ، وإنزال العقاب على نفس الفرد … كالتاجر الغشاش يكثر من الصدقة …
ومن أهم صور التكفير : الصدقة ، والإعتذار ، والتوبة ، والاعتراف بالذنب …. فقد يتصيد الفرد لنفسه متاعب مالية أو مهنية أو عائلية أو صحية ، ويبتعد عن أسباب النجاح ، ولو أصاب النجاح … كالغني مثلا نجده يضيع ماله كله في القمار ، لأنه لا يجد اللذة إلا في الألم ، ولا يجد الراحة إلا في التعب ، ولا يجد السعادة إلا في الشقاء … ولكن تكرارالحوادث عليه تجعله يعتقد أنه من المغضوب عليه ، أو من الضالين ، أو من الذين جارت عليهم الأقدار … ولكنه في حقيقة الأمر هو الضمير الواخز الغاضب عليه ، والذي لا يهدأ إلا إذا أنزل صاحبه العقاب بنفسه .
4 – الاحتماء بالمرض النفسي :
هي حيلة دفاعية هروبية تبريرية استعطافية في آن واحد ، وتبدأ عندما يعجز الفرد عن بلوغ هدفه ، فيصطنع المرض الجسمي ، هربا من لوم الناس ، ومن لوم الضمير ، لأنه يعتقد أن المرض يستطيع أن يجلب له عطف الناس واهتمامهم به ، وبالمرض أيضا يتعافي عن مواجهة المواقف الصعبة ، فيستغيث بالمرض ، كلما ارتطمت به مشكلة تحبط دوافعه ….
ومن أهم صور الاحتماء بالمرض النفسي :
أ – الكاتب الذي يكره عمله ، يصاب بتشنج في يده اليمني الذي يكتب بها ، في حين يستطيع أن يكتب خطابا لزوجته ، وسبب ذلك الصراع النفسي بين عدم رغبته في الكتابة لكراهيته لعمله ، وبين رغبته في الركون إلى الراحة … ولذا قد يزول التشنج بعد انتهاء العمل والرجوع إلى البيت .
ب – الطالب المتعثر في الدراسة ، قد يصاب قبل الامتحان ، بصداع شديد ، لكي لا يذهب ويمتحن … وسبب ذلك الصراع النفسي بين عدم رغبته في الدراسة ، وبين رغبته في أن يترك المدرسة … في حين قد يزول الصداع بعد الامتحان مباشرة ..
ج – الجراح الذي لا يرغب بعمل عملية جراحية ، قد يصاب بارتعاش اليد الهستيري ، كي لا يعمل العملية ، لكنه قد يعمل عملية جراحية يعتقد بنجاحها .
د – نحن جميعا حينما نجتمع في مجلس فرح ، ونضحك من أعماق قلوبنا ، فعلى الفور نقول : ” اللهم اجعله خيرا ” … فهذا نوع من القلق ، قلق ” الأنا ” نحو ” الأنا الأعلى ” ، كأن الضمير المتجهم لا يطيب له أن تطيب لنا الحياة .
وهناك أيضا بعض الحيل الدفاعية الأخرى والتي تشير إلى أن الفرد يعاني أزمة نفسية ، منها : فرك اليدين بشدة .. فرقعة الأصابع .. حك مؤخرة الرأس .. الإسراف في الطعام … الإسراف في التدخين … الإسراف في الكلام … والإسراف في الحركة … والاسراف في النوم … الإسراف في قضم الأظافر … الإسراف في ممارسة العادة السرية … والخلجات العصبية …. إلخ .
خاتمة
نعم إن حيل الدفاع حيل تخفف من التوتر والقلق ، لكنها لا تحل المشكلة بأكملها … لأنها لا تحقق التوافق الكامل بين الفرد ونفسه أو بين الفرد وبيئته .. لذا نعتبرها حيل تلفيقية وليست توافقية … نعتبرها نصر قريب ، لكنها هزيمة بعيدة … ومع ذلك ليست حيل شاذة ، لأن كل الناس تستخدمها ، سواء بقدر كبير أو قليل ، وإن كانت تبدو بصورة واضحة لدى المرضى النفسيين أو العقلييين ، غير أنها تصبح ضارة إن أفرط الفرد في الالتجاء إليها عند كل صدمة أو موقف متأزم ، بدلا من أن يوجه بجرأة وبصراحة ويعمل على حله بطريقة واقعية مباشرة( 5 )

الفصل الثالث
أعراض الأمراض النفسية والعقلية
المظهر العام
التكوين الخلقي
تعبيرات الوجه
حالة الملابس
حالة الشعر
الوضع ( الوقفة أو الجلسة )
الحركة
الكلام
اضطراب التفكير
اضطراب الإدراك
اضطراب العاطفة
اضطراب الذاكرة
اضطراب الوعي والانتباه
اضطراب البصيرة

الفصل الثالث
أعراض الأمراض النفسية والعقلية
تعريف العرض :
هو تعبير عن الاضطرابات ، وعلامة من علامات المرض النفسي . وكل الأمراض النفسية تلاحظ وتصنف على أساس الأعراض .
ولا يخلو إنسان من الأعراض . وفي نفس الوقت يندر أن تجتمع كل الأعراض المميزة للمرض النفسي في مريض واحد ، والفرق بين الشخصية السوية والشخصية المريضة من حيث الأعراض فرق في الدرجة وليس فرقا في النوع . والواقع أن كل فرد ، لديه استعداد للمرض (7 ).
وتختلف الأعراض التي تظهر على مرضى الأمراض النفسية اختلافا بينا ، فقد تكون الأعراض شديدة واضحة حتى يدركها العامة لأول وهلة ، وقد تختفي لدرجة أن يصعب تمييزها إلا لذوي الخبرة المتمرسين على اكتشافها ، وإدراكها ، مما يضطرنا أحيانا إلى إعطاء بعض العقاقير المثيرة كي تساعد على ظهورها وتمييزها ، والأعراض المقنعة ( المخفية ) لا تقل أهمية عن الأعراض الظاهرة ، بل قد تزيد ، إذ أن إدراكها يكون في المراحل الأولى للمرض ، تلك المراحل التي يمكن فيها أن يعالج المريض علاجا ناجحا إذا نحن بذلنا الجهد الكافي للوصول إلى ” التشخيص المبكر ” . هذا وقد تكون الأعراض بالغة الشدة بحيث تضطرب معها علاقة الفرد بمجتمعه ، الأمر الذي يجعل المريض عبئا ثقيلا على عائلته ، كما قد تكون خفيفة حتى أن المريض يستطيع أن يمارس عمله ، ويحافظ على مستوى إنتاجه وعلاقاته الاجتماعية ، الأمر الذي قد يجعل ذهابه إلى الطبيب النفسي مدعاة لدهشة مخالطيه ، غير أن هذه الأعراض الخفيفة قد تسبب لصاحبها من الألم والمعاناة ما لا يطيق ، رغم مظهره السوي … ….. هذا فضلا عن أنها قد تتطور إذا ما أهملت إلى أعراض أشد خطرا وأصعب علاجا .
لكل ذلك فإننا نتبع أسلوبا مفصلا في فحص المريض حتى لا يفوتنا أي واحد من هذه الأعراض صغيرا كان أم كبيرا ، فنبدأ بفحص المظهر العام ، وننتهي إلى الفحص العضوي الشامل ، وبذلك يمكننا الاهتداء إلى كافة الأعراض ما ظهر منها وما بطن .
على أن فحصنا للمظهر والسلوك الخارجي يجعلنا نستنتج منه في النهاية التركيب الداخلي لأجزاء النفس ووظائفها ، وهذه الطريقة نافعة وضرورية للمبتدئ ، ومن خلالها يجد الفاحص نفسه قادرا على النظر إلى التركيب العام لوجود المريض في مجتمعه في هذه الحياة . وقد يهتم الفحص بتفاعل المريض الكلي للحياة أولا ، وهذه الطريقة هي ما تسمى ” بالفحص المركزي ” ، فنعرف بها ومن خلالها طبيعة وجود المريض وهدفه في الحياة ” بصفة عامة ” ، ثم نتتبع مظاهر هذا الوجود من المركز إلى الطرف في بحث متدرج لاستكمال التفاصيل الظاهرية التي يمكن أن نستتبعها تبعا لطبيعة هذا الوجود الشامل ، وهذه التفاصيل ما هي إلا الأعراض .
على أن الهدف من فحص المريض هو التعرف على شخصية المريض قبل المرض ، ونوعيه تفاعلاته وذلك لبدء العلاج (18 ).
1 – المظهر العام
إذا نظرنا بدقة إلى المظهر العام للمريض أمكننا أن نعلم عن حالته النفسية والعقلية الشيء الكثير مما يساعدنا في تشخيص المرض ومعرفة درجة خطورته ، لذلك فإننا نحاول أن نفحص في المظهر العام ما يلي :
أ – التكوين الخلقي :
يختلف هذا التكوين من شخص لأخر ، فهناك الشخص النحيف والبدين وذو التكوين العضلي وذو التكوين غير المنتظم ، وقد يتصف الشخص بأكثر من صفة من الصفات في نفس الوقت ، وهناك اعتقاد أن كل مرض نفسي يكثر في تكوين خلقي معين ، فنرى أن الشخص ذو التكوين البدين أميل إلى المرح وتكون شخصيته انبساطية ، بينما الشخص النحيف يكون أميل إلى الانطواء وهكذا ، وقد لوحظ أن جنون الهوس والاكتئاب يكثر في التكوين البدين ، بينما الهستيريا والصرع يكثران في التكوين العضلي ، بينما النيوراستانيا فنجدها أكثر ما تكون في التكوين النحيف ، ونجد الفصام كذلك في التكوين النحيف وغير المنتظم ، لكل ذلك نجد أننا بملاحظة التكوين الخلقي للمريض يمكن تكوين فكرة عامة عن شخصيته ، ولكنها ينبغي أن تكون فكرة مبدئية قابلة للمناقشة ، لأن أي مرض يمكن أن يحدث في أي تكوين .
ب – تعبيرات الوجه :
تدل تعبيرات الوجه على حالة المريض الإنفعالية ، فمثلا ترى المريض المكتئب يظهر الحزن واضحا على وجهه ، بينما ترى المريض في حالة الهوس ( لاسيما الهوس الخفيف ) يطلق السرور من عينيه … ونجد الوجه بلا تعبير إطلاقا في بعض حالات الفصام . على أننا لا ينبغي أن نخدع في تعبير الوجه ،فكثيرا ما يبتسم المريض”وقلبه حزين” ، ( على حد تعبيره ) ، وكثيرا ما يكون الابتسام دالا على موقف سخرية أو هزء أو عدميه ، وليس على مرح أو سعادة فإن الدقة في معرفة ما وراء الابتسام مهمة ولازمة .
ج – حالة الملابس :
طريقة الشخص في ارتداء ملابسه ولونها قد تساعد على معرفة الشخص ومدى انفعالاته ، فارتداء الملابس السوداء قد يدل على الحزن ، وإهمال الملابس علامة على عدم الاهتمام والاضطراب وهكذا …. وكذلك الحال في المرض النفسي ، فقد تكون الملابس نظيفة وأنيقة كما في حالات الهستيريا ، أو قذرة وممزقة كما في حالات الهياج ، أو غير متناسقة وشاذة مما يدل على وجود اضطراب في تفكير المريض ، ويغلب هذا في مرض الفصام ، كما قد نجد مريض ” الهوس الخفيف ” وقد ارتدى ملابسا زاهية الألوان جدا ، وإن كانت فتاة أو سيدة فقد تلبس ملابس مبهرجة .
د – حالة الشعر :
قد تكون حالة الشعر ذا دلالة خاصة تفيد في التشخيص ، فقد يكون الشعر طويلا أو قصيرا بشكل غير عادي ، وقد يكون نظيفا ممشطا أو قذرا مشوشا ، وقد يكون للشعر دلالة خاصة : فالمريض الذي يترك خصلة من شعره على جبهته بطريقة معينة وأنه يعتقد أنه ” هتلر ” وكذلك المريض الذي يحلق رأسه بالموس قد يكون متقمصا شخصية أحد ممثلي السينما الصلع .
هـ – الوضع ( الوقفة أو الجلسة ) :
قد يكون وضع المريض ذا دلالة خاصة تفيد في التشخيص ، كالمريض الذي يضع يده بصفة دائمة في فتحة قميصه قد يكون معتقدا أنه ” نابليون بونابرت ” ، والمريض الذي يمد يده تجاه الشمس باستمرار قد يعني أنه يعبدها أو أنه يتشبه بفقراء الهنود … وهكذا .
و – الحركة :
يختلف النشاط الحركي للإنسان بتغير حالته الانفعالية ، فإننا قد نرى الشخص السعيد المرح كثير الحركة والكلام ، كما قد نرى الشخص الحزين بطيء الحركة … وهكذا ، وفي المرض تختلف الحركة كذلك من حيث الكمية والنوع ، فمن حيث الكمية قد تكون الحركة قليلة ( في الاكتئاب مثلا ) أو كثيرة ( في الهوس ) ، ومن حيث النوع قد تتصف الحركة بطابع خاص يحتاج إلى توضيح وإفاضة نوردها فيما يلي (18):
* أن الحركة قد تتصف بالتكرار كما يبدو في الصور التالية :
– الأسلوبية ( وهي حركة أو مجموعة حركات غريبة يعيدها المريض باستمرار بطريقة متواترة ، وذلك مثل عمل حركة تعبيرية معينة بواسطة عضلات الوجه كرفع الحاجبين مثلا ، يكرر هذه الحركة بطريقة مستمرة ، أو مثل لف اليدين على بعضهما وكأنه يغسلهما دون توقف … إلخ ، وقد تظهر الأسلوبية في الكلام ، فيكرر المريض بعض الكلمات بطريقة مستمرة دون يقصد معناها ولا يفوتنا أن نذكر في هذا المقام أن الكلام تفكير ثم تنفيذ حركي لهذا التفكير باستخدام حركة أعضاء الكلام كالشفتين واللسان … إلخ .
على أن الأسلوبية تتم عادة من وراء وعي المريض ، بحيث إذا سئل عما يفعل ، لدهش أو أنكر أو لم يجد تفسيرا ، هذا إذا أجاب .
* الإنثنائية الشمعية : في هذه الحالة يكون التكرار هو تكرار الوضع ، أي ثباته واستمراره ، فيمكن الفاحص أن يضع أحد أطراف المريض أو حتى جدعه أو رقبته في أي وضع ثم يتركه . فنجد أن المريض يستمر على هذا الوضع لمدة طويلة تفوق المدة التي يمكن الشخص العادي أن يتحملها بكثير . وذلك لأن خاصية التعب العضلي الفسيولوجي تضطر الشخص العادي إلى أن يغير من الوضع الثابت المتعب إلى وضع مريح ، بينما هذا الإدراك في هذا المريض . وتسمى هذه الظاهرة ” بالإنثنائية الشمعية ” لأن الأطراف تنثني معنا كيف شئنا وكأنها مصنوعة من الشمع ، إذ يمكن تشكيلها ووضعها في أي صورة .
* اللوازم : وهي حركة بسيطة متكررة ، تدل على عادة متأصلة ، يصعب التخلص منها ، ومثال ذلك قفل الجفنين وفتحهما ( البربشة ) ، أو رفع الحاجب أو تحريك الفم بطريقة معينة (18) أو هز الأكتاف أو حركة الوجه أو الغمز باستمرار أو مص الأصابع أو قضم الأظافر ) (16 )… إلخ ، ويحدث هذا أحيانا للأشخاص الأسوياء كما يحدث عند المصابين بالعصاب .
* وقد تتصف الحركة بالاستهواء ( أي قابلية المريض لمحاكاة الغير دون تفكير أو اقتناع ومن صور الاستهواء (18 ):
– الطاعة الآلية ( وهي أن يستجيب المريض آليا لأية أوامر تلقى إليه دون تفكير أو تبصر حتى ولو كانت هذه الأوامر شاذة أو ضارة ، فلا يستطيع مثلا أن يمتنع عن إخراج لسانه إذا ما طلب منه ذلك حتى لو هددناه أننا سوف ندخل إبرة في لسانه إذا ما أخرجه .
– ورجع الكلام ( هي أن يقلد المريض حركات الشخص الذي يتحرك أمامه حرفيا ، فإذا رفع يده رفع المريض يده كذلك ، وإذا أخرج لسانه قلده المريض تقليدا أعمى .. وهكذا ، أما رجع الكلام فهو أن يعيد المريض الكلمات . وكل من المحاركة ( رجع الحركة ) والمصاداة ( رجع الكلام ) تتمان بطريقة آلية ، وهما صورة من صور الطاعة الآلية ( ونود أن نشير إلى أن رجع الكلام ما هو إلا نوع خاص لرجع الحركة ، فليس الكلام إلا نشاط حركي صوتي ) .
– الخلف ( وهو أن يستجيب المريض لأي أمر يلقى إليه ، استجابة عكسية ، فإذا طلبنا منه رفع يده خفضها ، وإذا طلبنا منه الالتفات إلى اليمين التفت إلى الشمال وهكذا …
– و( المقاومة ) نوع من الخلف ، وفيها لا يقوم المريض بالفعل الذي يطلب منه ، ولا يقوم بالفعل العكسي ، ولكنه يقاوم الأمر ولا يأتيه .. ويتضح أنه يرفض الطاعة لأي أمر ، فإذا طلبنا مثلا من المريض الدخول إلى الحجرة وهو عند الباب فإنه يظل واقفا عند الباب لا يدخل ولا يخرج ، ونلاحظ أن الخلف والمقاومة هما عكس الطاعة الآلية على طول الخط ، لذلك تسمى الطاعة الآلية ” استهواء إيجابي ” ، أي الاستجابة إلى الأمر كما هو ، كما يسمى الخلف والمقاومة ” استهواء سلبي ” ، أي الاستجابة إلى الأمر بفعل عكسه أو عدم فعله إطلاقا . ونلاحظ أيضا أن ” التصلب الشمعي ” الذي هو تكرار لوضع معين ما هو إلا طاعة آلية حركية اتصفت بصفة التكرار .
ي – الذهول : وهنا يبدو المريض وكأنه قد تجمد في موضعه ، فلا تبدو منه أية حركة ، ولا يظهر على ملامح وجهه أي تعبير ، وإذا اشتدت الحال أصبح لا يستجيب للمؤثرات ، حتى وإن كانت مؤلمة . وقد يتصف بأحد مظاهر الاستهواء مثل ” الخلف ” فيقاوم المريض أية محاولة لتغيير موضع أطرافه ، ويسمى حينئذ ” الذهول المخالف ” ، أو مثل الطاعة الآلية أو التصلب الشمعي …. إلخ .
2 – اضطراب الكلام
فهو من ناحية الشكل فإنه مظهر حركي يسري عليه كثير مما ذكر في التغيرات التي تطرأ على الحركة كالقلة والبطء والتوقف والمصاداة ، وهو من ناحية الموضوع يدل على محتوى الفكر سواء كانت هذه المحتويات مضطربة أو سليمة . فالكلام قد يختلف م حيث الكم ، والسريان ، ومدى تحقيقه لوظيفته الاجتماعية :
أ – فمن حيث الكم :
* قد يكون الكلام كثيرا بدون داع ، فيتداعى بانطلاق وحتى بدون توجيه أسئلة ، وتسمى هذه الظاهرة ” الثرثرة ” .
* وقد يقل الكلام إلى درجة كبيرة ، فيظهر في صورة إجابات مقتضبة للأسئلة ، وفي هذه الحالة عادة لا يتكلم المريض ابتداء وإنما يتحدث ردا على سؤال .
*وقد ينعدم الكلام نهائيا ، فيعجز المريض عن الكلام ، أو حتى عن النطق بأي صوت ، وتسمى هذه الحالة أحيانا ” البكم ” .
ب – ومن حيث سريان الكلام ( قد يطرأ عليه ما يلي من تغيرات في السرعة أو في الاتجاه ) ”
* قد يكون سريان الكلام بطيئا كما في حالات الاكتئاب .
* وقد يكون سريعا متصلا كما في حالات الهوس الخفيف .
* وقد يتوقف سريانه فجأة ، وبدون سبب ، ويسمى ذلك ” العرقلة ” .
* وقد يتخذ مجرى الكلام طرقا جانبية ، فيتطرق الحديث إلى تفاصيل لا داعي لها ، ولكنه يصل إلى غرضه في النهاية ، وتسمى هذه الظاهرة ” التفصيل ” ، ومثال ذلك ما نراه في الذين نطلق عليهم لفظ ” الرغاي ” كالذي يحكي حادثة ذهابه إلى الكازينو ، ولبست البدلة الزرقة اللي اشتريتها من محل ( تاي شو ” في شارع طارق بن زياد ، أمام ملعب فلسطين ، بجوار نقابة الصيادلة ، في حي الرمال بغزة ، وبعدين لبست عليها الكرافتة الحمراء ، وفيه ناس بيقولوا أن الأحمر على الأزرق ما بينفعش ، لكن أنا رأيي أن الأحمر النبيتي يليق على الأزرق ، لكن الأحمر الطرابيشي لا ، وبعدين ……. ) ويستمر في وصف تفاصيل سيره في الشارع وأي سيارة ركب ، وأي شخص قابل ، وهكذا …. ولكنه في النهاية يذكر أنه وصل إلى الكازينو ، وبذلك يفي القصد الذي قصد إليه في أول الكلام .
* وقد يغير المريض مجرى كلامه نهائيا ، وذلك استجابة لمؤثر داخلي أو خارجي ، مثل كلمة عابرة وردت أثناء الكلام ، وهو عادة لا يصل إلى غايته أبدا ، ويحدث هذا في ظاهرة ” طيران الأفكار ” ، ويحدث هذا عادة في الهوس ، ومثال ذلك أن الذي أخذ يحكي حادثة ذهابه إلى الكازينو قد تنحرف حكايته بعد كلمة ” الطرابيشي ” . إلى سبيل آخر تماما ، فيقول ” ……. وحتى الطرابيشي راحت عليها ، أي في أحد عاد بيلبيس طربوش في هذه الأيام .. أنا شخصيا ما بعرف أحد بيلبس طربوش إلا خالي ، وهو قاعد في بيته واسمه زكي أفندي ، مع أنه لا أفندي ولا حاجة ، بس علشان لابس طربوش بنقول عنه أفندي … ) ويستمر هكذا لكنه لا يصل أبدا إلى إكمال حديثه الذي بدأه وهو أنه ذهب أمس إلى الكازينو .
ج – وقد يتصف الكلام بالتكرار ، ومن أمثله ذلك ما ذكرنا من قبل ونحن نتكلم عن الحركة ، حيث أن الكلام حركة صوتية ، وأهم تلك الأمثلة :
1 – الأسلوبية ( وهي تكرار لكلمات معينة لا يظهر القصد منها واضحا فنرى مريضا يكرر ليل نهار عبارة مثل ” الإشارة إما حمراء أو خضراء … الإشارة إما حمراء أو خضراء … وهكذا . وقد يرمز هذا إلى معنى خفي يدل على صعوبة اختيار الحلول الوسطى التي تعتبر أقرب إلى الواقع ، ولكن ذلك المعنى قد لا يبدو للفاحص من أول وهلة .
وقد يجيب المريض على كل الأسئلة بنفس الإجابة ، فإذا سئل ما اسمك ؟ قال :”الحمد لله ” . ثم سئل : أين أنت ؟ قال :”الحمد لله … ثم سئل :” في أي الأيام نحن ؟ ” أجاب الحمد لله ، وهكذا … وقد تشير هذه الظاهرة إلى الجمود أو رفض التواصل بالآخر أو الانغلاق على الداخل أو العناد … إلخ .
2 – المصاداة ( رجع الكلام ) ، وقد ذكرنا أنها تكرار الكلام الذي يسمعه المريض أو تكرار أواخره ، ومثال ذلك أنك إذا سألت مريضا ما : ما اسمك ؟ .. قال ما اسمك ؟ وإذا سألته : أنت وين ؟ قال … أنت وين ؟ فإذا قلت له : لا تكرر ما يقال … فإنه قد يرد : يقال … يقال … وكأنه صدى لما يسمع .
د – قد لا يؤدي الكلام وظيفته الاجتماعية ، فلا يفي بالغرض منه وهو التفاهم ، وقد يكون السبب في هذا عدم القدرة على تكوين الجملة المفيدة ويكون هذا دليلا على اضطراب في القدرات العقلية أو في التفكير ، وقد يصل الأمر إلى التعبير بلغة جديدة لا يعرفها إلا المريض ، حتى أن العامة يطلقون على مثل هذه الظاهرة ” بيرطن ” ” بالسرياني ” وتصيب هذه الظاهرة المرضى العقليين ، وتسمى هذه الظاهرة ” اللغة الجديدة ” .
وهذا وقد يكون اختلال وظيفة الكلام نتيجة لصعوبة في التعبير ذاته ، أي صعوبة في النطق مثل حالات التهتهة ، وهي حركة كلامية يصعب إيقافها ، كأن يقول ” أسمي أنو أنو أنو …. أنور ” ، أو العقلة ، وهي وقفة كلامية يصعب تحريكها ، كأن يقول ” هـ هـ هـ هـ مش قادر أنطق ” ..
وقد يكون محتوى الكلام مضطربا ، وفي هذه الحالة تكون دلالة اضطرابه هي اضطراب التفكير .

3 – اضطراب التفكير
Disorders of Thinking
التفكير :
هو تكوين الأفكار وتكاملها وضم بعضها لبعض فيما يتعلق بموضوع أو مشكلة ، ويتم ذلك بالتخيل والتصور والفهم والاستنتاج وغير ذلك من العمليات العقلية . ويظهر التعبير الخارجي لوظيفة التفكير في السلوك ،وفيما يلي اضطرابات التفكير (7):
أ – اضطراب مجرى الفكر : قد يبطئ سريان الأفكار ، ويسمى ذلك ” بطء التفكير ” ، وقد يسرع ويسمى ذلك ” طيران الأفكار ” ، وقد يتوقف برهة ثم يعاود سريانه ، ويسمى هذا ” العرقلة ” .
ب – اضطراب محتوى الفكر : قد يكثر المحتوى عن المعتاد ، وتسمى هذه الظاهرة ” ضغط الأفكار ” ، وقد يقل عن المعتاد ، وتسمى هذه الظاهرة ” فقر الأفكار ” ، وقد يشكو المريض من ” انتزاع الأفكار ” من رأسه أو ” إقحام الأفكار ” عليها دون إرادة منه ، وقد يكون اضطراب الفكر نوعيا خاصا ، ومثال ذلك :
1 – الانشغال ( وهنا يدور التفكير حول فكرة تشغله وتغطي على سائر الموضوعات الأخرى ) .
2 – الوسوسة ( وهنا يضطر المريض إلى التفكير في موضوع بذاته رغم عدم أهميته وربما شذوذه ، ولكنه لا يستطيع مقاومة ذلك أبدا ، وقد يصحب هذا سلوك اضطراري يكون نتيجة للوسوسة .
وتتفاوت الوسوسة في محتواها ، فهي قد تكون مقترنة بذكريات تافهة ، أو لعلها تكون مرتبطة بأعمال قهرية ، وغالبا ما تقترن بمخاوف تسلطية ، خالية من المعنى تماما ، بل لعلها تكون مثيرة للضحك . ويمكن أن نذكر في هذا السياق حالة امرأة مريضة مثلا ، كانت قد تعرضت لصدمة عقلية ، فبقيت تعاني من وسواس الخوف من العدوى ، أي من أي شيء : أي لبثت تكابد من وسواس العدوى التي تخشى أن تداهمها في أية لحظة ، لذلك طفقت تتحاشى ملامسة أي شيء خشية العدوى وخوفا منها (17).
3 – قد يكون محتوى التفكير خاليا متحيزا يصطبغ بالعاطفة كما قد يكون شبه فلسفي مغرقا في السفسطة السطحية الغامضة .
4 – تناقض الأفكار ( فتوجد فكرتين متضاربتين في نفس الوقت ، لا يستطيع المريض التخلص من أحداهم ) .
5 – الضلال ( هو اعتقاد وهمي خاطئ لا يتفق مع الواقع ، ولا يمكن تصحيحه بالحجة الصادقة والمنطق السليم ولا يتناسب مع تعليم المريض وبيئته ) (18 ).
وقد يكون للضلال ” أوليا ” يظهر لأول وهلة دون سابق إنذار ، وقد يكون تفسيرا لضلال آخر أو عرض آخر ، ويسمى هذا ” ضلالا ثانويا ” ، وقد تكون الضلالات مرتبة منسقة أو مشوشة غير منتظمة ، ومن أنواع الضلال ما يلي :
1 – ضلال الإشارة أو التلميح ( حيث يعتقد المريض أن الناس تضطهده وتدبر له المكائد ، ويقتنع بأن كل حركة تصدر ممن حوله أو النشرات الاخبارية أو الاعلانات السينمائية أو الاذاعات الموجهة إنما تصدر للإشارة والتلميح إلى تصرفاته ، مما يجعله إما في حالة احتكاك مستمر مع المجتمع أو انطواء وانعزال عن الناس ) .
2 – ضلال العظمة ( حيث يعتقد المريض أنه رجل عظيم ، زعيم ، أو نبي أو … أو حتى الإله نفسه ) .
3 – ضلال الإثم واتهام الذات ( وفيه يعتقد المريض أنه مذنب وأنه يستاهل أقصى العقوبات ) .
4 – ضلال تغير الكون ( حيث يعتقد المريض أن الكون تغير عن ذي قبل ، وضلال ” تغير الشخص ” يعتقد فيه المريض أنه تغير تماما أو حتى أنه أصبح شخصا آخر ) .
5 – ضلال الأهمية أو المعرفة ( حيث يعتري المريض إقتناع كامل بأنه على معرفة واتصال بأهل المريخ أو القمر مثلا ، أو أنه على علم بكل ما يحدث في أعماق النفس البشرية دون دراسة أو دراية بأي علوم ، أو أنه له قدرة للكشف عن الغيب … وهكذا ) .
5 – الضلال الحشوي الجسمي ( وهنا يعتقد المريض أنه مصاب بمرض حشوي أو جسمي دون وجود ذلك المرض فعلا ) .
6 – ضلال الانعدام ( وفيه يعتقد المريض بانعدام الكون أو الأشياء أو نفسه أو بعض أجزاء جسمه أو أحشائه … أي أنه يعتقد أنها غير موجودة (18 ).
7 – ضلال التأثير ( حيث يشعر المريض أنه تحت تأثير قوى داخلية أو خارجية ويصبح أسير هذه الأفكار التي تختلف حسب ثقافته – السحر مثلا – . )
4 – اضطراب الإدراك
Disorders of Perception
الإدراك :
هو قدرة الفرد على إدراك البيئة عن طريق حواسه ، وتفسير معناها . ويضطرب الإدراك نتيجة وقوع الشخصية فريسة لأسباب ، تؤدي إلى سوء تفسير المثيرات الحسية ، نتيجة لوجود نقص أو عيب في أعضاء الحس ذاتها أو إلى نقص أو عيب في وظائفها (7) .
1 – الخداع :
هو إدراك حسي خاطئ ومشوه لشيء حقيقي موجود ، يدرك فيه المريض المؤثر الخارجي على غير حقيقته . فقد ينظر على حبل مثلا فيراه ثعبانا . وقد يرى المريض الناس من حوله بوجوه عابسة وتعابير غاضبة ، أو على العكس يراهم جميعا مرحين فرحين تعلو محياهم البشاشة .
2- الهلاوس :
ما هي إلا استجابات حسية واضحة ، أوادراكات حسية زائفة ، مصدرها التصور الخاطئ أو الخيال الواهم – أي دون وجود منبه – وتسمى حسب نوع الاستجابة ( فهناك الهلاوس السمعية ، الهلاوس البصرية ، الهلاوس الشمية ، الهلاوس اللمسية ، الهلاوس التذوقية ) ، أي تحدث في أي من الحواس الخمس ، وفي الإحساسات الحشوية كذلك فهناك هلوسة بصرية ، وسمعية ، وشمية ، وذوقية . ولمسية وحشوية ـ وقد تكون الهلوسات مبهمة كما قد تكون محددة المعالم لأشخاص أو أشياء واضحة كما قد تختلف من حيث الحجم فتكون أكبر أو أصغر من الحجم المعتاد أو قد تماثله ن هذا وقد تكون الهلاوس باردة أي لا يصحبها هياج ولا اضطراب عضوي وهذا النوع أخطر دلالة مما لو صحبه أحد هذه المظاهر .
فالمريض الذي يكابد هلوسات سمعية ، نراه كثيرا ما يلجأ إلى حشو أذنيه بكرات من القطن ، زاعما أنه إنما يفعل ذلك لدرء الأصوات التي تدهم رأسه باستمرار ، وتجد المريض الذي يعاني من هلوسات شمية ، إما أن يمسك بأنفه بأصبعيه ، أو أنه يغطيه بمنديل بشكل مستمر
وكثيرا ما نرى أناسا يعانون هلوسات بصرية ، فنراهم وكأنهم زائغو الأبصار ، فهم ينظرون إلى لا مكان معين ، أو ترى الواحد منهم وكأنه مثبت بصره على مكان غير منظور ، أي يبصر شيء أمامه في حالة غيابه ، أو يرى أضواء باهرة وحيوانات تزحف اتجاهه . لذا نرى أن الهلاوس البصرية تثير الخوف والذعر في المريض أكثر من الهلاوس السمعية .
وكثير ما نرى أناس يعانون هلوسات شمية ، كأن يشم المريض روائح كريهة تنبعث من حوله أو من نفسه ، أو يعانون هلوسات لمسة ، كأن يعتقد المريض بأن المارة من الناس يلمسونه في أعضاء حساسة ، أو يعانون هلوسات تذوقية كأن يحس بطعوم مختلفة في الفم ، وعادة ما تصاحب هذه الهلاوس هلاوس شمية ، أو يعانون من هلوسات حركية كأن يحس بوجود عضو غير موجود في الجسم ، أو قد تغير في حجم وشكل بعض الأعضاء وخصوصا الأعضاء التناسلية ، وغالبا ما تظهر هذه الهلاوس بعد بتر الساق أو الذراع ، فنجد المريض يداوم للاحساس بوجود العضو المبتور ، بل ويشكو من آلام شديدة في هذا العضو المفقود
5- اضطراب العاطفة
Affective Disorders
يتخذ اضطراب العاطفة في المسنين شكل الاكتئاب على الأغلب ، وتكون العوامل المرسبة له في العادة هي التقاعد ، والإحالة إلى المعاش ، والوحدة ، والاضطرابات العضوية .. .. ويصاحب الاكتئاب قلق ، وعدم استقرار ، وربما ضلالات انعدامية ، وضلالات اتهام للذات ، والشعور بالذنب ، وضلالات حشوية (18 ).
وتضطرب العاطفة من حيث النوع في أحد الصور التالية :
1- التباين : وهو عدم توافق العاطفة مع التفكير فيسير كل في واد .
2- السيولة : وهنا تكون العاطفة غير ثابتة ، فتتغير من النقيض إلى النقيض في زمن قصير .
3- التناقض : وهنا يوجد الشعور ونقيضه في نفس الوقت دون أن يستطيع المريض التخلص من أيهما : كأن يحب الطفل والده ويكرهه في نفس الوقت .
وقد يكون الاضطراب كميا ، ومن صوره :
1- فقدان الشعور : حيث يفقد المريض القدرة على الإحساس بالعاطفة وعلى التعبير عنها .
2- اللامبالاة : وهنا يفقد المريض القدرة على التعبير عن العاطفة دون الإحساس بها ، فالمريض لا يبالي بالمشاعر ولا بالمواقف الانفعالية ولا بالتعبير الانفعالي . ويشاهد في الاكتئاب .
3- التعبير الأجوف : وهنا يعبر المريض عن عاطفة بذاتها دون إحساس بها .
4- الاكتئاب : وهو الشعور بالحزن لدرجة تفوق الشعور العادي بذلك ، فيفقد لذة الحياة ، ويرى أنها لا معنى لها ولا هدف له فيها ، فيفقد اهتمامه بعمله ويشعر بتفاهته ، ويصاحب الاكتئاب عادة التدهور الحركي والصداع وفقد الشهية ونقص الوزن والإمساك والأرق ، ويصاحبه أيضا التردد والبطء في الكلام ، وقد يؤدي إلى الانتحار .
5- المرح Elation : وهو الشعور بالفرح والانشراح الزائدين دون مبرر وقد يصاحب ذلك شعور بالاعتزاز ويسمى ذلك ” زهوا ” ، ويشاهد في الهوس وفي الفصام الهذائي وفي الشلل الجنوني العام.
6- القلق المرضي : وهو القلق الزائد عن الحد الذي يزعج صاحب ويعوقه عن الإنتاج . ويصاحب القلق أعراض نفسية جسمية مثل العرق المفرط وصعوبة التنفس والاضطرابات المعوية وسرعة نبضات القلب . ويصاحبه أيضا التوتر وتغير الصوت واللازمات الحركية والأرق والأحلام المزعجة(7) .
6- اضطراب الذاكرة
Disorders of Memory
التذكر :
هو إحدى الوظائف العقلية الهامة ، ويتضمن عمليات ثلاثا متكاملة هي التسجيل والحفظ والاستعادة أو الاسترجاع (7 ) ويكون اضطراب الذاكرة كميا . ومن صور ذلك :
1- حدة الذاكرة : حيث يتذكر المريض كل الأحداث وتفاصيلها بشكل غير عادي، وخاصة الخبرات الأليمة أو الخبرات السعيدة المشحونة انفعاليا . وتشاهد في الهوس الخفيف وفي الهذاء ( البارانويا ) .
2- ضعف الذاكرة : وقد يصل إلى فقدانها ويكون إما للأحداث القريبة فقط أو للأحداث القريبة والبعيدة على حد سواء , أو قد يكون في فجوات بمعنى أن المريض يستطيع أن يتذكرها قبل فجوة النسيان وما بعدها بسهولة .
وقد يكون اضطراب الذاكرة نعيا ومن صور ذلك :
1- التزييف : وهو إضافة تفاصيل كاذبة لذكريات حدثت فعلا ، ويلاحظ في الهستيريا وفي الهذاء ( البارانويا ) ، وفي الفصام الهذائي .
2- التأليف ( الفبركة ) : وهو اختلاق أحداث لم تحدث إطلاقا على أنها وقعت فعلا ، وهو عبارة عن تأليف للذكريات ، وحشو لما هناك من ثغرات يملؤها المريض باختلافات ، يحشو بها فجوات ذاكرته ، سببها النسيان الذي عفى على الحقائق ، والأحداث التي يتكلم عنها المريض عادة هي أحداث لم تحصل له قط ، ولم يكن قد مر بها ، ولكنه مع ذلك يؤكد جازما أنه خبرها في حياته .ويلاحظ في الهستيريا وفي ذهان الشيخوخة وفي بعض الأمراض النفسية الجسمية وفي حالات تلف المخ وفي إدمان الخمر.
3- ظاهرة الألفة :وفيها يخيل للفرد أن الغرباء مألوفون لديه وكأنه رآهم من قبل أو أن الأصوات مألوفة لديه وسبق أن سمعها ، بينما هو في الحقيقة لم يسبق له ذلك مطلقا . وتشمل الألفة : ألفة المنظر ، وألفة الصوت ، وألفة الفكرة ، وألفة الحكاية أو الرواية .
7- اضطراب الوعي والانتباه
Disorders of Consciousness
في حالة اضطراب الوعي ، نجد أن الإحساس لا يعمل بكامل طاقته ، ولا تؤدي الحواس وظائفها على ما يرام ، ويكون الإدراك والفهم معوقا ، ويكون المريض غير قادر على إدراك بيئته من حيث الزمان والمكان والأشخاص . وفيما يلي اضطرابات الوعي (7 ):
1- النوم : هو تغير طبيعي للوعي وقد يزيد النوم أو يقل عن المعتاد ، وقد يختل نظامه ، كما قد يتخلله أعراض كالمشي أثناء النوم أو الكابوس
2- الذهول Stupor : وفيه يقل الوعي لدرجة كبيرة ، ولا يستجيب المريض إلا للمؤثرات شديدة الألم ، ويكون ساكنا هادئا لا يتحرك ولا يظهر على وجهه أي تعبير ، ويشاهد في الخواف الشديد ، وفي الهستيريا وفي الاكتئاب وفي الفصام الحركي وفي حالات أمراض المخ العضوية وحالات التسمم .
3- الغيبوبة : وهي أشد درجات السبات وفيها لا يستجيب المريض لأي مؤثر مهما بلغت شدته .
وقد يتغير الوعي نوعيا مثل :
1- الانشقاق : وهنا يتميز كل نشاط بدرجة من الوعي تختلف عن النشاط الآخر كالمشي أثناء النوم ، حيث يكون النشاط الحركي واعيا في حين أن النشاط الحسي نائما .
2- التوهان : حيث يعجز المريض عن التعرف على ما بالبيئة من أشخاص وزمان ومكان .
3- ازدواج إدراك البيئة : وهنا يدرك المريض أنه يوجد في مكانين بعيدين عن بعضهما في نفس الوقت ( مثل وجوده في القاهرة وطنطا في نفس اللحظة ) . وقد يضطرب الانتباه في إحدى الصور التالية :
1- زيادة الانتباه : فينتبه لكل المؤثرات ولتفاصيلها أكثر من العادة .
2- قلة الانتباه : وهو أول درجات الذهول .
3- الانشغال : وهنا ينتبه المريض إلى مؤثر داخلي ( فكرة ) فيشغله عن الانتباه للمؤثرات الخارجية .
4- تحول الانتباه : حيث يتحول الانتباه من مؤثر إلى آخر بسرعة مهما كان المؤثر غير متعلق بالموضوع الأصلي .(7)
وقد يصاحب اضطراب الوعي هذا :
1 – صعوبة إدراك ماهية الأمور .
2 – غموض التفكير وتفككه .
3 – تأرجح حالة التوهان ، فيمكن للمريض التعرف على البيئة آنا ، ويعجز آنا آخر ، هذا وقد يزيد اضطراب الوعي حتى يصل إلى درجة الغيبوبة (18)
8- اضطراب البصيرة
البصيرة الكاملة هي أن يدرك المريض طبيعة مرضه ويذهب إلى الطبيب المختص ويتقبل العلاج ويستمر فيه ، ووجود البصيرة دليل طيب على احتمال الشفاء (19 ) . وفي حالة اضطراب البصيرة لا يستطيع المريض فهم نفسه داخليا ، وخاصة فيما يتعلق بمرضه ومشكلاته الاجتماعية ومسئولياته … إلخ ، ولا يدرك المريض طبيعة مرضه ولا يفهم أسبابه ولا أعراضه ، ومن ثم لا يسعى لاستشارة المختصين ولا يبحث عن العلاج ولا يتقبل العلاج ولا يستمر فيه . ولذلك فإن اضطراب البصيرة يجعل العلاج صعبا ، ويلاحظ اضطراب البصيرة في معظم أنواع الذهان (7 ) .

الفصل الرابع
تصنيف الأمراض النفسية العقلية
أولا – الأمراض العصابية
ثانيا – الأمراض الذهانية
ثالثا – السيكوباتية
رابعا – الانحرافات النفسية
خامسا – الاضطرابات النفسية الجسمية ( السيكوسوماتية )
سادسا – المشكلات النفسية للأطفال
سابعا – مشكلات الشباب
ثامنا – مشكلات الشيخوخة
تاسعا – الفرق بين العصاب والذهان

الفصل الرابع
تصنيف الأمراض النفسية العقلية
بعد أن استعرضنا – في إيجاز – الأمراض النفسية والعقلية عبر التاريخ ، والحيل الدفاعية ، والأعراض المرضية ، يجدر بنا أن نضع تصنيفا عاما لمختلف الأمراض النفسية والعقلية ، بحيث يغطي أبرزها وأهمها ، وهناك عدة تصنيفات للأمراض النفسية والعقلية ، بعضها يصنف على أساس أنها عضوية المنشأ وبعضها الآخر يصنف على أساس وظيفية المنشأ .
فالأمراض النفسية والعقلية العضوية المنشأ والناتجة عن أو المرتبطة بتلف المخ وتشمل :
* اضطرابات المخ ( وجود تغير عضوي في خلايا المخ ) سواء قبل الولادة ـ تشويه الجمجمة الخلقي ، الشلل الاهتزازي أو الرعاش ، جروح المخ ، الشلل الجنوني العام ، الضمور العقلي الشيخوخي ، بعض حالات الصرع ) .
* العدوى ( زهري الجهاز العصبي ، الالتهاب السحائي الدماغي ، الالتهاب السحائي الوعائي ، الحمى المخية والحمى الشوكية ) .
* التسمم ( بالسموم ، بالعقاقير ، بالحشيش والأفيون والكوكايين ، الهلاس الحاد ، والهذيان الرعاش ) .
* الأورام ( أورام المخ ) .
* الإصابة ( عند الولادة ، إصابة المخ ، بعد عمليات المخ ، الكهربائية ، الإشعاعية ، الهذيان الإصابي ، اضطراب الشخصية عقب الإصابة ، التأخر العقلي بعد الإصابة ) .
* اضطرابات الجهاز العصبي ( التصلب اللويحي ، داء رقص هنتجتون ، أمراض عصبية أخرى ) .
* اضطرابات الدورة الدموية ( تصلب شرايين المخ ، التجمع الدموي تحت الأم الجافية ، نقص الأكسجين في الدم ) .
* اضطرابات التغذية والتمثيل الغذائي ( نقص الفيتامينات ، اضطرابات الأيض )
* اضطرابات الغدد ( نقص أو زيادة إفراز الغدة الصنوبرية ، النخامية ، الدرقية ، جارات الدرقية ، التيموسية ، الكظرية ، التناسلية ) .
الأمراض النفسية والعقلية المنشأ أو الوظيفية ، ويرجع السبب الأكبر لحدوثها إلى اضطراب وظيفة الجهاز النفسي في المريض ، وتشمل :
* العصاب (القلق – توهم المرض – الوهن النفسي – الهتسيريا – المخاوف المرضية – الوسواس والقهر – الاكتئاب – أنواع أخرى من العصاب ( التفكك – العصاب الصدمي – العصاب الخلطي – عصاب الحرب – عصاب الحادث – عصاب السجن – عصاب القدر)
* الذهان ( الفصام – الهذاء أو البارانويا – الهوس – ذهان الهوس والاكتئاب ) .
* الأمراض السيكوباتية
* الانحرافات النفسية
* الأمراض السيكوسوماتية ( النفسية الجسمية ) وهي في أجهزة الجسم المختلفة العصبي ، والدوري ، والتنفسي ، والهضمي ، والبولي ، والتناسلي ، والغدد ، والهيكلي ، والجلد والحواس .
* المشكلات النفسية للأطفال ( الضعف العقلي – التأخر الدراسي – الاضطرابات الانفعالية – اضطرابات الغذاء – اضطرابات سلس البول – اضطرابات الإخراج – اضطرابات النوم – أمراض الكلام – مشكلات ذوي العاهات – جناح الأحداث … إلخ )

أولا : الأمراض العصابيةIllness Neurosis
وسوف نتناول تعريف الأمراض العصابية وتصنيف كل مريض ومدى حدوثه وأسبابه وأعراضه وتشخيصه وعلاجه ومآله .
تعريف العصاب :
هو اضطراب وظيفي دينامي انفعالي في الشخصية نفسي المنشأ يظهر في الأعراض العصابية . وهو ليس له علاقة بالأعصاب ، وهو لا يتضمن أي نوع من الاضطراب التشريحي أو الفسيولوجي في الجهاز العصبي .
وهناك فرق بين العصاب والمرض العصبي ، حيث أن المرض العصبي اضطراب جسمي ينشأ عن تلف عضوي يصيب الجهاز العصبي مثل الشلل النصفي والصرع .
تصنيف العصاب :
يصنف العصاب إلى : القلق ، وتوهم المرض ، والوهن النفسي ، والمخاوف ، والهستيريا ، وعصاب الوسواس والقهر ، والاكتئاب التفاعلي ، والتفكك . ويضاف إلى ذلك أنواع أخرى من العصاب ( مثل عصاب الحرب وعصاب الحادث وعصاب السجن وعصاب القدر) .
أسباب العصاب :
من أهم أسباب العصاب :
1 – مشكلات الحياة منذ الطفولة وعبر المراهقة وأثناء الرشد وحتى الشيخوخة ( وخاصة المشكلات والصدمات التي تعمقت جذورها منذ الطفولة المبكرة بسبب اضطراب الوالدين والطفل ، والحرمان والخوف والعدوان وعدم حل هذه المشكلات ) .
2 – الصراع بين الدوافع الشعورية واللاشعورية أو بين الرغبات والحاجات المتعارضة والإحباط والكبت والتوتر الداخلي وضعف دفاعات الشخصية ضد الصراعات المختلفة .
3 – البيئة المنزلية العصابية والعدوى النفسية إلى العصاب وكذلك فإن الحساسية الزائدة تجعل الفرد أكثر قابلية للعصاب .
أعراض العصاب :
أهم أعراض العامة للعصاب :
1 – القلق الظاهر أو الخفي والخوف والشعور بعدم الأمن ، وزيادة الحساسية والتوتر والمبالغة في ردود الأفعال السلوكية ، وعدم النضج الانفعالي والاعتماد على الآخرين ومحاولة جذب انتباه الآخرين والاستجابة الطفلية في مواقف الاحباط ، والشعور بعدم السعادة والحزن والاكتئاب .
2 – اضطراب التفكير والفهم بدرجة بسيطة ، وعدم القدرة على الأداء الوظيفي الكامل ، ونقص الانجاز وعدم القدرة على استغلال الطاقات إلى الحد الأقصى ، ومن ثم عدم القدرة على تحقيق أهداف الحياة .
3 – الجمود والسلوك التكراري وقصور الحيل الدفاعية والأساليب التوافقية والسلوك ذو الدافع اللاشعوري .
4 – التمركز حول الذات والأنانية واضطراب العلاقات الشخصية والاجتماعية .
5 – بعض الاضطرابات الجسمية المصاحبة نفسية المنشأ .
تشخيص العصاب :
1 – لابد – أثناء التشخيص – من التفرقة بين العصاب وبين الذهان ، وبينه وبين الاضطرابات العضوية ، وبينه وبين ردود الأفعال العادية للتوتر .
2 – ولابد لتشخيص العصاب من مقابلة شخصية شاملة مع المريض وأخذ تاريخ كامل للحالة ، وتطبيق الاختبارات النفسية ، وإجراء الفحص الطبي والعصبي .
3 – ويجب التعرف على خصائص وسمات الشخصية العصابية لدى المريض الفرد الذي نتعامل معه .
علاج العصاب :
من أهم طرق علاج العصاب :
1 – العلاج النفسي ( وهو العلاج الفعال ، ويأتي على رأس القائمة التحليل النفسي ، والعلاج النفسي التدعيمي ، والعلاج النفسي الممركز حول المريض ، والعلاج السلوكي ، والعلاج الأساسي هو حل مشكلات المريض .
2 – العلاج النفسي الجماعي ، والعلاج الاجتماعي وعلاج النقل البيئي .
3 – العلاج الطبي بالأدوية ( وخاصة المهدئات ) وباستخدام الصدمات ( الأنسولين والكهرباء ) وعلاج الأعراض .
مآل العصاب :
يعتبر مآل العصاب أفضل بكثير من مآل الذهان أو الاضطرابات العضوية المنشأ ، ويلاحظ أن كل أنواع العصاب قابلة للعلاج النفسي والتحسن والشفاء مع العلاج المناسب ( وتصل نسبة التحسن والشفاء إلى 90 % أو أكثر ) . وكثير من حالات العصاب تشفى تلقائيا ( حوالي 40 – 60 % من الحالات ) حين يحدث تغير في حياة المريض .

عصاب القلق
Anxiety Neurosis
إن القلق هو روح الحياة Spirit of life بالنسبة للإنسان … فإن لم يكن هنالك قلق ، فليس هناك حياة للإنسان ، وذلك لأن القلق يعد بمثابة الطاقة المحركة للإنسان … فكلنا نعيش القلق ، ولكن بدرجات متفاوتة وبظروف مختلفة …
بالإضافة إلى أن القلق استجابة وجدانية Emotional response لموقف معين هو حارس للحياة النفسية للإنسان Spirictive .
فإذا زاد القلق عن حده الطبيعي ، ووصل إلى الشكل المرضي ، فهو يصبح هنا تكثيفا للمشاعر الإنسانية ، وموقفا متطرفا لإحساس طبيعي …
وعادة ما يسبق القلق ظهور الأنواع المختلفة من الأمراض النفسية ، أو يصاحبها ، إلا أنه في بعض الأحيان قد يكون هو العرض المرضي الوحيد المستمر دون أن يتطور إلى مرض نفسي معين ، ويطلق عليه عندئذ القلق العصابي . فإذا بالمريض يظل قلقا خائفا من كل شيء ومن لا شيء في نفس الوقت ، ويظل يبحث عن شيء يبرر به خوفه أو يربطه به ، حتى أنه قد يلتمس لانزعاجه أوهى الأسباب وأقلها مدعاة للخوف والقلق ، ويكون قلقه وخوفه وتوتره أقوى كثيرا مما يتطلبه الموقف . ويؤدي به ذلك – على سبيل المثال – إلى تقلبه في فراض النوم دون استغراق فيه طوال ليالي فترة الامتحانات ، مع ضيق بالغ لعدم نومه هذا ، ورغبة شعورية جارفة للنوم حتى يستعيد نشاطه وقدرته على الاستذكار وأداء الامتحانات ، ومع ذلك فإن قلقه وانزعاجه يمنعانه من النوم . ولا تكاد تنقضي فترة الامتحانات حتى يبحث قلقه عن سبب آخر لاستحضاره ( كانتظار ظهور النتيجة وتوقع الرسوب … إلخ ، وهكذا يظل المريض قلقا منشغلا ، سواء لأسباب واقعية أم لأسباب متوهمة ) .
وواضح أن القلق العصابي هو قلق مرضي ، وعلى هذا يختلف عن القلق الذي يخبره الناس في الأحوال الطبيعية كرد فعل على الضغط النفسي أو الخطر ، عندما يستطيع الإنسان أن يميز بوضوح شيئا يتهدد أمنه أو سلامته ( كأن يصوب لص مسدسا إلى رأسه ، أو كأن تفشل كوابح ( فرامل ) السيارة ، فهو عندئذ يشعر بالاضطراب والارتجاف ، فيجف ريقه ، وتعرق يداه وجبهته ، وتزيد نبضات قلبه ، وتهتاج معدته ، ويشتد توتره ، ويعاني الخوف العقلي والقلق ) وأغلب الناس أحسوا بهذه المشاعر في أوقات الخطر والضغط (12 )
هذا وينبهنا دافيد شيهان في كتابه عن القلق إلى وجود نوعين منه : أولهما هو القلق خارجي المنشأ ، ويكون استجابة سوية للضغط من خارج الفرد ، أما الثاني فهو القلق داخلي المنشأ ، والذي توجد دلائل كثيرة توحي بأنه مرض ( 13 ) .
ويضيف أحمد عبد الخالق إلى أن القلق العصابي هو خوف مزمن من أشياء ، أو أشخاص ، أو مواقف لا تبرر الخوف منها بصورة طبيعية ، أو لسبب واضح ، مع توافر أعراض نفسية وجسمية شتى ثابتة ومتكررة إلى حد كبير ، ولذا يسمى بالقلق الباثولوجي ، أي المرضي ، كما يدعى القلق الهائم الطليق ( 1 )
تعريف القلق :
هو شعور غير سار ، بالتوقع والخوف والتحفز والتوتر ، مصحوب ببعض الإحساسات الجسمية ، وخاصة زيادة نشاط الجهاز العصبي اللاإرادي .
أو هو حالة توتر شامل ومستمر نتيجة توقع تهديد خطر فعلي أو رمزي قد يحدث ، ويصحبها خوف غامض ، وأعراض نفسية جسمية .
ويمكن اعتبار القلق انفعالا مركبا من الخوف وتوقع التهديد والخطر .
ولكن قد يتحول القلق إلى صور أخرى من العصاب باستخدام ميكانيزمات الدفاع ( كأن يعزل مخاوفه وصراعاته إلى موضوع أو موقف رمزي ، أو يلجأ إلى التكوين العكسي ، فيخفي ما يبطن ويبدل الشيء بنقيضه ، وهذا هو الحواز ، أو يستدمج موضوع الحب والكره ليصبح جزء من ذاته ، وهذا هو الاكتئاب ) وهكذا يلجأ الفرد للحيل أحيانا ليخفف من ألمه الذي لا ينتهي ..
لذا لابد من المقارنة بين الخوف والقلق النفسي من الناحيتين الفسيولوجية والسيكولوجية وذلك :
أنه من الناحية الفسيولوجية فإن الخوف يصحبه نقص شديد في ضغط الدم وضربات القلب وارتخاء العضلات ، مما يؤدي إلى حالة من الإغماء ، وذلك في حالة الخوف الشديد . أما القلق النفسي فيصاحبه زيادة في ضغط الدم وضربات القلب وتوتر في العضلات مع تحفز وعدم استقرار وكثرة في الحركة .
ولكن من الناحية السيكولوجية فإن الفرق يكمن في الأتي :
هو أن الخوف سببه معروف ، وتهديده خارجي ، وتعريفه محدد ، والصراع فيه غير موجود ، ومدته حادة .. أما القلق فسببه مجهول ، وتهديده داخلي ، وتعريفه غامض ، والصراع فيه موجود ، ومدته مزمنة
ولكن أحيانا القلق يسبب الاكتئاب كموظف صغير مسئول عن الخزينة ، ودوما يخشى من ضياع النقود ، فيصاب بالقلق ، ولكن قد يقلل القلق من تركيزه ويشتت انتباهه ن فيغري بعض الآخرين بسرقته ، فتظهر عليه علامات الاكتئاب .
تصنيف القلق :
يصنف القلق إلى :
1 – القلق العام :
وهو الذي لا يرتبط بشيء محدد ( 18 ).
2 – القلق الموضوعي العادي :
حيث يكون مصدره خارجيا وموجودا فعلا ، ويطلق عليه أحيانا القلق الواقعي أو القلق الصحيح أو القلق السوي ، ويحدث هذا في مواقف التوقع أو الخوف من فقدان شيء ، مثل القلق المتعلق بالنجاح في عمل جديد أو امتحان أو الإقدام على الزواج (7). ويحدث أيضا في وجود متاعب خارجية واضحة ، ويزول بزوال السبب ( 21 ) .
3 – القلق العصابي :
وهو داخلي المصدر ، وأسبابه لاشعورية مكبوتة غير معروفة ، ولا مبرر له ، ولا يتفق مع الظروف الداعية إليه ، ويعوق التوافق والإنتاج والتقدم والسلوك العادي (7). ولا يزول بزوال السبب ، ولكن يحتاج إلى العلاج النفسي ، كالخوف من الظلام ، والعفاريت أو الخيالات (21).
4 – القلق الكياني :
وهو الذي لا يتعلق بمشكلة التكيف ، وإنما بطبيعة الوجود نفسه ( من أنا ؟ لماذا نعيش …. إلخ ) ، وهو قد يكون في بداية الذهان …. (18).
5 – القلق الثانوي :
وهو القلق كعرض من أعراض الاضطرابات النفسية الأخرى ، حيث يعتبر القلق عرضا مشتركا في جميع الأمراض النفسية تقريبا ، أي هو الذي يصاحب الأمراض النفسية والعقلية الأخرى (7) ، كالوسواس القهري ، أو الذي يصاحب بعض الأعراض الجسمية ، كارتفاع درجة الحرارة ، والتهاب اللوزتين … إلخ ( 21 ) .
أسباب القلق :
تتعدد أسباب القلق ، ومن أهمها :
1 – الوراثة :
كثيرا ما نلاحظ أن والدي المريض – وأحيانا أقاربه الآخرين – يعانون من نفس القلق ، وهذا يدل على اضطراب البيئة التي نشأ فيها المريض بقدر ما يدل على أهمية الوراثة ، (18) وقد تختلط العوامل الوراثية بالعوامل البيئية (7)
2 – الاستعداد النفسي كالشعور بالتهديد الداخلي أو الخارجي الذي تفرضه بعض الظروف البيئية بالنسبة لمكانة الفرد وأهدافه ، والتوتر النفسي الشديد ، والأزمات أو المتاعب أو الخسائر المفاجئة والصدمات النفسية ، والشعور بالذنب والخوف من العقاب والنقص ، والصراع بين الدوافع والاتجاهات والاحباط والفشل اقتصاديا أو زواجيا أو مهنيا … إلخ ، والحلول الخاطئة وكثرة المحرمات الثقافية .
3 – مواقف الحياة الضاغطة كالضغوط الحضارية والثقافية والبيئية الحديثة ، ومطالب ومطامح المدنية المتغيرة ( نحن نعيش في عصر القلق ) ، والبيئة القلقة المشبعة بعوامل الخوف والهم ومواقف الضغط والوحدة والحرمان وعدم الأمن ، واضطراب الجو الأسري وتفكك الأسرة ، والوالدان العصبيان القلقان أو أو المنفصلان ، وعدوى القلق وخاصة من الوالدين .
4 – مشكلات الطفولة والمراهقة والشيخوخة ، ومشكلات الحاضر التي تنشط ذكريات الصراعات في الماضي ، والطرق الخاطئة في تنشئة الأطفال مثل القسوة والتسلط والحماية الزائدة والحرمان … إلخ واضطراب العلاقات الشخصية مع الآخرين .
5 – التعرض للحوادث والخبرات الحادة(اقتصاديا أو عاطفيا أو تربويا ) ، والخبرات الجنسية الصادمة خاصة في الطفولة والمراهقة ، والارهاق الجسمي والتعب والمرض .
6 – الطرق الخاطئة لتجنب الحمل ، والحيطة الطويلة خاصة الجماع الناقص ، وعدم التطابق بين الذات الواقعية والذات المثالية وعدم تحقيق الذات وظروف الحرب (7).
7 – أسباب مرسبة :
مثل توقع خيبة الأمل أو صعوبات العمل ، أو فقدان عزيز ، أو اضطراب في العلاقة بالجنس الآخر ، أو أي صدمة نفسية أخرى ، ويمكن أن يكون السبب عضويا مثل الحمى أو الإصابة أو غيرها (18)
8 – أسباب فسيولوجية :
يتبين أن أسباب القلق الفسيولوجية هي نشاط الجهازين السيمبتاوي والباراسيمبتاوي ، خاصة الأول ، ومركزه الأعلى في الدماغ في الهيبوثلاموس ، وهو في وسط دائرة الألياف العصبية الخاصة بالانفعال ، وتؤدي هذه الأجهزة نشاطها من خلال هرمونات عصبية ، ولذا من الممكن وقف هذه الأعراض بإعطاء عقاقير مانعة ومضادة لهذه الهرمونات ، مما يقلل من خوف الفرد المصاب ، وبالتالي إلى وقف الدائرة المفرغة خوف – قلق – مزيد من الخوف والأعراض – قلق … إلخ (3) .
أعراض القلق :
قد يشكو المصاب بالقلق من أعراض تتصل بنفسه أو بجسمه ، وعادة ما يشكو بهما معا ، لذا تتعدد أعراض القلق ، ومن أهمها :
1 – الأعراض الجسمية للقلق : وتنشأ من زيادة في نشاط الجهاز العصبي اللاإرادي ، ومن ثم تزيد نسبة الأدرنالين والنورأدرنالين في الدم ( مع تنبيه الجهاز السمبتاوي ) ، ومن ثم يظهر كل من :
* الضعف العام ونقص الطاقة الحيوية والنشاط والمثابرة .
* وتوتر العضلات وآلام عضلية فوق القلب والناحية اليسرى من الصدر
* و النشاط الحركي الزائد .
* واللازمات العصبية الحركية .
* والتعب والصداع المستمر الذي لا يهدئه الأسبرين .
* وتصبب العرق بغزارة ، وعرق الكتفين وارتعاش الأصابع .
* تنميل وخدار في الأطراف .
* وشحوب الوجه .
* فقدان التوازن وخفية الرأس .
* وسرعة النبض والخفقان .
* وسرعة ضربات القلب ، والإحساس بالنبضات في كل مكان ، في رأسه ، وفي مخه ، مما يجعله في حالة ذعر من احتمال حدوث انفجار في المخ ، والذي لم يحدث بالطبع . كذلك يشعر المريض ببعض ضربات القلب غير المنتظمة .
* وآلام الصدر والإحساس بالنبضات في أجزاء مختلفة من الجسم .
* وارتفاع ضغط الدم .
* واضطراب التنفس وعسره ونوبات التنهد والشعور بضيق الصدر .
* والدوار والغثيان والقيء ووجع المعدة .
* والإسهال وزيادة مرات الإخراج .
* وتكرار التجشؤ ، والانتفاخ ، وعسر الهضم .
* وجفاف الفم والحلق .
* وفقد الشهية وصعوبة في البلع ونقص الوزن .
* وإرهاق الحواس مع شدة الحساسية للصوت والضوء .
* والتعب عند الاستيقاظ .
* واضطراب الوظيفة الجنسية ( العنة والقذف السريع عند الرجال والبرود الجنسي واضطراب العادة الشهرية عند النساء ) .
2 – الأعراض النفسية للقلق : وتشمل :
* الشعور بالتوتر العام والقلق على الصحة والعمل والمستقبل .
* والعصبية والتوتر العام وعدم الاستقرار والشعور بعدم الراحة .
* والحساسية النفسية الزائدة ، فيصبح شعور المريض مرهفا جدا .
* وسهولة الاستثارة والهياج ، وعدم الاستقرار .
* والمخاوف العامة غير المحددة والتي قد تصل إلى درجة الفزع ( أي يكون الفرد خائفا ولكنه لا يعرف لماذا ، ويكون لديه شعور أن شيئا ما سيحدث ولكنه لا يعرف ما هو ) .
* والشك والارتباك والتردد في اتخاذ القرارات .
* والهم والاكتئاب العابر .
* والتشاؤم والانشغال بأخطاء الماضي وكوارث المستقبل .
* وتوهم المرض ، والإحساس بقرب النهاية والخوف من الموت .
* واضطراب النوم والأرق ، والأحلام المزعجة والكابوس .
* وضعف القدرة على التركيز وشرود الذهن واضطراب قوة الملاحظة
* وضعف القدرة على العمل والإنتاج والانجاز .
* وسوء التوافق الاجتماعي ، وسوء التوافق المهني ، وقد يصل الحال إلى السلوك العشوائي غير المضبوط .
* وتناول شرب الخمر أو تناول العقاقير المنومة أو المهدئة .
تشخيص القلق :
1 – في التشخيص يجب العناية بالفحص الطبي الدقيق ، وتقييم الشخصية ودراسة تاريخ الحالة .
2 – وفي حالة وجود الأعراض الجسمية ، يجب عدم الخلط بين القلق والاضطرابات العضوية الأخرى أو الاضطرابات العصابية الأخرى مثل الهستيريا أو الاكتئاب ( وفي كثير من الحالات نلاحظ أن بعض المرضى يذكرون الأعراض الجسمية ، ولا يذكرون أي شيء من الأعراض الانفعالية للقلق ، لاعتبارهم أن القلق مرض نفسي ، وهم يريدون أن يدفعوا عن أنفسهم أنهم مرضى نفسيون .
3 – في التشخيص يجب التفريق بين القلق المرضي أو العصابي الحاد المزمن ، وبين القلق الموضوعي أو السوي .
4 – في التشخيص يجب التفريق بين القلق وبين الفصام في مراحله الأولى ، والفارق الأساسي بينهما وجود اضطراب الإدراك والتفكير في الفصام وعدم وجوده في القلق .
علاج القلق :
إن أهم ما يتخذ تمهيدا للعلاج ، هو تقصي تاريخ المريض ، تفصيلا ، وفحصه فحصا شاملا ، ثم نتقدم بعد ذلك في علاجه ، وإن من
أهم التوصيات العلاجية للقلق ما يلي :
1 – العلاج النفسي للقلق :
ويهدف لتطوير شخصية المريض ، وزيادة بصيرته ، وتحقيق التوافق باستخدام التنفيس والإيحاء والإقناع والتدعيم والمشاركة الوجدانية والتشجيع وإعادة الثقة في النفس وقطع دائرة المخاوف المرضية والشعور بالأمن . ويفيد التحليل النفسي وإظهار الذكريات المطمورة وتحديد أسباب القلق الدفينة في اللاشعور ، وتنفيس المكبوتات ، وحل الصراعات الأساسية . ويستخدم العلاج السلوكي خاصة لفك الإشراط المرضي المتعلق بالقلق وللقضاء على اللازمات العصبية الحركية ( كفتل الشعر أو الشارب ، تقطيب الجبهة ، رمش العينين ، رمش المنخر ، مسح الأنف والأذن ، اختلاج الفم ، عض الشفاه ، مص الإبهام أو الأصابع ، قضم الأظافر ، الإيماء بالرأس ، أو هزة تحريك العنق ، إدارة الرأس ، عصر حبوب الوجه ) .
كما تفيد المناقشة والشرح والتفسير والتعليم والتفهيم وكشف الأسباب ودينامياتها وشرح الجهاز العصبي خاصة الجهاز العصبي المركزي والذاتي والتغيرات الفسيولوجية المصاحبة للقلق (18).
كما يفيد العلاج النفسي التدعيمي ، في علاج هذا النوع من العصاب ، وذلك بتعليم المريض الاسترخاء عن طريق تخيل بأنه موجود في مكان يحب أن يكون فيه (16)
2 – الإرشاد العلاجي والإرشاد الزواجي للقلق :
وحل مشكلات المريض وتعليمه كيف يحلها ويهاجمها دون الهرب منها .
3 – العلاج البيئي للقلق :
كتعديل العوامل البيئية ذات الأثر الملحوظ مثل تغيير العمل ، وتخفيف أعباء المريض ، وتخفيف الضغوط البيئية ومثيرات التوتر ، والعلاج الاجتماعي والرياضي والرحلات والصداقات والتسلية والموسيقى والعلاج بالعمل ) .
4 – العلاج الطبي للأعراض الجسمية المصاحبة للقلق :
بتطمين المريض أنه لا يوجد لديه مرض جسمي ، واستخدام المسكنات ( مثل الباربيتورات ) واستخدام المهدئات( مثل ستيلازين ) ، واستخدام العقاقير المضادة للقلق ( مثل ليبريوم ) . وهنا يجب تعريف المريض أن هذه مسكنات ومهدئات ، حتى لا يعتقد أن مرضه عضوي المنشأ . ويجب الحرص في استخدام العقاقير المهدئة خشية حدوث الإدمان . وقد وجد استخدام علاج التنبيه الكهربائي والعلاج المائي في بعض الحالات .
5 – العلاج الاجتماعي :
ويتركز في تكييف حالة المنزل والعمل ، حتى نخفف عن كاهل المريض بعض أعبائه التي تزيد من حالته (18) ، وإزالة الأسباب العائلية المسببة للقلق (16) .
مآل القلق :
مآله حسن جدا ، خاصة كلما كانت الشخصية قبل المرض متوازنة والانا قوية ، وكلما كانت ظروف حياة المريض أقل قسوة ، وكلما كانت مكاسبه الأولية والثانوية من المرض أقل ، وكلما كانت دافعيته للشفاء وتعاونه مع المعالج أقوى .
وفيما يلي حالة لعصاب القلق :
موظف ، كتابي بإحدى الشركات ، عمره ( 23 سنة ) ، أعزب ، يقيم بالقاهرة ، وموطنه الأصلي إحدى قرى الصعيد . كانت شكواه بنص كلامه كما يلي : ” القلق المستمر ، أبص ألاقي حالات جسمانية تصيبني ، مرة بيقوسولي الضغط ، يلاقوه عالي ، ومرة طبيعي . بالليل آجي أنام ، أبقى مش عارف . أبص ألاقي كإن فيه حاجة فوق رأسي مقفلة عيني ، آخذ علاج الضغط مفيش فايدة ، في شغلي بعد ما كنت منظم وكويس دلوقت مش قادر أشتغل ، اقعد على مكتبي خمس دقائق أروح قايم ، رغم إني عارف إن شغلي متعطل ، في الفترة الأخيرة لقيت نفسي باثور لأتفه الأسباب زي النهاردة الصبح داخل ، الساعي جه قال لي مش عارف إيه ، رحت واخذه بكوباية الينسون … لو فيه موضوع معين في مخي عايز أدرسه ، ألاقي مخي مش قادر أركز ، ولا أعرف ابتدي منين ، لا يمكن دلوقت أقدر أقرأ حاجة ، وتثبت في دماغي على الرغم من إني كنت متفوق في دراستي … كثير وأنا ماشي في الشارع يتهيأ لي أن فيه عربية حتصدمني .
وبدراسة تاريخه الأسري ، وظروف تنشئته ، تبين أنه نشأ في بيئة محافظة ، فقيرة في الصعيد ، وكان أكبر إخوته ، وأن والدته ماتت وهو في سن الرابعة عشرة ، ( وكانت وقت موتها غضبانة في بيت والدها !! ) … وأنها هي التي كانت تحرص على أن يتعلم ، حتى أن أخوته الأصغر منه لم يتعلموا ، وربما كان ذلك بسبب موتها ، وكانت تحرص على أن تراه متفوقا جدا ، فيقول : ” مرة طلعت الثاني ، قلعت الشبشب وضربتني ” ، وكانت علاقته بوالده سيئة للغاية … ” كان باستمرار يضربني ويطردني ويقولي : ” انت لو نجحت حتعملي إيه ؟ ” .. وتزوج الوالد بعد وفاه الوالدة مباشرة ،وكانت زوجة الأب قاسية ” مسيطرة على كل حاجة ، وإن كانت في الفترة الأخيرة بتحاول تتقرب مني ، علشان أساعدهم ماديا ” ، وكان رب الأسرة هو جد المريض ( والد أبيه ) ، وكانت شخصيته مسيطرة على كل من بالمنزل ، وهو الذي صمم على أن يكمل المريض تعليمه ، ولكنه كان سببا في صدمة المريض نفسيا منذ الصغر ، إذ أن المريض اكتشف علاقة بين جدة وزوجة أبيه ، فصدم صدمة شديدة … هزت مثله العليا ، وحاول أن ينبه جده إلى أنه رأى ذلك المنظر بطريق غير مباشر ، فأخذ يقص عليه قصته ، وكأنه قرأها في كتب المدرسة ، وكان فحوى القصة ما جرى بين الجد وزوجه الأب ، وما كاد الجد يسمع هذه القصة حتى تبين ما يعنيه حفيده ، فأصيب بنوبة قلبية ، فشهق ومات ( ! ) ( ولم نستطيع التأكد من مدى صحة هذه الرواية ! ) … وشعر بعد ذلك المريض بشعور بالذنب ، وأنه السبب في وفاة جده الحريص على تعليمه ، ولكنه كان يبرر ذلك بأنه لو ترك الأمور تسير دون تدخل منه لكان من المحتمل أن يكتشف والده العلاقة وينهار البيت جميعه . أما السبب المرسب فكان انتهاء علاقة حب بين المريض وبين إحدى الفتيات التي كانت على غير دينه ، وابتدأت كل أعراض القلق تقريبا حين أخبرته أن قريبا لها خطبها .
وبالفحص العضوي تبين أن جسمه سليم ، وأن أعراضه ليس لها ما يبررها عضويا .
وهكذا نرى كيف تلعب الأسباب المهيئة دورا هاما في الإعداد للمرض ، وهي في هذه الحالة فقر الأسرة ، وقسوة الوالد ، ووفاه الأم ، وسوء معاملته زوجة الأب ، ثم سيطرة الجد ، ثم تحطيم المثل الأعلى فيه ، ثم الشعور بالذنب نحو وفاته .
ونرى أن السبب المرسب وهو خيبة الأمل في الحب ، وكان يمكن أن يمر بسلام لولا كل هذه المقدمات .
ونحب أن نشير إلى أن روايته عن حادثة جده وزوجة أبيه ثم وفاة جده ، بهذه الصورة الدرامية قد كان لها دلالتها في تكوين نفسية المريض وفي العلاج ، سواء كانت حقيقة أم من نسج الخيال (18) .

عصاب توهم المرض ( الهيبوكوندريا)
Hypochondria Neurosis
المريض هنا يتوهم إصابته فعلا بمرض أو أمراض معينة ، أو يتوهم استعداده للإصابة السريعة بمرض أو أمراض معينة ، لهذا فهو دائم التخوف والاحتياط حتى لا يصاب بالمرض ، وهو منشغل انشغالا زائدا بصحته وخائف عليها ، ومهتم اهتماما مفرطا بها ، وإن أصابته أخف الأمراض وأهونها جزع لذلك أشد الجزع ، وتوهم أنه أصيب بأشد الأمراض فتكا ، وظل في قلق بالغ حتى يشفى ، ولا يكاد يشفى حتى تعاوده مخاوفه من الإصابة بمرض خطير آخر .. وهكذا , وغالبا ما يفشل الآخرون ، بل وربما أطباؤه – أيضا – في طمأنته على صحته ، وفي إقناعه بخلوه من المرض . ومن هنا ، فهو دائم الشكوى من إصابته المتوهمة بأمراض معينة ، أو من خوفه من الإصابة بها ، حتى أن البعض يميل إلى تسميه هذا المرض بوسواس المرض (7).
تعريف توهم المرض :
هو اضطراب نفسي المنشأ ، عبارة عن اعتقاد راسخ بوجود مرض ، رغم عدم وجود دليل طبي على ذلك . وهو تركيز الفرد على أعراض جسمية ، ليس لها أساس عضوي ، وذلك يؤدي على حصر تفكير الفرد في نفسه ، واهتمامه المرضي الدائم بصحته وجسمه ، بحيث يطغى على كل الاهتمامات الأخرى ، ويعوق اتصاله السوي بالآخرين ، ويشعره بالنقص والشك في نفسه ، كما يعوق اتصاله أيضا بالبيئة المحيطة به ، ويطلق عليه أحيانا ” رد فعل توهم المرض ” Hypochondriacal Reaction (7) .
ويختلف هذا المرض عن الهستيريا وعن الاضطرابات السيكوسوماتية ، بانه لا يصحبه اضطراب حقيقي في وظيفة أي عضو ، كما أن التعبير عن الأعراض لا يتم خلال الجهاز العصبي الذاتي أو الحسي الحركي ، وإنما هو اضطراب في محتوى الفكر أساسا ، وفي ” صورة الجسم ” في المخ (18) .
أسباب توهم المرض :
من أهم الأسباب ما يلي :
1 – الوراثة :
كثيرا ما يوجد هذا العصاب في عائلات شديدة الاهتمام بالمرض ، يشكو أكثر من فرد من أفرادها بنفس المرض أو بعصاب آخر … وأحيانا ما يوجد تاريخ ذهاني في العائلة . (18)
2 – البيئة :
تتصف أسرة المريض عادة بالتركيز على الصحة الجسمية ، والإكثار من التردد على الأطباء ، والخوف من المرض ، مما يجعل اهتمام المريض يتركز منذ كان طفلا على جسمه ووظائفه ، فإذا ما واجه ضغطا ما في البيئة ظهر المرض (18)
3 – أسباب مرسبة لتوهم المرض :
قد يكمن السبب في صراع لاشعوري ، أو رفض موقف مزمن ، أو تهديد داخلي بظهور ذهان كامن (7) أو الحساسية النفسية عند بعض الناس ، حيث تجدهم يتوهمون أنهم مرضى بمرض يكونون قد سمعوا عنه من الأطباء أو المعالجين ، وفهموا فهما غير سليم أو أساءوا الفهم ، أو يكونون قد قرءوا عنه قراءة غير واعية ، وعلى غير أساس علمي في الكتب و المجلات الطبية . والاضطرابات الانفعالية الطويلة ، أو وجود القلق والضعف العصبي ، ووجود العدوان المكبوت ، ومحاولة مقاومته ، أو الفشل في الحياة بصفة خاصة الفشل في الحياة الزوجية ، وشعور الفرد بعدم قيمته وعدم كفايته ورفضه . ويكون توهم المرض بمثابة تعبير رمزي عن هذا الشعور ، ومحاولة الهرب من مسئوليات الحياة أو السيطرة على المحيط عن طريق كسب المحيطين والمخالطين ، أو العدوى النفسية ، حيث يكتسب المريض الأعراض من والديه اكتسابا ، حيث يوجد توهم المرض لديهما ، وحيث يلاحظ اهتمامهما أكثر من اللازم بصحة الأولاد ، أو خبرة المعاناة الشديدة من مرض سابق ، ووجود العدوان المكبوت ومحاولة مقاومته ، أو وجود تهديد شخصي لا شعوري ، مثل قرب دنو الأجل كما في الشيخوخة ، والخوف من فقدان الحب ، وانهيار الدفاعات النفسية ذد دفعات العدوان الجنسي (7 ) وقد تكون كل هذه العوامل سببا في ظهور هذا العصاب (18) .
أعراض توهم المرض :
تتركز الأعراض أساسا في الشكوى من أعراض جسمية وآلام متنقلة وصداع ، وما يصاحبه من وهن ، وقد تكون هذه الشكاوي مبررا لأعراض نفسية أخرى مثل ضعف التركيز أو الانصراف عن الاستذكار … وينبغي أن نلاحظ أنه إذا زادت الأعراض ، نخشى أن يكون وراءها ذهان كامن (18) .
فيما يلي أهم أعراض توهم المرض :
1 – تسلط فكرة المرض على الشخص ( وسواس ) . والشعور العام بعدم الراحة .
2 – تضخيم شدة الإحساس العادي بالتعب والألم ، والاهتمام المرضي ، والإشغال الدائم بالجسم والصحة والعناية الزائدة بها ، وكثرة التردد على أطباء عديدين ، والمبالغة في الأعراض التافهة وتضخيمها ، والاعتقاد أنها مرض خطير ( فمثلا المغص يعتبره قرحة في المعدة … وهكذا ) .
3 – الشكوى من اضطرابات جسمية خاصة في المعدة والأمعاء وأي جزء أخر من أجزاء الجسم . ( فمثلا المراهق الذي يعاني من صراعات جنسية يكون توهم المرض لديه متمركزا حول الأمراض السرية والجنسية ) ، وقد يؤدي هذا إلى حالة انسحاب كامل بعيد عن العالم المحيط به .
4 – الشعور بالنقص ، مما يعوق الاتصال الاجتماعي ويؤدي إلى الانعزال أو الانسحاب .(7 (
تشخيص توهم المرض :
1 – من النادر أن يظهر توهم المرض كعصاب مستقل ، ولكن الأغلب أن يظهر كعرض مرافق لاضطراب نفسي آخر ( مثل الاكتئاب ) ، كما في حالات اكتئاب سن القعود مثلا .
2 – وفي بعض الأحيان يكون توهم المرض مجرد إضافة إلى مرض عضوي ، يجعل الأعراض مبالغا فيها .
علاج توهم المرض :
نحن الآن أمام شخصية ترفض الشفاء من مرض لا وجود له … فالشفاء معناه مواجهة الحقيقية … ومواجهة الحقيقة معناه القلق والتوتر … وهكذا يرفض المريض الشفاء . ويحدث كل ذلك دون أن تشعر الشخصية بأي شيء من ذلك …. ولكن … كيف يرفض المريض الشفاء ؟
إن ذلك يحدث في أكثر من صورة … قد يقف المريض موقفا سلبيا من العلاج ، قد يقاوم العلاج النفسي … قد يهرب من العلاج عن طريق استبدال الطبيب المعالج كل فترة … بل ونلاحظ أن المريض يكون هنا حريصا على زيارة أكبر عدد من الأطباء ، وكأن المريض يحتاج إلى أكبر عدد ممكن من الشهود يؤكدون بتذاكرهم الطبية وجود المرض .. ووجود العذاب الذي يستحق الرحمة من الآخرين .
والآن … كيف نقود المريض الذي يرفض الشفاء … إلى طريق العلاج الحقيقي (24)
تتلخص أهم ملامح علاج توهم المرض فيما يلي :
1 – العلاج العضوي لتوهم المرض : استخدام الأدوية النفسية الوهمية ، واستخدام الأدوية المهدئة (7 ) . فقد يفيد علاج العقاقير مثل مضادات الاكتئاب والمهدئات في التخفيف من التوتر المصاحب ، وأحيانا ما يزيد الاكتئاب المصاحب لدرجة تبرر علاج المريض بالصدمات الكهربائية … إلى أنه في كثير من الأحيان ما تزيد الأعراض نتيجة للآلام المصاحبة للصدمات ، لذلك فيستحسن تجنب الصدمات الكهربائية ما أمكن (18) .
2 – العلاج النفسي لتوهم المرض :
الذي يركز على التطمين منها ، وشرح العوامل التي أدت على كشف صراعاته الداخلية والتخلص منها ، وشرح العوامل التي أدت إلى المرض والعلاقة بينها وبين الأعراض ، وتوجيه مجال الاهتمام من الذات إلى مجالات أخرى ، ويفيد هنا العلاج النفسي المختصر ، والعلاج النفسي الجماعي (7) . وقد نلجأ في ذلك إلى العلاج السلوكي أو العلاج التدعيمي ، ونادرا إلى العلاج التحليلي العميق (18) .
3 – العلاج الاجتماعي لتوهم المرض :
ودوره هنا أقل ، لأن الأسباب الخارجية رغم أهميتها تكون عاملا مرسبا فقط ، ونادرا ما تزول الأعراض تماما لأن المشكلة عميقة الجذور داخل النفس (18) ولكن قد نلجأ إلى والعلاج بالعمل والرياضة والترفيه لإخراج المريض من دائرة التركيز إلى ذاته ، وتعديل البيئة والمحيط الأسري ومحيط العمل (7) .
4 – الإرشاد العلاجي للمريض ، وإرشاد الأسرة ، خاصة مرافقي المريض ، كالزوج مثلا نحو عدم المبالغة في العطف والرعاية وعدم المعاملة بقسوة … إلخ .
5 – مراقبة المريض خشية الانتحار إذا كان توهم المرض مرافقا للاكتئاب .
مآل توهم المرض :
يكون مآل توهم المرض أفضل بصفة عامة كلما كانت أسبابه محدودة وأعراضه واضحة ومكاسبه الثانوية قليلة وتعاون المريض صادقا في عملية العلاج (7).
وفيما يلي حالة تدل على خصائص هذا النوع ( لتوهم المرض ) :
موظفا ، عمره ( 37 سنة ) ، متزوج منذ (12 سنة ) ، ولم ينجب …. ويعمل موظفا في بنك ، جاء يشكو من آلام حول صدره وفي أسفل ظهره … و ” مغص في سمانة رجلي ، وانفجار في مخي ، وزي شكشكة في طراطيف صوابعي … والكبد مش منتظم مع المرارة … ومعدتي مش كويسه ” …
وكان كلما أقنع بأن هذا العضو سليم حسب الكشف والتحليل ، أشتكى من عضو آخر … وهكذا .
وقد كان لا يستمر على علاج يعطى له أبدا ، ولا يحضر في مواعيد العلاج النفسي ، وكان يبدو في قراره نفسه وكأنه لا يريد أن يتخلص من هذه الأعراض رغم شكواه بالألفاظ منها … ثم انقطع تماما عن العلاج بعد عدة أسابيع ..
وهكذا نرى أن هذا العصاب – توهم المرض – من أشد أنواع العصاب مقاومة للعلاج ، وهو يماثل في ذلك عصاب الوسواس القهري … والإثنان يعتبران من العصابات التي تخفي وراءها – في كثير من الأحيان – ذهان كامن ، ومن هنا تأتي مقاومة المريض للعلاج حتى لا يتعرض لخبرة الذهان المرعبة . (18) .

عصاب الوهن العصبي ( النيورستانيا )
Neurasthenia
يقصد به إحساس المريض المستمر بالإرهاق والتعب واضعف ونقص الحيوية ، ويشمل مفهوم النيورستانيا الأنواع التالية من الظواهر المرضية :
أ – اضطرابات في الحساسية ( صداع متصل أو متقطع وأوجاع متنقلة وحساسية مفرطة وإحساسات متوهمة لا أساس عضوي لها .
ب – اضطرابات حسية ( زيادة في حساسية الشخص وطنين الأذنين ) .
ج – اضطرابات حشوية وظيفية ( خاصة بالهضم كارتخاء الأمعاء وتقلصات المعدة ومغص معوي واضطراب في إفرازات المعدة والمعي والكبد ، فضلا عن الإمساك … إلخ ، وخاصة بالأوعية الدموية كهبوط في ضغط الدم ، وخاصة ضعف جنسي متفوت ، وافتقاده الحساسية الجنسية ) .
د – اضطرابات التنفس ( ضيق في التنفس والربو الكاذب ) .
هـ – اضطرابات عصبية نفسية منوعة ( أرق ودوار وترنح ورجفة وقلق واكتئاب وتهيج عصبي وخور في العزيمة واندفاع وسرعة التعب وصعوبة البدء في عمل ما ، وتشتت الانتباه وضعف التركيز (10 )
تعريف الوهن النفسي :
هو حالة من الشعور الذاتي المستمر بالوهن النفسي العام ، الذي يصحبه أعراض عصبية وجسمية ، ومن أهم خصائصه الوهن النفسي والجسمي وشدة التعب والإعياء والفتور والإنهاك ، وقد يصل إلى درجة الإنهيار ، وهو يكاد يكون حالة من ” التعب المزمن ” . ويطلق عليه البعض أسم ” الإنهيار العصبي ” أو ” الضعف النفسي ” أو ” الإعياء النفسي ” أو ” استجابة الضعف ” أو ” متلازمة التعب ” أو ” رد فعل الضعف Asthenic Reaction (18).
أسباب الوهن النفسي :
هناك كثير من الأسباب التي تشرح وتعلل لظهور أعراض هذا المرض ، ومن ذلك :
1 – الوراثة :
ويدل على أهمية هذا العامل وجود أمراض نفسية مختلفة في أقارب وأسلاف المصابين بالمرض .
2 – التكوين الجسمي :
هذا وقد لوحظ ظهور الوهن النفسي في الأشخاص ذوي التكوين الجسمي النحيف الواهن الذين يتصفون بشدة حساسية الجهاز العصبي .
3 – التسمم الذاتي :
افترض كثير من الباحثين أن الجسم يفرز سموما لسبب أو لآخر . تسري فيه ، وتسبب المرض ، مما لم يثبت صحته حتى الآن .
4 – الإنهاك :
ويقال كذلك أن الإرهاق والإجهاد من الأسباب المباشرة للمرض .
5 – الإيحاء والاستهواء :
يرجع آخرون أسباب المرض إلى سهولة الاستهواء عند بعض المرضى ، فسرعان ما يؤمن المريض بما توحيه إليه نفسه ( أو غيره ) ، من أنه قليل الحيلة ، ضعيف الإمكانيات في كافة المجالات .
6 – الصراع النفسي : كثيرا ما يعتبر أن أسباب الوهن النفسي نفسية في جملتها وأهمها :
أ – الصراع النفسي ذو التاريخ الطويل نتيجة تضارب الرغبات والإقدام والإحجام في السلوك ، مما يسبب الإنهاك والضعف ، والإحباط المتكرر ، وعدم إشباع حاجات الفرد ، والفشل والحرمان ، واليأس ، والشعور بالنقص ، والتوتر النفسي والاضطرابات الإنفعالية العنيفة الطويلة والصدمات الإنفعالية ، والشعور بالعجز المفاجئ في حيل وأساليب الدفاع النفسي التي كان يعتمد عليها الشخص في مواجهة ضعفه ، وشعوره بالنقص ( كحيلة التعويض مثلا ) ، ووجود العدوان المكبوت ومحاولة مقاومته .
ب – النمو المضطرب للشخصية ، وعدم ضبط النفس ، وضعف الثقة في النفس ، وسهولة الإيحاء والاستهواء ، واعتقاد الفرد في قلة حيلته وضعف إمكانياته ، وعدم وجود خطة للحياة ، وعدم وضوح الأهداف والمثل والحياة الرتيبة ، ونقص الميول والاهتمامات .
ج – الاضطرابات الأسرية والانهيار الأسري ، وطرق التربية الخاطئة ( القسوة والحماية الزائدة – والتدليل …. إلخ ) ، وضعف الروح الاجتماعية ، والهروب من تحمل المسئوليات وعدم التعود عليها ، وسوء التوافق الاجتماعي ، ووجود اضطراب مماثل لدى أحد الوالدين أو الأفراد المهمين في حياة الفرد ، واكتساب وتعلم الأعراض منه ، خاصة في حالة وجود مكاسب ثانوية لهذا السلوك المرضي المكتسب .
د – العمل الشاق المرهق تحت الضغط المصحوب بالقلق ، والمجهود المجهد الذي يستنفد الطاقة العصبية ، ويعوق الاسترخاء ، ويحول دون الاستمتاع بالحياة .
هـ – الحضارة الحديثة وضغوطها الشديدة ، ومطالبها الكثيرة ، وضغط مشكلات الحياة والاتجاهات السالبة نحوها ،و عدم الاستعداد لمواجهتها والضغوط النفسية المتعلقة بالمنافسة والخضوع والإهانة والنبذ والعدوان والحروب … إلخ .
أعراض الوهن النفسي :
1 – الأعراض الجسمية للوهن النفسي :
وتشمل : التعب الجسمي ، والعقلي المستمر ( بدون أساس عضوي ) ، والشعور بالضعف العام والإجهاد وتخاذل القوى والإعياء لأقل مجهود ، والخمول والكسل ، ونقص الحيوية والنشاط ، والضعف الصحي والعصبي والنفسي ، وبعض الآلام العامة غير المحددة ، والصداع والشعور بالضغط في الرأس ، وهبوط ضغط الدم والإحساس بضربات القلب ، وشحوب الوجه ، والتغيرات والاضطرابات الحشوية ، وضعف الشهية ، وعسر الهضم والإمساك ، والضعف الجنسي ( عند الرجال ) ، واضطراب العادة الشهرية ( عند النساء ) ، وآلام الظهر خاصة الألم القطني والعجزي ، والأرق ، واضطراب النوم ،و الأحلام المزعجة ، والتعب عند الاستيقاظ من النوم ، كل ذلك بدون مبرر .
2 – الأعراض النفسية للوهن النفسي :
وتشمل : القلق العابر المصحوب بالتوتر وعدم الاستقرار ، والشعور بالضيق والتبرم وتدهور الروح المعنوية ، والتشاؤم ، والشعور بالاحباط ، وضعف الطموح والشهور بالنقص والضعف والعجز ، وتشتت الانتباه ، وضعف القدرة على التركيز ، وضعف الذاكرة ، وعدم القدرة على مواصلة التفكير في موضوع معين ، والاستغراق في أحلام اليقظة ، والاكتئاب والهم ، والحساسية الانفعالية الزائدة ، والقابلية الشديدة للاستثارة ، وسرعة التهيج ، والغضب ، وعدم تحمل الضجيج ، والأصوات الشديدة والضوضاء العالية ، والثورة ، وضعف العزيمة والإرادة ، وفتور الهمة ، وضعف الحماس ، وعدم الرغبة في العمل ، وعدم القدرة على إتمام ما يبدؤه منه ، وعدم القدرة على تحمل المسئوليات ،و التردد وعدم القدرة على اتخاذ القرارات ، والهروب من مجابهة المشكلات وحلها ، والشك في الناس ، والسلبية ، والتمركز حول الذات ، وفتور النشاط الاجتماعي ، والاعتماد على الغير ، والتبرم بأوضاع الحياة ، وفقدان الاهتمام بها ، وسوء التوافق المهني ، والخواف ، وتوهم المرض .
تشخيص الوهن النفسي :
1 – يلاحظ أنه من النادر أن يظهر الوهن النفسي كعصاب مستقل ، ولكنه يظهر كإضافة أو عرض لمرض نفسي آخر ( كما في الفصام البيسط أو الاكتئاب ) ، وينبغي عدم الإكثار من الوسائل التشخيصية .
2 – يجب المفارقة بين الوهن النفسي وبين الاكتئاب ، فالوهن النفسي يكون مستمرا ، أو الشكوى الأساسية هي الأعراض الوظيفية ، والاكتئاب أحد هذه الأعراض ، ويناقش المريض أعراضه ويتحدث عنها
3 – يجب المفارقة بين الوهن النفسي والفصام المبكر ، ففي الفصام المبكر لا يهتم بالمحيط الخارجي ، ويستغرق في أحلام اليقظة ، وتظهر عنده الهذيانات والهلوسات .
4 – يجب المفارقة بين الوهن النفسي وبعض الاضطرابات العضوية الجسمية الأخرى ( مثل فقر الدم أو نفص الفيتاميات أو اضطراب الغدد الصماء واضطراب عمليات البناء والهدم في الجسم ) .
5 – ويجب المفارقة بين التعب الجسمي و التعب النفسي ( فالتعب الجسمي يحدث نتيجة الإجهاد في العمل وقضاء الساعات الطويلة تحت الضغط العقلي والعضلي ونقص النوم ، ومثل هذا التعب يزيله الراحة والنوم ، أما التعب النفسي العصابي فهو الذي يحدث في غيبة مثل هذه العوامل السابق ذكرها أو عندما يستمر رغم الراحة والنوم ) .
علاج الوهن النفسي :
من أهم التوصيات العلاجية للوهن النفسي ما يلي :
1 – العلاج الصحي العام ، والعلاج الطبي للأعراض العضوية الصريحة للوهن النفسي ، لدى المريض ، واستخدام المهدئات ، والمنومات ، واستخدام بعض المقويات ، مع الاهتمام بالراحة ، والنوم ، وتفيد التمرينات الرياضية مع زيادتها تدريجيا وحسب طاقة المريض ، والعلاج والتطبيب بالماء والحمامات .
2 – العلاج النفسي بالطريقة المناسبة لحالة الوهن النفسي :
وهو يساعد كثيرا في هذه الحالات مثل التحليل النفسي ، وعلاج الشرح والإقناع ، والعلاج التنفيسي مع توجيه الاهتمام إلى اكتشاف وإزالة كافة الأسباب ، مع الاهتمام بمفهوم الذات ، وتقبل الذات ، وتقوية وتأكيد وإعادة الثقة ، ومساعدة المريض على فهم نفسه ، ومعرفة إمكانياته ، وحل صراعاته ، وحل مشكلته النفسية ، مع الاهتمام بتنمية وتطوير شخصيته نحو النضج ، وتشجيع المريض على أن يقبل على معركة الحياة بقوة وليس بضعف .
3 – العلاج الاجتماعي ، والعلاج الأسري للوهن النفسي :
والتوافق الاجتماعي ، وتعديل الاتجاهات ، وتحسين الظروف الاجتماعية للمريض ، وإثارة الميول والاهتمامات لديه ، مع الاهتمام بالعلاج البيئي ، وتعديل البيئة المباشرة والمحيطة ، والاهتمام بالتوجيه المهني بغية تحقيق النجاح الحقيقي في العمل .
مآل الوهن النفسي :
مآل الضعف النفسي حسن ، كلما كانت العوامل المسببة واضحة وتزال .
وفيما يلي حالة تدل على خصائص هذا النوع ( الوهن النفسي ) :
موظف ، عمره ( 42 عاما ) ، أعزب ، يقول في شكواه : ” حاسس إني مش قادر أعمل حاجة ، مش قادر أشتغل ، فيه تنميل في جسمي ، وحاسس إني ” هابط – هابط ” ، وبتوصل بي الحال ، إلى التفكير المتعب اللي يجيب داغ الإنسان ، رجليه لما تمسكها تبقى منملة ، إنما فيه فوران … عندي ضغط دم واطي ، سريع الغضب إلى أبعد الحدود ، خايف لحسن من ضعفي أقع في الشارع ، ما حدش يعرفني .. في حالة هدوئي أبقى وديع خاص زي طفل صغير ” .
وبدراسة تاريخه الأسري ، تبين أنه أوسط تسع إخوة ، وأخوات ( الخامس ) ، وأن جميع إخوته الأكبر منه لم يتزوجوا ، وفيهم ثلاث عوانس ( 52 ، 50 ، 44 سنة ) ، رغم غنى والدهم الفاحش ، وسطوته في الصعيد .. ويقول المريض : ” ….. والدي بطبعه يكره حاجة اسمها جواز ، وهوه منفصل عن والدتي من غير طلاق ، بقاله ثلاثين سنة ، بتشوف العائلات الثانية الأب بيدفع أولاده للزواج إلى ده ، رغم إنه سافر بره ومتنور ، زي ما يكون بيعتبر زواج أولاده عيب ، أو إهانة شخصية له . ولما صممت على زواج أختي الصغيرة غصب عنه ، عشان ما تحصلش إخواتها … ابتدأت الحالة تظهر عندي بسيطة ” . ثم يذكر أن الأعراض اشتدت جدا ، وظهرت بوضوح حين وجد نفسه في حيرة بشأن البت في زواجه هو شخصيا ، فقد احتار بين رغبات الأب ، وسيطرته ، وبين رغبته الطبيعية في الزواج والاستقلال وتكوين أسرة ، وخصوصا وأن شخصية الأب كانت طاغية من نوع خاص ، ذلك الأب الذي ” ….. يعرف كل حاجة : إنجليزي وفرنساوي وطلياني وهيروغليفي كمان ، عنده ثمانين سنة ومتدين ، مع إنه مرافق غير والدتي (!) … مش مخلي حاجة مالوش فيها ” . وهكذا ظهر المرض الذي أعجزه عن العمل .
وهكذا نرى كيف نشأت الأعراض ، نتيجة لصراع بين الإقدام والإحجام ، وكيف استغرق هذا الصراع كل طاقة المريض حتى ظهرت أعراض الإعياء والإنهاك واضحة جلية (18) .

عصاب الهستيريا
Hysteria Neurosis
اشتق هذا الاسم من اللفظ اللاتيني للرحم ” هستيرون ” لأن الفكرة الشائعة في ذلك الوقت ، أن هذا المرض يصيب النساء فقط ، وأن سببه هو انقباضات عضلية في الرحم … وبالطبع فقد ثبت خطأ هذه التسمية ، فإن مرض الهستيريا يظهر في الرجال ولو أنه أكثر شيوعا في النساء وليس له علاقة بالرحم (3)
تعريف الهستيريا :
مرض نفسي عصابي ، تظهر فيه اضطرابات انفعالية مع خلل في أعصاب الحس والحركة . وهي عصاب تحولي تتحول فيه الانفعالات المزمنة إلى أعراض جسمية ليس لها أساس عضوي ، لغرض فيه للفرد أو هروبا من الصراع النفسي ، أو من القلق ، أو من موقف مؤلم بدون أن يدرك الدافع لذلك ، وعدم إدراك الدافع يميز مريض الهستيريا عن المتمارض الذي يظهر المرض لغرض محدد مفيد .
وفي الهستيريا تصاب مناطق الجسم التي يتحكم فيها الجهاز العصبي المركزي ( الإرادي ) مثل الحواس وجهاز الحركة . وهذا غير المرض النفسي الجسمي ، حيث تصاب الأعضاء التي يتحكم فيها الجهاز العصبي الذاتي ( اللاإرادي ) .
الهستيريا مرض نفسي متعدد الأنواع ، فهناك من يطلق أسم الهستيريا التحولية Conversion ، أو رد فعل التحويل Conversion Reaction، أي التي تعني تحويلا جسميا لأمور نفسية نظرا لأنها تعتمد على حيلة دفاعية نفسية أساسية هي التحويل ، حيث تحول الإنفعالات والصراعات إلى أعراض جسمية كحل رمزي للصراع ، وهناك الإغماء الهستيري Hysterical Trance ، ويتمثل في نوبات يفقد المريض وعيه ، وقد يتصلب جسمه أو يهذى بكلمات لا معنى لها أو يأتي بحركات شاذة . وهناك التجوال النومي Somnambulism ، ويتمثل في المشي أثناء النوم ، والقيام بنشاط حركي وإنجاز أعمال والفرد في حالة نوم ، وعندما يستيقظ الفرد فإنه غالبا لا يتذكر ما فعله أثناء تجواله النومي . كما أن هناك نوعا آخر من الهستيريا يشبه هستيريا التجوال النومي وهو المعروف ” بالتجوال اللاشعوري ” Fugue ، ويتمثل في فقدان المريض لذاكرته لفترة طويلة ، فينسى نفسه وبيته وأهله وعمله ، ويخرج متجولا لفترة قد تطول أياما أو شهورا ، ويقوم أثنائها بأعمال ويزاول أنشطة ويجوب مناطق وبلادا ، حتى إذا أفاق من نوبة التجوال اللاشعوري هذا عادت إليه ذاكرته وتعرف على نفسه ورجع إلى بيته وأهله وعمله . وغالبا ما فعله أثناء نوبة التجوال .
ومن أنواع الهستيريا أيضا تعدد الشخصية Multiple Personalities ، فيعيش المريض فترة في شخصية معينة ، وفترة أخرى في شخصية غيرها ، ثم تعاوده الشخصية الأولى لفترة أخرى ، وهكذا يعيش بالتناوب شخصيتين أو أكثر . وغالبا لا يتذكر المريض الشخصية التي سبق أن عاشها في الفترة السابقة ، بل ربما أشار إليها على أنها شخصية فرد آخر خلافه مستخدما لها اسما معينا أو ضمير “هو” . وكثيرا ما تكون الشخصيات المتبادلة ، التي يعيشها مريض تعدد الشخصية ، شخصيات متكاملة في دوافعها ورغباتها وخصائصها ، ومقطوعة الصلة أو تكاد إحداها بالأخرى . وعموما فحالات الهستيريا المتعددة الشخصية من الحالات النادرة جدا والتي تستهوي الروائيين وتلهب خيالهم .
أسباب الهستيريا :
فيما يلي أهم أسباب الهستيريا :
1 – الوراثة :
وتعلب دورا ضئيلا للغاية ، بينما تلعب البيئة الدور الأكبر ، ولوحظ أن ( 6 % ) من إخوة المرضى ، وكذا ( 15 % ) من أبنائهم مصابون بنفس المرض ، ونعزو هذا إلى الوراثة ، كما نعزوه إلى الإيحاء البيئي والميل إلى التقليد . بينما يرجع بافلوف وأنصار التفسير الفسيولوجي ذلك إلى ضعف قشرة المخ ، بسبب الاستعداد الوراثي ، وعادة ما يكون المريض الهستيري ذا تكوين جسمي نحيف واهن (7) ، ولكن يمكن حدوثها في أي تكوين جسمي آخر (18).
2 – الأسباب النفسية للهستيريا :
الصراع بين الغرائز والمعايير الاجتماعية ، والصراع الشديد بين الأنا الأعلى وبين الهو ( وخاصة الدوافع الجنسية ) ، والتوفيق عن طريق العرض الهستيري ، والإحباط وخيبة الأمل في تحقيق هدف أو مطلب ، والفشل والإخفاق في الحب ، والزواج غير المرغوب فيه ، والزواج غير السعيد ، والغيرة ، والحرمان ونقص العطف والانتباه وعدم الأمن ، والأنانية والتمركز حول الذات بشكل طفلي . وعدم نضج الشخصية وعدم النضج الاجتماعي ، وعدم القدرة على رسم خطة للحياة ، وأخطاء الرعاية الوالدية مثل التدليل المفرط والحماية الزائدة … إلخ ، والضغوط الاجتماعية والمشكلات الأسرية والتوتر النفسي والهموم ، والرغبة في الهروب منها ، والرغبة في العطف واستدرار اهتمام الآخرين ، والحساسية النفسية وسرعة الاستثارة وعدم النضج الانفعالي والضغوط الانفعالية والصدمات الانفعالية العنيفة وكبتها والهروب منها عن طريق تحويلها إلى أعراض هستيرية .
3 – كون أحد الوالدين شخصية هستيرية :
فيأخذ الطفل عنه ( اكتسابا ) سمات الشخصية الهستيرية .
4 – ومن الأسباب المباشرة للهستيريا ، فشل في حب أو صدمة عنيفة أو التعرض لحادث أو جرح أو حرق … إلخ (7).
5 – شخصية المريض قبل المرض :
تتصف عادة بميله إلى حب الطهور واستدرار العطف ، وحب الذات وحب التملك ، كما يتصف المريض عادة بالمبالغة والتهويل في كل الأمور ، وقد يطلق على هذه الشخصية اسم ” الشخصية الهستيرية (18) .
أعراض الهستيريا :
قد يكابد المريض الهستيري أعراض نوع واحد أو أكثر من أنواع الهستيريا وعلى مستويات مختلفة من الشدة ، مضافا إليها بعض الأعراض العامة للهستيريا : مثل اضطراب الذاكرة ، أو شدة القابلية للإيحاء ، أو سرعة تقلب المزاج ، أو اضطراب بعض الوظائف النفسية
ولكن لا توجد كل أعراض الهستيريا في مريض واحد ، وفيما يلي أهم أعراض الهستيريا :
1 – الأعراض العامة للهستيريا :
المرض عند بداية المدرسة ، أو عند الامتحانات ، ردود الفعل السلوكية المبالغ فيها للمواقف المختلفة ، المرض يمرض عزيز مات به ، العرض كامتداد تاريخي لمرض عضوي سابق .
2– الأعراض الحسية للهستيريا :
وتشمل العمى الهستيري ، الصمم الهستيري ، فقدان حاسة الشم ، فقدان حاسة الذوق ، فقدان الحساسية الجلدية في عضو أو في عدة أعضاء ، الخدار الهستيري ( انعدام الحساسية العامة ) ، الألم الهستيري (7) .
3 – الأعراض الحركية للهستيريا : وتشمل الشلل الهستيري ( النصفي أو الطرفي أو في الجانبين أو القعاد ) ، الرعشة الهستيرية ، التشنج الهستيري ، والتقلص ، والمشي بطريقة شاذة ، واللوازم الحركية ، وتسمى هذه جميعا مظاهر حركية إيجابية ، وهناك مظاهر حركية سلبية كالصرع الهستيري ، عقال العضل ( خاصة في اليد وخاصة أثناء الكتابة وهو ما يسمى عقال الكاتب ) ، وفقدان الصوت أو النطق ، والخرس الهستيري ، وفيها تقل الحركة أو تنعدم (7) ، وارتجاف الأطراف والغيبوبة (3 )
4 – الأعراض العقلية للهستيريا :
وتشمل اضطراب الوعي ، الطفلية الهستيرية ( السلوك أو التكلم كالأطفال ) ، وفقدان الذاكرة ، وحالات الشرود ، أو نوبات الإغماء أو ازدواج أو تعدد الشخصية والجوال الليلي ، والتجوال ( وهنا يترك المريض بيته أو عمله ، ويخرج على غير هدى في تجوال أو رحلة ثم يعود ولا يذكر عن هذه الرحلة شيئا ) ، أو المشي أثناء النوم ( وهنا يسير المريض أثناء نومه ، وغالبا ما تحدث هذه الحالة في سن الطفولة ، وتختلف هذه الحالة عن التجوال في أنها تحدث أثناء النوم ، ولفترة قصيرة ، ويكون المريض على علاقة ضعيفة بمن حوله (18).
5
– الأعراض الحشوية :
وتشمل فقد الشهية والشره ، والإفراط في الشرب والقيء ، ونوبات الفواق ( الزغطة ) وغيرها (18) ، والصداع والآلام المختلفة في الجسم ( 3).
6 – أعراض أخرى :
مثل التهاب الجلد الزائف ( وهو مرض يتصف بأن المريض يحدث في جلده خدوشا دون وعي منه ، ويحدث ذلك عادة أثناء النوم ) تشخيص الهستيريا :
1 – يجب المفارقة بدقة بين الهستيريا والمرض العضوي ، وعلى الأخصائي التأكد من الخلو من الأسباب العضوية للأعراض ، واستبعاد وجود مرض عضوي .
2 – ويجب عدم الخلط بين أعراض الهستيريا وبين أعراض المرض النفسي الجسمي كما هو موضح في الجدول التالي :

تصيب الأعضاء التي يسيطر عليها الجهاز العصبي المركزي يصيب الأعضاء التي تسيطر عليها الجهاز العصبي الذاتي
الأعراض تعتبر تعبيرات رمزية غير مباشرة عن دوافع مكبوتة وتخدم غرضا شخصيا لدى المريض الأعراض عبارة عن نتائج مباشرة لاضطرابات انفعالية تخل بتوازن الجهاز العصبي الذاتي
3 – ويجب أيضا عدم الخلط بين أعراض الهستيريا وبين أعراض التفكك .
4 – ويجب التفرقة بين الهستيري والمتمارض ، فالهستيريا لاإرادية ، والهستيري لا يبالي بأعراضه ، ولا يعيرها اهتماما كبيرا ، بينما التمارض إرادي والمتمارض يعير أعراضه اهتماما زائدا ، ويدرك الفائدة التي يجنبها من وراء تمارضه .
وعلى العموم تدل العلامات التالية على حالة الهستيريا :
* حدوث المرض فجأة أو في صورة درامية .
* نقص قلق المريض ، بخصوص مرضه ، وعدم مبالاته وهدوئه النفسي ، وهو يتحدث عن أعراض مرضه .
* الضغط الانفعالي قبل المرض .
* وجود مكسب ثانوي من وراء المرض .
* تغير الأعراض بالإيحاء .
* اختلاف شدة الأعراض في فترة وجيزة .
* عدم النضج الانفعالي في الشخصية قبل المرض .
* نقص الارتباط بين الأعراض والناحية التشريحية للأعصاب الحسية والحركية ، لأن المريض ليس طبيبا ، والمرض ليس عضويا أصلا ، فنجد نمط فقد الإحساس غير ثابت ن وفقد الإحساس لا يتطابق مع التوزيع التشريحي … وهكذا .
علاج الهستيريا :
فيما يلي أهم ملامح علاج الهستيريا :
1 – العلاج النفسي للهستيريا :
وهو أهم أنواع العلاج في هذا المرض لأنه يتناول تركيب الشخصية بهدف تطويرها ونموها ، وقد يستخدم الأخصائي التنويم الإيحائي لإزالة الأعراض . ويلعب الإيحاء والإقناع دورا هاما هنا ، ويستخدم التحليل النفسي للكشف عن العوامل التي سببت ظهور الأعراض والدوافع اللاشعورية وراءها ومعرفة هدف المرض . ويقوم المعالج بالشرح الوافي والتفسير الكافي للأسباب ، ومعنى الأعراض . وكذلك يفيد العلاج التدعيمي ومساعدة المريض على استعادة الثقة في نفسه ، وتعليمه طرق التوافق النفسي السوي ، والعيش في واقع الحياة . ويستخدم العلاج الجماعي خاصة مع الحالات المشابهة ، ويجب أن يعمل المعالج باستمرار على إثارة تعاون المريض وتنمية بصيرته ومساعدته في أن يفهم نفسه ، ويحل مشكلاته ، ويحاربها بدلا من أن يهرب منها ، ويقع ضحية لها . ويلاحظ أن بعض المعالجين يستخدمون نوعا من الحقن ( أميتال صوديوم ) ، لتسهيل عملية التنفيس والإيحاء والإقناع ( التحليل التخديري ) .
2 – الإرشاد النفسي للوالدين والمرافقين كالزوج أو الزوجة :
وينصح بعدم تركيز العناية والاهتمام بالمريض أثناء النوبات الهستيرية فقط ، لان ذلك يثبت النوبات لدى المريض لاعتقاده أنها هي التي تجذب الانتباه إليه .
3 – العلاج الاجتماعي والعلاج البيئي لحالات الهستيريا :
ويتجه إلى تعديل الظروف البيئية المضطربة التي يعيش فيها المريض بما فيها من أخطاء وضغوط أو عقبات حتى تتضمن حالته ، وبذلك يتمكن المريض من التغلب على العقبات بطريقة أقرب إلى الواقع وفي بعض الأحوال قد تضطر إلى إبعاد المريض عن الجو الذي يثبت العرض بعض الوقت (18)
4 – العلاج الطبي لأعراض الهستيريا :
وفي ذلك أيضا حفظ لماء وجه المريض ، ويستخدم علاج التنبيه الكهربائي أو علاج الرجفة الكهربائية . وفي بعض الأحيان يلجأ المعالج إلى استخدام الدواء النفسي الوهمي Placebo ، ويفيد فائدة كبيرة .
مآل الهستيريا :
يلاحظ أن حوالي ( 50 % ) من مرضى الهستيريا يتم شفاؤهم تماما مع العلاج المناسب ، وأن حوالي ( 30 % ) يتحسنون تحسنا ملحوظا ، وأن حوالي ( 20 % ) يتحسنون تحسنا بسيطا أو تستمر معهم الأعراض .
وعلى العموم يكون مآل الهستيريا أفضل : كلما كان بدء المرض فجائيا وحادا واستمر لمدة قصيرة قبل بدء العلاج ، وكلما كان المكسب من وراء المرض ليس كبيرا ، وكلما كانت العلامات الشخصية والأسرية سليمة نسبيا ، وكلما كان المريض متوافقا مهنيا .
وفيما يلي وصف حالتين من حالات الهستيريا :
الأولى تغلب عليها الأعراض العضوية التي تتمثل في تقلص حركي لاإرادي ، والثانية تمثل نموذجا للأعراض العقلية ، وهي حالة طفلية هستيرية :
الحالة الأولى :
سيدة ، ربة منزل ، عمرها ( 28 سنة ) ، متزوجة ، وليس لها أولاد ، تقيم في أحد الأحياء الشعبية بالقاهرة ، تشكو من انتفاضة متكررة في ساقها ” نترة – رعشة ” ، وفواق ” زغطة ” ، وصداع ، ودوخة …
وبملاحظة انفعالاتها ، لم نستطع أن نجد علاقة بين شكواها وما يبدو عليها من مشاعر ، فكانت تقول : ” …. صداع فظيع …. حيموتني …. رأسي حتفرقع …. مش قادر استحمل … ” ، وهي تبتسم في دعة وطمأنينة ، وقد ابتدأ المرض بعد موت والدها مباشرة ، وكانت تبلغ من العمر اثنى عشر عاما …. ” كنت باحبه حب مش معقول … بعد وفاته حصلي إغماءات مستمرة ، أقعد ساعة وساعتين مش واعية لنفسي ” . وكانت ترغب في إكمال دراستها ، ولكن الظروف الاجتماعية والاقتصادية – بعد وفاه والدها – حالتا دون ذلك ، ثم تزوجت من زوجها الحالي ، وهو سعودي الجنسية والإقامة ، وفي مثل سن والدها ، تزوج قبلها ست مرات ، وكانت إحداهن لا تزال في عصمته ، رغم انفصاله المؤقت عنها … وقد كان الزواج بناء على رغبة المريضة شخصيا ، حيث رفضت كل الشبان الذين تقدموا لها ، وفضلت زوجها هذا عليهم ، ثم عاودها المرض حين أرجع زوجها زوجته الأولى إلى عشرته ” ….. وحصلي شلل في رجلي الشمال ، ودخت ، وغبت عن وعيي ، وقمت لقيت رجلي بتنتر … ولسه بتنتر لحد دلوقت …. ” . وقد حضرت المريضة إلى وطنها مصر للعلاج ، واستمرت فيه مدة سنتين على نفقة زوجها ، وهي لا تريد الرجوع إليه ، لأن عواطفها قد تغيرت تجاهه ….” …. أنا حاسة إني باكرهه دلوقتي ، وعايزه أسيبه … إنما مش قادرة …. ” .
وبفحص المريضة عضويا ، تبين أن جسمها سليم تماما ، وظهر من الأبحاث بما في ذلك رسم المخ الكهربائي ، أن التركيب العضوي خال من أي مرض يفسر هذه الظواهر .
وقد تبين من الفحص النفسي ، أنها تتصف بضحالة العواطف وتقلبها ، ” أكون زعلانة وبابكي ، واحد قال حاجة تضحك … أضحك على طول والدموع لسه في عيني … وأن الحركة التي تعاودها مظهر خاص ، فهي تبدو كأنها ترفص أحد أمامها ، وكأن لها دلالة رمزية ، تشير إلى رفض شيء أو شخص ما …. كذلك تبين أن شكواها لا تتفق مع حقيقة شعورها ، وكان حديثها يتصف بالمبالغة والتهويل …
فإذا درسنا تاريخ نضجها العاطفي، وجدناها متعلقة بأبيها بدرجة غير عادية ، وزاد من تعلقها به موته ، وهي تخطوا أولى خطوات المراهقة ، الأمر الذي يفسر زواجها من بديل له ، لا يلائم سنها ولا طبيعتها ، وهكذا نشأ الصراع بين التعلق بالزواج كبديل للأب ، وبين رفضها له من الناحية الموضوعية لكبر سنه ومعاشرته أخرى … واختلاف طباعهما وتنافرها …. ” .
ونحب أن نشير هنا إلى أن المكاسب التي حققها العرض ثبتته ، وجعلته متأصلا ، فقاوم العلاج مقاومة عنيفة واستمر لمدة طويلة …. كما أن ظهور العرض أمكن المريضة من العودة إلى مصر ، بين أهلها وذويها ، وهيأ لها حياة اقتصادية طيبة بما يرسله إليها زوجها من نفقات ، كما حقق حاجتها إلى الرعاية والاهتمام ، وذلك بترددها على الأطباء ، وإثارة العطف والشفقة من حولها …. إلخ .
وقد أتاح المرض تأجيل البت في إنهاء العلاقة الزوجية بما يترتب عليه من هبوط المستوى المادي ، واحتمال عدم الزواج ثانية ، والوحدة …. إلخ .
إذن فالمرض أبعدها عن زوجها في ذات الوقت الذي ساعد على الاحتفاظ به ، وقد كانت المريضة تتحسن جزئيا بالعلاج ، ولكن العرض كان يعاودها بمجرد تصور انقطاع العلاج أو الحديث عن الشفاء التام والعودة إلى ممارسة واجباتها .
ففي الوقت الذي ستشفى فيه سترجع إلى زوجها ، حيث يثار الصراع ثانية … أو على الأقل ستنقطع النفقات الجارية …. وهكذا تتمسك بالمكاسب التي حققها المرض ، فتقاوم الشفاء أيما مقاومة .
الحالة الثانية :
آنسة ، طالبة ، عمرها ( 19 سنة ) ، في السنة الثانية الثانوية النسوية ، لم تتزوج ، تقيم في القاهرة ، جاءت تشكو من حالة غريبة تنتابها : ” لساني بيتموج ، مابقدرش أعدله ، أتكلم زي العيال الصغيرين ، ساعات أبقى دارية بالحكاية دي ، وساعات أفتكرها بعدين ، والحكاية دي بتقعد يوم أو يومين ، دايما صداع في دماغي بين النوبات دي ، أذاكر أنسى المذاكرة ، بانسى كثير اليومين دول ، نفسي مسدودة عن الأكل ” .
وصفت حالتها والدتها بأنها : ” بتبقى عاملة زي العيال بتاعة أربع سنين ، ودي حاجة تكسف قدام الجيران ، وفي المدرسة وبتبقى فرجة ، أصلي أنا مش عايزة تطلع على البنت سمعة ، وحاكم أنا ما بعتقدشي في الأسياد ، لأني مثقفة وكنت مدرسة إبتدائي ، وهوه ( زوجها ) اللي قعدني في البيت .
وبدراسة الجو الأسري ، ثبت أن عدم التوافق بين الزوج والزوجة شديد جدا ، وأن المريضة عجزت عن وقف الشجار بينهما ، وبالتالي عن اكتساب بعض الاهتمام الحقيقي بها وبإخوتها بدلا من ” ….. النقار طول الليل والنهار …. ” . فأخذت تنزوي في حجرتها ، وتبكي ثم ظهرت الأعراض ، وتقول الزوجة عن حياتها الزوجية وعن زوجها ” …. ماشيين في خطين ، قصاد بعض ، مش حنتقابل أبدا ، هوه معندوش شخصية ، وعنده مركب نقص ، وأكبر مني في السن ، كان أعمال كتابية ، وأخذ شهادة خدمة اجتماعية من 6 سنين بس …. مع إن عنده ( 52 سنة ) ، وفاهم ، أنه عالم نفساني يقدر يعالج الناس كلها … مع إنه هوه اللي عنده شك في الناس وفي تصرفاتي ، وكان سبب ضياع مستقبلي ، لأنه خلاني أسيب شغلي … أما الأب فكان رأيه أن ثقافة زوجته وتدليل إخوتها لها في الصغر هما سبب المصائب ، وأنها مدعية وتظهر العناية بأولادها مع أنها السبب في مرض ابنتها .
هذا وقد تطور اكتئاب الزوجة – أثناء علاج ابنتها – حتى وصل إلى حد الأفكار الانتحارية ، بل ومحاولة الانتحار فعلا ، الأمر الذي اضطرنا إلى قطع الحلقة المفرغة ببضعة جلسات كهربائية ( للأم ) ، ثم استكمال العلاج النفسي والاجتماعي للأسرة .
وهكذا نرى كيف ظهرت هذه الأعراض الهستيرية ، هروبا من جو أسري مريض ، وكوسيلة لجذب الانتباه ، والاحتجاج ، كما نلاحظ وجود صداع بين النوبات ، نتيجة لوجود صراع داخلي تحله الأعراض مؤقتا ، لذلك يختفي الصداع ، مع ظهور الأعراض ، ويعود مع اختفائها ( 18).

عصاب الخوف المرضي ( الفوبيا )
Phobia
تعريف الخوف المرضي :
خوف مرضي دائم من وضع أو موضوع ( شخص أو شيء أو موقف أو فعل أو مكان ) غير مخيف ولا يستثير عادة الخوف لدى عامة الناس ، ولا يستند إلى أساس واقعي ، ولا يمكن ضبطه أو التخلص منه أو السيطرة عليه ، ويعرف المريض أنه غير منطقي ، ورغم هذا فإن هذا الخوف يتملكه ويحكم سلوكه ، ويصاحبه القلق والعصابية والسلوك القهري .
وهناك فرق بين الخوف ( العادي ) وبين ( الخوف المرضي ) :
فالخوف العادي غريزة ، وهو حالة يحسها كل إنسان في حياته العادية حين يخاف مما يخيف فعلا ، مثل حيوان مفترس حين يشعر باقترابه ينفعل ويخاف ويقلق ويسلك سلوكا ضروريا للمحافظة على الحياة هو الهرب . فالخوف العادي إذن هو خوف موضوعي أو حقيقي ( من خطر حقيقي ) .
أما الخوف المرضي فهو خوف شاذ ودائم ومتكرر ومتضخم مما لا يخيف في العادة ، ولا يعرف المريض له سببا ، وقد يكون الخواف عاما غير محدد ، وهميا أو غير حسي ، كالخوف من الأماكن المفتوحة Agoraphobia ، ويبدو في خوف المريض ، من البقاء في أماكن مفتوحة ، فإذا ما دخل منزلا لا يستريح إلا إذا أغلق الباب ، وإذا جلس في غرفة يظل قلقا حتى تغلق منافذها ، وإذا سار في الشارع أو خرج إلى الأماكن الفسيحة انتابه الفزع والضيق ..الخ . وكما أن هناك مرضى يخافون من الأماكن المفتوحة ، هناك أيضا مرضى على عكسهم تماما مصابون بالخوف من الأماكن المغلقة Claustrophobia ، فلا تكاد تغلق باب الغرفة التي يجلسون فيها حتى يصاب الفرد منهم بالخوف والفزع ، ويظل في هذه الحالة حتى يخرج من الغرفة أو تفتح منافذها .
وعموما ، فإن المواقف أو الأشياء أو الموضوعات التي تستثير الخوف لدى مرضى الفوبيات كثيرة لا يمكن حصرها : من أمثلة الخوف المرضي من الأماكن المرتفعة Acrophobia ، والخوف المرضي من منظر الدم Hematophobia ، والخوف المرضي من نوع من الحيوانات كالقط والدجاجة ..الخ . ولكل مريض بالفوبيا موقف معين أو موضوع معين أو أكثر هو الذي يخيفه ، ولا يظهر عليه الفزع والقلق والضيق إلا إذا ظهر موضوع خوفه أمامه ، بحيث يظل المريض بالفوبيا عاديا لا تظهر عليه أعراض المرض إلا في حالة ظهور موضوع خوفه
هذا وتختلف درجة الخوف المرضي من مريض بالفوبيا لآخر ، فالبعض يظهر عليه الخوف والفزع الشديدان إذا ظهر موضوع خوفه بينما البعض يكون أقل خوفا وفزعا إذا ظهر موضوع خوفه .
أسباب الخواف :
يرجع الخواف إلى عدة أسباب وعوامل هي :
1 – تخويف الأطفال ، وعقابهم ، والحكايات المخيفة التي تحكي لهم ، والخبرات المريرة القاسية التي يمرون بها ، والخبرات المخيفة المكبوتة ( خاصة منذ الطفولة المبكرة ) .
2 – الظروف الأسرية المضطربة ( الشجار والانفصال والطلاق والعطف الزائد والحماية الزائدة والوالدان العصبيان ) ، والسلطة الوالدية المتزمتة ، والتربية الخاطئة ( كالمنع والعقاب والرهبة ، وعدم المساواة في المعاملة بين الأطفال ) .
3 – خوف الكبار وانتقاله عن طريق المشاركة الوجدانية والإيحاء والتقليد ، وعدوى الخواف من مريض به إلى مخالطيه .
4 – القصور الجسمي ، والقصور العقلي ، والرعب من المرض .
5 – الفشل المبكر في حل المشكلات .
6 – الشعور بالإثم وما يرتبط به من خواف ( كخوف المريض من الأمراض الجنسية ، نتيجة لشعوره بالذنب الناجم عن اتصال جنسي محرم ) .
7 – وقد يكون الخواف دفاعا لحماية المريض من رغبة لاشعورية مستهجنة ، جنسية أو عدوانية في الغالب ( فمثلا قد تشعر امرأة بالخوف من الوحدة ، ويكون هذا بمثابة دفاع لحمايتها من احتمال قيامها بعلاقة جنسية محرمة ترغب فيها لاشعوريا ) .
8 – وتلعب حيلة الإزاحة دورا ديناميا فعالا في الخواف ، حيث تزاح المهددات الداخلية إلى مهددات خارجية إزاحة لاشعورية ، وحيث ينقل الانفعال من مصدره الأصلي إلى بديل أكثر قبولا ( فمثلا خواف المدرسة قد يكون تلقائيا بسبب الانفصال عن الأم ) .
أعراض الخواف :
فيما يلي أهم أعراض الخواف :
1 – كل أنواع المخاوف المرضية مثل الخوف المرضي من : الخوف – الجنس – النساء – الأماكن الواسعة – الأماكن المغلقة – الأماكن المرتفعة – النور – الظلام – البرق – الرعد – الماء – النار – الدم – الجراثيم – الحشرات – الحيوانات – الثعابين – التلوث – التسمم – المرض – الألم – الموت – الزحام – اللغات الأجنبية – الغرباء … إلخ
2 – القلق والتوتر .
3 – ضعف الثقة في النفس ، والشعور بالنقص ، وعدم الشعور بالأمن ، والتردد وإضاعة الوقت ، يعمل ألف حساب لكل أمر ، والجبن ، وتوقع الشر ، وشدة الحرص ، والانسحاب والانفراد ، والهروب ، أو التهاون والاستهتار ، والاندفاع ، وسوء السلوك .
4 – الإجهاد ، والصداع والإغماء ، وخفقان القلب ، وتصبب العرق ، والتقيؤ ، وآلام الظهر ، والارتجاف ، واضطراب الكلام , والبوال أحيانا
5 – السلوك التعويضي مثل : النقد والسخرية ، والتحكم ، وتصنع الوقار والجرأة والشجاعة .
5 – الأفكار الوسواسية ، والسلوك القهري .
6 – الامتناع عن بعض مظاهر السلوك العادي ، ويصبح الخواف عائقا معجزا ( مثل الامتناع عن الأكل في المطاعم أو الامتناع عن التنزه أو الرياضة أو حتى مغادرة المنزل أو عبور الطريق ) .
تشخيص الخواف :
1 – يجب أولا المفارقة بين الخواف العادي وبين الخوف المرضي .
2 – ويجب التفريق بين الخواف ( كمرض ) وبين الخواف ( كعرض ) فالخواف أحيانا يكون مصحوبا لأمراض أخرى كعرض ، فهو عرض هام من أعراض القلق النفسي والاكتئاب والوسواس والقهر والهذاء .
3 – ويجب المفارقة بين الخواف وبين القلق ، حيث في الخواف يسيطر المريض ( نسبيا ) على القلق ويربطه بوضع أو موضوع خارجي ، وتكون الدفاعات الرئيسية هي الكبت والإزاحة والتجنب .
علاج الخواف :
يجب أولا إثارة رغبة المريض في العلاج ، وفيما يلي أهم ملامح العلاج :
1 – العلاج النفسي للخواف :
خاصة التحليل النفسي للكشف عن الأسباب الحقيقية والدوافع المكبوتة ، والمعنى الرمزي للأعراض ، وتصريف الكبت ، وتنمية بصيرة المريض ، وتوضيح الغريب وتقريبه من إدراك المريض والفهم الحقيقي والشرح والإقناع والإيحاء ، وتكوين عاطفة طيبة نحو مصدر الخوف . ويستخدم أيضا العلاج النفسي التدعيمي ، وتنمية الثقة في النفس ، وتشجيع النجاح والشعور به ، وأبرز نواحي القوة والإيجابية لدى الفرد ، وتشجيع المريض على الاعتماد على نفسه ، وإكسابه الخبرات بنفسه ، وتنمية الشعور بالأمن والإقدام والشجاعة . ويستخدم كذلك العلاج النفسي المختصر في حالة المخاوف الحديثة الظهور ، ويستفيد بعض المعالجين بالتنويم الإيحائي .
2 – العلاج السلوكي الشرطي للخواف :
بكف الارتباط بين المخاوف وذكرياتها الدفينة ، وقطع دائرة المثير والخوف والسلوك وفك الاشراط والتعرض لمواقف الخواف نفسه مع التشجيع والمناقشة والاندماج وربط مصادر الخوف بأمور سارة محببة والتعويد العادي في الخبرة الواقعية السارة غير المخيفة ومنع استثارة الخوف ( وقد تستخدم بعض الأدوية المهدئة للتقليل من حدة القلق المصاحب لمثل هذه المواقف ) . ويستخدم أسلوب التحصين التدريجي بصفة خاصة (18).
كما يفيد العلاج السلوكي التصرفي في علاج مثل هذا النوع من العصاب ، وذلك بتعريض المريض تدريجيا للمثير المسبب للمخاوف ، عن طريق التخيل للمثير في وضع استرخاء ، ثم عرض صور المثير على المريض بالتدريج ، وبعد ذلك عرض المثير نفسه في وجود مرضى آخرين ، ثم التعريض المفاجئ للمثير بدون أي مقدمات (16) .
3 – العلاج الجماعي للخواف : بالتشجيع الاجتماعي ، وتنمية التفاعل الاجتماعي السليم الناضج
4 – العلاج البيئي للخواف : بعلاج مخاوف الوالدين ، وعلاج الجو المنزلي الذي يجب أن تسوده المحبة والعطف والهدوء والثبات والاتزان والحرية وعلاج الوالدين والأقارب في حالة عدوى الخواف ، وتوجيه الوالدين والمشرفين للمساهمة في ضبط الانفعالات والتقليل من الخوف ببذل محاولات العلاج والتقليل من المشاجرات وعدم الخوف وعدم حكاية الحكايات المخيفة للأطفال .
5 – علاج الأمراض المصاحبة للخوف الرئيسي :
وخاصة إذا كانت تعرقل حياة المريض ، وتعوق توافقه الاجتماعي بشكل واضح .
وفيما يلي بعض القواعد الهامة التي يجب على الآباء اتباعها لعلاج الخواف لدى الأبناء :
أ – يجب إحاطة الطفل بجو من الدفء العاطفي الذي يشعره بالأمن والطمأنينة ، على أن يتسم بالعطف والحنان والحزم بدرجة معقولة ومرنة .
ب – تربية روح الاستقلال والاعتماد على النفس في الطفل كلما أمكن ، مما يساعد على تكوين الثقة في النفس ، مع إشعاره بالتقدير وعدم السخرية منه لأي سبب مع عدم مقارنته بإخوته أو بأقاربه .
ج – يجب على الآباء مساعدة الطفل على مواجهة المواقف التي ارتبطت بذهنه بإنفعال الخوف : كالخوف من القطط أو الكلاب أو الماء ، وذلك بتشجيعه . ولكن ليس بدفعه دفعا شديدا ، أو بزجره ونقده ، تحميسا له ليقبل عليها ! ويجب أن نلقنه الحقائق ، ونوضح له أنه لا خطورة في المواقف إلى أن يقنع ، ويسلك سلوكا سويا بدافع من نفسه .
د – يجب إبعاد الطفل عن مثيرات الخوف كالمأتم والرؤى المثيرة إثارة شديدة لإنفعال الخوف ، وحمايته من الخرافات السائدة في المجتمع من العفاريت والجن والجنية . وذلك بأن توضح له أن كل هذه الأمور خيالية لا يؤمن بها إلا الجهلاء .
هـ – يجب ألا نسرف في حث الطفل الصغير على التدين والسلوك القويم عن طريق التخويف بجهنم وعقاب الله ، وإلا كونا عنده منذ الصغر مركب الشعور بالنقص والذنب .
و – والخطة التي يمكن إتباعها للوقاية من الخوف وعلاجه هي توضيح الغريب ، وتقريبه من إدراك الطفل ، ثم ربط مصادر الخوف بأمور سارة محببة بدلا من ربطها بأمور تثير الخوف فحسب ، وبذلك يمكن بسهولة تحويله إلى مصدر تعليمي يتم للطفل نفسه .
وأخيرا يجب على الآباء أن يروضوا أنفسهم على عدم القلق على أبنائهم ، وعليهم أن يخفوا قلقهم إذا كان خارجا عن إرادتهم ، وأن يقللوا من التحذيرات والمبالغة في النقد ، وأن يمتنعوا عن الاستهزاء بالأطفال والسخرية منهم ، فعالم الأطفال عالم دقيق حساس سريع التأثير ، شديد الانفعال ، قليل الادراك ، نادر الخبرة ، ضئيل الحيلة (21)
مآل الخواف :
مآل الخواف حسن ويدعو إلى التفاؤل بصفة عامة شريطة التشخيص الدقيق وتعاون المريض والعلاج السليم .
وفيما يلي حالة تدل على خصائص هذا النوع ( المخاوف ) : سيدة ، في الخامسة والأربعين من عمرها ، تعمل ربة منزل ، ذات تكوين من النوع البدين ، ومزاج انفعالي نوابي … ، أنجبت طفلتها الأخيرة منذ عشرة شهور قبل الاستشارة … ولها خمسة أولاد آخرون ، أكبرهم في الخامسة والعشرين من عمره ..
جاءت تشكو من الخوف من أن تقتل ابنتها الرضيعة ، وتقول : أنها تحبها حبا شديدا … وأنها لا تتصور بحال من الأحوال أن هذا ممكن الحدوث ، ولكنها تصاب بالفزع الفجائي ، حين ترضعها أو تقترب من الشرفة ، وهي تحملها خشية أن تستجيب لهذا الدافع الغريب …
” …. والنبي يا دكتور ، أنا مش عارفة إيه اللي جرى في عقلي … هوا دا معقول … دي البنت اللي أنا شاحتاها من ربنا … دي ضناي .. حد يقتل ضناه … إنما أعمل إيه في مخي … ساعاد يتهيأ لي إني حارميها من إيدي رأسها تتدشدش … وساعات يتهيأ لي أني حاحط المخدة على رأسها نفسها يتكتم . ، وقلبي يدق علي ، واترعب وأعرق ، وأبقى حادوخ … أنا مش عارفة جرى لي إيه ” .
وقد تبين من الفحص ، أنها ولدت هذه الطفلة بعد إنجاب خمسة أولاد ، عمر أصغرهم إثنى عشر عاما ، وأنها كانت حريصة عليها … وغامرت بالحمل والولادة في هذه السن لتحقيق رغبتها … فلما تحققت لم تصدق … وكأن أملها كان أكبر من الواقع ، بحيث كانت تتصور أن كل مشاكلها ستحل بمجرد تحقيقه … وكأن توازنها النفسي سيتحقق بهذا الأمل الخيالي ، كركيزة تلتف حولها ، فلما صدمها الواقع بحجمه المتواضع ، اختل هذا التوازن ، وظهرت المخاوف .
وقد عولجت بمضادات الاكتئاب من نوع مثبط ، أحادي الأمينات ( البارنات ) ، مع جرعة خفيفة من المهدئات العظيمة من نوع الفينوثيازين ، وتحسنت حالتها تماما مع جلسات العلاج النفسي التدعيمي …
وهكذا نرى كيف أن المخاوف هنا انفعالية يصاحبها نشاط في الجهاز العصبي الذاتي … وكيف أنها لا تحمل طابع التكرار والتوتر الملازم … ولكن يصاحبها الخوف والجزع والأغراض الفسيولوجية أساسا ، وكيف أنها استجابت للعلاج بسرعة (18 ) .
عصاب الوسواس والحواز( القهر )
Obsession – Compulsion Neurosis
تعريف الوسواس :
مرض نفسي يتميز بوجود تصور أو طقوس حركية أو دورية أو فكرة تراود المريض وتعاوده أو تلازمه دون أن يستطيع طردها أو التخلص منها بالرغم من شعوره وإدراكه لغرابتها وعدم واقعيتها أو جدواها . بل إن المريض يبذل من طاقته الكثير لمحاولة درء مثل هذه الأفكار عن ذهنه ، حتى يصبح شاغله الشاغل هو القضاء عليها واستبعادها . أنا باستخدام منطقة في إقناع نفسه بعدم واقعية أو جدوى الفكرة ، وآنا آخر باللجوء إلى الآخرين لإقناعه بذلك (7). فقد تكون هذه الفكرة فكرة عامة ، غير ذات أهمية إطلاقا للمريض ، مثل التفكير فيما إذا كانت البيضة ، وجدت قبل الدجاجة ، أم العكس . وقد تكون لها أهمية عاطفية ، مثل التفكير في وفاه أحد الأقارب . وأحيانا تكون الفكرة مرتبطة بحادث يهم المريض ولكنها لا تتفق مع واقعه وحقائق الأشياء مثل تفكير طالب ما فيما إذا كانت نتيجة امتحان العام السابق نتيجة صحيحة أم لا ، وذلك رغم انتقاله إلى السنة الدراسية التالية ، ورغم أنه يحاول إبعاد هذه الفكرة عبثا (18) .
إذن فلا غرابة إذن أن تظهر على المريض الوسواسي أعراض الإرهاق والتعب لكثرة ما يبذل من طاقة في الوسواس وفي مقاومته .
أما الفكرة الوسواسية التي تشغل بال المريض فقد تظل هي نفسها دون تغيير ، أو قد تختفي لتحل محلها فكرة أخرى لتختفي حتى تعود الفكرة الأولى أو تحل ثالثة محلها ، كما قد تجتمع أكثر من فكرة وسواسية في نفس الوقت . والأفكار الوسواسية كثيرة يصعب حصرها ، فهذا مريض تلح عليه فكرة أن كل أفراد الجنس الآخر ينظرون إليه نظرات جنسية ، وآخر تلح عليه فكرة أن الآخرين من الجنس الآخر يفسرون نظراته على أنها جنسية صرفة ، ويبدو لذلك مرتبكا في حضرتهم وخجولا ، وثالث عليه فكرة أنه شخص فاشل لا يصلح لشيء ..الخ ، وعندما تحدثنا في هذا الفصل عن مظاهر الأمراض النفسية ذكرنا كمثل على اضطراب التفكير وسواس أم عند خروج ابنها . وبطبيعة الحال ، فإن الإقناع المنطقي يفشل في علاج المريض الوسواسي ، طالما أن هذه الأفكار لم تأت نتيجة منطقيتها ، بل إنها تعتنق بالرغم من مخالفتها للمنطق وللواقع معا . فالوسواس والقهر أو الحواز عادة متلازمان كأنهما وجهان لعملة واحدة (7).

أما تعريف الحواز فهو عبارة عن قيام المريض بأفعال حركية رتيبة جامدة متكررة ( على نمط واحد ) لا تحقق له أية فائدة ، وليس لها معنى منطقي لدى الغير ، بل وربما لدى المريض نفسه ، وإن كان في بعض الأحيان يلتمس لها المريض أسبابا : مثل المريض الحوازي الذي يكرر غسل يديه مئات المرات بحجة وقاية نفسه من المرض عن طريق إزالة الجراثيم التي تعلق بيديه بغسلها باستمرار . وفي حالات كثيرة ، يجاهد المريض الحوازي نفسه بنفسه ليمنعها من إتمام الفعل الحوازي لاقتناعه بعدم جدواه وبعدم منطقيته ، لكنه في النهاية يفشل في ذلك ويستسلم للدافع الداخلي الذي يطالبه بإتمام الفعل الحوازي . ومعنى هذا أن الدافع وراء الفعل الحوازي يكون أقوى من الإرادة الشعورية للمريض بحيث يريد المريض على المستوى الشعوري التخلص من القيام بالفعل الحوازي لإدراكه ما فيه من غرابة وعدم فائدة ، لكن المريض يجد نفسه في نهاية الأمر مقهورا ومستسلما لأداء هذا الفعل الحوازى ، حتى أن بعض العلماء يميلون إلى تسمية الأفعال الحوازية بالأفعال القهرية ، نسبة إلى أن المريض يكون مقهورا على تكرار أدائها بالرغم عنه ، والقهر هنا بطبيعة الحال هو القهر الذي تقوم به الدوافع اللاشعورية التي لا يدري عنها شيئا .
أما الأفعال الحوازية ، التي يمكن أن تصبح أعراضا لمرض الحواز ، فهي كثيرة لا يمكن حصرها ، فهذا مريض يقوم عدة مرات من سريره قبل الاستغراق في نومه للتأكد من أن باب الشقة مغلق ، وهذا آخر يقوم بأفعال محددة وبترتيب جامد قبل أن يخرج من المنزل فيفتش كل حجرات المنزل تفتيشا دقيقا ، فينظر تحت الأسرة ويفتح الدواليب .. ويكرر ذلك عدة مرات حتى يطمئن بنفسه ، إلى أن كل شيء على ما يرام .. وهذا ثالث يعد درجات السلم الذي يصعده ، فإن شك في ، أنه قد أخطأ العد نزل ثانية لإعادة العد .. وهكذا . وإذا ما حيل بين المريض وبين أن يتم فعله الحوازي أصيب بقلق بالغ وخوف شديد من المجهول ، حتى تتاح له فرصة إنجاز فعله الحوازي فيهدأ إلى حين ، لكي تعاوده من جديد الرغبة في تكرار فعله الحوازي .. وهكذا . يظل المريض نهبا لدوافع إتيان الفعل الحوازي ولمحاولة تجاهله ثم استسلامه لإتمامه في نهاية الأمر . ثم لا يلبث قليلا حتى تعود هذه الدوافع من جديد ليستسلم لها المريض من جديد ، بعد محاولات جاهدة لمقاومة إتمامها . وهكذا ، يقضي حياته طالما ظل مريضا ، ولا يخفي مدى تأثير هذا المرض على تبديد طاقة المريض في أفعال متكررة لا طائل من ورائها ، وفي محاولات من جانب المريض لمقاومة هذه الأفعال وعدم إتيانها الأمر الذي يسبب إنهاكا شديدا للمريض ، وضيقا بالغا له (7) .
أسباب عصاب الوسواس والقهر :
فيما يلي أهم أسباب عصاب الوسواس والقهر :
1 – الوراثة :
ويدل على أهمية هذا العامل أننا نجد أن شخصية والدي المريض بهذا العصاب قد تتصف هي أيضا بالنزعة إلى الوسوسة (18)
2– التكوين الجسمي :
يغلب التكوين الجسمي النحيف على مرضى هذا العصاب .
3 – أسباب بيئية مهيئة :
أ – كتقليد سلوك الوالدين أو الكبار المرضي بالوسواس والقهر .
ب – والإحباط المستمر في المجتمع ، والتهديد المتواصل بالحرمان ، وفقدان الشعور بالأمن ، ولذا يبدو المريض وكأنه يتلمس الأمن ، ويتجنب الخطر في النظام والتدقيق والنظافة وغير ذلك من أعراض الوسواس والقهر .
ج – التنشئة الاجتماعية الخاطئة والتربية المتزمتة الصارمة المتسلطة الآمرة الناهية القامعة ، والقسوة والعقاب ، والتدريب الخاطئ المتشدد المتعسف على النظافة والإخراج في الطفولة (7).
وقد تكون الأسباب البيئية مرسبة ، فيبدأ المرض عقب وقوع حادث نفسي معين ، مثل خيبة الأمل والإصطدام بواقع الحياة ، لاسيما وأن قيم ومثل المريض تكون – عادة – بعيدة عن الواقع (18) .
4 – أسباب فسيولوجية :
يوجد الكثير من الشواهد أو الملاحظات التي تؤيد احتمال نشأة هذا المرض من أسباب فسيولوجية ، فظهوره في الأطفال بكثرة حيث الجهاز العصبي لم يكتمل نضجه ، وكذلك وجود المرض بطريقة دورية وفي هيئة نوبات متكررة ، مع اضطرابات الموجات الكهربائية في الدماغ ، مع ظهور هذا المرض بعد أمراض خاصة في الجهاز العصبي مثل الحمى المخية ، والصرع النفسي الحركي ، كل ذلك يؤيد الأساس الفسيولوجي (3) .
5 – أسباب نفسية :
أ – كالصراع بين عناصر الخير والشر في الفرد ، والصراع بين إرضاء الدوافع الجنسية والعدوانية وبين الخوف من العقاب وتأنيب الضمير ، ووجود رغبات لاشعورية متصارعة تجد التعبير عنها في صورة الفكر الوسواسي والسلوك القهري ، وكذلك الصراع بين التمرد على مطالب الكبار وتقبلها .
ب – الخوف ، وعدم الثقة في النفس والكبت .
ج – ويعتقد أصحاب المدرسة السلوكية أن الوسواس يمثل مثير شرطي للقلق ، ولتخفيف القلق يقوم الفرد بسلوك معين يخفف القلق المرتبط بالفكر الوسواسي .
د – ويرى فرويد أن بعض حالات الوسواس والقهر ترجع إلى خبرة جنسية مثلية سلبية ، تكبت وتظهر فيما بعد ، معبرا عنها بأفكار تسلطية وسلوك قهري .(18)
كما ويرى فرويد أن هذا المرض يرحع إلى اضطراب في المرحلة الشرجية في تكوين شخصية الفرد (3)
هـ – ويعتبر التكوين العكسي من أهم الحيل الدفاعية في عصاب الوسواس والقهر ، مثلا الأم التي تحاول التخلص من جنينها ثم تمنت موته عند ولادته ، وبعد ولادتها أصبحت تغسل يديها مرارا قبل لمسه وتغلي ملابسه وأدوات رضاعته باستمرار ولا تسمح لأحد أن يلمسه ، خشية تعرضه للعدوى والمرض .
و – وتلعب حيلة الإلغاء أو الإبطال دور هام في عصاب الوسواس ، وفيه يلغي المريض ما قام به فعلا من سلوك ، لأنه غير مقبول شخصيا أو اجتماعيا ، كالأم الذي تلغي عقابها لطفلها بإغراقة بالحب .
ي – الشعور بالإثم وعقدة الذنب ، وتأنيب الضمير ، وسعي المريض لاشعوريا إلى عقاب ذاته ، ويكون السلوك القهري بمثابة تكفير رمزي ، وإراحة للضمير ( فمثلا يمكن أن يكون غسيل الأيدي القهري رمزا لغسيل النفس وتطهيرها من الإثم المتصل بخطيئة أو بخبرة مكبوتة ) (18).
أعراض عصاب الوسواس والقهر :
فيما يلي أهم أعراض عصاب الوسواس والقهر :
1 – الأفكار المتسلطة ، ويكون معظمها تشككية أو اتهامية أو عدوانية أو جنسية ( الشك في الخلق والتفكير في الموت والبعث والاعتقاد في الخيانة الزوجية ) والانشغال بفكرة ثابتة تسلطية ، والتحريض على القيام بسلوك قهري .
2 – المعاودة الفكرية ، والتفكير الاجتراري كترديد كلمات الأغاني بطريقة شاذة .
3 – التفكير الخرافي البدائي والإيمان بالسحر والشعوذة والأحجبة ، والأفكار السوداء ، والتشاؤم ، وتوقع الشر ، وتوقع أسوأ الاحتمالات والكوارث .
4 – الانطواء والاكتئاب والهم وحرمان النفس من أشياء ومنع كثيرة ، وسوء التوافق الاجتماعي وقلة الميول والاهتمامات نتيجة التركيز على الأفكار المتسلطة والسلوك القهري .
5 – الضمير الحي الزائد عن الحد ، والشعور المبالغ فيه بالذنب ، والجمود ، وعدم التسامح والعناد والجدية المفرطة ، والدقة الزائدة .
6 – الاستغراق في أحلام اليقظة .
7 – القلق إذا وقع في المحظور ، وخرج عن القيود والحدود ، والتحريمات التي فرضها على نفسه فكرا وسلوكا .
8 – السلوك القهري والطقوس الحركية كالمشي على الخطوط البيضاء في الشارع ، والمشي بطريقة معينة ، ولمس حدود الأسوار ، وعد الأشياء التي لا يعدها الناس كطوابق المنازل والشبابيك ودرجات السلم وأعمدة الكهرباء ، والتوقيع على أي ورقة عددا معينا من المرات …. إلخ .
9 – النظام والنظافة والتدقيق والأناقة وحب القيام بطقوس ثابتة وطويله في النظافة وغسل اليدين المتكرر ونظام ثابت في لبس الملابس وخلعها ، وفي ترتيب الأثاث ، فلكل شيء مكان ووضع وكل شيء في مكانة وموضعه … وهكذا .
10 – التتابع القهري في السلوك ، والبطء في العمل ، والتردد وعدم القدرة على اتخاذ القرارات .
11 – الشك المتطرف في الذات ، والتأكد المتكرر من الأعمال ، والتردد والمراجعة الكثيرة ، وتكرار السلوك ( كتكرار قفل الأبواب ومحابس المياه والغاز … الخ ) .
12 – الخواف خاصة من الجراثيم والميكروبات والقذارة والتلوث والعدوى ، ولذلك يتجنب مصافحة الناس ، أو تناول الطعام والشراب الذي يقدم له في المناسبات … إلخ .
13 – السلوك القهري المضاد للمجتمع ، كهوس إشعال النار وهوس السرقة ، وهوس شرب الخمر ، والهوس الجنسي (7).
تشخيص عصاب الوسواس والقهر :
1 – قد تلاحظ بعض أشكال خفيفة من الفكر الوسواسي والسلوك القهري عند الشخص العادي ، ولكن الفيصل هو اعتبار الفكر وسواسيا والسلوك قهريا هو تكرار وقوعه وظهور القلق والتوتر عند مقاومته أو منع الفرد تأدية عمله اليومي والتأثير على كفاءته وسوء توافقه الاجتماعي .
2 – يلاحظ إذا طغى الفكر الوسواسي أكثر ، كانت الحالة شديدة ، أما إذا طغى السلوك القهري ، كانت الحالة أخف .
3 – يجب المفارقة بين عصاب الوسواس والقهر كمرض في حد ذاته أو كعرض من أعراض مرض آخر ، مثل ذهان الهوس والاكتئاب أو الفصام .
4 – ويجب المفارقة بين عصاب الوسواس والقهر وبين الهذاء . والفارق الرئيسي هو أنه في عصاب الوسواس والقهر يتأكد المريض من عدم صحة وتفاهة وغرابة وسخف فكرة المتسلط وسلوكه القهري ، أما في الهذاء فإن الأفكار والسلوك يؤمن المريض بصحتها تماما .
5 – ويتشابه الحواز في أصله وطابعه مع الوسواس ، وكثيرا ما يتواجدان سويا في المريض الواحد . ولا يكاد يختلف الحواز عن الوسواس إلا في أن الحواز يتميز أكثر بأنه حركي ، بينما الوسواس يتميز أكثر بأنه فكري . فالحواز يقوم بأفعال حركية متكررة ، بينما الوسواسي تراوده وتعاوده أفكار غريبة . والمريض في الحالتين يعي تماما أنه مريض . ويجاهد في أن يوقف الأفعال الحركية الحوازية لإدراكه لسخفها . وفي أن يدرأ الأفكار الوسواسية لإدراكه لعدم منطقيتها وزيفها . وإن كان يفشل في الحالتين لأن الدوافع إليهما دوافع لا شعورية لا يدركها ولا يملك التحكم فيها ولا يستطيع مواجهتها بشكل ناجح إلا إذا أدرك حقيقتها وأهدافها بعد أن يخضع للتحليل النفسي .
علاج عصاب الوسواس والقهر :
قد يظهر العصاب لمدة قصيرة ويشفى تلقائيا دون علاج ، ولكن معظم الحالات تحتاج إلى فترة طويلة تحت العلاج . وأهم ملامح العلاج ما يلي :
1 – العلاج العضوي لعصاب الوسواس والقهر :
أ – العلاج بالصدمات الكهربائية والتنويم الكهربائي لا سيما في الحالات المصحوبة بالاكتئاب .
ب – العلاج بالعقاقير : ويفيد في تخفيف حدة التوتر المصاحب للوسواس والقهر ، باستخدام الأدوية المهدئة لتقليل حدة الاضطراب والتوتر المصاحب للوسواس والقهر ( مثل ليبريوم ) ، وإن لم ينجح في القضاء على الفكرة الغريبة ذاتها ، وفي بداية ظهور الوسواس قد يستجيب للعلاج المكثف بمضادات الاكتئاب مع المهدئات العظيمة .(18) ويوصي بعض المعالجين باستخدام علاج النوم المستمر في بعض الحالات (7).
ج – العلاج الجراحي 🙁 شق الفص الجبهي ) كآخر حل أحيانا في حالة استحالة التخلص من الوسواس والقهر الذي يعطل حياة المريض ، بقطع الفص الأمامي في المخ في الحالات المستعصية التي تصل فيها الوساوس والقهر درجة يستحيل معها أي نشاط آخر للإنسان ( مثل حالة وصلت لأن تغسل الخبز بالماء والصابون ، ثم لا تأكله طبعا ، حتى كادت تهلك هزالا (18).
2 – العلاج النفسي لعصاب الوسواس والقهر :
وخاصة التحليل النفسي ، للكشف عن الأسباب وإزالتها ، وتفسير طبيعة الأعراض ومعناها الرمزي واللاشعوري . وعلاج الشرح والتفسير والتوضيح والإيحاء ، وتنمية البصيرة بالنسبة للعوامل والديناميات والمخاوف وما يصاحبها من حيل ووسائل دفاع لاشعورية ، قد يكون دورهم – بالاضافة إلى العلاج العضوي – في إزالة التوتر المصاحب للوسواس والقهر (18) . وكذلك علاج المساندة والتشجيع والتطمين والتقليل من الخوف ، وتجنب مثيرات الوساوس ومواقفها وخبراتها ، وإعادة الثقة بالنفس . والعلاج بالإزاحة ( أي إزاحة الأفكار الوسواسية والسلوك القهري بأفكار بناءة وسلوك مفيد ) (7) .
3 – العلاج الاجتماعي والعلاج البيئي :
وهو يوجه نحو إزالة مزيد من الصعوبات البيئية التي قد تزيد من توتر المريض وضيقه ، فيتم تغيير المسكن أو العمل .
4 – العلاج السلوكي :
وهو يفيد كثيرا في ربط الأعراض عرض بمؤثرات منفرة ، وذلك لإزاحة هذه الأعراض وبصفة خاصة للتخلص من المخاوف المصاحبة وخاصة باستخدام أسلوبي الكف المتبادل والخبرة المنفرة . والعلاج بالعمل ( في حالة الكبار ) ، والعلاج باللعب( في حالة الأطفال )
مآل عصاب الوسواس والقهر :
كان ينظر فيما مضى المآل عصاب الوسواس والقهر على أنه أسوأ من باقي الأمراض النفسية العصابية . أما الآن فالمآل يكاد يوازي باقي الأمراض العصابية ، إلا أنه يعتبر من أصعبها علاجا ، وخاصة في الحالات الشديدة . ويمكن القول إجمالا أن حوالي ( 20 % ) من الحالات تشفى ، وأن حوالي ( 40%) تتحسن ، وأن حوالي ( 40%) لا تتغير حالتها .
وعلى العموم فإن مآل عصاب الوسواس والقهر يكون أفضل : كلما كان ظهور المرض وأعراضه حديثا ، وكلما كان هناك أسباب بيئية واضحة ترتبط بظهور المرض ، وكلما كانت البيئة التي سيعود إليها المريض بعد العلاج أفضل ، وكلما كان توافقه العام والاجتماعي والشخصي أفضل .
وفيما يلي حالة تدل على خصائص هذا النوع ( الوسواس القهري ) :
في هذه الحالة ينشغل المريض بفكرة أو عدة أفكار ، تعطل كل اهتمام آخر للمريض ، الأمر الذي يسبب له الضيق والتوتر .
طالب بالجامعة ، عمره ( 23 سنة ) ، لم يتزوج ، جاء يشكو من خوف ، وعدم قدرة على التركيز ، وتفكير شديد لا يستطيع التخلص منه ” …. الحكاية بدأت لما كنت قاعد باذاكر ، وجه واحد زميلي باحبه وأعزه ، قال لي ” ارحم نفسك ” ، قعدت أفكر في الكلمة دي ، ومش قادر اتخلص منها ، ومانمتش كويس ، وأقعد أقول الواحد لازم يبطل أفكار قبل ما ينام ، يقوم الفكر يجيلي تاني : والزميل ده ، اللي ساكن معايا ، حساس زيي ، وفيه صفات كثير مني ، وأنا باحترمه ، وباحبه ، لكن خايف الحب ده يكون نوع من الشذوذ … وبعدين الفكرة تقلب معايا : يا ترى أنا عندي شذوذ جنسي ولا لأ ؟ … واش معنى باهتم بالجدع ده ، دون خلق الله ، وليه بازعل منه هوه بالذات لما يمس طرفي ، وعلى كل حال هوه يشبهني قوي ” .
وبدراسة تاريخه ، وجد أنه نشأ في عائلة ريفية متزمتة ، وأن والده كان يتصف بالشدة والحساسية ، وكان بينه وبين آخرين ثأرا لم يأخذه ، فكان دائم التحفز والتوتر والحذر ، ولما قتل غريمه بغير يده ، أحس أنه لم يقم بما عليه من واجب … وتبين أن والده كان يكثر من تحذيره من العلاقات الجنسية الشاذة بين الأولاد ” ….. أول ما انتبهت للحكاية دي كنت اتأخرت بره شوية ، فوالدي قال لي لازم العيال كانوا بيعملوا فيك حاجة … صدمت وبكيت وعز علي نفسي ، وبقيت حاسس جدا ، لو حد لمس جلابيتي لازم ألمس جلابيته زي ما لمسني …. ” .
هذا وقد استمر اجترار أفكاره مدة طويلة لدرجة أنها هاجمته في امتحان الفصل الدراسي الأول ، ولم يستطع التخلص منها ، فكانت سببا في رسوبه ، ثم عاودته الأفكار وزادت عليها فكرة احتمال تكرار المأساة في الفصل الدراسي الثاني وعدم جدوى العلاج .
وقد عولج المريض بالمهدئات والعلاج النفسي ، وتحسنت حالته ، وهدأ نومه ، وحسن استعداده للامتحان ، ورغم أن الأفكار كانت تراوده بين الحين والحين إلا أن التوتر كان أقل شدة بالتأكيد .
وهكذا نرى علاقة الوسواس بالحساسية الشخصية : وكيف يمكن أن تؤثر حالة الوالد النفسية في طفله ، كما نرى كيف أن الكلام العابر مهما بدا عرضيا قد يترك في النفس آثارا عميقة ، وقد يرسب المرض النفسي فعلا (18) .
وفيما يلي حالة تدل على خصائص هذا النوع ( الخوف القهري ) :
موظف ، عمره ( 31 سنة ) ، متزوج ، وله ثلاث بنات ، يقيم في القاهرة ، جاء يشكو من حالة خوف قهري متكرر ” … أهم مشكلة عندي هي الخوف بدون مبرر ، مقتنع تماما أن كل الحاجات اللي بخاف منها ملهاش لازمة ، إنما دي حاجة متأصلة في ، من زمان … أخاف من الأمراض من (15 أو 20 سنة ) ، ودلوقتي لسه برضه ، وأخاف من الموت بشكل غير معقول ، ما أحبش أفكر فيه ، ولا أسمع سيرته ، وساعات أقدر أتخيل إزاي هو حييجي ، وازاي شعوري حيبقى ساعتها بالضبط … واترعب ” .
وقد كان يتحكم في خوفه بطريقة غريبة نوعا ” … لما أحس بالخوف أحرك عضلات بطني ، وعضلات داخلية في رأسي ، وعضلات أسناني ، ولما أسمع صوت حركة العضلات أهدأ شوية ، ولو ما عملتش كده أتني دايخ وخايف …. ” .
هذا وقد كان يعاني فعلا من مجموعة من أمراض الحساسية ( زكام وأكزيما وأرتيكاريا ) .
وبدراسة تاريخه ، وجد أن والده منفصل عن والدته ( وهي من بلد عربي شقيق ، وتقيم في بلدها الآن ) منذ سنوات طويلة ، وأنه كان قاسيا غريب الأطوار ، هز كل القيم والمثل في نفوس أولاده … فقد كان يتحدث عن الشرف والصدق والأخلاق في الوقت الذي يذكر فيه المريض أنه سرق ( شوك وملاعق ) من فندق بفلسطين . وكان عمر المريض حينذاك حول السابعة ، وقد ذهل الطفل من فعل والده الذي يوصيه بالصدق والطاعة ، وذكر المريض حادثة أخرى أقسى من السابقة ، كان لها عواقب مادية وخيمة ، وهي أن والده اضطره أن يحمل مخدرات وهو طفل ، وضبطه البوليس ، فاعترف على والده ، الأمر الذي كان سببا مباشرا في إلقاء الوالد في السجن بضعة سنوات ، بما يتبع ذلك من شعور دفين بالذنب … وقد كانت أحلامه كثيرة جدا ، تدور حول أمرين : الأول المطاردة المستمرة ، والثاني القذارة البالغة … ومن أمثلة هذه الأحلام …. ” …. حلمت أن فيه مؤامرة لقلب نظام الحكم ، وسمعت الراديو يذيع تفاصيل المؤامرة ، وإن أنا من أنصار الملك السابق ومطلوب القبض علي … إلخ …. ” . ومن حلم آخر … ” ….. حلمت أني بلغت المباحث عن جواسيس ، ولكنهم قالوا لي : إني لازم أتسجن معاهم سنتين ، رغم أني وطني (!) ، وبعدين وعدوني إنهم حيساعدوني عشان أطلع براءة … وجاني خاطر غريب في الحلم ، هو أن البوليس لما ييجي يقبض علي ، حيفتكر إني مجنون قتلت حد ” . ومن حلم ثالث … ” … أنا في حمام ، آخذ دش ، ومن الغريب أن الميه كانت تنزل من السيفون بدل الدش . وما كنتش شاعر إني باتنظف ، بالعكس كنت حاسس أني باتوسخ زيادة ، وكنت قرفان جدا من الحكاية دي … ” .
وهكذا نرى كيف زرعت المخاوف زرعا أثناء الطفولة ، من حوادث قاسية ، وكيف اهتزت المثل والقيم في نفسه ، وكيف تحمل شعورا بالندم بعد أن تسبب في سجن أبيه ، عائل الأسرة ، ثم كيف تجمع كل هذا في اللاشعور الذي تترجم عنه الأحلام ، تارة بأحلام القذارة والمطاردة ، ويترجم عنه المرض تارة أخرى بالأعراض التي يغلب عليها الخوف القهري (18).
وفيما يلي حالة تدل على خصائص هذا النوع ( القهر الوسواسي أو الطقوس ) Obsessive Compulsive Rituals:
وفي هذه الحالة نجد المريض نفسه ملزما بأن يقوم بعمل معين ، ليس له ما يبرره ، ويحاول المريض أن يقاوم ذلك مرارا ولكنه يفشل ، وحتى إن نجح في مقاومته فإنه يحس بتوتر واضطراب شديدين لا يزاولانه إلا إذا عاد إلى الفعل القهري ثانية (18) .
طالب بالثانوية العامة ، عمره ( 18 سنة ) ، جاء يشكو من ضيق وتردد ، وعدم استقرار ، نتيجة لاضطراره للقيام بأفعال غريبة لا يملك إزاءها شيئا ، ولا يستطيع التحكم فيها … ” … أبص في المراية … أكرر البص أربع مرات أو 16 مرة ( كل مرة 4 مرات ) . ولو بصيت في المراية 4 مرات وبعدين نظري وجه على أي حاجة في الأودة ، أرجع أكرر البص ثاني ، لو حسيت بأي حركة في جسمي أو دبانة جت على وشي ، أثناء البص في المراية ، أكرر من الأول لما حاتفلق .
وأنا ماشي في الشارع لو لقيت ورقة مرمية ، ونظري جه عليها ، أرجع أبص لها ، أربع مرات ….
وكان يشكو أحيانا من أن المسألة كانت تتعدى النظر إلى أفعال أكثر تعقيدا … لا مؤاخذة ، مرة لقيت فردة جذمة في الشارع ، بصيت لها ، وبعدين بعدما وصلت البيت نزلت ثاني شطها … ورجعت البيت ونزلت ثالث رحت شايطها ، لحد ما عملت الحكاية دي أربع مرات …
وكان لا يمكنه التحكم في هذا التصرف ، ويزيد من ضيقه أن أهله وأصدقاءه يلومونه على أفعاله تلك …. بيقولولي ما دام أنت عارف أن دي مش أصول ، وما لهاش لازمة ، بتعملها ليه ؟ أقولهم مش قادر …. مش فاهمين …
وكان يصحب هذه الأعراض وساوس متفرقة ، وتفكير اجتراري وخوف … لو حد قال كلمة قدامي ، أقعد أقول ليه ، علشان إيه ، وتقعد الكلمة ترن في ودني ساعات أحس إني عامل عاملة وأن نهايتي في السجن …
ولما أبص في أي حاجة عالية ، أحس إني عايز أرمي نفسي ، أروح مبتعد على طول … بعدما يحصل الحاجات دي أقول : ليه أنا باعمل كدة ، أشوف حل للحكاية دي ، مش قادر …
وبدراسة تاريخه ، وجد أنه لم يظهر أي سبب يفسر هذه العوارض ، ولم يستطع المريض أن يفيض بما في نفسه أو ينطلق في الحديث عن طفولته ، رغم ما بذل معه من محاولات وصبر ، إلا أن السبب المرسب كان تدهور حال الأسرة الاقتصادي ، ولم نجد تفسيرا للرقم ( أربعة ) بالذات ، والظاهر أنه كان نتيجة لتقدم أطوار المرض ، فإن الأمر ابتدأ بمرتين ، ثم زاد إلى ثلاثة ، ثم إلى أربعة ” أول ما ابتدأ المرض كنت في الإعدادية ، أبص للحاجة مرة واثنين ، لحد ما وصلت الحكاية أربعة أربعة ، ومش عارف حتزيد لحد ما توصل كام …
وكانت نتيجة هذه الأفعال القهرية ، ضيق شديد ، وصل إلى حد التفكير في الانتحار ” … لو استمرت الحالة كده ، يبقى الواحد يموت نفسه أحسن ” .
وقد عولج المريض بأشد أنواع المهدئات ، والتنويم الكهربائي ، والعلاج النفسي ، ومحاولة إصلاح الجو الأسري دون جدوى …
وهكذا نرى ، مثلا لحالات القهر المتأصل التي لم نستطع بسهولة أن نتوصل إلى أسبابها الخفية ، مما قد يحتاج إلى عمق أكبر ، كما نرى كيف أنها تقاوم كل أنواع العلاج التي ذكرت تقريبا ولا تستجيب لها (18)
عصاب الاكتئاب
Depression Neurosis
الاكتئاب العصابي يطلق عليه – أحيانا – الاستجابة الاكتئابية ، وتسيطر على مرض الاكتئاب العصابي حالة من الهم والحزن والانصراف عن الاستمتاع بمباهج الدنيا ، والرغبة في التخلص من الحياة ، مع هبوط النشاط ونقص الحماس للعمل والإنتاج ، وفتور الشهية للطعام والجنس ، ويصاحب كل ذلك أرق واضطراب في نوم المريض .
والاكتئاب العصابي يصيب الفرد ، بعد فقده لشخص أو شيء عزيز ، أو تعرضه لموقف يستدعي الحزن . إلا أن الحزن الناتج لا يزول أو تخف حدته بمرور الوقت ، كما يحدث للأشخاص الأسوياء . لكن يظل في شدته مع مرور الزمن ، بل قد يتزايد . والاكتئاب العصابي لا تصاحبه هذاءات أو هلاوس (19 )
تعريف الاكتئاب (7):
الاكتئاب حالة من الحزن الشديد المستمر ، تنتج عن الظروف المحزنة الأليمة ، وتعبر عن شيء مفقود ، وإن كان المريض لا يعي المصدر الحقيقي لحزنه .
تصنيف الاكتئاب :
يصنف الاكتئاب إلى ما يلي :
1 – الاكتئاب الخفيف Mild Depression ، وهو أخف صور الاكتئاب
2 – الاكتئاب البسيط Simple Depression ، وهو أبسط صور الاكتئاب .
3 – الاكتئاب الحاد ( السواد ) Acute Depression ، وهو أشد صور الاكتئاب حدة .
4 – الاكتئاب المزمن Chronic Depression ، وهو دائم وليس في مناسبة فقط .
5 – الاكتئاب التفاعلي ( أو الموقفي ) Reactive Depression ، وهو رد فعل لحلول الكوارث وهو قصير المدى .
6 – الاكتئاب الشرطي ، وهو اكتئاب يرجع مصدره الأصلي إلى خبرة جارحة يعود إلى الظهور بظهور وضع مشابه أو خبرة مماثلة للوضع أو الخبرة السابقة .
7 – اكتئاب سن القعود Involutional Depressive Reaction ، ويحدث عند النساء في الأربعينات وعند الرجال في الخمسينات ، أي عند سن القعود ، أو نقص الكفاية الجنسية أو الإحالة إلى التقاعد . ويشاهد فيه القلق والهم والتهيج والهذاء وأفكار الوهم والتوتر العاطفي والإهتمام بالجسم وقد يظهر تدريجيا أو فجأة وربما صحبته ميول انتحارية ويسمى أحيانا سوداء سن القعود .
8 – الاكتئاب العصابي Neurotic Depression .
9 – الاكتئاب الذهاني Psychotic Depression .
والفرق بين الاكتئاب العصابي والاكتئاب الذهاني فرق في الدرجة ، وفي الاكتئاب الذهاني يسيء المريض تفسير الواقع الخارجي ويصاحبه أوهام وهذيانات الخطيئة .
10 – الاكتئاب كأحد دوري ذهان الهوس والاكتئاب .
أسباب الاكتئاب :
عادة ما يحدث في الأشخاص ذوي التكوين البدين ، الذين يتصفون بمزاج متقلب حاد (18) ويرجع البعض الاكتئاب إلى عوامل وراثية ( بيئية ) مهيئة ، وإن كانت نسبة ذلك ضئيلة جدا . وأهم هذه الأسباب هي الأسباب النفسية ومنها :
1 – التوتر الإنفعالي والظروف المحزنة والخبرات الأليمة والكوارث القاسية ( مثل موت عزيز أو طلاق أو سجن بريء أو هزيمة … إلخ ) والإنهزام أمام هذه الشدائد .
2 – الحرمان ( ويكون الاكتئاب استجابة لذلك ) ، وفقد الحب والمساندة العاطفية ، وفقد حبيب أو فراقه ، أو فقد وظيفة أو فقد ثروة أو فقد المكانة الاجتماعية ، أو فقد الكرامة ، أو فقد الشرف أو فقد الصحة أو فقد وظيفة حيوية والفقر الشديد .
3 – الصراعات اللاشعورية .
4 – الاحباط والفشل وخيبة الأمل والكبت والقلق .
5 – ضعف الأنا الأعلى واتهام الذات والشعور بالذنب الذي لا يغتفر بالنسبة لسلوك سابق ( خاصة حول الأمور الجنسية ) والرغبة في عقاب الذات .
6 – الوحدة والعنوسة وسن القعود ( سن اليأس ) ، وتدهور الكفاية الجنسية والشيخوخة والتقاعد .
7 – الخبرات الصادمة والتفسير الخاطئ غير الواقعي للخبرات .
8 – التربية الخاطئة ( التفرقة في المعاملة والتسلط والإهمال … إلخ ) .
9 – عدم التطابق بين مفهوم الذات الواقعي ، والمدرك ، وبين مفهوم الذات المثالي .
10 – سوء التوافق ويكون الاكتئاب شكلا من أشكال الإنسحاب ووجود الكره أو العدوان المكبوت ولا يسمح الأنا الأعلى للعدوان أن يتجه للخارج ، ويتجه نحو الذات ، حتى لقد يظهر في شكل محاولة الانتحار ، ويكون الاكتئاب هنا بمثابة ” الكفارة ” .
أعراض الاكتئاب :
1 – الأعراض الجسمية ومنها :
* انقباض الصدر والشعور بالضيق والوجه المقنع .
* فقدان الشهية ورفض الطعام .
* الصداع والتعب – لأقل جهد – وخمود الهمة والألم خاصة آلام الظهر
* ضعف النشاط العام والتأخر النفسي الحركي ، والضعف الحركي والبطء وتأخر زمن الرجع .
* الرقابة الحركية واللازمات الحركية .
* نقص الشهوة الجنسية والضعف الجنسي ( العنة عند الرجال ) ، والبرود الجنسي واضطراب العادة الشهرية ( عند النساء ) .
* توهم المرض والانشغال على الصحة .
2 – الأعراض النفسية ومنها :
* البؤس واليأس والأسى وهبوط الروح المعنوية والحزن الشديد الذي لا يتناسب مع سببه .
* انحراف المزاج وتقلبه والانكفاء النرجسي على الذات .
* عدم ضبط النفس وضعف الثقة في النفس والشعور بالنقص وعدم الكفاية ، والشعور بعدم القيمة والتفاهة .
* القلق والتوتر والأرق .
* فتور الانفعال والانطواء والانسحاب والوحدة والانعزال والصمت والسكون والشرود حتى الذهول .
* التشاؤم المفرط وخيبة الأمل والنظرة السوداء للحياة واجترار الأفكار السوداء والاعتقاد بأن لا أمل في الشفاء والانخراط في البكاء أحيانا ، والتبرم بأوضاع الحياة ، وعدم القدرة على الاستمتاع بمباهجها .
* اللامبالاة بالبيئة ، ونقص الميول والاهتمامات ونقص الدافعية وإهمال النظافة والمظهر الشخصي والإهمال العام وعدم الاهتمام بالأمور العادية ( في المنزل وفي العمل وفي وقت الفراغ ) .
* بطء التفكير والاستجابة وصعوبة التركيز والتردد وبطء وقلة الكلام وانخفاض الصوت .
* الشعور بالذنب واتهام الذات وتصيد أخطاء الذات وتضخيمها ( وخاصة حول الأمور الجنسية ) .
* أفكار الانتحار أحيانا .
3 – الأعراض العامة وأهمها :
* نقص الإنتاج عن ذي قبل وعدم التمتع بالحياة كما كان من قبل .
* سوء التوافق الاجتماعي (7).
* انكسار النفس وانقباضها .
* فقد المشاركة مع الآخرين .(21)
وهكذا نجد أن معظم أعراض الاكتئاب تعتبر سلوكا مضادا للذات .
تشخيص الاكتئاب : تشخيص الاكتئاب سهل ، ولكن :
1 – يجب التفرقة بين الاكتئاب التفاعلي والاكتئاب المزمن .
2 – يجب التفرقة بين الاكتئاب العصابي والاكتئاب الذهاني .
3 – ويجب التفرقة بين الاكتئاب سن القعود وبين ذهان الشيخوخة .
4 – ويجب التفرقة بين الاكتئاب وبين نوبات الاكتئاب كأعراض مبكرة للفصام .
5 – ويجب التفرقة بين الاكتئاب وبين أعراض الاكتئاب المصاحب للأمراض الجسمية .
6 – ويجب الاحتراس ، فقد يغطي المريض اكتئابه بتمسكه بالأعراض العضوية المصاحبة للاكتئاب مثل فقد الشهية أو الأرق أو العنة أو البرود الجنسي .
علاج الاكتئاب :
قد تزول أعراض الاكتئاب دون علاج ، ولكن ذلك يستغرق عادة فترة ليست قصيرة (18)، لذلك يتم علاج حالات الاكتئاب الخفيف عادة خارج المستشفى إذا لم يكن هناك خطر محاولة الانتحار ، أما إذا كان هناك محاولات فيحسن العناية بالمريض داخل المستشفى .
ويحسن بعد انتهاء العلاج أن يتردد المريض على العيادة النفسية مرة كل شهر لمدة ( 6 شهور ) إلى ( سنة ) ، للتأكد من عدم الانتكاس ، وأن التحسن ليس مجرد فترة انتقالية إلى طور آخر من الاكتئاب أو الهوس . وفيما يلي أهم معالم علاج الاكتئاب :
1 – العلاج النفسي للاكتئاب :
وخاصة العلاج التدعيمي ، وعلاج الأسباب الأصلية ، والعوامل التي رسبت الاكتئاب ، والفهم وحل الصراعات وإزالة عوامل الضغط والشدة وتخليص المريض من الشعور بالذنب والغضب المكبوت ، والبحث عن الشيء المفقود بالنسبة للمريض ، وإبراز إيجابيات الشخصية والمساندة العاطفية والتشجيع وإعادة الثقة في النفس والوقوف بجانب المريض وتنمية بصيرته وإشاعة روح التفاؤل والأمل .
2 – العلاج البيئي للاكتئاب :
لتخفيف الضغوط والتوترات وتناول الظروف الاجتماعية والاقتصادية ( بتغييرها أو التوافق معها ) .
3 – العلاج الاجتماعي والعلاج الجماعي .
4 – العلاج بالعمل .
5 – العلاج الترفيهي وإشاعة جو التفاؤل والمرح حول المريض والعلاج بالموسيقى .
6 – العلاج المائي .
7 – الرقابة في حالة محاولات الانتحار .
وعلى العموم يجب عمل حساب احتمال الإقدام على الانتحار في أي مريض بالاكتئاب حتى ولو لم يبد ذلك دون مجاهرته بذلك حتى لا نلفت نظره إلى التفكير في الانتحار ، ويزيد من احتمال الانتحار انتحار شخص مهم في حياة المريض كأحد الوالدين مثلا ، ويلاحظ أنه رغم أن عدد أكبر من النساء يهددن بالانتحار ، إلا أن عددا أكبر من الرجال هم الذين ينتحرون بالفعل .
8 – العلاج الطبي للأعراض المصاحبة :
مثل الأرق ( منومات ) ، وفقد الشهية ونقص الوزن والإجهاد … إلخ ، والعقاقير المضادة للاكتئاب ( مثل توفرانيل و تربيتيزول ) ، والمسكنات لتخفيف حدة القلق ومنبهات الجهاز العصبي ( مثل مشتقات أمفيتامين ) والمنشطات والمنبهات لزيادة الدافع النفسي الحركي ( مثل كافين ) والصدمات الكهربائية وخاصة حالات الاكتئاب الحاد المتسبب عن العوامل الداخلية أكثر من الاكتئاب التفاعلي . وكذلك يستخدم علاج التنبيه الكهربائي في حالة الاكتئاب البسيط والتفاعلي .
9 – وفي حالة عدم جدوى الأدوية والصدمات الكهربائية وفي حالات نادرة حين يزمن الاكتئاب ، تجرى الجراحة النفسية بشق مقدم الفص الجبهي كحل أخير .
مآل الاكتئاب :
1 – إذا قورن الاكتئاب بالهوس فإن الاكتئاب يزداد احتمال أزمانه عن الهوس ، ومآل الاكتئاب العصابي أحسن بكثير من مآل الاكتئاب الذهاني
2 – ويكون مآل الاكتئاب أفضل : إذا عولجت الحالة علاجا مناسبا وقبل حدوث أي تدهور في الشخصية ، وكلما كانت الشخصية قبل المرض متكاملة ومرنة ومتوافقة ( 7 )
وفيما يلي حالة تدل على خصائص هذا النوع :
موظف ، عمره ( 28 سنة ) ، يعمل كاتب أرشيق ، متزوج ، وله ولدان وبنت ، جاء يشكو أنه ” …. من يوم ابني ما مات من شهرين ، وأنا ألاقي نفسي أعيط لوحدي ، النوم بقى صعب قوي ، وحتى لما أنام أقوم مفزوع ، أدور على الولد في الشقة ، ولو حد عمل جنبي أي حركة بسيطة على سهوة ، أتخض وأتفزع ، وأفكاري مش قادر أتحكم فيها ، لأني في سرحان على طول … ” .
وبدراسة تاريخه ، وجد أنه كان على غير وفاق مع زوجته ، وأنها أغضبها أربع مرات ، وطلقها مرة ، وقد وصلت بها الحال أن تعمل له عمل ، فيقول : ” … وحين فتحت الحجاب اللي لقيته تحت المخدة ، لقيت فيه شطة وفلفل وعيدان كبريت ، وآثار ميت وشبة ، وغيره ، ومكتوب بالحب بين الزوج والزوجة ، والكره بيني وبين أمي ، … وفي مذكراته الخاصة يتساءل : ” ما حكم الزوجة التي يسعدها إيلام زوجها ؟ ” .
وقد كان المريض أكبر إخوته ، ومات بعده أربعة أخوة وبقي الأخير ، وهو ما زال طالبا في الإعدادية ، وقد كان ذلك سببا في تعلق أمه به تعلقا شديدا ربما شارك في إحداث الشقاق الزوجي .
وهكذا نرى أن السبب المرسب رغم قسوته والعجز عن إزالته حدث في جو يدعو إلى الاكتئاب وينميه ، كما صاحبه اعتقادات بيئية شائعة مثل الاعتقاد في السحر والأعمال ، لذلك كان العلاج أساسا في هذه الحالة هو العلاج الاجتماعي ، والعلاج النفسي مع العقاقير المضادة للاكتئاب (18) .
وهنا يمكن صياغة البرنامج العلاجي لحالة الاكتئاب العصابي في الخطوات التالية :
1 – اقتراح برنامج محدد للمريض .
2 – استنتاج أسباب رفض المريض الاقتراح .
3 – سؤال المريض والطلب منه تقييم ” وزن ” شرعية هذه الأسباب .
4 – الإشارة للمريض لماذا هذه الأسباب قاهرة للذات أو أنها غير شرعية .
5 – إثارة اهتمام المريض بمحاولة أداء الواجبات البيتية .
6 – تنفيذ البرنامج بحيث يتم اختبار شرعية أفكاره .
فالمريض قد يقضي يومه ، أو كل أيامه لا يفعل شيئا ، وعدم النشاط ، هذا ونقص الإنجاز يعمق الاكتئاب ، ويجعل تقدير الذات للمريض في أدنى مستوياته . وإذا أنجز أي شيء فهو يقلل منه ” يعتبره تافه ” …
ولكن الكثير من المرضى باستخدامهم للاستراتيجيات التالية استطاعوا التخفيف من الشعور بالاكتئاب ، وكذلك من التقدير للذات من خلال القيام ببعض الأنشطة التي يصممها المريض ، وذلك لكسر دائرة الاكتئاب .
وأهم هذه الخطط :
1 – الخطط البسيطة :
في حياة كل شخص هناك أشياء يجب أن يقوم بها ” الغسيل ، التنظيف ، العمل … إلخ ، وأشياء أخرى تجعلنا نشعر بالمتعة مثل ” الاستماع للموسيقى … إلخ .. وعند تصميم جدول يومي من المهم أن يتضمن الأشياء التي يحب أن يفعلها ، لتحقيق الشعور بالانجاز ، وبعض الأشياء تتمتع بعملها أو القيام بها _ لزيادة شعورك بالحياة ) …
صمم قائمة بالأشياء الواجب القيام بها ، والأخرى للمتعة ، وذلك باستخدام المثال التالي :
وعند الانتهاء من تصميم الخطة اليومية قم بالتالي :
1 – قيم توقعاتك من هذه الأنشطة باستخدام سلم تقدير من الصفر إلى خمسة .
2 – صفر يعني أنك تتوقع بأنك قادر على القيام به أو أن تتمتع به .
3 – ثلاثة تعني أنك تعتقد أنك قادر على القيام به أو ستتمتع بالقيام به .
4 – خمسة تعني أنك قادر على القيام بالنشاط على أحسن ما يرام .

جدول يوضح النشاط اليومي للشخص المكتئب
التاريخ المزاج
بعد الانتهاء من النشاط اليومي ، وكن على علم بان الشخص المكتئب يشعر بالسلبية والتشاؤم عندما يرغب في القيام بأي نشاط ، ولكن بعد الانتهاء من أداء الأنشطة التي خططت لها ، ربما تشعر بأنك في وضعية أفضل ، وأنك قمت بعمل جيد أكثر مما كنت تتوقع .. وهذا سوف يشجعك على أن تكون واقعيا ومتفائلا اتجاه ما تقوم به ، ولتحديد اتجاهك نحو ما قمت به من عمل ، ولفحص الأثر الذي يتركه عملك ، حاول الإجابة عن هذه الأسئلة :
* كيف هي مشاعري ومزاجي في اليوم الذي أكون فيه مكتئبا ولا أتبع وأنفذ ما تم تصميمه في خطة الأنشطة .
………………………………………………………………………………………………………………………………
* مشاعري ومزاجي في اليوم الذي أكون فيه مكتئبا وأقوم بتنفيذ ما جاء في خطة الأنشطة .
………………………………………………………………………………………………………………………………
2 – تقسيم المهام إلى عناصر صغيرة :
عندما تكون حتى المهمة الصغيرة والبسيطة تجعلك تشعر بأنها مسيطرة عليك ، وصعب تحقيقها ، ولكن بتقسيم المهمة إلى أجزاء ، هذا يجعل المهمة تحت السيطرة …
اكتب الخطوات الضرورية لإنجاز المهمة لكي تسهل العملية ، لأن الإحساس بأنك أنجزت مهمة حتى وإن كانت بسيطة وصغيرة ، يساهم في التخلص من الاكتئاب … وربما يمكنك استشارة أي صديق ليساعده في تقسيم المهمة إلى أجزاء …
3 – تعلم تقدير نفسك والرفع من شأن انجازاتك :
في كثير من الأحيان ، تسمع مريض الاكتئاب يقول : ” لا أستطيع فعل شيء ” أو ” لا يمكنني أن أحقق أي شيء أريده ” … هذه بعض الأفكار السلبية التي تعيق الأشخاص الذين يعانون من تقلب المزاج … بالقليل من الاهتمام والانتباه يمكنك أن تتعلم أن ترفع من شأن إنجازاتك حتى ولو كان صغيرا … فكل إنجاز سوف يزيد من إرادتك ومن تفاؤلك وتقديرك لذاتك … تذكر انه لا توجد قواعد ثابتة لحجم إنجازاتك في كل يوم … ففي بعض الأيام ربما تكون قادرا على عمل الكثير … وفي أيام أخرى قد لا تكون قادرا على إنجاز الكثير .. وأحيانا أخرى قد لا تنجز أي شيء …
ولكن يجب أن تثني على نفسك على كل شيء تقوم به مهما كان ضئيلا .. فعندما تنهض من فراشك في الصباح أمدح نفسك .. وكذلك عندما تأخذ حمام أو عندما ترتدي ملابسك أو عندما تتناول إفطارك ، أو عندما تذهب للعمل ، أو عندما تشجع أطفالك …أو عندما تنفذ الترتيبات السابقة .. أمدح نفسك ..
ولكي تكون العملية سهلة .. صمم قائمة بالمهمات التي ترغب في إنجازها بشكل يومي ، مثلا
قائمة الإنجازات التي ترغب في تحقيقها اليوم :
1 – ……………………………………
2 – …………………………………..
3 – ………………………………….
التفكك
Dissociation
تعريف التفكك :
هو تفكك نظام الشخصية ، وانفصال بعض أجزائها ، واضطراب أدائها الوظيفي ، وقيام أحد أو بعض جوانب الشخصية بالأداء الوظيفي مستقلا .
وفي بعض الحالات يكون التفكك كاملا ، لدرجة أن الجزء المتفكك يحكم الشعور والشخصية كلها ، ويفصل المريض جزءا من حياته عن مجال شعوره ووعيه .
أسباب التفكك :
فيما يلي أهم أسباب التفكك :
1 – القلق الشديد الشامل الناتج عن مشكلة غير محلولة .
2 – الصراعات والضغوط والصدمات الانفعالية العنيفة في الحياة .
3 – عدم نضج الشخصية .
ويمكن تلخيص أعراض التفكك في ” فقدان الهوية الشخصية ” .
الأنماط الاكلينيكية للتفكك :
يصنف البعض الأنماط الاكلينيكية للتفكك كأنواع من الهستيريا ، والحقيقة أن عملية تحويل الانفعال موجودة في كل من الهستيريا والتفكك ، ولكن في الهستيريا يحدث التحويل إلى مرض جسمي ، وفي التفكك يحدث هروب إلى حالة من عدم الوعي . وفيما يلي الأنماط الاكلينيكية للتفكك :
1 – فقدان الذاكرة ( النسيان ) Amnesia :
وهو عبارة عن طمس ( كلي أو جزئي ) للذاكرة الخاصة بخبرة أليمة سابقة ، ويكون عادة نتيجة للكبت ( أي أن الخبرة تظل في غياهب اللاشعور ) . وعندما يواجه المريض موقفا يرمز إلى الخبرة الخاصة المكبوتة تتعطل ذاكرته الواعية ليتجنب القلق .
وقد يشمل فقدان الذاكرة نسيان المريض اسمه وسنه ومحل إقامته ، ولا يتعرف على أهله أو أصدقائه ولكنه يظل محتفظا بقدرته على الكتابة والكلام ويبدو عاديا فيما عدا فقدان الذاكرة الخاص .
2 – التجوال ( الجوال أو الشرود Fuge :
وهو عبارة عن اضطراب يهجر فيه المريض بيئته ، ويتجول بعيدا ( عملية هروب فعلي ) ، وقد يحيا حياة مختلطة تماما ، فيعمل في مهنة جديدة ، أو يتزوج من جديد …. إلخ .
3 – الجوال أثناء النوم ( المشي أثناء النوم ) Somnambulism :
وهو عبارة عن المشي أثناء النوم ، ومحاولة المريض القيام أثناء النوم بأعمال ذات دوافع لاشعورية غير مقبولة اجتماعيا . وقد ينتقل المريض إلى غرفة أخرى غير غرفة نومه أو حتى يخرج من منزله .
ويلاحظ أن المريض قد يقوم في الجوال أثناء النوم بسلوك معقد جدا ثم يعود إلى نومه , وفي الصباح لا يتذكر أي شيء مما فعل . وأثناء الجوال تكون عينا المريض مفتوحتين كليا أو جزئيا ، ويتجنب العوائق ( ولكنه قد يتعرض لبعض الاصابات ) ، ويسمع من يحادثه ، ويمكن ايقاظه ويستجيب للأوامر ( مثل أمره بالرجوع إلى فراشه ) .
وقد يحدث الجوال أثناء النوم كل ليلة ، وقد يحدث في ليال متباعدة أو مرات قليلة جدا . وقد تستمر فترة الجوال أثناء النوم من ( 15 – 30 دقيقة ) . ومعظم حدوثه يكون في مرحلة المراهقة ، ولكنه قد يحدث في الطفولة أو في الرشد ، ويحدث لدى الذكور أكثر من حدوثه عند الإناث .
4 – تعدد الشخصية Multiple Personality :
في هذه الحالة ( وهي نادرة ) يظهر عصاب التفكك في صورة تعدد الشخصية ، فتظهر لدى الشخص شخصيتان ( إزدواج الشخصية Dubal Personality ) أو أكثر ، وتكون عادة مختلفة ومتمايزة بعضها عن الأخرى . فقد تكون إحداها فاضلة والأخرى ماجنة ، وقد تكون إحداها جادة والأخرى هازلة … وهكذا ، وتبدو كل منهما عادية في حد ذاتها .
وينتقل المريض من شخصية على أخرى دون وعي ، ولا يتذكر في إحداها ما يحدث في الأخرى , وقد يحدث الانتقال من شخصية إلى أخرى في فترات تتراوح بين بضع ساعات إلى بضع سنوات .
علاج التفكك :
فيما يلي أهم ملامح علاج التفكك :
1 – العلاج النفسي المركز ، وخاصة التحليل النفسي لكشف العوامل اللاشعورية ، والوقوف على سبب القلق وشرح ديناميات الحالة للمريض ، وتنمية شخصية المريض .
2 – التنويم الإيحائي يفيد في حالات كثيرة .
3 – العلاج التحذيري(وذلك بمساعدة إعطاء صوديوم أميتال في الوريد ) وعن هذا الطريق يمكن التغلب على الأعراض ، وكذلك الحصول على مفاتيح ذات قيمة في فهم الديناميات النفسية التي تنتج هذه الحيلة الهروبية (7 ).
أنواع أخرى من العصاب
هناك أنواع أخرى من العصاب ، هي : رفض الطعام العصبي والعصاب الصدمي والعصاب الخلطي وعصاب الحرب وعصاب الحادث وعصاب السجن وعصاب القدر .
1 – رفض الطعام العصبي :
قد يتعرض الفرد لذلك نتيجة لما يشعر به من غضب أو حزن أو ياس أو غيره أو فقدان الشعور بالأمن أو ضيق أو قيد للحرية أو ما يشبه ذلك من حالات الإنفعال التي يمكن ملاحظتها عند إعطاء الطفل فرصة للتعبير الحر عما عنده من اتجاهات نفسية . (21)
2 – العصاب الصدمي Traumatic Neurosis :
يتعرض الإنسان لمواقف ومنبهات مختلفة القوة ، إلا أنه – عادة – يكون في مقدوره السيطرة عليها والاستجابة لها استجابة تحقق له الكسب ، أو تبعده عن الإضرار البالغ بشخصه . لكن هناك بعض الأشخاص الذين يتعرضون لمواقف أو منبهات بالغة الشدة أو الخطورة ، بحيث لا يمكنهم السيطرة عليها ، أو يجدون أنفسهم عاجزين عن منع هذه المواقف بالصدمات . وينتج عن بعض هذه المواقف أمراض نفسية تسمى ” بالعصاب الصدمي أو عصاب الصدمة ” ، ومن أمثلتها عصاب الحرب (19 ).
وذلك أن من يفاجأ بحدث داهم خطير ، يفقد معه السيطرة على الموقف ، يعدو ضحية لعصاب الصدمة ، وذلك لأن الصدمة تولد كميات من التوتر تنصرف في صورة أعراض مرضية ، أهمها تعطل وظائف الأنا المختلفة أو ضعفها ، وأزمات انفعالية قهرية ( يغلب عليها القلق والغضب خاصة ) ، وأرق واضطراب في النوم مصحوب بأحلام يتكرر فيها مواقف الصدمة بغية السيطرة على الإنفعالات المرتبطة به . وقد يسترجع المريض موقف الصدمة في حالة اليقظة – أيضا – فيحياه المرة تلو المرة في أخيلته وأفكاره ووجدانه (10 )
3 – العصاب الخلطي : العصاب الخلطي Mixed Neurosis :
مرض يجمع بين أعراض مميزة لأكثر من مرض عصابي في المريض الواحد ، كالهستيريا والوسواس والحواز ، مثل المريض المصاب بشلل هستيري في إحدى ذراعيه وتراوده باستمرار فكرة أن اللصوص سوف يهجمون عليه ، ولهذا فهو يقوم عشرات المرات من نومه في الليلة ليستوثق من غلقه جيدا للباب .(19 )
4 – عصاب الحرب War Neurosis :
عرف بأسماء مختلفة منها : أعياء المعركة ، تعب المعركة ، تعب العمليات ، صدمة القنبلة .
أسباب عصاب الحرب :
فيما يلي أهم أسباب عصاب الحرب :
1 – الشدات العنيفة والصدمات الانفعالية الناجمة عن المعركة ، ونقص مقاومة المقاتل على تحملها نتيجة للتعب أو المرض .
2 – الشخصية غير الناضجة أصلا ، ونقص القدرة على قمع أو كبت الخوف الطبيعي والاخفاق في السيطرة على القلق والتوتر الشديدين .
3 – الصراع بين المحافظة على الذات وبين أداء الواجب الوطني .
أعراض عصاب الحرب :
فيما يلي أهم أعراض عصاب الحرب :
1 – حالة القلق :والخوف من العدو ، مع زيادة التوتر ، وفقد السيطرة على الانفعالات ، وسرعة الاستثارة والحساسية ، والاستجابة المفرطة للأصوات ، والقفز بشدة لأي حركة فجائية ، والغضب الشديد ، والعنف ورد الفعل الزائد للإصابة بين الرفاق ، وفرط العرق ، وصعوبة التركيز والتذكر ، والأرق والكابوس والأحلام المزعجة وخاصة بالمعارك ، والفزع والارتجاف ، وأحيانا الصمت والذهول وعدم القدرة على الحركة وأحيانا التخشب .
2 – اضطرابات نفسية جسمية تضطرب وظائف الجهاز العصبي الذاتي وخاصة في الجهاز الهضمي مثل فقد الشهية والغثيان والاسهال وتظهر الأعراض أيضا في الجهاز الدوري مثل سرعة النبض وسرعة دقات القلب واضطراب التنفس .
3 – الهستيريا ، وأهم أعراضها فقد الإحساس والشلل .
4 – الاكتئاب ، ويحدث غالبا عقب مقتل رفيق ، وأهم أعراضه الوجه المقنع وقلة الحركة وأفكار اتهام الذات .
5 – الاتجاه نحو الذهان ، وخاصة عند الأشخاص المستعدين له قل حدوث أزمة المعركة .. وأشيع حالاته الاضطراب شبه الفصامي والاضطراب شبه الهذائي ( حيث يشك الجندي في رفاقه ويعتقد أنهم جواسيس مثلا فيقاتلهم ) .
علاج عصاب الحرب :
فيما يلي أهم ملامح علاج عصاب الحرب :
1 – يجب الإسعاف المباشر ، وبدء العلاج فورا ، فينقل المقاتل المريض من الميدان إلى مكان يكون أقرب ما يكون إلى جبهة القتال ويستريح وينام ويهدأ نفسيا ، ويعطى الغذاء المناسب الكافي ، ويعطى مهدئات ( مثل أميتال وكلوربرومازين ) . ويمكن أن يعود إلى الميدان بعد أن يستعيد الثقة في نفسه في ظرف ( 48 – 72 ساعة ) ( لأن الإيداع لمدة طويلة في المستشفى يطمئن المقاتل المريض ولا يساعد على العلاج ، وإنما يساعد على تثبيت الأعراض .
2 – وإذا لم تتحسن الحالة ، ينقل المريض إلى عيادة من عيادات القاعدة البعيدة نسبيا عن جبهة القتال للعلاج ، ويعطى المهدئات والمنومات والتغذية الحسنة ، ويمكن أن يعود إلى الخدمة بعد بضعة أسابيع .
3 – وإذا استمرت حالة الاضطراب فيستمر معها العلاج النفسي ، وخاصة العلاج الجماعي والمحاضرات والمناقشات والأفلام عن أسباب الخوف والأعراض النفسية الجسمية وكل جوانب عصاب الحرب ، ويستخدم كذلك العلاج بالعمل ، وقد يستخدم علاج النوم المستمر .
4 – وإذا أزمن الاضطراب يصبح المقاتل غير صالح للخدمة العسكرية ويستمر العلاج النفسي الفردي ، مع العلاج بالصدمات الكهربائية ، وعلاج الأنسولين المعدل ، والمهدئات مع الاهتمام بالنشاط الجماعي مع استخدام أي اسلوب علاجي آخر جسمي أو نفسي حسب حالة المريض . وأحيانا يستخدم العلام بالنوم المستمر (7 ).
6 – عصاب الحادث Accident Neurosis:
يحدث حين يكون الحادث عاملا مرسبا لدى شخص مهيأ ، ويكون في شكل هستيري وخاصة عندما يكون هناك رغبة لاشعورية في الحصول على مكسب ثانوي ، مثل التعويض أو العطف أو الهروب من عمل صعب أو متعب .
ويشاهد كثيرا في مجال العمل وخاصة في الصناعة وفي حوادث السيارات .
أعراض عصاب الحادث :
من أهم أعراض عصاب الحادث ما يلي :
1 – المبالغة وتضخيم الجروح الطفيفة والمتاعب الخفيفة .
2 – يضاف إلى ذلك أعراض أخرى ، مثل التهيج والأرق والعناد والاكتئاب ونوبات البكاء والقلق والصداع والدوار والشلل والرجفات والاضطرابات الحسية الحركية .
3 – وفي مرحلة متقدمة يظهر اضطراب الوعي وضعف التركيز والنسيان والشرود .
علاج عصاب الحادث :
يتوقف علاج عصاب الحادث على الشكل الذي يتخذه . وأهم شيء هو العلاج النفسي والإرشاد النفسي ، وعدم الالتفاف حول المريض (7 ).
7 – عصاب السجن ( متلازمة جانسر ) Ganser,s Syndromi :
ويسمى متلازمة ” الاجابات التقريبية ” . ويحدث غالبا عند المسجونين والمتهمين أثناء المحاكمة أو في السجن لكي يتهرب المتهم أو المسجون من التحقيقات الكثيرة أو لكي يتجنب نظام السجن ، وحيث يكون في وضع يمكن أن تخف عقوبته إذا ثبت عدم مسئوليته .
أسباب عصاب السجن :
أهم أسبابه الاتهام والسجن رهن التحقيق والمحاكمة والاعتقال والسجن بعد الحكم .
أعراض عصاب السجن :
فيما يلي أهم أعراض عصاب السجن :
1 – الاجابات التقريبية التي لا تتطابق مع الأسئلة الموجهة إليه .
2 – اضطراب الذاكرة وعدم القدرة على التعرف على الأقارب .
3 – عدم القدرة على استخدام قدرته العقلية المعرفية .
4 – السلوك الشاذ الغريب الساذج .
5 – التهيج أو الذهول ، والظهور بمظهر غير المسئول عن أعماله .
6 – النوم المفرط أحيانا .
7 – على العموم يكون السلوك نوعا من الخبل الهستيري الكاذب ز
علاج عصاب السجن :
لعلاج عصاب السجن يجب الاهتمام بالعلاج النفسي المناسب لشرح ديناميات الحالة ، وعلاج الاضطرابات الرئيسية المصاحبة (7 ).
8 –عصاب القدر Fate Neurosis :
هو اضطراب عصابي يؤدي بصاحبه إلى الوقوع في نفس المشكلات والمتاعب والصعوبات مرارا بالرغم من إمكان تجنبها ، وبالرغم من بذل جهود ظاهرة لتجنبها .
ويبدو المريض وكأنه يرتب الأمور – لاشعوريا ومن غير قصد – بحيث تؤدي إلى ضرره وأذاه .
والمريض بعصاب القدر هو شخص متسلط على نفسه يتصيد المشكلات ويختلق المتاعب لنفسه ، ويتلذذ بالألم ويرتاح في التعب ويسعد بالشقاء ، ويقنع نفسه بأنه شخص منحوس , وأن كل ما يحدث له مقدر ومكتوب ( والمقدر مفيش منه مهرب ) (2 ) .
أسباب عصاب القدر :
أهم أسباب عصاب القدر الشعور بالإثم والخطيئة والرغبة في عقاب الذات .
أعراض عصاب القدر :
وفيما يلي أهم أعراض عصاب القدر :
1 – التورط في نفس المشكلات والمتاعب والصعوبات مرارا بالرغم من إمكان تجنبها .
2 – الفشل في العمل رغم إمكانات النجاح .
3 – سوء التوافق الاجتماعي بالرغم من الذكاء .
4 – العودة للإجرام .
5 – الاضطراب النفسي إذا ما تحسنت أمور الفرد ، وتحققت آماله ، وأشبعت حاجاته ( كأن يثرى المفلس فيضيع ثروته في القمار وأن تتزوج العانس فتصاب ببرود جنسي وهكذا ) .
علاج عصاب القدر :
يعتبر العلاج النفسي الديني من أكثر طرق العلاج نجاحا في حالات عصاب القدر (7 ).
ثانيا : الأمراض الذهانية
Psychosis
تضم هذه الأمراض مجموعة من الأمراض النفسية الشديدة ، والتي تتميز بتأثيرها الخطير على الشخصية ، بحيث تقعد الشخص عن التوافق مع من يعيشون معه ، وعن العمل المنتج ، بل غالبا ما يصل الأمر بالمريض لأن يصبح خطرا على نفسه وعلى الآخرين ، بحيث يلزم حجزه في المستشفى حماية له ودرءا لخطورته على المجتمع . والمريض هنا يكون إدراكه للواقع مضطربا ، بحيث لا يعود يدرك في الواقع ما هو موجود به فعلا ، بل ما يدور في ذهنه هو ، حتى ليكاد يختفي الفارق بين الواقع والخيال ، كالنائم الذي يحلم في نومه بأحداث وكأنها الواقع ، بينما هي لا تعدو أن تكون تخييلات لا مقابل لها في الواقع الفعلي المحيط به . وهكذا ، قد يدرك الذهاني أخاه الحميم على أنه عدو لدود ينبغي أن يبادر بالقضاء عليه ، قبل أن يسبقه أخوه هذا فيقضي عليه ، أو قد يرى الذهاني نفسه على أنه مجرم آثم يستحق الإعدام على ما اقترفه من جرائم ( وهمية بطبيعة الحال ) ، فيبادر إلى تنفيذ حكم الإعدام على نفسه فينتحر . وذلك بسبب شيوع أعراض الهلوسة والهذاء في الأمراض الذهانية .
ومن هنا قولنا أن الذهاني – عادة – خطير على نفسه وعلى الآخرين ، ويحتاج إلى احتياطات بالغة لحمايته من نفسه ، وحماية الآخرين من أضراره … ولهذا ، فإن الجرائم التي يرتكبها الذهاني لا يعد مسئولا عنها جنائيا في غالبية الأحوال ، بحيث لا يجرم طالما أثبت الفحص أنه مريض ذهاني ، بل إن المحاكم تحكم – في مثل هذه الحالات – بالإيداع بالمستشفى لعلاجه والخروج بعد إتمام العلاج .
تعريف الذهان :
هو اضطراب عقلي خطير ، وخلل شامل في الشخصية ،يجعل السلوك العام للمريض مضطربا ويعوق نشاطه الاجتماعي (7 ).
والذهان يقابل الاصطلاح الدارج الشائع ” الجنون ” . والذهاني – عادة – لا يدرك أنه مريض أو شاذ ، لذا قلما يجيء الذهاني إلى المعالج طالبا العلاج ، بل أنه يقاوم العلاج عندما يجبره أهله على إلتماس العلاج والنكوص للمريض الذهاني يكون إلى مراحل الطفولة المبكرة جدا ( المرحلة الفمية والمرحلة الشرجية الأولى ) ، وهذا هو السبب في أن مرض الذهان يكون أشد خطورة وأكثر تأثيرا على زعزعة كيان الشخصية وإفقادها اتزانها وتكاملها(19)
تصنيف الذهان :
هذا ويصنف العلماء الأمراض الذهانية إلى قسمين رئيسيين :
أ – الأمراض الذهانية الوظيفية Functional Psychosis :
أي الأمراض النفسية المنشأ ، وهي الأمراض العقلية الذي لا ترجع إلى أسباب عضوية ، وأهم الأشكال الاكلينيكية للذهان الوظيفي هي : الفصام والهذاء ( البارانويا ) ، والاكتئاب ، والهوس ، وذهان الهوس والاكتئاب .
ب – الأمراض الذهانية العضوية Organic Psychosis :
أي الأمراض الذي يرجع المرض فيها إلى أسباب وعوامل عضوية ، وترتبط بتلف في الجهاز العصبي ووظائفه ، مثل ذهان الشيخوخة والذهان الناجم عن عدوى ، أو عن اضطراب الغدد الصماء ، أو عن الأورام ، أو عن اضطراب التغذية ، أو الأيض أو عن اضطراب الدورة الدموية … إلخ .
أي نصنف الأمراض الذهانية حسب السبب الذي نشأ عنه الذهان فإن كان السبب في نشأه الذهان إصابة عضوية يمكن كشفها بالوسائل العلمية المعروفة كان هذا ذهانا عضويا ، أما إن استحال تحديد سبب عضوي للذهان ، سمي ذهانا وظيفيا . على أننا ينبغي أن نقرر أن الذهان لا ينشأ – في الكثير من الحالات – عن سبب وظيفي فقط ، أو سبب عضوي فقط ، إنما يتكامل السببان – عادة – في تكوين الذهان مع غلبة السبب العضوي في الذهان العضوي ، وغلبة السبب الوظيفي في الذهان الوظيفي . ولهذا ، فليس من المستبعد وجود سبب عضوي وراء الذهان الوظيفي ، ولا وجود سبب وظيفي وراء الذهان العضوي .
أسباب الذهان : فيما يلي أهم أسباب الذهان :
1 – الاستعداد الوراثي المهيء ، إذا توافرت العوامل البيئية المسببة للذهان .
2 – العوامل العصبية والسمية والأمراض مثل إلتهاب المخ وجروح المخ وأورام المخ والجهاز العصبي المركزي والزهري والتسمم وأمراض الأوعية الدموية والدماغ كالنزيف وتصلب الشرايين .
2 – الصراعات النفسية والاحباطات والتوترات النفسية الشديدة ، وانهيار وسائل الدفاع النفسي أمام هذه الصراعات والاحباطات والتوترات .
3 – المشكلات الانفعالية في الطفولة والصدمات النفسية المبكرة .
4 – الاضطرابات الاجتماعية وانعدام الأمن وأساليب التنشئة الخاطئة في الأسرة مثل الرفض والتسلط والحماية الزائدة … إلخ .
أعراض الذهان :
أعراض الذهان شديدة إذا قورنت بأعراض العصاب ، وعادة لا توجد مكاسب ثانوية مرتبطة بالأعراض . وفيما يلي أهم أعراض الذهان :
1 – اضطراب النشاط الحركي ، فيبدو البطء والجمود والأوضاع الغريبة والحركات الشاذة . وقد يبدو زيادة في النشاط وعدم الاستقرار والهياج والتخريب .
2 – تأخر الوظائف العقلية تأخرا واضحا . واضطراب التفكير بوضوح فقد يصبح ذاتيا وخياليا وغير مترابط . ويضطرب سياق التفكير ، فيظهر طيران الأفكار أو تأخرها ، والمداومة والعرقلة ، والخلط ، والتشتت ، عدم الترابط . ويضطرب محتوى التفكير ، فتظهر الأوهام مثل أوهام العظمة أو الاضطهاد ، أو الإثم أو الإنعدام …. إلخ . واضطراب الفهم بشدة وعادة يكون التفاهم مع المريض صعبا . واضطراب الذاكرة والتداعي ، وتظهر أخطاء الذاكرة كثيرا . واضطراب الإدراك ووجود الخداع ، ووجود الهلوسات بأنواعها البصرية والسمعية والشمية والذوقية واللمسية والجنسية , واضطراب الكلام وعدم تماسكه ولا منطقيته . واضطراب مجراه ، فقد يكون سريعا أو بطيئا أو يعرقل ، واضطراب كمه بالنقصان أو الزيادة ، واضطراب محتواه حتى ليصبح في بعض الأحيان لغة جديدة خاصة . وضعف البصيرة أو فقدانها ، وأحيانا يكون هناك انفصال كامل عن الواقع ، ويشوهه المريض ويعيش في عالم بعيد عن الواقع . ويبدو عدم استبصار المريض بمرضه مما يجعله لا يسعى للعلاج ولا يتعاون فيه وقد يرفضه ويضطرب التوجيه بالنسبة للمكان والزمان .
3 – سوء التوافق الشخصي والاجتماعي والمهني .
4 – اضطراب الانفعال ، ويبدو التوتر والتبلد وعدم الثبات الانفعالي والتناقض الوجداني والخوف والقلق ومشاعر الذنب الشاذة . وقد تراود المريض فكرة الانتحار .
5 – اضطراب السلوك بشكل واضح ، فيبدو شاذا نمطيا انسحابيا ، واكتساب عادات وتقاليد وسلوك يختلف ، ويبتعد عن طبيعة الفرد ، وتبدو الحساسية النفسية الزائدة ، ويضطرب مفهوم الذات .
علاج الذهان :
جميع حالات الذهان تعالج في مستشفى الأمراض النفسية ، وذلك لما يحدثه الذهان من اضطراب شامل للشخصية ، ولما يؤدي إليه ذلك من سوء التوافق ، ولما يصاحبه من نقص في البصيرة . وفيما يلي أهم ملامح علاج الذهان :
1 – العلاج الطبي بالعقاقير المضادة للذهان ، كالمهدئات لضبط الانفعالات والسلوك . والعلاج بالصدمات الكهربائية تمهيدا للعلاج النفسي ، والتأهيل الطبي النفسي .
2 – العلاج النفسي الشامل والتدعيمي فرديا أو جماعيا . وتعديل السلوك الغريب أو الشاذ وتحقيق السلوك العادي بقدر الإمكان ، مع الاهتمام بعلاج مشكلات المريض بالاشتراك مع الأسرة .
3 – العلاج الاجتماعي وإعادة التطبيع والاندماج الاجتماعي وإعادة التعليم الاجتماعي ، وتشجيع التفاعل الاجتماعي وتنمية المهارات الاجتماعية . والعلاج البيئي والتدخل المباشر في تعديل البيئة . والعلاج بالعمل .
4 – الجراحة النفسية ( كحل أخير وبعد فشل جميع الوسائل العلاجية ) ، بشق مقدم الفص الجبهي ، وذلك حتى يقل الإجهاد والتوتر وردود الفعل الانفعالية .
مآل الذهان :
1 – مآل الذهان الوظيفي بصفة عامة أفضل من مآل الذهان العضوي . وفي الحالات المبكرة مع العلاج المناسب ، فإن التحسن أو الشفاء يحدث في حالات تصل نسبتها إلى ( 80 % ) من مرضى الذهان ، في مدة تتراوح بين بضعة أشهر وعام . والعلاج المتأخر ، أو غير المنتظم ونقص التعاون من جانب المريض بإهمال العلاج من جانبه يؤدي إلى النكسات أو التدهور .

2 – وعلى العموم فإن مآل الذهان يكون أحسن : كلما عولج الذهان مبكرا ، وكلما كان بناء الشخصية قبل المرض أقوى ، وكلما تعاون المريض والأهل في عملية العلاج ، وكلما تضافر العلاج الطبي والنفسي والاجتماعي السليم .
ويمكننا الآن بعد إلقاء الضوء على ماهية كل من العصاب والذهان أن نوضح الفروق السيكولوجية الجوهرية بينهما مع التوضيح بالأمثلة :

تظل الشخصية في المرض النفسي متماسكة وسليمة ، ويشترك جزء من هذه الشخصية في النزاع أو قد تتغيير هذه الشخصية تغيرا جزئيا كميا ، وهذا ما نراه واضحا في الهستيريا الإنشقاقية ، حيث يحدث انشقاق مؤقت في السلوك العادي ، ويظهر الإزدواج في الشخصية والتعدد . أما إذا نظرنا إلى المرض العقلي ، فنجد أن شخصية المريض مفككة ومشوهة ومنغمسة كلها في النزاع ، وتتغير تغيرا جذريا ، وهذا التغير يكون كميا شديدا أو تغيرا كيفيا ملحوظا إلى أسوأ أو تفككا ، ويصبح المريض غريبا عما كان يعرف قبل المرض ، حتى أنه يصبح مغتربا عن ذاته ، وهذا ما يعرف باختلال الأنية ، واضطراب الكيان الإنساني ، وهو ما يميز مرضى الفصام .
إن المريض النفسي تظل صلته بالواقع سليمة نسبيا ، ولا يفقد صلته به ، على الأقل م الناحية الشكلية ، أي أنه يظل على علاقته بالآخرين ، وعلى اتصاله الدائم بهم ، ومن هؤلاء المرضى ، مرضى الرهاب ( المخاوف المرضية ) ، إذ أنهم يسقطون مخاوفهم الداخلية على العالم الخارجي ، وهذا دليلا على اتصالهم بالواقع وأهمية هذا الواقع بالنسبة لهم . أن المريض العقلي تضطرب صلته بالواقع اضطرابا تاما وبالغا ، إذ أن عالم الواقع يصبح عالما غريبا عنه ، حيث يسحب المريض كل ضاقته الليبيدية من هذا الواقع ( العالم الخارجي ) ومن الآخرين ويستثمرها في الذات ، وهذا ما نطلق عليه الذاتوية Autism ، ونجدها لدى مرضى البارانويا ، والفصام البارانوي ، نظرا لتضخم الذات لديهم .

يظل في حدود الطبيعي ، أو تظهر فيه بعض الغرابة المعقولة قد تظهر تصرفات بدائية ( كالتبول والتبرز على ملابسه ) ( نتيجة لعملية النكوص الشديد لاسيما في الحالات المتأخرة )
قد يتشتت الكلام ، وقد ينعدم أو يصبح لغة جديدة خاصة بالمريض
يعتبر التفكير لدى المريض النفسي إلى حد ما سليما ، وغذا اضطرب هذا التفكير فإنها تكون حالات نادرة ، ولو نظرنا إلى محتوى التفكير لدى المريض النفسي ، يظهر في صورة وساوس وانشغال ، ونجد هذه الوساوس بوضوح لدى مرضى الوسواس القهري . يعتبر التفكير لدى المريض العقلي واضح وشديد ، ومضطربا تماما وخاصة لدى الفصاميين ، حيث أننا نجد أن التعبير عن التفكير يظهر على هيئة عدم الترابط بين الأفكار ، أي تطاير الأفكار ، وكذلك صعوبة المعنى بسهولة والدخول في تفاصيل تافهة ، وبالنسبة لاضطراب مجرى التفكير فيظهر في صورة توقف التفكير أثناء محادثته ثم يبدأ الكلام في موضوع آخر أو قد يكون ضغط الأفكار ، حيث يشكو المريض من إزدحام رأسه بأفكار متعدة ، لكنه يعجز عن التعبير عنها ، ويظن أن الغير لا يفهمه ن وبالنسبة لاضطراب التحكم في التفكير ، فيعبر عن نفسه بسحب الأفكار أو إدخال الأفكار ، أو إذاعة وقراءة الأفكار ، وبالنسبة لمحتوى التفكير فنجد المريض العقلي يقع أسيرا لضلالته ومنها ضلالات الاضطهاد وضلالات العدمية … إلخ وتوجد أيضا مثل هذه الضلالات لدى مرضى الاكتئاب الذهاني .
لا توجد ( أو نادرا جدا ومؤقتة )
فإنه لدى المريض النفسي غير مضطؤب وعادي ، وإن تغير فإن تغيره خفيفا ، ويحتفظ بطابعه العادي ، لكننا نجد هذا التغير في كل من الاكتئاب التفاعلي وكذلك القلق فإنه لدى المريض العقلي مضطربا بصورة بالغة ، فمن حيث قوة الإنفعال فإننا نجد التأخر في الاستجابة الانفعالية ثم تبلد الانفعال وبعدها يصبح المريض في حالة تجمد إنفعالي Blunting ، ويظهر فيما بعد عدم التناسب الإنفعالي . أما بالنسبة لشكل الانفعال فتكون هناك الذبذبات الانفعالية المستمرة والمتكررة ، ثم ياتي بعد ذلك عدم التجاوب الانفعالي ، حيث يصعب على المرضى إيجاد نوع من الألفة مع الآخرين ، وهذا كله ما يميز مرضى الاكتئاب الذهاني وكذلك الهوس ، إذ أن هذه الأمراض هي اضطراب في الوجدان بالدرجة الأولى .
نجد المريض النفسي يكون مستبصرا بمرضه وذلك لأنه يأتي إلا الطبيب المعالج يشكو من مشكلة معينة أو معاناه يريد التخلص منها … أي يحس بأن هناك تغير مفاجئ ، جعله يحس بأنه ليس كما كان في السابق . ومن أمثلة هؤلاء المرضى ، مرضى الوسواس القهري ، الذين يعانون من فكرة معينة أو طقس معين يسيطر عليهم ، ويحيل حياتهم إلى جحيم ، مع ان المريض يعرف جيدا أن ما يقوم به هو شيء تافهة في حد ذاته ….
نجد المريض العقلي غير مستبصر ، وذلك إذا ما سألناه مما يشكو ؟ فإنه يجيب بأنه لا يعاني من شيء ، وهو ليس بمريض ، وهذا يدل على أنه غير مستبصر بمرضه .. وهذا ما يميز مرضى الفصام .
لا يظهر في سلوك المريض بصورة واضحة ، ولكنه يؤثر على تصرفاته بطريق غير مباشر لاستمرار الكبت والمقاومة . قد يظهر بصورته الشاذة في سلوك المريض ، لانتفاء الكبت والمقاومة .
بالنسبة للمريض النفسي فإن الإدراك يكون عاديا ولا توجد أية أوهام أو خداعات أو أي هلوسات ، وهذا ينطبق على كل الأمراض النفسية . بالنسبة للمريض العقلي تظهر لديه الهلوسات والخداعات وكذلك الأوهام ، حيث تظهر في معظم الأمراض العقلية كالاكتئاب الذهاني والبارانويا ، فنجد الهلاوس المرئية والشمية Tactile والسمعية والبصرية … إلخ ، وإذا لم يصرح المريض بذلك فإننا نستدل على هذه الهلوسات من خلال الحديث معه أو الشكوى .
نجد أن المرضى النفسيين غير مسلوبي الإرادة تماما ، وذلك لأننا نقصد بهذه الإرادة هي مقدرة الفرد على اتخاذ قرار معين ( ونحن نعرف جيدا أن الإنسان هو صانع قرار نفسه ) فقد يكون هنالك اضطراب إلى حد ما في هذه الإرادة وهي ما تعبر عن نفسها في صورة تردد مثل مرضى الوسواس القهري وأصحاب الشخصية الوسواسية . لكن الإرادة في المرض العقلي تكون مسلوبة تماما ، وتكون هنالك السلبية المطلقة في التصرفات ، واضطراب الإرادة موجود لدى معظم الأمراض العقلية عامة ، والفصام بشكل خاص .
من حيث الدفاعات
(الحيل الدفاعية) فنجد في المريض النفسي أن الدفاعات بأنواعها تعمل بوضوح ، وأن كل مرض نفسي له ميكنزم رئيسي ، ونجد أن الكبت يكون نشطا ، فلا يظهر محتوى اللاشعور بطريق مباشر ، وذلك لاستمرار الكبت والمقاومة ، وهذا ما ينطبق على معظم الأمراض النفسية . أما في الذهان فنجد أن الدفاعات محطمة تماما ، فتضعف علميات الكبت ، ويتقبل الأنا الرغبات المكبوتة دون نقد ، ويظهر محتوى اللاشعور في سلوك المريض ، ونجد أن النكوص يكون شديدا ، وقد يصل إلى المستوى الطفلي أو البدائي من العمر .
فإننا نجد أن المرض النفسي لا يحتاج إلى إيداع المريض بمستشفى الأمراض النفسية ، ويكون العلاج النفسي على وجه التقريب هو العلاج الفعال ، وهذا ما يصدق على مرض الهستيريا بأنواعها ولاسيما التحولية . أما بالنسبة للأمراض العقلية فيحتاج الذهاني إلى الإيداع بمستشفى الأمراض النفسية ، ويكون العلاج متعدد ، إذ قد يمارس العلاج النفسي الطبي ، وكذلك العلاج الاجتماعي ، فهما أنواع العلاج الفعال .
الأمراض النفسية بشكل عام يمكن التحسن فيها بإعطاء العلاج المناسب ، ولاسيما الاكتئاب التفاعلي وفي الهستيريا . أما في الذهان ، فإذا كانت الحالات مبكرة ، وإذا كان العلاج مناسب ، فإن التحسن ممكن ، ولكن النكسات محتملة ، مثل الذهان الدوري ( هوس – اكتئاب ) .

أما أشهر الأمراض الذهانية عامة فهي :
الفصام
Schizophrenia
تعريف الفصام :
مرض عقلي – ذهاني – يؤدي إلى عدم انتظام الشخصية ، وإلى تدهورها التدريجي . ومن خصائصه الانفصام عن العالم الواقعي الخارجي ، وانفصام الوصلات النفسية العادية في السلوك . والمريض يعيش في عالم خاص بعيدا عن الواقع ، وكأنه في حلم مستمر .
والمعنى الحرفي للمصطلح الإنجليزي هو انفصام العقل .
ويعرف الفصام أحيانا باسم ” انفصام الشخصية ” أي تشتت وتناثر مكوناتها وأجزائها . فقد يصبح التفكير والإنفعال كل في واد . والفصام يعني أيضا تفكك الذات .
ويختلف الفصام أو انفصام الشخصية عن ازدواج الشخصية الذي يعتبر أحد أشكال التفكك .
وكان الفصام فيما مضى يعرف باسم ” الخبل المبكر أو خبل الشباب أو جنون المراهقة ” Dementia Praecox (7 ).
وعندما كتب ميليس كولبن عن الفصام وضع عنوانا له ” Schizophrenia 0r Split Mind ” ” الفصام أو العقل الممزق”(34 ) إشارة إلى أن هذه المرض .. يمزق العقل ، ويصيب الشخصية بالتصدع فتفقد بذلك التكامل والتناسق الذي كان يؤائم بين جوانبها الفكرية والانفعالية والحركية والإدراكية ، وكأن كل جانب منها أصبح في واد منفصل عن بقية الجوانب ، ومن هنا تبدو غرابة الشخصية وشذوذها .
من كل ما سبق نقول أن الفصام مرض عقلي يتميز بأعراض متنوعة أهمها الميل إلى الانسحاب من الواقع ، والجنوح إلى التدهور التام للشخصية في نهاية الأمر ، وهو يظهر في مجال العاطفة في صورة ثنائية الوجدان ، أو تناقض الشعور والوجدان ، وسرعة تذبذب العواطف ولا توافق العواطف مع الفكر أو السلوك العملي ، وأخيرا فقد الشعور واللامبالاة .
أما في مجال السلوك العملي والإرادة ، فإنه يظهر في شكل سلوك حركي شاذ ، وميل إلى الخلف ، وأحيانا ذهول تام .
وفي مجال التفكير والإدراك ، فإنه يظهر أساسا في شكل سوء تأويل المدركات ، والعجز عن التجريد ، وتفكك الأفكار ، وتكاثفها ، وقد توجد هلاوس وضلالات غير منظمة في العادة (18)
وعلى الرغم من شيوع الاعتقادات بأن الفصام ذهان وظيفي إلا أن كثيرا من الدراسات الحديثة تشير إلى وجود عوامل وراثية وعضوية وراء الإصابة بالفصام .
تصنيف الفصام :
ويصنف الفصام حسب الأعراض السائدة إلى عدة أنماط اكلينيكية ويلاحظ أن هناك تداخلا وتغيرا من نمط إلى نمط مع تقدم المرض إلى أربعة أقسام هي :
1 – الفصام البسيط : Simple Schizophrenia :
ويختص بأعراض الانسحاب والبعد عن الواقع (7) . ولا يلحظ ذلك إلا أفراد أسرة المريض . وإذا بدأ المرض في مرحلة المراهقة مثلا فإنه تبدو عليه حالات الكسل الدائم ، التبلد الانفعالي ، والتبلد الوجداني والعاطفي ، وكل ذلك دليل على تدهور في الشخصية (17).
وفيما يلي حالة تدل على خصائص هذا النوع :
سيد عمره ( 27 سنة ) ، طالب بالثانوية الأزهرية في مصر ، ويقيم في طنطا ، وهو من إحدى القرى المجاورة ، جاء يشكو من آلام عامة غير محددة ، وعدم القدرة على التركيز ، وعدم القدرة على الاستيعاب أو الاستذكار ، وعدم القدرة على دخول الامتحان ، وأرق يتناوب مع إفراط في النوم ، ويقول : ” …. أول ما حسيت إني عيان من كام سنة ، كنت دخلت الامتحان وسقطت ، ولقيت دماغي فاضية ، وبعدين لقيت زي حاجة شاذة في دماغي كدة ، زي ما أكون مش قادر أفكر … ، ما عرفش أذاكر … ما عرفش أحصل حاجة ” ، ثم يقول : ” عايز جو هادئ ، ولو أقعد لوحدي طول النهار ما يجراش حاجة … والحكاية دي عمالها تزيد … وأخذت صدمات في طنطا ، ولارجاكتيل ، ومفيش فايدة ” .
وقد عمل له اختبار ذكاء ، وتبين أنه فوق المتوسط ، مما لا يفسر تخلفه الدراسي ، وعدم استطاعته التحصيل بأي درجة مفيدة .
وبالفحص تبين أنه لا يستطيع البت في أي أمر يخصه ، وبلغ تردده واختلاط فكره ، أنه مهما سئل عن أهم الأمور يجيب ” ما عرفش … مش قادر أحكم … بيتهيأ لي … ” ، وكان متبلد الشعور حتى أطلق عليه المرضى في القسم ” نثقيل الظل ” ، ولم يظهر عليه أي عرض آخر كالضلالات والهلاوس … وقد أدخل القسم ، وأعطي علاج غيبوبة الأنسولين ، وتحسن قليلا ، ولكنه بعد خروجه عاد إلى أول عهده ، وتتبعنا حالته أربع سنوات ، فازداد عزوفا عن الناس ، وزاد تبلد عواطفه … وضعف إرادته ، فلم يحاول الالتحاق بعمل ما ، رغم ضعف مستوى أسرته الاقتصادي (18).
2 – الفصام المبكر ( الهبيفريني أو الخامل ) : Hebephrenia Schizophrenia :
وهذا النوع من الفصام يمكن أن يبدأ أيضا في مرحلة المراهقة ، لكنه يبدأ أحيانا في سن (7) من العمر ، ويختلف عن النوع البسيط من الفصام في أنه يكون حادا في بداياته ( 17 ) ومن أهم أعراضه التوحد الكوني المغرب ( 4 ) وله شكلان ( تصلبي وهياجي) (7 ) .
وفيما يلي حالة تدل على خصائص هذا النوع :
تلميذة أنهت مرحلة الإعدادي بتفوق ظاهر ، حتى نالت جائزة في عيد العلم ، وفجأة وهي في السنة الثانية الثانوية ، توقفت عن الاستذكار ورفضت الذهاب إلى المدرسة ، وأخذت تتكلم كلاما غير مفهوم ، ثم اشترت عددا من الكراسات ، وأخذت تكتب فيها مقالات تريد أن تعبر بها عن شيء ، وكان من ضمن عناوين مقالاتها ” الغذاء ” … ” من المسئول ” … الأمة العربية المستقبلية … ثم لا تورد تحت هذه العناوين ما يشير إلى ما تريد قوله … ونورد هنا عينة تدل على مدى التشويه الفكري الذي أصيبت به … ولاحظ مثلا جملتها ” أظن الإثنين أربعة … ولا أظن الأربعة إثنين ” ثم طريقة كتابتها نفسها وهي الطالبة المتفوقة دائما (18).
3 – الفصام الكتاتوني أو الحركي ( التخشبي أو التصلبي ) : Catatonic Schizophrenia :
يكون مصحوبا باتخاذ المريض أوضاعا جسمية محددة ، ثابتة ، جامدة ، وبأشكال مختلفة ، منها مثلا ما يسمى الذهول التام ، وفيه يضع المريض مثلا يديه على الوسادة بشكل متشنج ، وكفاه منقبضتان ، ويبقى على هذه الحالة المستنفرة لمدة ساعات ويطلق على حالات كهذه العرض النفسي الوسائدي The Psychic Pillow Symptom .
وفي الوضع الذي يكون عليه المريض ، في حالة الذهول التخشبي ، يكف عادة عن الكلام ، ولا يجيب على الأسئلة التي توجه إليه وربما يتمتم بشفاهه ألفاظا لا يفهم لها معنى .
وفي حالة الذهول التخشبي يمكن أن يتخذ المريض وضعا جسميا غريبا ، ويبقى على الشاكلة التي يعتادها ساعات بتمامها ، وتسمى مثل وضعيته التي يتخذها حالة الوضع الغريب The Bizarre Posture الفصامي (17).
وفيما يلي حالة تدل على خصائص هذا النوع :
سيد عمره (27 عاما ) ، يعمل قهوجي على الرصيف ، جاء في حالة هياج شديد في صحبة البوليس ، ولم يدل بأي شكوى … وقد قالت زوجته : ” مخه طار يابيه ، نازل فينا ضرب وتكسير … وبيقول أنا أسمي محمد ، وأنني مسيحية ما تحليليش … لما أقوله أنت فلان … يقول أنني ما بتعرفيش حاجة … ” وقد كان هياجه نوع خاص ، وكأنه يشير إلى شيء ما ، أو يدفع عن نفسه شرا ، وكان يتصف ” بالخلف ” الشديد ، فيفعل عكس ما يلقى عليه من أوامر على طول الخط ، كما كان أحيانا يكرر نفس الحركة – ولو أنها حركة هوجاء ، من الصعب تمييز مغزاها أثناء هياجه …
وقد أدخل المستشفى وأعطي العلاج المكثف من الصدمات الكهربائية ، فتحسن هياجه نوعا ، ولكن اضطراب أفكاره وأهمها ضلالات تغير الشخص وتغير الكون ظلت كما هي (18)
4 – الفصام الهذائي ( البارانوي ) :Paranoid Schizophrenia :
تتضح فيه أعراض الهذاء المختلفة كالشعور بالاضطهاد أو العظمة (4 ) ، والمريض في هذه الحالة تجده يشكو من ظلم البيئة ومن فيها . فهو تطارده أفكار وهمية بأن الآخرين يكيدون له ، ويسميهم الحاسدين ، والحاقدين والكارهين . وعندما تسأله كيف عرف ذلك ، يجيبك أنه عرفهم وعرف تربصهم به من حركاتهم ، ومن إشاراتهم ، ومن تلميحاتهم ! لذلك ترى المريض يصم أذنيه بيديه ، اتقاء هلوسات تداهمه كل حين ، ويبقى ذاهلا ( 17 ) .
وفيما يلي حالة تدل على خصائص هذا النوع :
جندي بوليس عمره 35 سنة . جاء عن طريق البوليس ، لا يشكو من شيء .. ، وقال مرافقه أنه يقول كلاما غريبا . ويستعلي على رؤسائه وينظر نظرات عظمة وتكبر ورفض المريض الكلام مدة طويلة … ثم طلب مقابلة شخصية على انفراد … ولما تم له ما أراد أخرج ” نوتة ” من جيبه ، مكونة من ثمانين صفحة ، بها دستور مرتب … ونظام دولة متكامل ، وقد بدأها بأنه حاكم العالمين رسول الله … وأنه قسم العالم إلى القطاع الجنوبي العربي ويحكمه جمال عبد الناصر ، ومركزه القاهرة ، والقطاع الشمالي العربي ويحكمه فاروق فؤاد ، ومركزه روما … وكل القطاعين يأتمران بأمره مع المؤمنين وضد الكفار . ثم أصدر بعد ذلك قوانين ومذكرات تفسيرية متتالية وكان يوجهها ” … إلى المراقبة العامة الإسلامية بأنحاء العالم … ” ولم يختلف هذا النداء في كل قوانينه … ووضع بعد ذلك قائمة بأسماء حكام العالم وأصدر أمره ” …. إلى الجنود عامة ” بأنه إذا شطبت على اسم من هذه الأسماء فإنه يشطب بأمري من الدنيا …. ” .
وهكذا نرى أنه بالتسليم بالفكرة الأولى تتسلسل الأفكار مرتبة ، ولكنها ليست منطقية ، وبتتبع الدستور نجد أنه مشوش ومضطرب رغم تناسقه الظاهري …. وباختبار تفكيره ذاته وجد أنه غامض ومفكك وأن كلامه غير مرتبط كما أن عواطفه لم تتفق مع هذه الأفكار أو حتى مع ما يحكي من أفكار عادية (18)
5 – الفصام الإنفعالي :
ويتميز بوجود مزيج من أعراض الفصام وأعراض الهوس أو الاكتئاب الصريحة والمستمرة إلى درجة ما ، بمعنى أنه لا يعني مجرد تذبذب العواطف بين فترات الهوس والاكتئاب ، وإنما وجود هذه الأعراض كجزء لا يتجزأ من زملة الأعراض .
وفيما يلي حالة تدل على خصائص هذا النوع :
طالبة في السنة الأولى بإحدى كليات الجامعة ، عمرها 21 سنة ، تأخرت سنة واحدة في الثانوية العامة لسبب غير واضح ، جاءت تشكو من أنها ” …. متضايقة ومش عايزة أروح الكلية … لأن فيه حاجة حصلت في مخي … زي ما يكون الأفكار اتلخبطت على بعضها ، زي ما يكون مخي ساح … وأضل … الواحدة يعني … ماعدتش العيشة نافعة …” وأجهشت في بكاء حاد …
وكان من بين شكوى أمها أنها قبل أسابيع أخذت تنطوي على نفسها ، وتشتري كتبا غريبة عن التصوف والجنس في نفس الوقت ، وأنها خافت أن تصبح مثل أبنة عمتها ، فأحضرتها مبكرا بعد أن لاحظت أنها تضحك في المرآة ضحكة غريبة …
وبالفحص تبين أن أعراض التفكير شديدة ، فكانت تخرج من موضوع إلى موضوع بعد صمت ذاهل أحيانا … وكان شعورها بعدم الجدوى ، وأحيانا يهيء لها أفكار انتحارية حادة ..
وهكذا نجد الخليط بين الأعراض الفصامية والاكتئابية بشكل ظاهر وأن الاكتئاب مستمر وليس متذبذا رغم وجود الأعراض الفصامية الصريحة (18)
6 – الفصام الحاد Acute Schizophrenia :
وتكون أعراضه حادة وفجائية الظهور ، وقد يشفى منه المريض تماما ، ربما في غضون بضعة أسابيع ، أو قد ينتكس تكرارا . وغالبا ما يتقدم المرض إلى شكل كلاسيكي (17).
وفيما يلي حالة تدل على خصائص هذا النوع :
طالب في السنة الثانية الثانوية ، عمره (16سنة ) ، وقد كان طالبا ممتازا ، لم تقل تقديراته عن ( 90%) في السنوات السابقة ، وقد كان أخوه مصابا بانفصام منذ سنوات ، كما أدخل ابن عمه مستشفى الأمراض العقلية ، وخرج بعد ثلاثة شهور ، ولم يكمل تعليمه ، وقد بدأ المريض منذ شهرين في الانزواء ، وسؤال أخيه عن أعراض مرضه السابق وما تبقى منها ، ثم أحس بعد هذا السؤال بالتغير التدريجي واحتمال أن يصاب بمثل هذه الأعراض … كما أحس بعدم القدرة على الاستيعاب والخلط في الأفكار ” أنا كنت أحس إن أفكاري ملخبطة … أي كلام ” .
وذات يوم – بعد هذا التدرج – حضر الامتحان ، فلم يكتب حرفا وترك الورقة خالية بدون مبرر ظاهر ، ولم يستطع أن يفسر ذلك فيما بعد ، وخاصة أنه كان مستعدا مثل كل عام … ثم دخل بعد ذلك في حالة من الذهول … وحضر للمستشفى وهو لا يستطيع أن يرد على الأسئلة ، وحين جاء ذكر رقم ما ( 7 ) قال هو : واحد وواحد وواحد وواحد … ولم يتوقف ، وحين كان يترك وحده حتى دون رقيب ، كان يهمهم بكلمات غير مفهومة ، وأثناء النقاش كان يرد على إجابات أخرى ، أو يستمر في الإجابة السابقة دون أن يدرك أن سؤالا جديدا قد طرح عليه ، وكان يبتسم وحده بلا سبب ، وإذا ترك في حجرة مظلمة فإنه يظل فيها صامتا ساعات وساعات …
وقد تبين في تاريخه أنه أصيب بعدة نوبات تجوال في العام السابق ، مما جعل الشك يدور حول احتمال كون هذه النوبة نوبة هستيرية … إلا أن التفكير العياني الواضح والتفكك مع وجود شخصية شيزويدية سابقة ممتازة في التحصيل الدراسي ، ووجود تاريخ أسري إيجابي جدا للفصام ، جعلنا نرجح في النهاية أنها نوبة فصام حاد غير متميز …
وقد أعطي جرعة كبيرة من عقاقير الفينوثيازين ثم جلسة كهربائية واحدة ، مع وجود علاقة عاطفية وثيقة ، حيث استطاع المعالج أن يشعره بالتقبل والحماية والحزم منذ البداية ، كل ذلك جعل النوبة تزول خلال أيام … إلا أنه لم يرجع أبدا إلى مستواه التحصيلي كما كان من قبل ، ولا إلى تفاعله العاطفي لما قبل هذه النوبة ” (18).
7 – الفصام المزمن Chronic Schizophrenia :
حيث يمر المرض بعدة مراحل يتقدم فيها حتى يزمن إذا لم يعالج منذ البداية .
وفيما يلي حالة تدل على خصائص هذا النوع :
سيد عمرة 25 سنة ، يعمل مخرجا في مسرح للعرائس ، جاء يشكو من أعراض متنوعة ، وكان ينتقل من شكوى إلى شكوى بسرعة وبساطة ، ثم يسكت دون سبب ظاهر … وكان من شكواه بنص كلامه : ” ياريت الناس تلبس نظارات عشان ما أشوف عينيهم . مش قادر أواجههم … ” ضحكتي صفراء … تطفش الناس مني … مش حاسس فيها … ” . أخطر حاجة … إني ما باضحكش وما باعيطش … ” ” منطوي على نفسي ما أحبش حد يقاطعني في الكلام ” ثم يقول : ” مش قادر أعرف شكلي .. يعني مش قادر أتعرف على نفسي ” ” الكلام بتاعي زي ما يكون فيه موجتين ، موجة بتكلم سيادتك ، وموجة في حته ثانية … زي توأمين … دفنت أخويا ومانزلتش دمعة من عيني ” .
” أول ما ابتدأ المرض من ست شهور ، كنت باعيط … والدي دخل هبدني قلم … ومن يومها ماعدتش باعيط ثاني ، وبعدين الصفارة اللي في وداني … أما أكون قاعد لوحدي عايز أشوف والدتي أقدر أشوفها وأعيش معاها دقيقة … دقيقتين زي ما أنا عايز ، وبعدين الضحكة الصفراء اللي بحاول أجامل بيها الناس ، والمزاح اللي في ذهني .. ومش قادر أطلعه … أجيب نهاية الكلام قبل بدايته … أبص لصورتي ثلثميت مرة في المراية عشان أحفظها … مش عارف أحفظ شكلي إيه … ” .
وهكذا يغلب على هذه الحالة أعراض الانشقاق وعدم الترابط … كما يظهر فيها الضحك الفاتر ، وكذا ظاهرة فقدان أبعاد النفس ، ومع ذلك فهي حالة مبكرة نوعا … وللمريض في أعراضه بصيرة ، فهو يصفها بدقة وصدق حتى كأنه بشرح الأعراض النموذجية وتصنيف انقسام شخصيته وتنافر وظائفها بكل وضوح (18).
8 – الفصام المتخلف Risidual Schizophrenia :
حيث يشفى المريض بالفصام ، ولكن يتخلف لديه بواقي أفكار أو انفعالات أو سلوك فصامي وبقايا هلوسات وهذاءات بسيطة لا تؤثر في توافقه الاجتماعي .
وفيما يلي حالة تدل على خصائص هذا النوع :
مهندس ، متزوج ، وله ولد وبنت ، أصابته نوبة فصامية في سن السابعة والعشرين من عمره ، واستمرت ستة شهور ، دخل أثناءها مستشفى للأمراض النفسية ، وعولج ، واختفت الهلاوس والضلالات المفككة ، واستطاع أن يستجيب لنظام المستشفى إلى حد ما … ولكنه حين خرج لم يستطع أن يعاود حياته الزوجية كما كانت ، واشتكى من بعض صعوبات في حياته الجنسية ، وبعد أربعة شهور طلق زوجته وتنازل عن حضانة طفلية مدى الحياة ، ثم سعى إلى تغيير عمله ، من عمل تنفيذي إلى عمل مكتبي روتيني ، وقطع صلاته بأصدقائه ، وباع كتب مكتبه ، إلا أنه ظل يذهب بانتظام إلى عمله ، وقال عنه أصدقاؤه إنه لم يعد يتجاوب لأي ممن حوله ، ولا يهمه فرح أو حزن ، ولا يشغله إلا ملء ثلاجته بمأكولات تكفيه أسبوعا على الأقل …
وقد قرر أنه ” شفي ” … وإن كانوا لاحظوا أنه قد انتظم على الشراب يوميا بكميات محدودة ، يقول إنها تساعده على النوم ، وكان يتحفظ في معاملاته مع زملائه ، ويغلق مكتبه بمفتاح وقفل خارجي معا ، دون أن يذكر سبب ذلك .
وهكذا نرى كيف همدت الأعراض الإيجابية ، ولم يتبق سوى صفات وسمات تبدو وكأنها جزء من شخصيته الجديدة .. إلا أن الواضح هنا أنها كانت مختلفة تماما عن شخصيته قبل المرض (18)
وهناك تصنيفات أخرى أهمها :
بالرغم من هذا العدد الذي ذكرناه من أنواع وتصنيفات للفصام ، فإنه لا يمكن أن يغطي كل تصنيفات هذا المرض الخطير والصعب معا … فما زال هناك أنواع أخرى تخرج عن نطاق هذا العمل مثل :
1 – الفصام الحالم Oneroid Schizophrenia :
حيث يكون المريض في حالة أشبه بالحلم معظم الوقت ، وتبدو له الهلاوس وكأنه في تمثيلية درامية .
2 – فصام الطفولة Childhood Schizophrenia :
حيث تظهر أعراض الفصام قبل البلوغ .ويبدو اضطراب وفشل نمو الشخصية ، والنكوص الطفولي الشديد (18).
3 – الفصام الكامن Latent Schizophrenia :
حيث يميل السلوك نحو الفصام ، ولكنه يكون مازال خارج نظاق الشخصية الفصامية . ويكون المريض على حدود الذهان ، ويكون لديه بعض أعراض الفصام ، ولكن الحالة لا تكون متقدمة وليست كمثل الفصام الحاد أو المزمن ، ويحقق الفرد نوعا من التوافق الحدي ، ولكن سلوكه على العموم يكون شاذا وغامضا وغريبا .
4 – الفصام الدوري أو الدائري Circular Schizophrenia :
وهو نوع من أنواع الفصام المتعددة في أشكالها ونواحي ظهورها ويسمى هكذا لأنه يتخذ شكل مناوبة متبادلة يبدو مرة على شكل زملات هوسية ، ويظهر مرات على صورة حالات اكتئابية . وفي كل فترة من الفترات التي يمر بها المريض تعقبها حالة تحسن ظاهري .
5 – الفصام التفاعلي Reactive Schizophrenia :
وفيه يرتبط المرض بعوامل نفسية حديثة أو ضغوط اجتماعية واضحة ، ويكون الشخص متوافقا اجتماعيا قبل المرض (17).
أسباب الفصام :
لا نستطيع أن نجزم بسبب واحد لهذا المرض ، بل هو عدة تفاعلات بيئية ووراثية وفسيولوجية وكيميائية . وسوف نستعرض فيما يلي أهم أسباب الفصام :
1 – الوراثة :
تلعب الوراثة دورا هاما في نشأة هذا المرض ، أي أن الإنسان يولد وعنده الاستعداد الذاتي لتكوين هذا الاضطراب ، وذلك معناه أن ينتقل على المورثات اضطرابات كيميائية فسيولوجية تجعله عرضه لأن يقع فريسة لهذا المرض .. (3)
لوحظ أن حوالي ( 50%إلى 60% ) من عائلات الفصاميين عندهم تاريخ إيجابي للمرض العقلي .
ولوحظ أن التوائم المتماثلة تصاب بنسبة (60%إلى 80%) بالفصام إذا أصيب أحدهما به … حتى لو نشأوا بعيدا عن بعضهم .
ولوحظ أن أشقاء الفصاميين يصابون بالفصام بنسبة حوالي (14%)، وأن الأخوة غير الأشقاء بنسبة (7%)، وأن أطفال الفصاميين يصابون بنسبة حوالي (16%)، فإذا قارنا هذه النسبة بنسبة تواتر الفصام في عامة الناس وهي ( 1%) تقريبا ، تبينا كيف أن هذا المرض له أسباب وراثية واضحة .
واختلف العلماء في نوعية الوراثة وقدموا فرضا بأن الفصامي لا يرث المرض ، وإنما يرث الاستعداد له ، وتحدث المرض إذا صادف هذا الاستعداد مرسبات تربوية أو بيئية أو نفسية (18) .
2 – العوامل الجسمية : يربط البعض بين الفصام وبين النمط الجسمي النحيل .
3 – العوامل الفسيولوجية :
مثل التغيرات المصاحبة للبلوغ الجنسي ، والنضج والحمل والولادة ، وسن القعود ، وما يصاحب ذلك من هزات انفعالية واجتماعية ، وتوتر وقلق واخفاق المريض ذي الشخصية الفصامية في مجابهتها . واضطراب الغدد الصماء (18).
ووجد أن مرضى الفصام الكتاتوني الدوري يحتفظون بمادة النيتروجين في الجسم .. وأنهم يتحسنون عند طردهم لهذه المادة … وقد استخدم هرمون الغدة الدرقية للتخلص من النيتروجين .. وكذلك لوحظ أن 30 % من مرضى الفصام يعانون من اضطراب نوعي في نشاط الغدة الدرقية … وأن هرمون الكورتيزون يفرزه مرضى فصام البارانويا أكثر من مرضى أنواع الفصام الأخرى … وأن نكسات المرضى يصاحبها زيادة في إفراز هرمون الكورتيزون ، وأن شفاء المرضى يصاحبه نقصان في إفراز هذا الهرمون (3) .
4 – العوامل الكيميائية الحيوية :
كالأعراض السلوكية الناتجة عن تناول عقار الهلوسة ( L.S.D ) تشبه إلى حد كبير أعراض الفصام .
5 – خلل الجهاز العصبي نتيجة للأمراض والتغيرات العصبية المرضية والجروح في الحوادث أو خلل في موجات المخ الكهربائية وضعف وإرهاق الأعصاب .
6 – فقدان الحواس مما قد يؤدي بدوره إلى اضطراب التفكير والأوهام والهلوسات .
7 – الأسباب النفسية :
ويرى بعض الباحثين أن الفصام ليس سوى تجمع عادات سيئة نتيجة التفاعل الخاطئ مع البيئة ، فتصبح هذه العادة من صفات الإنسان الثابتة .
فإذا زاد الضغط الخارجي اشتدت عادات الهروب وظهر المرض ، ومن أمثلة هذه العادات الخاطئة : العجز عن تقبل الواقع ، والانطواء ، والاستغراق في أحلام اليقظة … إلخ . (18)وقد أرجع الفصام إلى :
– إلى الصراعات الحادة بين الدوافع المتعارضة وعدم التوافق السليم معها . والصراع النفسي من الطفولة الذي ينشط مرة أخرى في مرحلة المراهقة نتيجة لأسباب مرسبة .
– وإلى احباطات البيئة وطوارئ الحياة وعوامل الفشل التي تنهار أمامها الدفاعات النفسية للفرد مثل الفشل في العلاقات الغرامية والفشل في النمو النفسي الجنسي السوي والفشل في الزواج والخبرات الجنسية الصادمة ، وما يصاحب ذلك من مشاعر الإحباط والشعور بالإثم ، وكذلك الرسوب المفاجئ في الامتحانات والفشل في العمل والضغوط الاقتصادية والمشكلات المالية .
– وإلى الصدمات النفسية العنيفة والحرمان في الطفولة المبكرة مما يجعل الفرد حساسا لا يتحمل الضغط المتأخر عندما يكبر .
– وإلى حيل الدفاع المتطرفة مثل الانسحاب ، والنكوص ، والاسقاط ، والتعويض ، وهكذا نرى أن الفصام يمثل استراتيجية دفاعية كاملة ولكنها فاشلة .
– وإلى تأخر النمو وعدم نضج الشخصية ، وعدم التوازن في نمو جوانب الشخصية المختلفة ، فيضطرب النضج الاجتماعي والنضج الإنفعالي ويسوء توافق الشخصية ككل .
– وإلى العلاقات العائلية المضطربة : مثل اضطراب العلاقات الشخصية المبكرة بين الوالدين والطفل وخاصة مع الأم أو من يمثلها ، أو ” الأم المسببة للفصام ” وكذلك الحال مع الأب القاسي أو السلبي . ويطلق على مثل هذه الأسرة عموما اسم ” الأسرة المسببة للفصام ” ، واضطراب المناخ الأسري والمحيط الطفلي المضطرب بمعنى وجود تنافر في شخصيات الوالدين والأولاد ، والمشكلات العائلية والانهيار الأسري وسوء التوافق في الزواج ، والبرود الانفعالي ، والطلاق العاطفي بين الأزواج مما ينعكس على الأولاد ، ويجعلهم على حافة ” الهروب من الأسرة ” .
– وإلى التغيرات الثقافية والحضارية الشديدة، مثل التي تصاحب الهزات الاقتصادية ، والكوارث الاجتماعية ، والتصنيع ، والهجرة دون الاستعداد النفسي لذلك مع وجود عوامل مرسبة للمرض ، والوحدة والعزلة الاجتماعية .
8 – يرجع أعلام مدرسة التحليل النفسي مرض الفصام إلى الصراع المستمر بين الأنا الأعلى والهو مما يضعف سيطرة الأنا الأعلى على الشخصية ، ويضعف الأنا ، ويخلف صراعا مستمرا بينه وبين العالم الخارجي ، ويؤدي إلى الانقسام عن الواقع ، مما يجعل المريض يمتص الطاقة اللبيدية للداخل بدلا من توجيهها للخارج ، وينكص للمراحل الجنسية الأولى في حياة الفرد ، وينكص لأنماط التفكير الطفلي ، وينسحب إلى داخل نفسه إلى المستوى النرجسي ، ويتمركز حول ذاته ،ويتجنب العلاقات الشخصية الاجتماعية ويصبح انطوائيا ويفشل في التوافق مع البيئة الاجتماعية .
9 – ويرى السلوكيون أن زيادة الدافعية تؤدي إلى قوة الاستجابة وعدم مناسبتها وخطئها . (7 )
أعراض الفصام :
لحالات الفصام مجموعة من الأعراض البارز منها :
1 – البعد عن الواقع والاستغراق في الذات ( يعيش سجينا داخل نفسه كما لو كان في جزيرة منعزلة تملؤها أوهامه وخيالاته ، وهي بالنسبة له حقيقة ) فلا يرى ولا يسمع إلا هلوساته ، وتتحول أوهامه وهلوساته إلى سلوك .
2 – البلادة الانفعالية ، وعدم الثبات الانفعالي ،و التناقض الانفعالي ، والانفعالات الكاذبة وغير المناسية ، والهياج لأقل مثير ، والمبالغة في الإنفعال والاكتئاب والانسحاب والسلبية والنكوص المرضي ، وفقدان الاحساس بالعواطف الراقية كالحب والعطف والحنان والمشاركة الوجدانية ، فالمفصوم لا يكترث للحوادث التي تهز مشاعر الإنسان السوي ، ولا يهتم بأصدقائه أو أسرته أو عمله كما أنه لا يبدي أي انفعال حين تدعو الظروف إلى ذلك.
3 – وهو – أيضا – يفقد الاهتمام بالمظهر الخارجي ، فيهمل نفسه فيبدو قذرا .
4 – ويظهر على المفصوم عرض التفكك بدرجة فائقة تستوقف الانتباه ، فيضحك حين لا يوجد باعث على الضحك .
5 – وتقع الهذيانات لمعظم الحالات (12 ) ، مثل الاضطهاد وهذاء العظمة توهم المرض وهذاء المرجع وهذاء الإشارة أو التأويل والتلميح وهذاء الأهمية ، وهذاء تغير الشخص ، وفقدان الشعور بالشخصية وشعور المريض بأن إحساساته وأفكاره غريبة عنه .
6 – وتقع الهلوسات – أيضا – لمعظم الحالات كالهلوسات السمعية ، والهلوسات الشمية ، والهلوسات اللمسية ، والهلوسات الذوقية ، والهلوسات الجنسية . وهذه بالنسبة له حقيقة ويستجيب لها سلوكيا .
7 – اضطراب التفكير : اضطراب محتوى التفكير ، واضطراب مجرى التفكير واضطراب ترابط التفكير ، واضطراب التحكم في التفكير ، واضطراب التعبير عن التفكير سلوكيا ، واضطراب الذاكرة ، وخاصة بالنسبة للأحداث الحديثة ، واضطراب الانتباه وضيقه ، والتركيز على الذات واضطراب الوعي وشعور المريض بأنه يفقد عقله .
8 – اضطراب الكلام : وعدم منطقيته ، وعدم تماسكه ، والاجابات النمطية غير المتعلقة بالموضوع ، والاجابات الوحيدة المقطع في صوت نمطي رتيب بعد تكرار السؤال ، والمصاداة (أي تكرار أقوال الآخرين ) ، وابتداع كلمات أو مبادئ جديدة ” لغة جديدة ” .
9 – اضطراب الإرادة : وضعفها والتردد والتناقض وعدم القدرة على اتخاذ القرارات والسلبية في السلوك وقابلية الإيحاء وعدم القدرة على ضبط النفس والاعتقاد بأنه واقع تحت تأثير السحر وأنه مسلوب الإرادة .
10 – اضطراب السلوك الجنسي وعدم التحكم فيه مثل الاستعراض الجنسي أو جماع المحارم أو البغاء .
11 – الذاتية المطلقة والانطواء والاستغراق في أحلام اليقظة ، ونقص الميول والاهتمامات والاستسلام ومشكلات الحياة ، واضطراب العلاقات الشخصية واضطراب الاتصال الاجتماعي وسوء التوافق الاجتماعي والعائلي وفقدان الاهتمام بالبيئة .
12 – ضعف الجسمي ونقص الوزن .
13 – اللزمات الحركية وخاصة حركات الوجه واليدين والرجلين ، والأوضاع الجسمية الغريبة الشاذة التي قد تستمر لفترات طويلة ، والمحاركة ( تقليد حركات الآخرين ) . والتأخر الحركي ، والنمطية ، والجمود أحيانا .
وإلى جانب الأعراض السابقة هناك الأعراض العامة ، هي : الانسحاب من الواقع ، والأوهام والهلاوس والهذاءات الاضطهادية وغيرها . كما توجد لدى المريض اضطرابات في الإدراك ترتبط بالنرجسية والجنسية المثلية والشبقية الذاتية ، ومركب أوديب ، ونقص في الخلق وتوحد مع الكون .
ويبدل المريض عالمنا بعالم وهمي له في قدرات خارقة ن يعلم كل شيء فيه ويتواجد في كل أمكنته وأزمنته ، عالم كله من العظمة وسلطان للفكر مطلق .
ومعظم مرضى ( الفصام ) يأتون من الأناس الذين يوصفون – عادة – بالانطواء والحالمين ، ومن هؤلاء الذين يفكرون أكثر مما يعملون ، ومن هؤلاء اللااجتماعيين منذ البداية .
ولكن يعتقد الكثير من الدراسين للأمراض النفسية والعقلية أن الهذاءات والهلاوس أعراض مميزة لمرض الفصام ، وهذا غير صحيح نظرا لأن هذه الأعراض تظهر في جميع أنواع الذهان الوظيفي والعضوي ، ومن ثم فإن الأعراض الأولية لمرض الفصام هي اضطرابات التفكير والوجدان والإرادة ، وكل ما هو غير ذلك فهو ثانوي
وإلى جانب الأعراض العامة للفصام ، نلاحظ الأعراض الخاصة في الأنماط الاكلينيكية للفصام ، وفيما يلي تفصيل ذلك :
1 – الفصام البسيط : Simple Schizophrenia
وأهم خصائصه أن بدايته تدريجية غير حادة ، وسيره بطئ ، والانفصال عن الواقع تدريجي ، والهلوسات والأوهام نادرة ، وقد لا توجد بالمرة ، والسلوك الغريب قليل نسبيا .
وأهم أعراضه : نقص النشاط ، والنمطية الحركية ، واللازمات الحركية . وعدم القدرة على التركيز ، والسلاطة الفكرية ، وهذاء التأثير والتأثر ، واضطراب التوجيه . ونقص الاتصال الاجتماعي ، وانعدام المسئولية ، وقلة الميول والاهتمامات ، ونقص مستوى الطموح ، والانطواء والانسحاب ، وسوء التوافق الاجتماعي ،و التبلد الانفعالي ، والخمول الانفعالي ، واللامبالاة وفقد الدافعية ، وفقدان التعلق الانفعالي بالآخرين ، والاستغراق في أحلام اليقظة ، وفقدان الاهتمام بالمظهر الشخصي ، وسوء التوافق الجنسي أو العمل في الدعارة ، وعدم القدرة على القيام ببعض الأعمال البسيطة الرتيبة وتحت رقابة مستمرة ، والبطالة أو عدم الاستقرار في العمل ، والشرود ، والتناقض السلوكي ، ويبدو المريض في حالة حلم دائم .
2 – الفصام المبكر : Hebephrenia Schizophrenia
وأهم خصائصه أن بدايته مبكرة ومفاجئة عادة في المراهقة ( ولذلك يسمى أحيانا فصام المراهقة أو فصام الشباب ) ، وتؤدي إلى تدهور الشخصية وعدم تكاملها . والأعراض فيه غير مستقرة وكثيرة التغير .
وأهم أعراضه : عدم العناية بالنظافة الجسمية والصحية ، والنكوص المرضي وخاصة في عادات الأكل والإخراج ، واختلاط وعدم ترابط الفكر والكلام والسلوك ، والتفكير الإجتراري والتفكير الخيالي الغريب ، وضعف التركيز ، والهذاءات المتغيرة . والانطواء والاستغراق في أحلام اليقظة والخروج الغريب على المعايير الاجتماعية ، والتبلد الانفعالي ، وعدم الثبات الانفعالي ، والتناقض الوجداني ، وعدم النضج الانفعالي والفجاجة الانفعالية . وتكون الأوهام ذات طبيعة جسمية وضعف البصيرة ، والسلوك طفلي أحمق اندفاعي غريب .
3 – الفصام الحركي : Catatonic Schizophrenia
وأهم خصائصه أنه يبدأ في سن متأخرة عن الفصام البسيط والمبكر بين ( سن 20 – 45 سنة ) وتوجد فيه أعراض حركية واضحة إما بالنقص أو بالزيادة .
والفصام الحركي شكلان :
* التصلب :
وأهم أعراضه الوضع التصلبي التخشبي والتصلب الشخصي أو الوضع التمثالي أو وضع الصليب أو وضع الجنين ( كما في الشكل ) أو وضع الميت . وهذه الأوضاع تدوم طويلا وبدون تعب ، وعدم الحركة ، والخلفة , وفقدان النشاط ، والاسلوبية ، والمحاركة والوجه المقنع ( الذهول وكأن على وجهه قناعا ) ، والذهول وتكرار الكلام وترديده ، والنمطية ، والانسحاب والسلبية والصمت والطاعة الآلية العمياء والسلوك الحركي القهري ، مما تعوده المريض في مهنته مثلا ، ورفض الطعام ، وعدم القدرة على ضبط النفس جنسيا أو من ناحية التبول أو التبرز .
* الهياج :
وأهم أعراضه الهياج الحركي غير الهادف وعدم الاستقرار والأرق والإعياء وفقد الوزن ، وعدم التوافق بين المزاج والتفكير ، وسرعة الكلام ، وردود الأفعال الغريبة والهلوسات ، والاتجاهات الشاذة الغريبة ، والعدوان ،و التصنع أو التكلف في الكلام ، والمشي والحركات ، ومحاولة الانتحار أو قتل الغير ن والإنهاك في النشاط الجنسي المكشوف .
4 – الفصام الهذائي ( البارانوي ) :Paranoid Schizophrenia
وأهم خصائصه أنه يبدأ عادة متأخرا بعد سن ( 30 سنة ) ، ويتصف بالتفكير والسلوك الذاتي المقفل ، والأوهام وأفكار المرجع والتأثير ، وتكون الهذيانات غير منسقة وسريعة التغير ، ويكون السلوك بصفة عامة ليس من السهل التنبؤ به .
والفصام الهذائي شكلان :
* الاضطهاد :
وأهم أعراضه أفكار الاضطهاد ، والشك ، والميول الإتهامية والعزلة الشديدة ، واعتقاد المريض أن الآخرين يتآمرون عليه ، ويكيدون له . وعدم الرضا ، والحقد ، ومحاولة الانتحار ، والسلوك المضاد للمجتمع ، والاعتقاد أن هناك من ينومه معنطيسيا ويؤثر عليه .
* العظمة : وأهم أعراضه أفكار العظمة ، واعتقاد المريض بأنه موهوب بقدرات عقلية عالية فريدة أو أنه يشغل منصبا كبيرا ،و التطرف وأوهام القوة والقدرة على كل شيء ، والتناقض السلوكي .
تشخيص الفصام :
بالرغم من أن التشخيص التقليدي يفرق بين أنماط اكلينيكية اربعة للفصام ، فإن الفصام لا يكون مطابقا للوصف التقليدي لأحد هذه الأنماط ، بل يتغير من نوع لآخر أو قد يختلط . هذا ولا يوجد عرض واحد يمكن أن يؤكد الفصام أو ينفيه .
1 – يجب تفريق الفصام عن الذهان العضوي وأمراض المخ العضوية ، حيث نجد أنه في الفصام يبقى الذكاء والذاكرة دون تدهور ، وفي الذهان العضوي نلاحظ أعراضا جسمية واضحة .
2 – ويجب التفريق بين الفصام والهستيريا ، حيث نجد في الهستيريا أن البدء فجائي والسبب واضح .
3 – ويجب التفريق بين الفصام والوسواس ، حيث يقاوم المريض وساوسه شعوريا .
4 – ويجب التفريق بين الفصام وذهان الهوس والاكتئاب حيث يتغير الانفعال ويشتد بسرعة .
5 – ويجب التفريق بين الفصام واضطرابات الشخصية مثل السيكوباتية ، حيث نجد في الأخيرة الاندفاع والانحراف ممتد الجذور إلى الطفولة .
6 – ويجب التفريق بين الفصام ( خاصة الفصام المبكر ) أو ما يسمى فصام المراهقة وبين اضطرابات مرحلة المراهقة وصراعاتها ومشكلاتها وما يشاهد فيها من الثورة والتمرد والعناد والتذبذب الانفعالي وغرابة السلوك والشذوذ .
7 – ويجب التفريق بين الفصام الهذائي ، وبين الهذاء ( البارانويا ) . ففي الفصام الهذائي تكون الهذاءات وقتية قصيرة المدى ومختلطة بأعراض الفصام الأخرى ، بينما في الهذاء نجد الهذاءات المنظمة فقط ولا نجد الأعراض الأخرى للفصام . (7 )
8 – ويجب التفريق بين الفصام والصرع ، فقد وجد العلماء أنه يوجد علاقة وارتباط وثيق بين هذين المرضين ، ولوحظ أن الكثير من مرضى الصرع خصوصا الصرع النفسي الحركي ، يعانون بعد فترة من أعراض شبيهة بمرض الفصام ، وبالتالي اتجهت الآراء عن احتمال تشابه أسباب مرض الصرع ومرض الفصام … ونحن نعلم أن السبب الرئيسي للصرع هو موجات كهربائية دورية شاذة في الدماغ ، وأنه من الممكن أن يكون سبب الفصام أسبابا فسيولوجية كيميائية مشابهة لما يحدث في الصرع (3 ) .
علاج الفصام :
ليس من الضروري وضع جميع المفصومين في مستشفيات الأمراض العقلية . ويمكن علاج معظم الحالات المبكرة كمرضى خارجين .
ولا يودع في المستشفى إلا حالات الفصام الحاد أو المزمن أو في حالة ما إذا كان المريض يمثل خطرا على نفسه أو على الآخرين ، وفي حالة عدم استبصار المريض بحالته ورفضه العلاج .
وعلاج الفصام عملية طويلة ، وتحتاج إلى كثير من الحنكة ، والصبر ، والاهتمام بالعلاقة العلاجية ، والرعاية التمريضية اليقظة المستمرة . وفيما يلي أهم ملامح عملية علاج الفصام :
1 – العلاج الطبي الكيميائي :
ويشمل علاج الرجفة الكهربائية ، وخاصة في حالات الفصام الهذائي والفصام الحركي .ويشمل كذلك علاج غيبوبة الأنسولين – وقد قل استخدامه الآن لما يستلزمه من وقت وجهد وما يصاحبه من مخاطر ، جعلت العلاجات الأخرى الاحدث تغني عنه – مثل العلاج بالمهدئات للتغلب على الهلوسات والتحكم في التهيج ، وعلى رأسها مجموعة فينوثيازين ، وستيلازين وكلوربرومازين ، وتختلف في عمقها وفاعليتها من عقار لآخر ، وقد لوحظ أن هذه العقاقير لها مفعول ناجح كلما كان الفصام نشطا والأعراض إيجابية ، ولذلك فهي أنجح ما تكون في الحالات الحادة ، والحالات المتاخمة بالأعراض الإيجابية التي تدل على أن يدناميكية المرض لم تستقر بعد ، أما الحالات المزمنة التي وصلت إلى درجة من الاستقرار ، وأصبح السلوك الفصامي عادة أو جزء لا يتجزأ من الشخصية ، فإن مفعولها يكون أقل ما لم يستثار النشاط الفصامي بخطة محكمة لجر المريض للإحتكاك بالواقع ، وتنظيم تأهيله بجرعات متزايدة من العمل والتفاعل مع الآخرين ، وهنا قد يبدأ في المقاومة أو تبدأ الأعراض في النشاط ، حيث تصلح هذه العقاقير ثانية وبشكل فعال تماما . (18)
2 – علاج الصدمات الكهربائية :
ويستعمل هذا العلاج عادة مع العلاج الأول ، ويستحسن أن يتأخر عنه قليلا ، حتى في الحالات الحادة ، ونتائجه تكون أصلح ما تكون في هذه الحالات الحادة والمصحوبة باضطراب في العاطفة وخاصة الاكتئاب ، وحالات الفصام الكتاتوني الانسحابي ، والفصام البارانوي المصحوب بفيض عاطفي حار مع الضلالات ، وكذلك أثناء خطة العلاج الطويلة بالعقاقير والتأهيل معا ، وذلك مع ظهور الاكتئاب ، وأثناء استعادة العلاقة بالواقع (7).
3 – العلاج بالعمل :
وهو صنفان في حالات الفصام ، فإما أن يكون الهدف منه استعادة المريض فاعليته ، وعدم تركه لخيالاته وسلبياته ، واستعادة ثقته بأنه قادر على شيء ذي فائدة … وأن يرى نتاج عمله فيتحسن للرجوع للواقع …
وإما أن يكون جزءا لا يتجزأ من علاج الوسط والعلاج السلوكي ، يتعرف فيه المريض على جسده ، ويكسر خموله وعاداته السلبية واختفائه في قالب ثابت من الوجود (18).
4 – العلاج النفسي :
ولابد أن نبدأ هنا بالقول أن الرعب من العلاج النفسي ( وخاصة التحليلي ) للفصاميين ، قد قل كثيرا ، نتيجة لوفرة استعمال العلاج الكيميائي ، حيث نشجع المعالج أن يتفاعل مع المريض ، وهو ضامن أن بيده أسلحة يتدخل بها وقتما يشاء ، ليتمكن من السيطرة على الموقف باستمرار (18).
والعلاج النفسي يهدف إلى تنمية الجزء السليم من الشخصية وإعادة تنظيم الشخصية والتعلم والاهتمام بإزالة أسباب المرض وشرحها وتفسيرها وإشباع حاجات المريض وتنمية بصيرته وتخفيف القلق وإعادة ثقته بنفسه ، مع التركيز دائما على أهمية العودة إلى العالم الواقعي (7).
ومن أنواع العلاج النفسي التي ساعدت كثيرا من المرضى الفصاميين العلاج النفسي المكثف Intensive Psychotherapy ، وقد ثبت فاعليته ، واتيحت له الفرصة كاملة ، إلا أنه يحتاج لوقت وجهد بلا حدود ، وفيه يقوم المعالج باختراق حاجز العزلة عند المريض ، ومحاولة فهم لغته الخاصة ، والقيام بدور المترجم له ، أو الجسر الذي يعبر عليه إلى دنيا الواقع ، وهذا النوع ليس بديلا عن العلاجات العضوية الأخرى ، ولكنه متمم لها (18)
وهناك العلاج النفسي الجماعي أو الجمعي وخاصة نوع الجشطالت والتحليل التفاعلاتي دون الإغراق في التفسير والتأويل وهو يساعد على إعادة احتمال التواصل مع الآخرين والتقمص ، واكتساب مهارات اجتماعية جديدة ، وتجميع أجزاء الشخصية في جو علاجي خاص ومدروس وموجه ، وهذا النوع من العلاج يكون أنجح وأجدى في حالات الفصام المبتدئ ، حيث يعتبر العلاج المفضل الذي لا يكتفي بإزالة الأعراض ، بل إنه يحول هذه الأزمة المرضية إلى فرصة إيجابية لاستكمال نمو الشخصية (18) مع الاهتمام بأفراد الأسرة والأقارب لمساعدة المريض ، والتوجيه والإرشاد النفسي للمريض وتوجيه وإرشاد الأسرة . والتحليل النفسي في حالات قليلة جدا مع التركيز على محاولة إصلاح ضعف الأنا . والتأهيل النفسي والاجتماعي والاحتفاظ بالعلاقات الاجتماعية والأسرية ومساعدة الأهل في رعاية المريض واهتمامهم به بهدف تحقيق التوافق النفسي والاجتماعي (7).
5 – العلاج الاجتماعي :
بهدف تجنب الانسحاب والعزلة مع الاهتمام بإعادة التطبيع الاجتماعي وإعادة التعلم الاجتماعي والاهتمام بالنشاط الاجتماعي والرياضة والترفيه والموسيقى لربط المريض بالواقع والتقليل من استبطانه وانشغاله بذاته وعرضه والكشف عن اضطرابات المريض وصراعاته . والعلاج البيئي الذي يهدف إلى تعديل البيئة وإصلاح الجو العائلي حتى يساعد ذلك في تدعيم التحسن التدريجي في حالة المريض . والعلاج بالعمل والتوجيه والتأهيل المهني لشغل المريض وإخراجه من دائرة الاستغراق في الذات ، مع تنويع العمل ، والعلاج باللعب في حالة فصام الطفولة (7).
6 – علاج الوسط :
ويقصد به تهيئة مجتمع علاجي صغير ( مستشفى مثلا ) له فلسفة في الحياة ، وأهداف مشتركة ، وموقف محدد ، يشترك فيه المرضى ، وجميع الأفراد المعالجين ، ويستعمل فيه سائر أنواع العلاج السابقة ، بحيث يتيح للمريض فرصة المشاركة في جو خاص يتيح له إجازة مدروسة من عالم الواقع الذي لم يتحمله ، ولكنه في نفس الوقت يحافظ فيه على درجة خاصة من العلاقات والنشاط ، يستعيد من خلالها قدرته على العودة إلى الواقع تدريجيا بطريقة أكثر قدرة ، وأوفر نشاطا (18)
7 – العلاج الجراحي النفسي :
وهو العلاج الذي يهدف إلى قطع بعض الدوائر العصبية التي تساهم في توصيل وإثارة الانفعالات المرضية (18) ولا يستعمل إلا في الحالات المزمنة ، وعندما تفشل كل الوسائل العلاجية الأخرى وبعد مضي ثلاث سنوات على الأقل (7).
مآل الفصام :
1 – تحسن مآل الفصام كثيرا منذ أن اكتشف علاج الرجفات الكهربائية وعلاج غيبوبة الأنسولين . وحديثا مع استخدام الأدوية والعلاج النفسي أصبح المآل أحسن . وقد يحدث شفاء تلقائي في حوالي ( 5 % ) . وقد يحدث تحسن تلقائي في حوالي ( 25 % ) من مرضى الفصام .
2 – وأهم ملامح الشفاء هو الشفاء الاجتماعي . وتدل الإحصاءات على أن حوالي ثلث مرضى الفصام يتوافقون اجتماعيا تماما ، وحوالي الثلث يتوافقون اجتماعيا إلى حد ما ، والثلث الباقي يتدهورون أو ينتحرون أو يحتاجون إلى الإيداع في المستشفى مدى الحياة ، حين يزمن المرض ويكون التدهور العقلي المعرفي والخلقي أمرا لا مناص منه . هذا ويختلف فرص الشفاء من الفصام باختلاف درجة أزمانه .
3 – ومرض الفصام من الأمراض التي تشاهد فيها النكسات أحيانا .
4 – وعلى العموم نجد أن نسبة الشفاء التام حوالي ( 25 % ) ونسبة الأزمان حوالي ( 25 % ) في مرضى الفصام . ويمكن لمرضى الفصام الذين يتلقون العلاج السليم الخروج من المستشفى في حدود ( 6 : 12 شهرا ) .
5 – ويلاحظ أن الفصام الحركي هو أحسن الأنماط الاكلينيكية للفصام من حيث المآل ، يليه الفصام الهذائي ، ثم الفصام البسيط . أما الفصام المبكر فهو أقل الأنواع بالنسبة لسرعة الشفاء واحتماله (37 )
جنون الهذاء ( البارانويا )
Paranoia
تعريف الهذاء :
حالة مرضية ذهانية ، يميزها الأوهام والهذيان الواضح المنظم الثابت . أي الهذيانات والمعقدات الخاطئة عن العظمة أو الاضطهاد ، مع الاحتفاظ بالتفكير المنطقي وعدم وجود هلوسات في حالة الهذاء النقي . أي أن الشخصية رغم وجود المرض تكون متماسكة ومنتظمة نسبيا ( 25 ) مع احتفاظها – عادة – بإمكانياتها العقلية دون تدهور ناتج عن استمرار فترة المرض . فعلى سبيل المثال ، يظل ذكاء الفرد وذاكرته ومعلوماته دون أن يصيبها الضعف إلا على قلة وندور إن حدث . ويلاحظ أن محور تصرفات المريض يدور حول هذا الهذاء الذي يعتنقه والذي لا يشك للحظة في واقعيته وصدقه ، ويتخذ المريض من إمكانياته العقلية التي لم تتدهور سندا لتبرير صدق معتقداته الهذائية ، والدعوة بين الآخرين لتصديقها (18)
أسباب الهذاء :
وفيما يلي أهم أسباب الهذاء :
1 – الوراثة :
لها أثر هام في الاستعداد لهذا المرض ، ويوجد في العائلة ومن أقارب المرضى وخاصة الوالدين – عادة – تاريخ إيجابي للمرض العقلي واضطرابات الشخصية (18).
2 – الصراع النفسي بين رغبات الفرد في إشباع دوافعه وخوفه من الفشل في إشباعها لتعارضها مع المعايير الاجتماعية والمثل العليا ، والإحباط والفشل والإخفاق في معظم مجالات التوافق الاجتماعي والانفعالي في الحياة والذل والشعور بالنقص وجرح الأنا ، والاعتماد الزائد على حيل الدفاع ، وظهور هذه الحيل في شكل أعراض الهذاء . ومن أهم حيل الدفاع هنا : الإنكار ، والتبرير ، والتعويض ، والكبت ، والاسقاط ( مثل اسقاط الدوافع التي تؤدي إلى الشعور بالذنب إلى الخارج على ” مضطهديهم ” ) (7).
3 – اضطراب الجو الأسري وسيادة التسلطية والكف والنقد ونقص كفاية عملية التنشئة الاجتماعية ، والفشل في تحديد مستوى طموح يتناسب مع القدرات (18).
4 – تهديد أمن الفرد من خلال المنافسة أو الرفض أو الخزي أو الهزيمة
5 – خبرات الحياة الصادمة ، والمشكلات التي تتركز حول احترام وقيمة الذات والمكانة الاجتماعية .(7)
6 – اضطراب نمو الشخصية قبل المرض وعدم نضجها ، تميل إلى غلبة السمات البارنوية والخيالية (18).
7 – المشكلات الجنسية وسوء التوافق الجنسي ، والعنوسة ، وتأخر الزواج ، والحرمان الجنسي ، وتعزى مدرسة التحليل النفسي الهذاء إلى أنه نتيجة للجنسية المثلية المكبوتة والمسقطة ، والشعور بالإثم . وقد افترض فرويد حدوث النموذج الآتي في الهذاء :
(أ) أنا أحبه ( وهذا مرفوض لأنه يعبر عن الجنسية المثلية اللاشعورية )
(ب)يحدث تكوين عكسي فيتحول إلى ” أنا أكرهه ” ( وهذا مرفوض أيضا لأنه يعبر عن العدوان ) .
(ج) حيلة الدفاع ( الإسقاط ) تحول ب إلى ” هو يكرهني ويضطهدني ” (7).
8 – الأسباب العضوية :
هناك بعض عقاقير مثل الأمفيتامين تحدث أعراضا بارنوية مباشرة ، وقد تترك أثرا دائما حتى بعد الانقطاع عنها (18)
الأعراض العامة للهذاء :
هناك أعراض عامة أهمها الأوهام والهذيانات والمعتقدات الخاطئة الجامدة المنظمة الدائمة التي تطغي على البصيرة ، والدفاع بحرارة عن هذه الأوهام والهذيانات ومحاولة إقناع الآخرين وتوجيه كل الاهتمام إليها وتمركز السلوك حولها . ويدور الهذاء عادة حول موضوع واحد مثل الزواج أو الدين أو النشاط السياسي ، وأوهام التأثير والتأثر ، حيث يعتقد المريض أن قوى خارجية تؤثر فيه ، وتسيطر عليه رغم إرادته ، وأوهام جسمية في شكل أفكار غريبة وشاذة عن جسمه ( كأن يعتقد أن الناس يتكلمون عنه ووسائل الإعلام تشير إليه ) . والتمركز الشديد حول الذات .وتفسير سلوك الآخرين من وجهة نظر شخصية ذاتية بحته مع الميل إلى تزييف الحقائق وتشويهها . وسوء التوافق الاجتماعي . والسلوك الجانح مع تغلب الغضب والعدوان والنقص الواضح في البصيرة .
أعراض الهذاء الاكلينكية :
للهذاء أعراض اكلينيكية أهمها ما يلي :
1 – هذاء العظمة أو توهم العظمة Delusions of Grandeur :
حيث يعتقد المريض إعتقادا قويا بأنه شخص عظيم وأذكى وأقوى البشر ، وأنه يحصل على قوة خارقة للكشف عن الظواهر الغيبية ، أو أنه مرسل بدين جديد لهداية الناس ، أو أنه حاكم أو زعيم أو قائد أو بطل كبير أو ملك ملوك العالم أو مخترع جبار أو نبي أو رسول ، أو أغنى الأغنياء بما يملك من جبال من الذهب أو لديه القدرة على قراءة أفكار الناس وفهم ما يدور بخلدهم دون الحاجة إلى الكلام .. إلخ ، ويؤمن بأهميته وتفوقه وامتيازه وعظمته وخطورته ورفعته . وقد يعتقد أن لديه قوى خارقة أو سحرية (7) . وعادة ما تتبع هذاءات العظمة إحساس بالنقص وعدم الاستقرار والأمن ، ومن ثم ترضي هذه الهذاءات هذا الشعور بالنقص ، وتجعله يهرب من المشاكل اليومية وحقيقة أمره .
وفيما يلي حالة تدل على خصائص هذا النوع :
شاب ، في السادسة والعشرين من عمره ، كان ترتيبه الثاني في امتحان الثانوية العامة ، منذ بضعة سنوات … ثم دخل كلية الهندسة ، واستطاع أن يصل إلى تفسير جديد ، يرجح اختراع معدن نادر من مخلفات معادن رخيصة ، وقد كان تفسيره لهذا الاحتمال واقعيا ومسلسلا إلا أن الافتراضات كانت أكبر من احتمال الحقائق العلمية المتاحة ، وقد استقبل أساتذته هذا الاختراع بتقدير طيب ، من حيث الفكرة ، وإن كانوا قد رفضوا تفاصيله … وطالبوه بمزيد من الصبر دون التخلي عن محاولة البحث عن جديد طالما أنه متفوق في دروسه ..
إلا أن الطالب بدأ بعد ذلك في تفسير أحاسيسه الجسمية ، تفسيرات كيميائية خاصة ، حتى وصل إلى تشخيص خاص ، وهو أنه عنده شيخوخة مبكرة ، وظل يتتبع هذا الفرض ويثبته بتاريخ عائلي ، وبحقائق كيميائية صحيحة ، تتعلق بتمثيل المواد الدهنية وترسيبها وإحداثها لتصلب الشرايين ، واستمر هذا الاعتقاد عنده لمدة سنتين ، منتظما مرتبا ، ثم قال أنه عالج نفسه منه بفيتامين هـ … وشفي ، وأن هذه أول حالة في العالم من نوعها ، وانتقل بعد ذلك بهدوء إلى أنه الآن مصاب بزيادة في نشاط الجهاز العصبي الباراسيمبتاوي ، وأن كل مظاهر اضطراب جسمه وتوقفه الدراسي وزيادة عرقه ناتجة من هذا الاضطراب بوجه خاص ، وكان من نص كلامه ” …. أنا عندي زيادة في إفراز الأسيتيل كولين ، ولازم آخذ أرتان ، إذا كنتوا عايزين تخففوني … والعرق ونبضات القلب كلها دليل على كده … أنت عارف أن الغدد العرقية طبعا رغم أنها سمبتاوية إلا أن نهايتها كولينرجيك … تلاقيك … نسيت وأنت دكتور ، أصلي أنا أذكى منك . شوف أنت طالع كام في الثانوية العامة وأنا طالع كام ، وتلاقيك مش عارف اسم الأرتان الكيماوي … أنا مش حقول لك …. إلخ . وكان يحفظ كل الأسماء الكيميائية للعقاقير المضادة لنشاط الجهاز العصبي الباراسمبتاوي ، ويعرف مراكز عملها وطبيعته .
وكان والده يصدقه في كل هذه المعتقدات مرحلة بعد مرحلة ، ويعلن ذلك حينا ويخفيه أحيانا .
ورغم كل هذا فإنه ظل محتفظا بعلاقاته الاجتماعية ، وتفاعله العاطفي مع الآخرين الذين كانوا في العادة دائمي الإعجاب بتسلسل أفكاره ، وبهذا القدر الهائل من المعلومات الطبيعية الكيميائية الصحيحة – بغض النظر عن طريقة ترتيبها أو سوء تأويلها أو موقع الاستشهاد بها
أما توافقه الدراسي ، فم نستطع أن نفسره بضعف الإرادة أساسا ،فقد كان تاريخيا لاحق لهذه الضلالات ، وكان تفسيره دائما بأنه نتيجة لهذا الاضطراب العضوي ، فهو غير قادر على بذل الجهد المناسب في الدراسة ، وخاصة أن هذه النظريات العلمية التي تفسر حالته تستغرق كل جهد عقلي له .
وقد عولج بشتى أنواع العقاقير ( المهدئات العظيمة ) ، والجلسات ودخل عدة مستشفيات ولم تتحسن حالته إطلاقا ، وحين بدأ وضع خطة تأهيل محكمة ، وخطة سلوكية لرفض هذه الضلالات وإحباطها تعاون في بداية الأمر متحديا أن يغير أحدهم فكرة ، وكان مطمئنا طول الوقت اطمئنانا يقينيا بأن هذا مستحيل أصلا ، وفي الوقت الذي بدأ يتغير فيه قليلا ويستمع إلى الرأي الآخر بإنصاف نسبي … بدأ يتزايد القلق عنده رغم محاولاته لإخفائه … ثم استأذن لأجازة مؤقتة ، واعدا أنه يعد العدة لاستكمال دراسته ( بغض النظر عن وجود هذا الاضطراب العضوي الذي هو متأكد من حقيقة وجوده ، ولكنه اختفى ولم يعد أبدا … وساهم في الوعد الكاذب هذا تردد والده .. واعتقاده بصحة أفكار ابنه مائة في المائة ” .
وهكذا نجد كيف أن هذه الحالة قد بدأت بمحاولة خلق حقيقي تقبلها أولوا الرأي بقبول حسن ، إلا أنها انحرفت إلى ضلالات ثابتة ، وإن تغير محتواها على مرحلتين .
ثم نلاحظ أن عملية التفكير ذاتها لم تتفكك أبدا ، وقدرته على التجريد ظلت سليمة تماما طول الوقت كما ظلت عواطفه حارة وغنية .
كما نلاحظ كيف أن تصديق والده له جعله يتثبت أكثر على أوهامه ، ولا يستجيب لأي علاجات عضوية .
وأخيرا فعلينا أن نلاحظ أنه في اللحظة التي كاد الجهاز الضلالي يهتز ، انسحب المريض ( بموافقة والده ) خوفا على تماسك شخصيته ( وإن كان تماسكا مرضيا ) .(18)
2- هذاء الاضطهاد أو توهم الاضطهاد Delusions of Persecution :
حيث يعتقد المريض أنه شخص مضطهد مظلوم يسيء الناس معاملته ، وأنه ملاحق من قبل هيئة أو منظمة أو شخص معين للاعتداء عليه أو قتله حسدا ، أو غيرة منه ، أو رغبة في التخلص من منافسته في العظمة وعلو الشأن أو أن الآخرين يحاولون ويخططون لإيذائه وتحطيمه وأنهم يكيدون له كيدا ، ويأتمرون به ليقتلوه ( فيضعون له السم في الطعام ) ، فيشكو من أنهم يتعقبونه ، وأنه فريسة لمؤامرة كبيرة لإدخالة السجن ، فيشعر بالنقص وعدم القيمة وينعزل . ويملؤه الخوف والرعب الشديد من المؤامرة التي تدبرها له زوجته أو أقربائه للخلاص منه ، فيصبح في شك في كل من حوله . وقد يعتقد أن المخابرات تتجسس عليه وأن الشرطة تتبعه ، وقد يفسر الحركات البريئة للآخرين على أنها موجهة ضده ، وقد يملؤه الشك ( مثل الشكل في علاقات جنسية للزوج ) ، والغيرة والغضب والاستياء والغل والحقد والكراهية والعداء ( لمضطهديه وأعدائه المزعومين ) ، والميل للانتقام والضياع والحزن ، وقد يصل الحال إلى الاكتئاب والتفكير في الانتحار (7).
وفيما يلي حالة تدل على خصائص هذا النوع :
سيد ، عمره (40 سنة ) ، لم يتزوج ، ويعمل بوظيفة كتابية في بنك ، جاء يشكو من أن شخصا أطلق عليه إشاعة في دمنهور … بعد ما عرض علي أن أتجوز بنته ، وكانت ظروفي ما تسمحش ، قال إني ما ليش في الناحية الجنسية .. ، ومن يومها الناس بتبص لي ، وبيتكلموا علي ، وحاسس إن فيه مؤامرة عشان رفضي … ” … ووصل به الحال بعد ذلك أنه كان جالسا في قهوة ، فشعر بنظرات الناس متجهة إلى مكان حساس بجسمه …. فظن أنهم ينكرون رجولته … فقام فجأة وكاد أن يتعرى جزئيا … ليثبت لهم رجولته : ويعمم الأمر ، ويفسر عدم زواجه بأن هذه الإشاعة ، وراءه في كل مكان ..
وبدراسة تاريخه ، وجد أنه ساكن في فندق في القاهرة ، منذ أسابيع مع أن عمله بالأقاليم ، ويقول ” …. اللي مخليني أسكن في مصر أن الإشاعة دي ورايا في البلد … ما اقدرش أقعد على قهوة أو أقول لحد صباح الخير ” .
وتبين من تاريخه الوظيفي أنه غير وظيفته عدة مرات ، حتى التحق من خمس سنوات بوظيفته الحالية ، وكان في علاقاته العاطفية والجنسية شكاكا ، مما حال دون زواجه حتى هذه السن ، وكان يشير إلى نوع غريب من علاقته بالذكور ” … ولو واحد راجل بص لي شوية أحس انكمائ شديد في عضوي ” .
وقد استجاب هذا المريض للعلاج بسرعة ، وعاد إلى حالته قبل المرض دون آثار صريحة أو خطيرة (18 ) .
3 – هذاء الهلوسة المزمنة :
ويتصف بوجود اضطراب في المجال النفسحسي Psychosensory ، يمثل الخلل الأساسي في هذا المرض ، فإذا وجدت ضلالات ، فإننا قد نستطيع أن نرجعها إلى هذا الاضطراب ، وقد تأتي الهلوسات من أي مصدر من الحواس الخمس ، مثل أن يشم المريض روائج كريهة ، أو يرى مناظر بشعة ، أو أن يعيش أ ي هلوسات أخرى وقد يسمع صوته ، أو ” صوتا داخليا Inner Voice ، يهدد أو يعلق أو يؤيد أفعاله وسلوكه بصفة عامة ، كما لابد أن نشير أن الاضطراب النفسحسي لا يمثل نواة الضلالات فحسب ، بل أنه يستمر يشغل حيزا موازيا للضلالات في الصورة الاكلينيكية .
وفيما يلي حالة تدل على خصائص هذا النوع :
سيدة ، مطلقة ، عمرها ( 40 سنة ) ، وليس لها أولاد ، تعيش وحدها معظم الوقت ، وتنتقل أحيانا إلى أختها بضعة أيام في الشهر ، وتعمل في حياكة الملابس بصفة غير منتظمة في منزلها ، وتربي عدة قطط لديها ، وقد أحضرتها أختها لأنها لاحظت عليها أنها تكلم قططها ، وكأنها ترد عليها . وبسؤالها ، حاولت أن تخفي حقيقة ما عندها بأن تقول أنها ” تتونس ليس إلا ” ، ولكنها بعد أن أطمأنت ذكرت أنها تعيش منذ سنوات – حتى قبل طلاقها – تسمع صوتا واضحا يوجهها ويرشدها إلى ما ينبغي ومالا ينبغي … وأحيانا يرضى عنها تماما وأحيانا أخرى يتشاجر معها ، وهو الذي تسبب في طلاقها من زوجها الذي أصبحت لا تطيق الرائحة السامة التي بدأت تفرز منه أثناء الجماع بعد أن نهرها هذا الصوت عن الحياة معه …
أما حكاية القطط هذه ، فقد ذكرت أنها كانت تخفي بها حقيقة الصوت حتى لا يتدخل أحد في شئونها ، وقد قالت أنه أحيانا ما يختفي بعض الوقت وخاصة عندما تزور أختها .. وهي تعذره إذ ذاك ، وتكاد ترتاح لذلك خشية أن يسمعه أحد غيرها هناك … إلا أنها لا تحتمل أن يغيب أكثر من بضعه أيام ، وأحيانا بضعة ساعات ، وإذا زاد الأمر عن توقعها كادت تفقد اتزانها … رغم أنه يخيفها ويزعجها .
وكان من نصل كلامها : ” باخاف منه ساعات … خصوصا لما أكون رايحه المطبخ والدنيا ظلمة ، ومش واخده في بالي … ولما تحكم رأيه إني ماولعش النور ، وأنني ماشية على نور السهراية … لدرجة إني مابقتش أقوم بالليل حق لو مت من العطش ” .
ولم توافق على العلاج أصلا ، لأنها لا تعتبر ما عندها مرضا ، وقد ذهبت تفكر في الأمر ، حين شرح لها المعالج احتمال تطور الحالة إلى ما هو أشد ، أو إلى ما يعوق حياتها العملية وأكل عيشها … ولكنها لم تعد أبدا …
وهكذا نرى إزمان الهلوسات ووظيفتها في تماسك الشخصية وملء فراغ الوحدة … ولكنها هي أيضا السبب في فرض الوحدة بالطلاق ، ومرة أخرى هنا أيضا نشير إلى الانعزال ( وهو يشبه أحد صفات الفصام الرئيسية ) جاء هنا نتيجة للاضطراب النفسي ، ولم يبدأ هو أولا ، ثم ظهرت الهلوسات لتملأ الفراغ … ، ومع ذلك فإن نظرة أعمق لهذه الحالة نجد أن العجز العاطفي عن التواصل مع الزوج كان وراء ظهور الأصوات ، والأمر بالترك ، والرائحة الكريهة ، ثم الطلاق … إذن فهي مستويات تغذي بعضها بعضا ، وتكاد تصل إلى نفس النتيجة لولا أن الشخصية ظلت شديدة التماسك ، وظل التفكير واضحا مسلسلا ، بفضل هذا الجهاز الهلوسي الناجح (18)
4 – الهذاء التخيلي المزمن :
ويتصف بوجود تخيلات مرضية تسير جنبا إلى جنب مع الحياة الطبيعية ، وهي ظاهرة تتصل بشكل ما بظاهرة الانشقاق . وإن كانت هذه الظاهرة تمثل إشكالا تشخيصيا ، فهي في موقف وسط بين الهلوسات من ناحية ، وبين صور الذاكرة والذكريات من ناحية أخرى ، كما أنها في موقف وسط بين حدوثها في وعي محور جزئيا لا هو بالوعي الواضح الثابت كالهلوسات ولا هو بالوعي البديل المختلف تماما كالانشقاق الهستيري .
وفيما يلي حالة تدل على خصائص هذا النوع :
موظف ، أرشيف ، لم يتزوج وعمره (38 سنة ) ، جاء يشكو من صداع في الصباح ، وقال أنه لا يعتقد أن حالته نفسية ، ولكنه جاء استجابة لتوصية أخصائي الأنف والأذن ، وحين سئل عن سبب عدم زواجه حتى هذه السن تردد قليلا وقال : أنه لا يحتاج إلى زواج ، وأن النساء لا يؤتمن … وقد تبين بعد فترة أنه كان قد خطب منذ سنوات زميلة له ، ثم جعلت تؤجل الرد أسبوعا بعد أسبوع لمدة ثلاث شهور … وأخيرا لبست الدبلة من خطيب آخر ، ولم ترد عليه بالرفض إلا بعد أن رأى الدبلة في إصبعها … وقد مضت عليه بعدها عدة ليالي دون نوم ، ثم حلم حلما يشير إلى أن الله سيعوضه عن ذلك كله ، لأنه حفظه من شيطانات الأنس ، ولم يزد على ذلك إلا أنه بعد عدة مقابلات ، بدأ يحكي عن أنه ” مخاوي ” … وأن هذه هو التعويض الحقيقي … وأن الناس لو عرفوا أن الزوجات من تحت الأرض أكثر جمالا وطاعة م بنات الأنس ” المقرفات ” لما تزوج أحد .
ويقول بالنص : ” …. تعرف لو ربنا عرفك وعرف كل الناس فضل الزوجات من تحت الأرض ، ماحدش حايتجوز ولا حايخلف ويمكن البني آدميين تخلص … بس ربنا عايز يحافظ على الجنس البشري لحكمة ما يعرفهاش حد ”
وهكذا نرى أنه لم يحضر يشكو من هذه التخييلات ، بل من عرض جسمي آخر ، لم يجد المعالج له سببا عضويا ، كما نلاحظ تمسكه بالخيالات ووظيفتها التعويضية ، إلا أنه لم يحكي عن أحاديث وأصوات مثل الحالة السابقة ، وإن كان قد أشار إلى الجماع الجنسي الكامل ، ولكنه إلا يحدث قبيل النوم … وفي ضوء معتم … إلا أنه لا ينام بعده أبدا ، بل يصرفها إلى ذويها ، ثم يقوم ليستحم ويتطهر بحمد الله (18)
5 – هذاء سن اليأس :
ويتصف هذا النوع من الهذاء بالضلالات أساسا ، وتكون معبرة عن الخوف من الوحدة والإحساس باقتراب الترك أو الإهمال أو العجز أو الموت ، ويصاحب هذه الضلالات في العادة مسحة من الاكتئاب المترتب عليها .
وفيما يلي حالة تدل على خصائص هذا النوع :
سيدة ، في الثامنة والأربعين من عمرها ، ناظرة مدرسة إعدادي أصيبت بهذه الحالة ” …. طبعا هو حايتجوز علي ، ما أنا عارفة الرجالة وخيانتهم ، يأكلونا لحمة ، ويرمونا عظمة … ودا كله من أم البت الشغالة من يوم ما خدت هدومي القديمة ، وهي عملت عمل …. وأنا ما يهمنيش ، بس المصيبة إنه حايتجوز البنت المايصة مدرسة الرسم ” .
وتبين من تاريخها ، أن مدرسة الرسم هذه تعمل معها هي ، وزوجها لم يراها إلا مرة واحدة منذ عدة سنوات وبالصدفة ، والأغرب أنها كانت متزوجة ، وحين روجعت في ذلك قالت : ” ودا يمنع … ما هي تسيب زوجها … ” . وكانت تشكو من اضطرابات في النوم ، وكثرة المشاجرات في العمل , وعدم الصبر على انتظار الأتوبيسات مثل سابق عهدها (18).
وهناك أنواع وتصنيفات أخرى للهذاء أهمها :
بالرغم من هذا العدد الذي ذكرناه من أنواع وتصنيفات للهذاء ، فإنه لا يمكن أن يغطي كل تصنيفات هذا المرض الخطير والصعب معا … فما زال هناك أنواع أخرى تخرج عن نطاق هذا العمل منها :
1 – الهذاء الجنسي :
حيث يعتقد المريض أن أحد أفراد الجنس الآخر في مركز غني وشهره يحبه ويرسل له رسائل سرية عن طريق الراديو وعلى المسرح وفي السينما والتليفزيون وفي الجرائد والمجلات ، ويكتب له خطابات غرامية مطولة . وقد يظهر في شكل الشك في الخيانة الزوجية . وقد يظهر في شكل الهوس الجنسي والجنسية المثلية .
2 – هذاء المشاكسة :
حيث يصر المريض على الحقوق والمطالبة بها ويحب المشاكل والشكاوي القانونية والقضايا والعناد والخصام ومحاولة تخطيء الآخرين
3- هذاء الغيرة Delusion of Jealousy :
وهو يختلف عن الغيرة العادية في أن الغيرة هنا تكون شديدة عميقة متأصلة صعب فهمها ولا أساس لها ، أي يغار المريض غيرة جنونية على من يحب دون وجود مبرر منطقي أو واقعي لهذه الغيرة … إلخ . وفي مثل هذه الحالة ، قد يصل الأمر إلى حد قتل غريمه أو حبيبه إن سنحت له فرصة ذلك .
4 – الهذاء المختلط :
وهذا يضم عدد من الأشكال السابقة في نفس الوقت (7)
وقد يصاب المريض بنوع واحد – فقط – من هذه الهذاءات ، بينما قد يجمع مريض آخر بين أكثر من نوع منها . وقد ينجح المريض – أحيانا – في إقناع البعض بصحة ما يعتقد ( 19 ) .
تشخيص الهذاء :
فتشخيص الهذاء المزمن ليس صعبا :
1 – قد نجد بعض أعراض الهذاء لدى الشخص العادي الذي يتحيز لمبدأ خاطئ ، لا يقبل فيه مناقشه ، ولكنه بالإقناع يمكن أن يغير رأيه ، ويعترف بخطئه . أما الهذاء المرضي فهو جزء م تكوين شخصية المريض ولا يمكن أن يحيد عنه .
2 – ويجب المفارقة بين الهذاء ( كمرض ) وبين السلوك الهذائي الذي يتسم بالعناد والتمسك الزائد بالآراء وعدم الاعتراف بالخطأ والغرور وإرجاع الفشل إلى تدخل وتأثير الآخرين .
3 – ويجب تفريق الهذاء عن ردود الفعل الهذائية المصاحبة لبعض الأمراض ، مثل الصرع ، وذهان الشيخوخة والكحولية والإدمان ( وخاصة إدمان الكوكايين ) .
4 – ويجب التفريق بين الهذاء وبين الهوس مع الأوهام . فالمريض بالهذاء لا ينفصل عن الواقع ولكنه يفسره طبقا لآرائه هو ، وتكون الأوهام منظمة ومسيطرة على المريض . أما الفصام الهذائي فتنمو أعراضه ببطء ، ويكون وقتيا قصير المدى والأوهام غريبة وشاذة ويختلط الهذاء فيه بأعراض المرض الأخرى ويرافقه الهلوسات والانفصال عن الواقع .
5 – ويجب التفريق بين الهذاء وبين الهوس مع الأوهام . فمريض الهذاء تكون أهوامه منظمة ومؤكدة وأفكاره ثابتة ودائمة ويكون قلقا . أما المهووس فتكون أوهامه عابرة وأفكاره طائرة ويكون صاخبا متهيجا غير مستقر .
علاج الهذاء :
حالات الهذاء لا تحتاج إلى الإيداع في مستشفى الأمراض النفسية ، لأن المرضي يظلون في إطار المعقول فيما يختص بالاتصال الاجتماعي فيما عدا ما إذا كانوا من النوع الخطر العدواني المشاكس أو الجنسي ، فيجب إيداعهم في المستشفى (7) ويبدأ العلاج بدراسة الأسباب التي دعت المريض إلى الاستشارة ، والتي جعلت هذه المنظومة البارنوية تتصاعد في حدتها ، حتى يتوقف التصالح النسبي بين أجزاء الشخصية … وبالتالي عجز التوازن القائم بين المنظومة البارنوية والجهاز السليم الواقعي ، ولم يعد التوافق قادرا على الاستمرار دون تدخل أو تصادم (4). وفيما يلي أهم ملامح علاج الهذاء :
1 – العلاج الطبي :
بالأدوية والعقاقير المضادة للذهان لازم لجعل المريض أكثر طواعية خلال العلاج النفسي . أي أن العلاج الطبي هنا يفيد في بداية العلاج النفسي ، ولكنه لا يمكن أن يحل محله . ومن الأدوية المستخدمة ( فينوثيازين ، وترايفلوبيرازين وتورازين وكلوربرومازين ) لأن هذه العقاقير تعمل لتثبيط وتهدئة الأجزاء القديمة في المخ (18)، إلى جانب علاج الرجفة الكهربائية .هذا إلى جانب ضرورة العناية بالصحة العامة للمريض والراحة إلى أقصى حد (7) .
2 – العلاج بالصدمات الكهربائية ك
وهي تفيد في أغلب الحالات ، وخاصة إذا أعطيت مبكرا ، وبالاشتراك مع المهدئات العظيمة ، أو بعد إعطاء الأخيرة بكميات كافية ولو لوقت قصير (18).
3 – العلاج النفسي : بهدف تخفيف حدة قلق المريض ، وتجديد قدرته على الاتصال على مستوى واقعي في العلاقات الشخصية والتخلص من أوهامه (7) باستخدام العلاج التدعيمي أو العلاج المكثف والجمعي لإعطاء الفرصة لاستيعاب هذا النشاط الداخلي الذي ظهر في شكل مرضي (18) فيبذل المعالج قصارى جهده لحل مثل هذا المشكلات والصعوباته في إدراك الآخرين ، والتوجيه والتأهيل النفسي والتربوي والمهني والعلاج بالعمل . والعلاج الاجتماعي وإعادة التطبيع الاجتماعي والعلاج البيئي .
4– ويجب اتخاذ الاحتياطات اللازمة في حالة السلوك العدواني للمريض
5 – وفي حالة الهذاء المنقول ( الهذاء الثنائي ) يعالج المريض الأصلي ، بينما المريض الثاني يعالج نفسيا واجتماعيا مع الاهتمام بعملية النقل البيئي .
مآل الهذاء :
مآل الهذاء ضعيف عموما وخاصة في حالة أزمانه . وقليلا ما نرى حالة هذاء مزمن تشفئ تماما . ولكن العلاج الطبي وخاصة بالأدوية والعلاج النفسي المناسب المبكر يؤدي إلى نتائج أحسن (7).

الاكتئاب
Depression
يعتبر الاكتئاب – عادة – من الذهان الوظيفي ، وهو حالة من الاضطراب النفسي تبدو أكثر ما تكون وضوحا في الجانب الانفعالي للشخصية ، حيث يتميز بالحزن الشديد ، واليأس من الحياة ، ووخز الضمير ، وتبكيته على شرور لم ترتكبها الشخصية في الغالب ، بل هي متوهمة إلى حد بعيد ، ويقوم المبدأ النفسي القائل بأن النية تساوي الفعل بدور كبير في تغذية الإحساس بوخز الضمير واستثارته ليأخذ بخناق الشخصية يؤنبها بقسوة ، ويجعل حياتها جحيما لا تطاق . وكثيرا ما تصاحب حالات الاكتئاب هذاءات وهلاوس تسندها وتدعمها . ومن هنا ، كان احتمال انتحار المريض كبيرا ، حتى يتخلص من هذه الحياة المملوءة بالحزن والهم واليأس والقلق والمخاوف التي قد تجعله قليل النوم ، بطئ الحركة، رافضا للطعام ، وبالتالي يصاب جسمه بهزال شديد في العادة(12 )

الهوس
Mania
تعريف الهوس :
هو حالة مرضية ذهانية ، تتسم بالغرابة والنشاط النفسي الحركي الزائد والهياج والمرح الذي لا يسيطر عله الفرد ، وتبدو أوضح ما تكون في الجانب الانفعالي للشخص .
تصنيف الهوس :
يقسم الهوس إلى ما يلي :
1 – الهوس الخفيف : Hypomania
وهو أخف أشكال الهوس . وأعراضه المرح المتوسط ، والنشاط الواضح المعتدل ، وهروب الأفكار الخفيف ، والتهيجية ، وعدم التسامح ، والتسرع ، والسعادة المفرطة .
2- الهوس الحاد : Acute Mania
وأهم أعراضه السلوك الصاخب ، والعنف ، وسرعة الأفكار ، والنشاط الزائد جدا والهلوسات والأوهام .
3- الهوس الهذياني : Deliriosu Mania
وأعراضه هي : أعراض الهوس الحاد مضافا إليها الخلط وعدم الترابط واضطراب الوعي واضطراب التوجيه ( بالنسبة للزمان والمكان والأشخاص ) .
الهوس كأحد طوري ذهان الهوس والاكتئاب .
أسباب الهوس :
فيما يلي أهم أسباب الهوس :
1 – وجود الصراع والمواد والأفكار الداخلية غير السارة وتكون حالة الهوس شكلا من أشكال حيل الدفاع كتعويض وكوسيلة نسيان .
2- الفشل والإحباط ونقص الكفاية ومحاولة إنكار ذلك عن طريق لعب دور النجاح والكفاية ( بدون نجاح أو كفاية بالطبع ) .
3 – وجود مشكلات يهرب منها الفرد خارج نفسه لينسى ويبعد عن القلق
4 – وجود مواد مكبوتة تنفس لتقليل الصراع واسترخاء الأنا الأعلى القاسي .
وعندما يسترخي الأنا الأعلى يضعف الكبت ، وتفلت الرغبات والدوافع التي يدور حولها الصراع وتظهر المواد الممنوعة في مستوى الشعور وتجد لها مخرجا في السلوك الهوسي .
أعراض الهوس :
فيما يلي أهم أعراض الهوس :
1 – المرح الشديد والسعادة الوهمية المفرطة والنشوة الزائدة ، والتفاؤل المفرط والتحمس الزائد . والثقة الزائدة في النفس والشجاعة والخيلاء والشعور بالقدرة وكثرة المشاريع غير العملية (7) ، والشعور بالنشاط والخفة والبهجة والرضا عن النفس ، مع الشعور بحسن الحال ، أو حتى الشعور بالعظمة .
2 – السرعة والتعجل في كل العمليات العقلية ، وصرف الانتباه وتحوله بسرعة شديدة ، وميل نحو القيام بنشاط ينقصه التحكم والضبط ، حتى أن الأمور التي بدأها المريض يتحول عنها بسرعة دون أن يتمها ، أي يبدأ في عدة مشروعات دون استعداد (3).
3 – التعرض لأفكار هذائية تبين عن امتياز المريض وعظمته ، وإلقاء المريض للنكت وضحكه الكثير (12 ) .
4 – هروب وطيران الأفكار وسطحية التفكير والسلاطة الفكرية . وتشتيت الانتباه وعدم القدرة على التركيز ، والانتقال السريع بين الموضوعات ومقاطعة الآخرين بمجرد ورود أفكار جديدة ، والأوهام وأفكار العظمة وتوهم الغنى والقوة والأهمية والغرور الزائد والهلوسات أحيانا ، وسرعة الكلام وعلوه ( وأحيانا الكلام المسرحي ) .
5 – النشاط النفسي الحركي الزائد وعدم الاستقرار وزيادة التوتر وعدم المثابرة على العمل وسرعة الانجاز مع ضعف الإنتاج والفوضى في العمل .
6 – النشاط الاجتماعي والانطلاق الزائد ، والإسراف والكرم المفرط . والتبرج الزائد والتزين المفرط . واللامبالاة بالمعايير الاجتماعية وعدم مراعاة مشاعر الآخرين .
7 – سرعة الاستثارة والتهور والسلوك التخريبي أحيانا . والإرهاق والإنهاك ونقص الوزن . والشراهة والإدمان ( في بعض الحالات ) . والأرق واضطراب النوم بصفة عامة .
8 – إسراع ضربات القلب وفرط العرق والإنهاك واحمرار الوجه واهتزاز الأطراف واضطراب الإخراج واضطراب الحيض .
9 – النشاط الجنسي الزائد والاستعراض الجنسي والعرى والكتابات الغرامية(7 )
وهكذا يتبين لنا بوضوح أن حالة الهوس هي الحالة المناقضة تماما لحالة الاكتئاب في أعراضها ، حتى أن التحليل النفسي – في تفسيره لحالة الهوس – يعتبر رد فعل Reaction لحالة أعمق هي حالة الاكتئاب (12 ).
تشخيص الهوس :
من السهل التعرف على حالات الهوس الحاد ، ويجب التفريق بين الهوس وبين هذاء العظمة وبين حالة الكحولية .
علاج الهوس :
يحسن علاج مرض الهوس ( وخاصة الحاد ) في المستشفى . وفي حالة الهياج الشديد أو السلوك التخريبي والنشاط الجنسي والعرى يجب عمل حساب ذلك بوضع المريض في مكان منفصل مع رعاية تمريضية خاصة .
وفيما يلي أهم معالم علاج الهوس :
1 – العقاقير الطبية وخاصة المهدئات للسيطرة على التهيج وعدم الاستقرار النفسي الحركي ، وتستخدم المنومات لإحداث أكبر قدر ممكن من النوم . ويلجأ الكثير من المعالجين إلى العلاج بالنوم المستمر ، ويستخدم علاج الرجفة الكهربائية ( 15 – 20 جلسة ) ثلاث مرات أسبوعيا ، ويستخدم العلاج المائي بالحمامات الدافئة ( لتهدئة المريض ) ، ويجب عمل حساب أي مضاعفات مثل الإنهاك أو هبوط القلب أو هبوط التنفس .
2 – وبعد التحكم في نوبة الهوس باستخدام الأدوية أو الصدمات الكهربائية ، يبدأ العلاج النفسي لاستكشاف النواحي المرضية في الشخصية ومشاعر الوحدة وهبوط احترام الذات أو قيمة الذات ، وتكوين ردود الأفعال التي تؤدي إلى شعور بالقدرة على كل شيء والسيطرة والتحكم ، وحل مشكلات المريض .
3 – العلاج الاجتماعي والراحة والإجازات القصيرة من العمل . وتوجيه نشاط المريض الزائد وجهات بناءة وعملية . والرقابة والإشراف في النواحي الاقتصادية والنشاط الجنسي .
4 – وفي بعض الأحيان يشاهد الشفاء التلقائي من الهوس في مدة تتراوح بين ( 6 – 8 شهرا ) ولكنها تنزع أيضا إلى العودة مرة أو مرات على فترات متفاوتة الطول يبدو الفرد أثناءها – في الظاهر – سويا . وقد يكون السلوك العادي مجرد عبور من نوبة إلى نوبة أو من دور هوسي إلى دور اكتئاب عبر فترة سواء .
5 – وفي حالة أزمان الهوس وعدم استجابته لعلاج الأدوية والصدمات الكهربائية والعلاج النفسي يلجأ الأطباء كحل أخير إلى الجراحة النفسية ( شق الفص الجبهي ) .
مآل الهوس :
مع استخدام علاج الرجفة الكهربائية والأدوية الحديثة المهدئة أصبح علاج الهوس بسيطا وسريعا . وإذا قورن الهوس بالاكتئاب فإن الهوس يقل احتمال أزمانه عن الاكتئاب .

جنون الهوس والاكتئاب
Manic-depression Psychosis
هذه المجموعة من الأمراض تمثل اضطرابا أساسيا في العاطفة ، يتبعه اضطراب في التفكير والسلوك الحركي : سرعة ( هوس ) أو إبطاء ( اكتئاب ) ، وهي تشمل طورين إكلينيكيين ، يتناوبان بانتظام أو بغير انتظام ، وأحيانا لا يظهر طوال حياة المريض إلى طور واحد (18)
تعريف ذهان الهوس والاكتئاب :
هو مرض ذهاني ، يشاهد فيه الاضطراب الانفعالي المتطرف ، وتتوالى فيه دورات متكررة من الهوس والاكتئاب ، أو يكون خليطا من أدوار الهوس والاكتئاب ( وقد يتخللها فترات انتقالية يكون فيها الفرد عاديا نسبيا ) (7 )
هذا ، وكثيرا ما تتعاقب حالات الاكتئاب والهوس على المريض الواحد ، على هيئة نوبات أو دورات ، قد تفصل بينها فترات شفاء ، وعندئذ يصدق على هذه الحالة تسميتها بالجنون الدوري (36 )
هذا وتبلغ نسبة انتشاره بين الشعب حوالي 0.5 – 1 % ، ولكنه يكثر بين المثقفين والطبقات العليا … كذلك فإن نسبته تزيد في النساء أكثر من الرجال ، ولا يحدث هذا المرض إلا نادرا قبل البلوغ .. ويزيد انتشاره كلما تقدم سن الفرد (3) .
تصنيف ذهان الهوس والاكتئاب :
هناك أنماط اكلينيكية ثلاثة لذهان الهوس والاكتئاب :
1 – الهوس ( حوالي 30 % ) .
2 – الاكتئاب ( حوالي 45 % ) .
3 – الذهان الدوري أو المختلط ( حوالي 25 % ) .
درجات طور الهوس :
1 – الهوس الخفيف Hypomania :
ويتميز بأنه يحوي صفات المرض العامة ، أما علاماتها الإكلينيكية فهي :
أ – وجود ثالوث الهوس بدرجة طفيفة لا تصل إلى شدة ذهانية .
ب – يستطيع المريض أن يتحقق من وضعه وعلاقته مع البيئة .
ج – قلما يظهر المريض سلوكا شاذا لدرجة تتعارض مع المجتمع .
د – يبدو المريض مملوءا بالحيوية والنشاط ، لا يكاد يستقر في مكان .
هـ – يميل إلى التعدي ، فتكثر مشاجراته بعض الشيء ويحب السيطرة من حوله ولا يطيق النقد .
و – يرسم المريض كثيرا من الخطط والأفكار ، ويؤكد أنها سبيلها إلى حيز التنفيذ ، ولكنه عادة لا ينفذها بشكل جاد ، وهو يبدأ أغلب المشاريع دفعة واحدة ، ولكنه لا يصل بأيها إلى غايته .
ي – لا يتقيد المريض – أحيانا – بالقواعد الخلقية ، مما يوقعه تحت طائلة القانون .
ز – تظل ذاكرة المريض سليمة ، وقد تزداد حدة .
وفيما يلي حالة تدل على خصائص هذا النوع :
عامل فني ، ( براد آلات دقيقة ) ، عمره ( 37 سنة ) ، متزوج منذ شهور ، وليس له أولاد . جاء يشكو من أرق شديد استمر مدة أسبوع ” …. إنما مش هاممني ، أنا بس قلت يمكن الحالة تتطور … أصل مفيش في الدنيا مستحيل ، أنا تعلمت البرادة بإيدي الشمال ، وتحديت وطلعت الأول في اختبار القبول … وما عدش يهمني ، لما حد يبص لي في الأتوبيس أبص له وأضحك ، يضطر يضحك وأقفش معاه ، أقوم مااصعبش عليه عشان دراعي المقطوع ، أنا بكتب انجليزي وعربي بإيدي الشمال مع إني مش أشول ، أصل الإنسان لو عرف نفسه مافيش في الدنيا حاجة تساعه ، صحيح فيها صعوبات إنما دي من قلة التصرف أهو أنا مسافر اليمن بكره … واتحدى ، بس خايف لا حسن الحالة تزيد علي أقوم أدخل المستشفى ، وهيه لما تزيد ما عرفش أتلم على نفسي ، واتلفت على كل اللي حوالي ، ويمكن أضرب أي حد يكلمني … ”
وبدراسة تاريخه المرضي تبين أن هذه الحالة متكررة ( ثلاث مرات في خمس سنوات ) ، وأنه أحيانا يلجأ إلى العلاج قبل أن تشتد . وأحيانا أخرى تتطور حتى تصل إلى درجة الهياج فيدخل المستشفى . وقد ترسبت ثاني مرة بعد أن أصيب في الحرب ، واضطروا إلى بتر ذراعه اليمنى . هذا ، وقد فسر عدم إكمال دراسته رغم ذكائه البادي : ” ….. كنت غاوي صنعه ، وكنت غاوي اللعب . وكنت غاوي ضرب الإنجليز ” .
وكان تاريخه العاطفي والجنسي حافلا …. أجاب عندما سئل عن خبراته قائلا ” … عاديك … ماتعدش … وفي الآخر اتجوزت عن حب . وماهمنيش حكاية إيدي … ” وكانت شخصيته قبل المرض موفورة الحيوية زائدة النشاط يزاول أكثر من عمل في وقت واحد .
وهكذا نرى كيف يكون طيران الأفكار في حديثه … يسيرا في أول المرض ، وكيف يتصف الهوس الخفيف بالمرح الزائد رغم الأرق المضني ، كما يتصف بالشعور بالقوة والسيطرة حتى على قوى الطبيعة ، ثم كيف تطور في النوبات السابقة إلى هوس حاد أدى إلى دخوله المستشفى .
وقد عولج المريض بالعقاقير المهدئة فأحبطت النوبة ولم تتطور إلى أنواع أشد من الهوس الخفيف (18)
2 – الهوس الحاد Acute Mania : لا يوجد حد فاصل بين الهوس الخفيف والهوس الحاد ، فهما متداخلان … إلا أن الهوس الحاد يتميز بشدة الثالوث الهوسي بوجه خاص ، كما يظهر في الصورة الاكلينيكية على الوجه التالي :
أ – إما أن يشتد بشكل يجعله أقرب إلى السخرية الهجومية ، ويفقد الجانب المشع منه ، وإما أن ينقلب إلى عدوان وغضب مع فرط في الحساسية ، يتناوب مع هذا المرح القاسي .
ب – يشتد انتباه المريض للمؤثرات الداخلية والخارجية على حد سواء ، ولا يستمر في اتجاه معين ، بل ينتقل من مؤثر لآخر .
ج – تضطرب علاقته بالبيئة ، فنراه لا يراعي الآداب العامة ، ويتصرف بشكل فاضح ، ويقول ويفعل ما ينافي الأخلاق والتقاليد المرعية .
د – أن الهلاوس أكثر حدوثا هنا على الهوس الخفيف … ولكنها مؤقتة ومتغيرة عادة ، وتتفق مع الاضطراب الانفعالي الأساسي .
هـ- أن الضلالات – إذا حدثت – تكون متجهة إلى الشعور بالعظمة .
و – أن الأفكار تتطاير ( طيران الأفكار ) ، حتى تبلغ من سرعتها عدم ترابط ظاهري ، في حين أنها درجة شديدة من الطيران .
ي – أن إدراك المريض للبيئة من حيث معرفة الزمان والمكان والأشخاص – أحدها أو جميعها – قد يختل .
ز – أن بصيرته تضطرب ، بل إن كثيرا من هؤلاء المرضى يقول : حين سؤاله عما إذا كان مريضا من عدمه ، يقول أنه الآن ( بعد ظهور الأعراض ) قد شفي ، وأنه كان مريضا قبل ذلك ( يشير إلى أنه لما كان طبيعيا عاديا كان هذا من وجهة نظره الحالية هو المرض بذاته .
وفيما يلي حالة تدل على خصائص هذا النوع :
طالب في كلية …. عمره ( 27 سنة ) ، لم يتزوج ، جاء قسرا مع أخيه ، وكان متخوفا جدا من المعالج ومن الفحص ، وكان يتلفت حوله في رعب ظاهر …يقول أخوه ( جندي بالبوليس ) …. ” …. امبارح كنا بنسمع الراديو ، فلقيناه ابدأ يضحك … عرفنا أن الحالة رجعت … وما نامش ، قلت له النهاردة ، يالله نروح المستشفى ، رفض ييجي … فجبناه بالعافية .. الحالة دي حصلت له من سنتين ونصف ، قعد يغني أغاني عبد الحليم حافظ ، ويجري من هنا وهنا ، وأخذ كهرباء وخف . والمرة الثانية من قيمة سنة بعد ما دخل الجيش مجند حصلت له تاني … وما أعرفش عملوا له إيه هناك … ” هو طالب ممتاز طول عمره الأول ، وبيدرس دراسات عليا ونشيط ولافيش بعد كده ” ….
ولما سئل المريض عن شكواه ، قال : ” … ولا حاجة … مبسوط من الدنيا ، وعايش في الخيال ، والحالة حلوة قوي ، ومافيش أحسن من الصراحة … ولازم أوصل وأبقى زي ما أنا عاوز . وأنت عاوز مني إيه . أنت مالك بيه … ” .
ولما أعطي اختبار للذكاء مزق ورقة الإجابة ، ولكنه اعتذر فورا وقام مندفعا من حجرة الكشف . وبدراسة تاريخه لم تتبين أي سبب ظاهر مسئول عن حالة الهياج المتكررة …
وقد عولج بالصدمات الكهربائية والمهدئات وتحسن تماما في خلال أسبوع واحد من العلاج .
وهكذا نرى كيف يفقد مريض الهوس الحاد بصيرته نهائيا ، وكيف يصاحب شعوره بالفرح خوف ورعب ، ثم كيف أن طيران الأفكار يكون أشد من الهوس الخفيف . ورغم شدة أعراضه إلا أنه يستجيب للعلاج المناسب بسرعة ونجاح (18)
3 – الهوس الهذياني Delirious Mania :
وهو أشد أنواع الهوس ، وقد تتطور حالة المريض من الهوس الخفيف إلى الحاد إلى أن يصل الهذياني ، حيث تكون الخصائص في أشد صورها ، ولكن قد يبدأ المرض في صورة شديدة مباشرة ، فيحضر المريض أول ما يحضر في حالة هذيان تام دون سابق إنذار ن ويكون وعيه مختلطا من شدة فورة عواطفه … ويتميز المريض في هذه الحالة بما يلي :
أ – يتهيج بشكل شديد ، فلا يستقر على حال وقد يحاول تحطيم الأشياء أو الإعتداء على غيره ، وقد يمزق ملابسه أو يتعرى تماما .
ب – لا يتعرف الزمان أو المكان أو الأشخاص بتاتا .
ج – يصاب بهلاوس سمعية وبصرية … وقد يصاب بهلاوس أخرى متنوعة غير مستقرة .
د – تظهر الضلالات .. ، كما يزداد شك المريض فيمن حوله .
هـ – يتصرف المريض بغير تحرج ، فيأتي أعمالا منافية لكل الآداب ، ومنافية للمألوف ، يأتيها ببساطة وتبجح وإصرار .
و – يفقد المريض بصيرته نهائيا .
درجات الاكتئاب :
1 – الاكتئاب البسيط ( غير الذهاني )( Non Psychosis ) Simple Depression :
يتميز هذا النوع من الاكتئاب بما يلي :
أ – نجد أن ثالوث الاكتئاب موجود ، ولكنه لا يصل إلى شدة ذهانية .
ب – لا يوجد سبب ظاهر لهذا الحزن والهمود ، كما لا يسبقه بوجه خاص قلق تكيفي .
ج – يتكلم المريض بصوت منخفض ، ولا يهتم بمن حوله ولا يتتبع الأمور بشغف واهتمام .
د – تقل شهية المريض للطعام ، ويقل نومه ، وعادة ما يستيقظ في ساعة مبكرة من الصباح في أسوأ حالاته .
هـ- يشكو المريض من العجز عن التركيز والاستيعاب ، وقد يلاحظ أن المريض يستطيع القراءة ولكنه يجد صعوبة في الكتابة .
ي – قد تصاحبه بعض أعراض جسمية مثل الصداع وعسر الهضم والإمساك والإنهاك .
وفيما يلي حالة تدل على خصائص هذا النوع :
طالب ، بكلية الزراعة ، جاء يشكو من انصرافه عن العمل ، وانشغاله بأفكار سوداء وفقد الثقة .
ومن نص شكواه ” … زي ما تقول مش قادر اتصرف في حاجة وما عنديش ثقة في نفسي ، فيه حاجات صغيرة مقدرش أعملها : كتابة جواب مثلا …. زي ما يكون فيه شلل في مخي … دايما عندي إمساك باستمرار ، واضطراب هضمي ، ودلوقت أصبحت آكل بدون مزاج ما بحسش بطعم الأكل “.
وبسؤال أخيه هن حالته قال : ” … هوه اتغير كثير ، مش ده أخويا اللي كان يجري ، ويصاحب ، ومايسبش حاجة إلا لما يعملها . دة بيقول إنه شاعر زي ما يكون ارتكب خطأ في حق زملائه … إنما ده مش صحيح يا دكتور ، وهو من سنتين كانت جت له حالة أخف ” .
وبدراسة تاريخه المرضي ، وجد أنه انفصل عن والده منذ ستة عشر عاما ، وذلك للدراسة بين الكويت والقاهرة ، وأنه لا يزوره إلا كل عدة سنوات ، وأنه بذلك مفتقر إلى الجو الأسري ، منذ زمن بعيد ( إلا من شقيقه الذي يقيم معه ) من أجل الدراسة ، وكانت شخصيته قبل المرض من النوع الانبساطي ولم نجد سببا للمرض .
وقد أعطي المريض عقاقير مضادة للاكتئاب ، ولم يستجب سريعا ، وإن توقفت الأعراض عن التطور ، ولما أعطي أربع صدمات كهربائية ثم استمر على العقاقير تحسن تماما ما وعاوده مرحه وانطلاقه وإقباله على الحياة …(18)
2 – الاكتئاب الحاد Acute Depression :
يتميز هذا النوع من الاكتئاب بما يلي :
أ – يظهر ” ثالوث ” الاكتئاب بشكل واضح .
ب – يصبح المريض منعزلا ، لا يختلط بغيره .
ج – يكاد المريض ألا يتكلم إطلاقا ن فإذا تكلم فإن استجابته تكون متأخرة وبطيئة .
د – تزداد الشكاوي المرضية العضوية بشكل ملحوظ ، ويميل أغلبها إلى الهمود .
هـ- يصعب عليه معرفة الزمان والمكان والأشخاص لعدم اكتراثه بشيء وقصور انتباهه معا .
ي – قد يصاحب كل ذلك هلاوس وضلالات تدور حول الشعور بالذنب واتهام النفس .
ز – قد تكون له بداية حادة بلا مبرر ظاهر في العادة ، ويصاحبها شعور وخبرة بتغير الذات ، وتغير العالم من حوله ، ( وهي مشاعر وخبرات أكثر منها أفكار واعتقادات مثلما هو الحال في الوساوس والضلالات التي تحمل نفس الاسم ) .
ع – كثيرا ما يصاحب ذلك هلاوس وضلالات تدور حول الشعور الذنب واتهام النفس .
غ – قد تسيطر على المريض أفكار انتحارية وقد تصل إلى حيز التنفيذ .
ف – نرى من كل ما سبق أن الاكتئاب في هذا النوع وما يليه قد وصل إلى شدة ذهانية .
وفيما يلي حالة تدل على خصائص هذا النوع :
موظف فني ، عمره ( 28 سنة ) ، لم يتزوج ( رغم أنه عقد قرانه ) ، جاء يشكو من ضيق شديد ، وخوف واضطراب وأعراض جسمية ، وكان من شكواه – بنص كلامه – ” …. عندي خوف ، واستغراب ، حامل هم ، ازاي اليوم ده حينقضي ، وأخاف من بكره ، عندي عدم مبالاة تجاه الشغل … فيه حاجة بتقاوم كل تصرف طبيعي عندي … مش عايزاني أضحك ولا أعيش زي الناس … ماعنديش نشاط ، حاسس إني خرقة بالية ، مااستلطفش أقعد مع حد …. ” ، وكان يشكو كذلك من أعراض جسمية : ” ألم في البطن … وألم في الصدر … ضيق تنفس … توتر في الأعصاب – حاسس إنه فيه حاجة شداني ، ومن أعراض الضيق ” … عندي رغبة للصوات باكبتها … باعيط باستمرار ، وأصحى بدري ، مش طايق نفسي .. وبافكر في الانتحار لأني حاسس إني مش حاخف .. أي مرض إما عندي وإما حيجيني … ”
وبدراسة تاريخه الأسري ، وجد أنه ملئ بالحالات المشابهة والأشد حدة ، فكان ابن خالته في مستشفى الأمراض العقلية من عشر سنين ، كما أصيبت أخته وأخويه بحالات مماثلة . وإن كان الخوف يغلب عليها ، ولكنهم شفوا جميعا إلا أخته التي بقي عندها بعض أعراض أهمها فقدان الثقة في النفس …
وكان تاريخه المرضي السابق يشير إلى حالة مخاوف حادة ( خوف من الموت ) ، أصابته بعد استئصال اللوزتين ، كما أصيب بحالة اكتئاب بسيط بعد دوسنطاريا حادة .
أما شخصيته قبل المرض فكانت من النوع النوابي ، وإن غلب عليها الانبساط والانطلاق والحيوية .
وقد ذهب إلى عديد من الأطباء ، وتناول كثير من العقاقير ، ولكن حالته لم تكن تسمح له بالاستمرار في أيها . ولم يكن يصاحبه أحد عند المعالج ليساعده في تحمل المسئولية ، وأخذ العلاج بانتظام ، وذلك لأنه كان يخجل من حالته .
وقد عولج بأربع صدمات كهربائية تحت تخدير عام ( وذلك للتغلب على خوفه ) ، وتحسن جدا ، فانقطع عن العلاج ، فعاودته الحالة بعد أسبوعين ، فجاء بعدها يطلب بشدة أن يكمل العلاج ، فأخذ أربع صدمات أخرى ، وشفي تماما لمدة عام ونصف حتى المتابعة الأخيرة .
وهكذا نرى أعراض الاكتئاب الحاد ، وقد اختلطت ببعض المخاوف – بل والوساوس – ، وكذا اصطحبتها الأعراض الجسمية المرضية الشديدة . وكيف أن كل هذه الأعراض زالت تماما بزوال الاكتئاب ، فهو يقول بعد العلاج : ” … مش معقول !! مش حاسس بأي حاجة من بتاع زمان …. أنا حاسس إني اتولدت من جديد ” (18).
3 – الاكتئاب الذهولي Depressive Stupor :
وهذا هو أقصى طور الاكتئاب ، وإذا وصل إليه المريض ، فإنه قد يصعب تشخيص الاكتئاب ذاته إلا بالتاريخ الطولي ، وسابق أحواله ، ثم بتتبعه أثناء شفائه وحكايته عن هذه الخبرة الآسية ، وقد نقص تواتر هذا النوع بعد التدخل السريع والمباشر لعلاج حالات الاكتئاب قبل أن تصل إلى هذه الدرجة …
ويتميز هذا النوع من الاكتئاب بما يلي :
أ – يبلغ الهمود في التفكير والحركة والكلام درجة تصل بالمريض إلى حد البكم ، حتى لا يستطيع أن يتكلم أبدا ، ولا يقوم بأي نشاط ، ولا يتعاون مع أحد ، بل إنه قد لا يتبول ولا يتبرز ، أو حتى يبصق ، أو يبلع لعابه ، فيملأ اللعاب فمه ، كما تصاب العضلات بالارتخاء .
ب – يبدو المريض للناظر وكأنه لا يحس بأي عاطفة أو شعور ، في حين أنه يكون في أشد حالات القنوط والكدر ، وقد يحكي بعد شفائه عن مشاعره تلك ، وكيف كان حزينا حزنا أسودا ، لا يستطيع حتى التعبير عنه . وقد يحكي المريض أحيانا كيف اعتقد وهو في تلك الحالة أنه مات ( ضلال انعدامي ) .
ج – يضطرب الوعي بشكل واضح . فلا يتعرف المريض على البيئة إطلاقا ، وقد يبدو وكأنه في غيبوبة .
د – تتأثر حالة المريض البدنية ، فنراه ضعيفا هزيلا ، قد تغطى لسانه بطبقة قذرة ، وأزرقت أطرافه ، وأصبح لون جلده ترابيا ، لا تبدو فيه حياة .
هـ – قد تطرأ عليه أفكار انتحارية ، إلا أنه يعجز عن تنفيذها ، ذلك لأن بطئه الحركي يحول دون ذلك ، لذلك يخشى عليه من تنفيذها أثناء تقدمه نحو الشفاء ، لأنه قد يتحسن حركيا قبل أن يتحسن انفعاليا ، مما يسمح بتنفيذ افكاره التحطيمية بشكل يقضي على حياته فعلا .
وفيما يلي حالة تدل على خصائص هذا النوع :
أخصائي اجتماعي في أحد المصانع ، عمره ( 38 سنة ) ، أحضره أهله محمولا في حالة رثة ، وقد أطلق لحيته ، وسال لعابه ، وحكى أحدهم أنه أخذ ينزوي ويبكي منذ أربعة أيام ، على أثر ترك زوجته للمنزل ، ثم لم يعد يكلم أحدا ، ولا يأكل ولا يشرب ولا يحلق شعره أو ذقنه …. إلخ . وبمحاولة سؤاله عن شكواه طأطأ رأسه ولم يرد إطلاقا … ثم انهارت الدموع من عينيه دون كلمة وكان أقاربه يشكون من أن مركزه كأخصائي اجتماعي معرض للخطر لذلك ، ورفضوا رفضا باتا ، أي محاولة لإدخاله المستشفى ، وتعهدوا برعايته حرصا على مستقبله .
وبتقصي تاريخه المرضي ، وجد أنه كافح طويلا – ماديا وأدبيا – حتى وصل حديثا إلى هذا المركز الذي يشغله بعد أن كان موظفا كتابيا ، وأنه تزوج من شهور قلائل ، ثم حدث خلاف زوجي حاد ، انتهى بأن تركت زوجته المنزل ، فكان هذا هو السبب المرسب الذي بدأت بعده الحالة . ولما رفض أهله إدخاله المستشفى بدأ علاجه بالصدمات الكهربائية ، فتحسنت حالته بعد مرتين ، وجاء حليقا وقد غير ملابسه ، وأخذ يشكو ” …. متضايق جدا يا دكتور ، وما كنتش داري بنفسي … كنت حاسس إني زي الميت ، وياريتني عملتها … ” ، وقد حاولنا إقناعه بدخول المستشفى ثانية ، فرفض أهله كذلك … والظاهر أنهم اطمأنوا إلى تحسنه الظاهري ، فخدعوا فيه ، رغم التأكيدات باستمرار ملاحظته … ” ، وكان أن أنهى حياته بعد ذلك بأيام قلائل بالانتحار (18)
أسباب ذهان الهوس والاكتئاب :
1 – الأسباب الوراثية :
تلعب دورا مهيئا للانهيار في اتجاه ذهان الهوس والاكتئاب ( تاريخ إيجابي في أكثر من 70 % من الحالات ) (4). ويؤكد العلماء دور الوراثة في هذا المرض … وقد وجد أنه إذا أصيب أحد التوائم المشابهة لهذا المرض ، فيصاب التوأم الآخر في حوالي ( 33 % ) ، وكذلك تتفاوت النسبة ، بين أبناء المصابين ، بهذا المرض بين ( 10 – 13 % ) … ويقال أن طريقة انتقال المرض تنتشر على هيئة مورثات سائدة .. ويكثر هذا المرض بين الشخصيات ذوي المزاج الدوري ، أي الذين يتفاوتون في مزاجهم بين المرح والاكتئاب مباشرة … (3) .
2 – الأسباب البيئية أو التركيب الجسمي :
فيبدو أن النمط المكتنز أو البدين أكثر عرضه من غيرهم لردود الأفعال العاطفية . ويربط البعض بين ذهان الهوس والاكتئاب وبين اضطرابات الغدد ( وخاصة الكظرية والجنسية ) . ويربط البعض كذلك بين ذهان الهوس والاكتئاب وبين اضطرابات الجهاز العصبي ( مثل زهري الجهاز العصبي وأورام الفص الجبهي ) . ويرى البعض أن هناك علاقة بين ذهان الهوس والاكتئاب وبين اضطراب نسبة المعادن في الجسم .
3 – الأسباب النفسية :
اضطراب العلاقات بين الطفل والوالدين ، واضطراب العلاقات الاجتماعية بصفة عامة . والضغوط البيئية والانفعالية والعوامل الضاغطة في الحياة بصفة عامة ، وصعوبة التوافق معها . والاضطراب الانفعالي للوالدين أثناء طفولة المريض . وفقدان موضوع الحب وفشل العلاقات الشخصية الهامة بين الأزواج . وحدوث اضطرابات انفعالية كثيرة في تاريخ المريض . والسلطة والمعايير الجامدة والعقاب الصارم . ونقص المكانة الاجتماعية (7).
وتؤمن نظرية التحليل النفسي أن من أهم أسباب هذا المرض هو فقدان موضوع الحب مع النكوص للمرحلة الفمية .
4 – الغدد الصماء :
قد تلعب دورا هاما إذ قد يظهر المرض عند التحولات البيولوجية ( سن اليأس ) . (18) . وقد أجريت حديثا الكثير من الأبحاث عن علاقة هذا المرض بنسبة المعادن في الجسم . وعمليات التمثيل الغذائي المختلفة … فقد وجد مثلا أن جسم الفرد المكتئب يحتفظ بكمية من الصوديوم داخل الخلايا يزيد ( 50 % ) على المستوى العادي … أما الشخص المصاب بنوبة الإنبساط فتزيد هذه النسبة إلى ( 200 % ) ، وبشفاء هؤلاء المرضى تعود هذه النسبة إلى طبيعتها … ولإثبات هذه التجربة أعطي بعض مرضى الذهان الدوري كمية من هرمون النخامية ، والذي من طبيعته الاحتفاظ بالماء والصوديوم في الجسم ، فلوحظ أن حالة المرضى ساءت وتدهورت سواء في نوبات الاكتئاب أو الانبساط ، وهذا الاضطراب هو أساس العلاج الوقائي الحديث بالليثيم (3 ) .
ومما يؤيد نظريات الهرمونات العصبية في نشأة مرض الاكتئاب الانبساطي وجود هذه الهرمونات بنسبة أعلى من أي جزء آخر في الدماغ في المناطق الخاصة بالإنفعال وخاصة الهيبوثلاموس والجهاز الطرفي في السطح الأنسي للمخ … كذلك وجد أن نسبة هذه الهرمونات في المرضى المنتحرين من مرضى الاكتئاب تقل في هذه المراكز الدماغية بشكل واضح ، وذلك بعد تحليلات دقيقة في المخ بعد وفاتهم … كذلك بتشريح ودراسة كيمائية مخ بعض مرضى الاكتئاب الذين لاقوا حتفهم لأسباب عديدة أثناء علاجهم بالعقاقير المضادة للاكتئاب ، وجد أن نسبة هذه الهرمونات العصبية تزيد تدريجيا خلال العلاج ، وتصل إلى أقصاها في خلال ثلاثة أو أربعة أسابيع ، مما يؤيد العلاقة الوثيقة بين مرضى الاكتئاب ونسبة هذه الهرمونات العصبية في المخ ، وتأثير العقاقير المضادة للاكتئاب على هذه الهرمونات ووصول أقصى فاعليتها بعد ثلاثة أو أربعة أسابيع (3) .
أعراض ذهان الهوس والاكتئاب :
1 – هناك دوران متميزان في ذهان الهوس والاكتئاب هما : دور الهوس ودور الاكتئاب . ويأتي المرض في أدوار قد يتخللها فترات من السواء النسبي أو الصحة النفسية ( أنظر الشكلين التاليين ) .
ويختلف وقت دوام كل دور ، فقد يقتصر على بضعة أيام ، وقد يستغرق عاما كاملا . وعلى العموم فدور الهوس غير المعالج ، لا يدوم أكثر من ( 6 أشهر عادة ) ، ودور الاكتئاب لا يدوم أكثر من ( 9 أشهر ) . ويلاحظ أن أدوار الهوس اقل كثيرا من أدوار الاكتئاب .
2 – والاضطراب الأساسي يصيب الانفعال والتفكير والنشاط الحركي ، فيسرع في دور الهوس ، فنشاهد المرح وطيران الأفكار ، وزيادة النشاط الحركي ، ويبطيء في دور الاكتئاب ، فنلاحظ الحزن وبطء التفكير ، ونقص النشاط الحركي ، ومن ثم يطلق البعض على أهم أعراض ذهان الهوس والاكتئاب” ثالوث الهوس أو ثالوث الاكتئاب ” (7) .
ثالوث الهوس :
أ – مزاج ومرح ، وقد يتبادل مع الغضب أو الخوف .
ب – زيادة في النشاط الحركي .
ج _ طيران الأفكار .
ثالوث الاكتئاب :
أ – مزاج مكتئب ، وقد يتبادل مع القلق أو الخوف .
ب – بطء في الحركة .
ج – صعوبة وبطء في التفكير (18)
3 – وقد يبدأ المرض بحالة هوس بأعراضها المختلفة ، ثم يبدأ في حالة تحسن ، ثم يدخل في دور الاكتئاب ثم يبدأ في حالة تحسن ليعود بعدها إلى دور نسبي كما ذكرنا . وقد يظل المريض في دور الهوس أو في دور الاكتئاب أو يزاوج بينهما بصورة دورية منتظمة فينتقل من دور الهوس إلى دور الاكتئاب ثم يعود إلى دور الهوس بدون فترات سواء نسبي . وقد تكون الدورات غير منتظمة فتتوالى دورتان أو ثلاث من الاكتئاب ثم تتبعها دورتان من الهوس ..
4 – ويتصف ذهان الهوس والاكتئاب بالإفراط في ردود الفعل الانفعالية مختلطة ببعض أعراض دور الهوس . فمثلا نجد ما يسمى ” الاكتئاب الباسم ” ، و ” الذهول الهوسي ” .
وبالرغم من حدة الأعراض فإن التدهور العقلي والانفعالي لا يحدث ، ويظل المريض متصلا بالواقع .
أعراض دور الهوس Manic Phase : ( راجع أعراض الهوس ص 247 )
أعراض دور الاكتئاب depressive Phase: ( راجع أعراض الاكتئاب ص 245)
تشخيص ذهان الهوس والاكتئاب :
من الملاحظات المساعدة في التشخيص ما يلي :
1 – بداية المرض عادة فجائيا وقليلا ما نجده يحدث متدرجا ، وتنتهي الدورة في حدود ( 6 أشهر ) ، إما تلقائيا أو نتيجة العلاج ، والعودة للمرض مرة أخرى متوقعة ، ولا يحدث تدهور عقلي أو انفعالي عند المريض .
2 – ويجب التفريق بين ذهان الهوس والاكتئاب وبين أعراض المرح أو الاكتئاب التي تصاحب بعض أشكال الذهان العضوي . ففي ذهان الهوس والاكتئاب لا تتأثر الذاكرة والذكاء والوعي بينما تتأثر وتتدهور في الذهان العضوي .
3 – ويجب التفريق بين ذهان الهوس والاكتئاب وبين الفصام . ففي ذهان الهوس والاكتئاب يكون اضطراب الشخصية مسألة ” كم ” أي يكون مسألة ” أكثر ” أو ” أقل ” من الحالة السوية ، ويكون هناك انسجام بين المزاج ومحتوى التفكير والسلوك ، ويكون اضطراب التفكير وعدم الترابط أقل وضوحا ، بينما يكون في الفصام مسألة تفكك الشخصية ، ويبدو ذلك واضحا في السلوك ، ويكون التفكير واضح الاضطراب وغير مترابط وتحدده الهلوسات والهذيانات والأفكار الشديدة الغرابة .
علاج ذهان الهوس والاكتئاب : يتوقف العلاج على نوع المرض ودرجته ، والعلاج ضروري في المستشفى ، وخاصة في الحالات الحادة ، وفي حالة الخوف على حياة المريض أو الآخرين . وفيما يلي أهم معالم علاج ذهان الهوس والاكتئاب :
1 – العلاج الطبي :
ويعتمد على الدور الذي يعالج المريض أثناءه ، وباستخدام ثيوريدازين .
ففي دور الهوس يجب السيطرة على النشاط النفسي الحركي الزائد وعلى السلوك ، وباستخدام كلوربرومازين ، والعلاج بالرجفة الكهربائية والعلاج المائي كمسكن .
وفي دور الاكتئاب يجب السيطرة على الاكتئاب ورفع الحالة المزاجية باستخدام توفرانيل واميبرامين والعلاج بالرجفة الكهربائية ، وعلاج الأعراض المصاحبة ، مثل فقد الشهية والأرق والقلق ، وحماية المريض من الإنهاك الشديد أو الموت جوعا ، والرعاية الخاصة للمرضى الذين يؤذون أنفسهم أو يحاولون الانتحار .(7)
2 – العلاج بالصدمات الكهربائية :
وهي من أنجح العلاجات حتى الآن في حالات الاكتئاب خاصة . وهي تستعمل الآن بطريقة سليمة على ناحية من المخ فلا تحدث نسيانا … وهي نافعة في كل حالات الاكتئاب الدوري تقريبا ، حتى البسيط منها إذا عجزت العقاقير ، ولكنها لا تصلح في حالات الاكتئاب العصابي والاكتئاب المزمن المتراكم القلق .. كما أن توقيتها مهم للغاية ، فهي تصلح في أول ظهور المرض وقرب نهايته بدرجة أكبر منها في ” قمة حدة المرض ” .
هذا وقد تصلح الصدمات قرب نهاية دور الهوس بعد ضبطه بالعقاقير ، وقبل دخوله مرحلة الاكتئاب قبل الشفاء (18).
3 – علاج الأنسولين المعدل :
قد يصلح في حالات الاكتئاب البسيط ، وخاصة إذا صاحب هذا أو ذاك الهزال وفقد الشهية .
4 – العلاج النفسي :
( بعد الإجراءات الطبية التي تجعل المريض أكثر استعدادا للعلاج النفسي ) ويهدف العلاج النفسي في هذه الحالة إلى المساندة والدعم والحماية أثناء الدور ، وفهم وحل مشكلات المريض وصراعاته وإحباطاته وإعطاء الأمل في الشفاء (25) . وقد يصلح العلاج النفسي التدعيمي والتفريغي في حالات الاكتئاب البسيط وقد يغير العلاج النفسي المكثف والعلاج الجمعي بين النوبات ، لإحداث تغيير جذري في الشخصية ، يسمح بالتعبير عن هذه الطاقة الداخلية بطريقة منتظمة ومستمرة وبناءه ، بدلا من ظهورها في نوبات مرضية (18) .
5 – العلاج الاجتماعي والعلاج البيئي :
لتخفيف الضغوط البيئية ولتدعيم توافق المريض اجتماعيا على المدى الطويل . والعلاج بالعمل لإثارة اهتمام المريض وانتزاعه من أفكاره السوداء ومن التمركز حول ذاته في دور الاكتئاب ، ولتنظيم وضبط وتصرف نشاط وطاقة المريض في دور الهوس (7) . حتى يتم تعليمه لنوع أفضل من التفاعل يجابه به مشاكل حياته (18) .
7– العلاج الوقائي ضد النكسة :
( لأن ذهان الهوس والاكتئاب يميل إلى المعاودة ) ، ولذلك يجب إبقاء المريض تحت الملاحظة الدقيقة لمدة طويلة ، وتحت العلاج والتوجيه وتعليمه كيف يعبر عن انفعالاته وكيف يتجنب أخرى . وإذا حدثت النكسة فإنها تحدث بعد فترة تتراوح بين بضعة شهور إلى بضع سنوات .
8 – هذا ويجب دائما الاحتراس من خطر انتحار المريض أو قتل الغير
مآل ذهان الهوس والاكتئاب :
مآل ذهان الهوس والاكتئاب حسن عموما . ويعتبر المآل حسنا : كلما كان المريض متوافقا في الفترة قبل الذهان ، وكلما كان البدء مفاجئا وحادا ، وكلما كانت هناك عوامل مرسبة خارجية واضحة ، وكلما قل تكرار النوبات ، وكلما بدأ العلاج مبكرا .

خبل الشيخوخة
Senile Dementia
خبل الشيخوخة ، أو جنون الشيخوخة Senile Insanity ، أو ذهان الشيخوخة Senile Psychosis ، هو اضطراب عقلي ، يصيب الشخصية نتيجة تقدمها في السن ، ويظهر – تقريبا – في سن الستين ، كنتيجة لتدهور عقلي ناجم عن كبر السن ، أو ناتج عن سوء تغذية المخ في الشيخوخة يؤدي إلى تغيرات في السلوك ، وقد تعاني الحواس والغدد والجلد والشعر لدى المسنين من التغيرات المميزة للشيخوخة ، كما يصاب الدماغ بنوع مماثل من الانحلال – أيضا – فيقل وزنه وتنكمش التلافيف ، وتصاب كثير من الخلايا العصبية بالانحلال (7). أو هو تدهور دائم في القدرات العقلية كافة ، ويشمل التدهور في التفكير والعاطفة والسلوك الحركي جميعا (18)
الأعراض الاكلينيكية لخبل الشيخوخة :
يتصف خبل الشيخوخة بالأعراض التالية :
1 – ففي مجال التفكير ، يتصف بالضحالة والخواء ، وأن حديث المريض مفكك ، وأن الضلالات – إن وجدت – تكون سطحية ومشوشة ومؤقتة (18 ) . كما نجد أن الذاكرة قد ضعفت خاصة للأحداث القريبة ، فلا يستطيع العجوز أن يذكر الأشخاص الذين قابلهم قريبا وإن كان لا يزال قادر على استحضار ذكريات الطفولة بكثير من التفاصيل ، ثم يعقب ذلك طور آخر من الخبل ، فينسى المريض حتى الأمور التي تعلمها منذ زمن طويل ، ويصبح غير قادر على ذكر اسمه أو عمره أو مهنته السابقة (7). كما نجد النقص العقلي وخاصة في القدرة على التركيز ، والأنانية .
2 – أما في مجال العاطفة ، فإننا نجد نقص الاهتمام بالأحداث الجارية ، و سرعة الغضب والتقلب الانفعالي ، فيتصف المريض عادة باللامبالاة ولكنه قد يبدو ضاحكا بلا معنى ولا هدف ويغلب هذا في الأطوار المتأخرة (18 ) والأرجح أن هذا كله استجابة لعجزه عن القيام بعمل ما يلزم لنفسه (7). وقد يظهر الهذاء في أحيان قليلة ، فيعتقد المريض أن أسرته تحاول دس السم له أو الغدر به ، ولكن الهذاء لا يحدث – عادة – إلى للأشخاص الذين كانوا ينزعون إلى الشك وعدم الثقة بالغير في سالف أيامهم (7).
3 – أما في مجال السلوك الحركي والعمل ، فإنه يفقد الارادة تماما ويقوم بأعمال غير اجتماعية ومضادة للمجتمع ، كما قد يأتي أفعالا مشينة ، وربما جنسية شاذة علانية ودون تورع ، ونجد أن عاداته الاجتماعية تتدهور جميعها إلى أبعد مدى (18)
ونادرا ما يظهر خبل الشيخوخة في أشخاص دون الستين ، ومتوسط السن ، لبدء هذه الحالة ، كان في إحدى الدراسات 74 سنة ، فإن بعض الناس تدركهم الشيخوخة في الستين ، بينما يصل غيرهم إلى التسعين دون أن يتأثر بشيء ، وهذا الاختلاف راجع إلى العوامل ذاتها التي تقرر الشيخوخة البدنية ( كالجبلة والأمراض والغذاء وطبيعة العمل الذي قضى الفرد فيه حياته ) ، وهناك بعض الدلائل على أن إدمان الخمر وبعض الأمراض المعدية المعينة تسرع بالإنسان إلى الشيخوخة (12 )
علاج خبل الشيخوخة :
1 – العلاج العضوي :
ويشمل علاج الأسباب إن أمكن ، وعلاج الأعراض الأساسية والمصاحبة ، وتعطى العقاقير المهدئة أو الخافضة لضغط الدم أو الفيتامينات أو المنومات أو العقاقير المعدلة للمزاج والمضادة للاكتئاب حسب الحالة .
2 – العلاج الاجتماعي والتأهيل :
وهو أهم أنواع العلاج ، ويعتمد على إيجاد اهتمامات خاصة للمريض ، وأن نشعره بالاهتمام والتقدير ، ونملأ وقت فراغه ، وندفعه إلى المشاركة في الحياة الاجتماعية ، ونجعله يعتقد أن ما تبقى له كم قوى فكرية وجسمية تكفي لإسعاده في الحدود الجديدة التي يفرضها سنه
وقد يفيد العلاج النفسي السطحي كما قد يساعد العلاج بالعمل كثيرا في هذا الصدد (18).
مرض ألزهايمر
Alzheimer,s Disease
شكل نادر من خبل ما قبل الشيخوخة Presenile Dementia ، يحدث في مرحلة مبكرة نسبيا ( عادة في سن الأربعينيات والخمسينيات ) وتشبه أعراضه – إلى حد كبير – أعراض خبل الشيخوخة ، إلا أنه يحدث في مرحلة مبكرة نسبيا ، ويتطور بسرعة ، وينتهي في خلال أربع أو خمس سنوات – عادة – إلى الوفاة . ويرجع هذا المرض إلى عطب وتدهور يصيب خلايا المخ . ويصاب المريض بالذهول والارتباط وفقدان الثقة ، والنشاط غير الضروري والاهتياج ، ويبدو المريض غير قادر على معرفة ما يدور حوله ، ولا يفهم ما يقال له ، ويعجز عن النشاط الحركي الصائب ، ويضطرب نطقه وكلامه ، ويكرر نطق مقاطع لا معنى لها بدلا من نطق كلمات كاملة ذات معنى، وقد ينتهي به الأمر إلى فقدان تام للقدرة على التعبير بالكلام ، ويستمر المريض في التدهور لبضع سنوات تنتهي بالوفاة .
الصرع
Epilepsy
مصطلح أصله مشتق من اللفظة الإغريقية Epilepsia ، و Epilab ، وتعني : يضغط على ، ويهجم على ، وهو مصطلح يدل في مغزاه على تأكيد أشد أعراض المرض . ولهذا فإن الصرع يشير إلى دلالة اللزمة القوية الشديدة التي تمسك بخناق المريض فتفقده وعيه أو تكاد (17)
وهو مرض يتميز بحدوث تغيرات فيزيائية وكيميائية في خلايا المخ ، ينتج عنها نوبات متكررة من اضطراب السلوك ( الحركي أو الحسي أو النفسي أو اضطراب الوعي ) (18)
وهو أيضا اسم يطلق على مجموعة من الأمراض العصبية Nervous Diseases ، ويعرف بمرض السقوط ، مظهره الأساسي هو التشنج Convulsion ، ونوباته مختلفة الشدة وأيضا مختلفة التكرار ، وأنه اضطراب في الجهاز العصبي ، يتضح في نوبات تقع للمريض على فترات غير منتظمة ، حيث يقع فيها المريض على الأرض مصحوبا بتقلصات عضلية , وفاقدا وعيه ، مع زبد ( رغوة ) على فمه . وقبل حدوث النوبة يصاب المصروع بعلامات تمهيدية تتكون من ومضات من الضوء أو أصوات ذاتية ، أو لحظات من الغثيان ، أما النوبة الحقة فإنها تبدأ حين يصبح المريض متصلبا ، ويقع فاقد الشعور ، وبعد بضع ثوان تبدأ التشنجات في صورة انقباضات وارتخاءات إيقاعية للعضلات كما يظهر زبد اللعاب من حركة الفم ، وقد يعض اللسان نتيجة تحركات الفك التشنجية . والنوبة النموذجية تستغرق دقائق قليلة يظل المريض فاقدا لشعوره ، بعدها فترة من الزمن بينما بدنه في حالة استرخاء . والعادة أن يكون الفرد عقب النوبة متعبا منهبطا … وقد أمكن إيضاح الأساس العضوي للصرع في السنوات الأخيرة بوساطة الرسم الكهربائي للدماغ ( ردك ) الذي يسجل التغيرات التي تحدث في النشاط الكهربائي للدماغ ، وهي تسمى ب( الموجات الدماغية ) . ويختلف الرسم الكهربائي للدماغ لدى المصروعين عن رسم الأسوياء من الناس . وهو يساعد في تشخيص طراز الصرع ، وشدة الحالة المرضية ، وفي بعض الحالات تحديد الموضع الذي يبدأ منه الاضطراب في الدماغ .
من كل ما سبق نستطيع أن نعرف الصرع :
بأنه مرض متميز بحدوث نوبات عصبية ، تشنجية مفاجئة ومتكررة ، والمظهر الشائع لهذه النوبات أنها تصطحب بفقد الوعي وتشنجات تصيب الجسم كله (21 )
أسباب الصرع :
1 – الوراثة :
تلعب دورا هاما في الإصابة بالمرض ، وفي تحديد نوعه ، ومدى تأثيره على المريض (18) . ونسبة الوراثة في الصرع قليلة ، أو أنها تتراوح بين ( 2 – 2.5 % ) (21)
2 – السن :
يحدث الصرع في الأطفال بنسبة أكبر .
3 – الأسباب المرسبة :
أ – تلف موضعي في المخ ( نتيجة للالتهاب أو الأورام أو التليف أو الإصابات وخاصة عند الولادة ، أو كسور الجمجمة )
ب – أمراض عامة ( مثل الحمى والتسمم البولي أو الفشل الكلوي أو الكبدي ) .
ج – اضطرابات التمثيل الغذائي ( مثل التسمم المائي ونقص السكر في الدم ) .
د – اضطراب الغدد الصماء ( مثل إفراز الغدد حول الدرقية الزائد ) .
هـ- وقد يحدث أثناء النوم أو عند الاستيقاظ .
و – كما يحدث نتيجة للاضطرابات العاطفية .
أما أسباب هذا النشاط الكهربائي غير السوي فليست معروفة على وجه يقيني وإن كانت مثل عوامل الوراثة ولإصابات الدماغ عند الولادة وغيرها من حالات التلف وأورام الدماغ قد ذكرت في تعليلها . والأرجح أنه ليس للصرع سبب واحد ولكن عدة أسباب تؤدي كلها إلى النتيجة النهائية نفسها تقريبا . كما أنه لا يوجد علاج شاف وحيد للصرع . ولكن بعض الحالات المنتقاة أمكن مساعدتها بجراحات المخ وأخرى بالعقاقير أو بتنظيم الغذاء (12 ).
أنواع الصرع :
هناك أنواع متعددة من النوبات الصرعية ، وسوف نذكر أهم النوبات الصرعية الأكثر شيوعا في حدوثها ، حتى نتعرف لنلجأ إلى العلاج مباشرة لتجنب المضاعفات ..
1 – النوبة الكبيرة Grand Mal :
وهي التي تسبقها علامات منذرة ، ثم يفقد المريض وعيه ، وتتوتر عضلاته ، ثم يتشنج ويضطرب تنفسه وتزرق أطرافه ، ثم يفيق وينام بعد التشنجات مباشرة ، أو قد يصيبه صداع عنيف ، أو نوبات غضب أو غيرها (7). ومن أهم أعراض الإنذار بحدوث النوبة :
أن يحس بعض الأطفال بتعب مفاجئ من نوع خاص في منطقة القلب ، ويشعر البعض بتنميل في طرف العين ، أو يتذوق في فمه طعم غريب ، أو يشم رائحة قد تكون كريهة أولا … وهكذا .. وهذه العلامات تكون بمثابة إنذار للمريض ، وتعتبر أعراض الإنذار بقدوم النوبة وقاية للمريض من الإصابات وقت النوبة (21) . ومن أهم مواصفات هذه النوبة :
أ – تمر هذه بمراحل ، تبدأ بأن يصرخ المريض ، ثم يفقد الوعي ويسقط على الأرض .
ب – يتبعها ” تشنج توتري ” ، في صورة تقلص في جميع عضلات الجسم ، وقد يصبح وجه المريض أزرق ، وتستمر هذه الحالة حوالي نصف دقيقة .
ج – يتبع هذه ” تشنج إهتزازي ” ، حيث تحدث فترات تقلص العضلات ، تتبعها فترات أخرى قصيرة جدا من الاسترخاء النسبي ، ويكون تنفس المريض ذا صوت عالي ، وقد يعض لسانه ، أو يتبول أو يتبرز بدون شعور ، وغالبا يسيل اللعاب من جانب الفم ، وتستمر هذه الحالة حوالي دقيقتين .
د – يتبع ذلك ” مرحلة الغيبوبة ” ، وهنا يتوقف تقلص العضلات ، وقد يفيق المريض جزئيا قبل أن ينام نوما عميقا ، وبعد صحوه يكون عادة في حالة خلط لفترة ما . وقد يحل محل الغيبوبة أو بعدها نوبة هياج وإندفاع .
وتعد هذه الحالة الأخيرة من الحالات التي تصيب المريض الصرعي ، والتي تحتاج إلى رعاية شديدة ، حيث أن المريض في بعض الأحيان يتصرف بطريقة أوتوماتيكية بدون وعي ، أن يمشي بدون هدف أو يعتدي على الغير ، وقد يرتكب جريمة في هذه الأثناء بدون شعور ويكون خاليا من المسئولية في هذا الوقت (21).
2 – النوبة الصغيرة Petit Mal :
وفيها يضطرب وعي المريض لفترة قصيرة ( ثانية أو ثانيتين ) ويتوقف كل نشاط له ، ثم يعاوده فورا ، وهو أكثر حدوثا في الأطفال (18) . وأثناءها لا يسقط المريض على الأرض ولا تحدث تشنجات أو تقلصات ، ولكنه يصاب بحالة يبدو فيها مذهولا ، كأنه قطع صلته فجأة بما كان يقوم به من نشاط ويشحب لونه ، وتزرق شفتاه ، ويتجه نظره إلى أعلى ، بحيث لا يظهر إلا بياض عينيه ، ويتوقف عما كان يقوم به من أعمال ، مثال القراءة أو المشي أو الأكل … إلخ . ثم يعود إلى ما كان يفعل وكأن شيئا لم يحدث ، ولا يتذكر شيئا مطلقا عما حدث أثناء النوبة .
وتحدث النوبة الصغرى مرات متعددة ومتكررة في اليوم ، ومع ذلك فلا تؤثر على انتباه المريض إلا في حالات قليلة جدا ، التي تحدث بصورة متعددة ، فتؤثر إذا كان تلميذا على تحصيله الدراسي إذا لم يبادر بالعلاج (21) .
3 – نوبات جاكسون Jacksonian Fits :
وتتصف بأنها تبدأ في ناحية واحدة من الجسم ، من موضع بذاته ( زاوية الفم أو الإبهام مثلا … ) ثم تنتشر إلى ما يجاورها ، ولا يفقد المريض وعيه إلا إذا انتقلت إلى الناحية الأخرى – ودلالتها المرضية خطيرة .
4 – النوبات الحشوية Visceral Fits :
مثل القيء المتكرر ، أو التبول الاندفاعي المتكرر ، ويساعد في التشخيص إيجابية رسام المخ ، واضطراب الوعي المصاحب إن وجد ولو طفيفا .
5 – النوبات الحسية Sensory Fits :
مثل الهلوسات المؤقتة المتكررة ، وعادة ما تكون علامات منذرة للنوبة الكبيرة ) .
6 – النوبات النفسية Psychic Fits :
وهي نوبات متكررة في أي مجال من مجالات السلوك :
أ – النوبات الانفعالية ( تتكرر نوبات من الخوف أو الغضب أو الاكتئاب لمدة قصيرة ) .
ب – النوبات الفكرية ( تعاود المريض نوبات اضطراب في الذاكرة أو أفكار قهرية ) .
ج – النوبات الحركية ( تعرف هذه النوبات باسم النوبات النفسية الحركية وقد تكون حركية لاإرادية بسيطة أو نوبات تجوال (18).
فقد يجري المريض وهو يصرخ ، وقد يقول أشياء تدل على رؤية الخيالات أو أشخاص ، وبعد دقائق يعود إلى حالته الطبيعية ولا يتذكر شيئا مما حدث .
وقد يصاب المريض بحالة هياج وعدوان وتخريب لفترة قصيرة ثم يعود إلى حالته الطبيعية .
وقد يدور المريض هائما حول نفسه ، بدون أي غرض أو هدف ، وقد يستجدي الطعام أو السرقة وهو غائب عن وعيه تماما ، وعندما يفيق … يجد نفسه في مكان ما غريب أو في قسم البوليس ، دون أن يتذكر شيئا مما حدث (21) .
7 – النوبة المستمرة Status Epilepticus :
وهي تعني ، أي نوبة من النوبات السابقة ، إذا طالت أو تكررت في تلاحق (18) .
علاج الصرع :
ونظرا لأن نوبة الصرع قد تفاجئ المريض في أي وقت دون سابق توقع ، فإن المصروع ينصح دائما بأن يرافقه باستمرار أحد الناس حيثما يذهب خارج بيته حتى لا يصيبه حادث يضره ، فقد تصيبه النوبة وهو يقطع طريقا فتدهمه سيارة ، أو وهو يسبح في الماء فيغرق .. لذا حيثما كان احتمال ضرره من نوبة الصرع فلا بد أن يصحبه مرافق . وينبغي أن نفرق هنا بين حالة الصرع وحالة الإغماء الهستيري أو التشنج الهستيري التي تشبه إلى حد كبير حالة الصرع باستثناء أن نوبة الهستيريا لا تصيب المريض إلا في المواقف التي تحقق له فيها كسبا وفائدة شخصية فالنوبات الهستيرية تصيب المريض في موقف يأمن فيه على نفسه ، ويكون عادة بين أفراد يهبون لمساعدته ، ويؤنبهم ضميرهم إن كانوا أساءوا إليه فلا يعودون لمثل هذه الإساءة ، خاصة إن كانت النوبة متسببة عن هذه الإساءة وعقبها مباشرة . وهنا يبدو بوضوح ان المريض بالنوبات الهستيرية يستدعيها بإرادة لا شعورية عمدية تحقيقا لفوائد مقصودة وهروبا من وطأة مواقف ضاغطة انفعاليا إلى حالة من اللاوعي بها وبما يتعلق بها ، فيهرب عن طريقها من هذا الضغط ، ويتخفف منه (7).
وحيث أن علاج مريض الصرع يحتاج إلى وقت طويل، لذلك ينبغي أن يكون هناك إتصال مستمر بين الطبيب والمريض ، وبصفة منتظمة ..
وينبغي أن تنظم حياة المريض ، مع توافر الوقت الكاف من ساعات النوم ، وتجنب الأعمال والمواقف التي يتعرض فيها المريض للخطر ، مع ضرورة الالتزام بتعاطي الدواء بصفة منتظمة ومستمرة حسب إرشاد الطبيب المعالج .
1 – العلاج الدوائي :
الغرض من استخدام الأدوية المضادة للصرع ليس فقط توقف النوبات ، ولكن مساعدة المريض أيضا على التأهيل الاجتماعي ، وعلى القدرة أن يحيا حياة طبيعية .
وينبغي على المريض أن يخبر الطبيب المعالج بأي أعراض جانبية عند ظهورها ( كالخمول ، بطء الإدراك ، النعاس ، صعوبة التركيز … إلخ ) .
وفي هذه الحالة يلجأ الطبيب المعالج إلى تغيير نوع الدواء ، أو تخفيض الجرعة .
2 – العلاج الغذائي :
ينصح بوصف الغذاء الذي يحتوي على زيوت ، ودهنيات بكثرة ، وكربوهيدرات ، وبروتينات بقلة ، وذلك لأن تكون مادة الكيتون KETONE الناتجة عن إحتراق غير كامل للدهون لها تأثير مهدئ على الخلايا العصبية ولاسيما في الأطفال .
3 – التخفيض في السوائل :
يعتبر تخفيض كمية السوائل المعطاه للمريض الصرعي أحد الوسائل الفعالة في العلاج .
4– العلاج النفسي :
يتجه إلى مساعدة المريض والأسرة على تقبل الوضع ، ومعرفة حقيقة المرض ، من ناحية أسبابه وعلاجه ، وأهمية المواظبة الدقيقة في العلاج ، وكذلك إتاحة الفرصة للأطفال للتعبير عن مشاكلهم سواء في المدرسة أو في الأسرة ومساعدتهم نفسيا .
5 – العلاج الجراحي :
الإلتجاء إليه فقط في حالات الصرع المتسببة عن ورم بالمخ ، أو جلطات بالمخ ، أو وجود ألياف بؤرية في المخ ( 21).
الإرشادات اللازمة وقت حدوث النوبة :
1 – عدم المحاولة في التحكم في حركات المصاب .
2 – يوضع المصاب في رقدته على جانبه ، وجعل رأسه مائلة قليلا إلى الخلف للسماح للعاب بالخروج وتمكينه من التنفس ، مع فك الملابس عند الرقبة والحزام .
3 – يوضع بحذر منديل أو خافض لسان بين أسنانه كي لا يعض لسانه .
4 – يستحسن وضع وسادة غير لينة تحت راس المصاب .
5 – عدم محاولة إعطاء أي دواء أثناء النوبة وعدم محاولة إيقاظه منها .
6 – يجب تهدئة روع المصاب قدر المستطاع بعد إنتهاء النوبة حيث يكون متعبا وخائفا .
7 – ينبغي تسجيل حالة المصاب أثناء النوبة ومدتها ، ثم تبليغ الطبيب المعالج بذلك (21).

ثالثا : السيكوباتية
Psychopathy
السيكوباتية لغة واصطلاحا :
وتتكون لفظ سيكوباتي Psychopath من مقطعين ، هما سيكو Psycho ومعناها نفس . وكلمة Path ومعناها شخص مصاب بداء معين كالمصاب بمرض عصبي أو عصابي Neuropath ، وتشير إلى إنحراف الفرد عن السلوك السوي ، والانخراط في السلوك المضاد للمجتمع والخارج عن قيمه ومعاييره ومثله العليا وقواعده . (6 ) ولهذا ، فإن السيكوباتية تشمل انحرافات السلوك والخلق ، ويطلق عليها في كثير من الأحيان ” الانحراف السيكوباتي ” .

كاتب المقال :
شذى العوفي
الزيارات:
29380
مشاركه المقال :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*


التعليقات

شذى العوفي
منذ سنتين
#1

الشخصية السيكوباتية :
هو شخص عديم المسئولية ، لا يبالي إلا بملذاته الخاصة ، لا يستطيع تأجيل مسراته وإشباعاته الحسية ، لا تردعه أي قيم خلقية أو دينية ، متبلد الانفعال ، لا يبالي بعواطف الآخرين . يستطيع تمثيل التوبة والطهارة ، والطريق المستقيم عند اللزوم ، ولكنه سرعان ما يعود لسابق اندفاعاته وإجرامه ، نجده متعدد الوظائف ، لا يثبت في عمل واحد أكثر من شهور ، دائم العراك والاحتكاح مع زملائه ورؤسائه ، متعدد الزيجات والطلاق ، لا يعتني بأولاده ولا يهتم بمصيرهم ، ولا مانع عنده من الانضمام إلى العصابات الصغيرة ، وجماعات الإدمان والشذوذ الجنسي . والبعض منهم يتمتع بذكاء خارق يستعمله لمآربه الخاصة وملذاته ، ومن ثم يقع فريسة له كثير من الأبرياء ، ونجد أن تاريخ هذا الشخص يبدأ منذ الطفولة حينما بدأ هذا السلوك المنحرف .. ولم يكمل دراسته ، وله ماضيه في الكذب ، والسرقة ، والنصب ، والاحتيال . (24).
وجاء تصنيف ( ستريكر ) للسيكوباتية متضمنا النماذج الآتية :
1- المجرمون .2- المتقلبون انفعاليا .
3- غير الأكفاء .4- أشباه البارانويين .
5- مدمنو المخدرات والخمر .6- الأفاكون .
7- النصابون .8- المصابون بجنون السرقة .
9- المصابون بجنون إشعال النار .10- المنحلون جنسيا .
11- المنحلون خلقيا .12- أشبه المتذمرين .
13- مدعو المرض .
وإن من أهم سمات الحالات السيكوباتية ما يلي :
1- يجب أن تظهر نزهاتهم منذ سن مبكرة في صورة أعمال مضادة للخلق ، أو في صورة تكبر ظاهر وعناد لسطة الكبار . على أن هذه الصفات قد لا ترى في أحيان نادرة إلا في العقد الثاني من العمر .
2- السيكوباتيون غير قابلين للشفاء ، وهم يقومون بأعمالهم المضادة للمجتمع بإلحاح ، فهم لا يستجيبون للعقاب أو التعلم أو العلاج ، على أن بعض الثقات يقولون إن بعضهم يتحسن أو يشفى بتقدم العمر . أي حين يصل إلى متوسط العمر مثلا . ينبغي بحث نقطة العقاب دون جدوى بعناية ، فكثيرا ما يذكر الآباء أنهم يعاقبون أبناءهم على سوء خلقهم دون نتيجة .
3- يرتكب السيكوباتيون أعمالهم دون خجل . وفي بعض الأحيان علانية بل لقد يفاخرون بها . وليس في مقدورهم أن يحتفظوا بسرية أعمالهم . وقد يدركون باللفظ خطأ هذه الأعمال ولكن ينقصهم نمو العواطف . وهم يستخفون بالأمور ولا يتحمسون لشيء ، كما أنهم على كثير من فجاجة الانفعال . ولكنهم من ناحية أخرى يعجزون عن أي تدبير معقد . وقصاراهم ان يقوموا ببعض الحيل الصغيرة التي يسهل كشفها . ويعوزهم بعد النظر ، فإذا استطاعوا القيام بخطط معقدة أو الاحتفاظ بسرية أعمالهم فهم مجرمون وليسوا سيكوباتيين .
4- وهم لا ينتفعون من التجربة السابقة برغم ما يبدو عليهم في الظاهر من سواء أو تفوق ذهني ، كما أنهم يعيشون في ملذات الحاضر وتجرفهم أهواء اللحظة الراهنة ، وهم لا يعبأون بالنتائج التي يتعرضون لها من أعمالهم ، أو التي يتعرض لها أقاربهم أو المجتمع ، وأن نقص قوى الضبط والكف عندهم ليجعل منهم لعنة المجتمع .
5- والسيكوباتيون يرتكبون جميع أنواع الجرائم ، أي أنهم لا يتحصنون في جريمة بعينها ، فهم يسرقون ويكذبون وينصبون ، وغير ذلك من أنواع الجرائم الصغيرة ، ولكنهم قد يرتكبون الجرائم الخطيرة التي تصل إلى حد القتل ، وإن كان الأغلب أن جرائمهم يقل فيها العنف ولا تتجاوز الجرائم التافهة ، أما المجرمون المحترفون فإنهم غالبا يتخصصون في الجريمة التي يرتكبونها .
6- وجرائم السيكوباتية لا معنى لها ، فهم يسرقون أشياء لا نفع لها منها وهم يكذبون حين ينجيهم الصدق ، وفي حالات الكذب المرضي لا يبدو أن هناك سببا على الإطلاق لأكاذيبهم . والواقع أنهم يكذبون للكذب كهدف في حد ذاته ، وهذا هو الأمر كذلك في السرقة والنصب وكل ما يرتكبون من جرائم . وهم لا ينتفعون من أعمالهم الشريرة . فإذا انتفعوا ماديا منها فهم ليسوا سيكوباتيين بل مجرمين .
7- وعلى الرغم من استمرار سلوكهم المضاد للمجتمع فإنهم يبدون أمام الغرباء كقوم ظرفاء . والواقع ، أن عدم الاستقرار على حالة واحدة سمة ظاهرة فيهم .
8- وسوء السلوك عند السيكوباتيين له صفة الإدمان ، بعكس المجرمين الذين يظهر سلوكهم السيئ في نوبات متقطعة ، لأنهم ينتظرون خير فرصة لارتكاب جرائمهم دون افتضاح .
وهناك بين السيكوباتية و الجناح العادي ” الجانحون العاديون يقومون بأعمالهم عن تعمد وقصد وينتفعون منها ، ويستطيعون وضع خطة معقدة لخدمة أهدافهم حين تكون فرصة الافتضاح واهية وسلوكهم دوريا وليس مستمرا . وهم على مهارة في إخفاء أخطائهم ، فإذا عوقبوا فإن عندهم من الفهم ما يكفي للانتفاع من العقوبة فيبدون الحذر عند ارتكابها مرة أخرى . كما أن عندهم شيئا من النظر . أما السيكوباتيون فإنهم على ذكاء وحدة ، وهم كثيرا ما ينحدرون من أسر لها مكانتها الاجتماعية الطيبة أو المثالية ، كما أنهم على كثير من الظرف والجاذبية ولكن حالتهم غير قابلة للشفاء . وهم الرابطة بين الذهانيين والعصابيين من ناحية وبين المجرمين العاديين من ناحية أخرى . والتمييز بينهم وبين المجرمين قد يكون عسيرا جدا في بعض الأحيان ، ولا يستطيعه إلا ذوو الخبرة بعد فحص شامل مدقق غير متحيز لجميع الاعتبارات ن وبعد تقديم كل البيانات عن الحالة .. ” ( 14 )
ويشير برتنوف وفيدوتوف ( 1969 ) إلى أن السيكوباتية ترجع إلى شذوذ وراثي وعوامل بيئية غير مناسبة تمثلت أساسا في أخطاء في عملية التربية والتنشئة .
ولسوء الحظ ، فإن استجابة السيكوباتي للعلاج هي استجابة ضعيفة ، كما أن السيكوباتي لا يتأثر من العقاب ، ولا ينال منه جانب الردع ، فإن العقوبة م وجهتها النفسية ( السيكولوجية ) على الأقل ليست إلا لونا من العدوان ، يسقطه المجتمع على الفرد ، وإذا كان السلوك المضاد للمجتمع عند السيكوباتي صادرا عن نزعة عدوانية قوية ، فإن العقوبة بالنسبة إليه إنما هي بمثابة وضع الوقود على النار المشتعلة فلن يزيدها إلا اشتعالا ( 14 ).
رابعا : الانحرافات النفسية
Psychological Perversions
يقصد بالانحرافPerversion الضلال والفساد والبعد عن جادة الصواب وعلى ذلك يمكننا وصف أي سلوك تنطبق عليه هذه الأوصاف بأنه منحرف . وهكذا ، ينظر إلى المجرمين والمرتشين والمختلسين والنصابين والمهربين وتجار المخدرات ومتعاطيه والشواذ جنيسا … على أنهم جميعا منحرفون نفسيا.
والفرق بين الانحراف النفسي والسيكوباتية ، هو أن الاضطراب النفسي يكون متعلقا بالجوانب الأخلاقية ومضادا لقيم المجتمع وقوانينه منهما ، إلا أن السيكوباتية أقل في تكرارها وأشكالها ، ولا يكاد يحقق السيكوباتي من سلوكه فائدة لها قيمه ، وكأنه ينفذ سلوكه لا لشيء إلا للسلوك في حد ذاته ، كما أنه لا يخطط لسلوكه ولا يتكتمه عادة ، ولا يخجل إن ضبط متلبسا بالسلوك السيكوباتي .
ونتحدث فيما يلي – بإيجاز – عن أمثلة لهذه الانحرافات النفسية الأكثر خطورة وانتشارا في مجتمعنا الفلسطيني :
1 – الانحرافات الجنسية Sexual Perversions :
أول ما يقفز إلى الذهن لدى كثير من العامة والمثقفين بل والمتخصصين أيضا ، عند ذكر كلمة منحرف ، ” الانحرافات الجنسية ”
تعريف الانحراف الجنسي :
هو أي شكل من أشكال الممارسات الجنسية التي لا تستهدف الإشباع الجنسي السوي عن طريق الاتصال الطبيعي والمشروع اجتماعيا بين الذكر والأنثى .
حالة انحراف جنسي ( البرود الجنسي ) :
هناك الزوجة التي تزوجت ، ومع ذلك فإن زوجها لا يستطيع الاقتراب منها …. إذ أنه بمجرد أن يقترب مها تصاب بحالات التشنج .. والاضطراب العضلي ، بحيث يضطر الزوج أن يبتعد عن زوجته ويعيش معها وكأنها ليست زوجته ” (24).
أسباب الانحرافات الجنسية :
تتعدد أسباب الانحرافات الجنسية ومنها :
1 – الأسباب الحيوية :
كالاضطرابات الفسيولوجية مثل خلل الجهاز العصبي الذاتي ، وخلل الجهاز التناسلي ، واختلال إفرازات الغدد ، والبكور الجنسي أو تأخر البلوغ ، والعقم ، ونقص نمو الخصائص الجنسية الثانوية ، والبلوغ الجنسي وما يصاحبه من سوء توافق ونقص في المعلومات والانزعاج والقلق والمخاوف ، ونقص التربية الجنسية وانعدامها ، والعنوسة ، والحمل غير المرغوب فيه ، وعدم الرغبة في الحمل ، والخوف من الأمراض التناسلية ، والاضطرابات الولادية ، والأمراض المعدية ، وأمراض المخ ، والأمراض العقلية ، وموانع الاتصال الجنسي الطبيعي والإصابات والعاهات والتشوهات الخلقية .
2 – الأسباب النفسية :
كالصراع بين الدوافع والغرائز وبين المعايير الاجتماعية والقيم الخلقية وبين الرغبة الجنسية وموانع الاتصال الجنسي ، والاحباط الجنسي وخواف الجنس ، واضطراب النمو النفسي الجنسي ، والتثبيت على مرحلة سابقة ، وعدم النضج الانفعالي والكبت واستحالة الإعلاء ، والنكوص الانفعالي والتقمص العكسي ، والخبرات السيئة الصادمة والخبرات الجنسية في الطفولة ، والعدوان اللاشعوري ، والعادات غير الصحية ، والشعور الذاتي بعدم الكفاءة الجنسية ، والعقد الجنسية غير المحلولة كعقدة أوديب وعقدة ألكترا وعقدة الخصاء . وفي بعض الأحيان يكون الضعف العقلي من أهم الأسباب . وعدم الشعور باللذة والسعادة في الحياة مما يدفع الفرد إلى الجنس كمصدر للذة (18).
وأوضحت الأبحاث الحديثة في المدرسة السلوكية والعلاج السلوكي القائم على هذه المدرسة أن نشأه هذه الأمراض سببها تكوين انعكاسات شرطية مرضية في حياة الفرد ، كأن تكون أول تجربة جنسية له مع نفس الجنس ، وتتكرر هذه العملية حتى يتولد عنده انعكاس شرطي يفيد أن اللذة تصاحب العلاقة مع نفس الجنس ، ومن ثم إن حاول بناء علاقة مع الجنس الآخر ، فإصابته بالفشل ستعزز عودته لنفس الجنس ، وبالتالي تعزز الإنكاس الشرطي السابق ، يزيد على ذلك نشأة المريض في بيئة أسرية تعزز ضعفه ، خاصة مع الأم المسيطر والأب الضعيف ، وقد فسرت معظم الانحرافات على أساس هذه الانعكاسات سواء الجنسية المثلية ، أو الانقلاب ، أو السادية ، أو الماسوشية أو الفيتيشية ……. إلخ (3) .
3 – الأسباب البيئية :
كاضطراب التنشئة الاجتماعية في الأسرة وفي المجتمع ، والصحبة السيئة ، وطول البقاء في مؤسسات داخلية مع نفس الجنس ( كما في السجون والجيوش مثلا ) ، وسوء الأحوال الاقتصادية ، وكثرة المحرمات والمحظورات ووفرة المثيرات الجنسية ، والانفصال والطلاق والترمل .
أعراض الانحرافات الجنسية :
وفيما يلي أهم أعراض الانحرافات الجنسية :
1 – نحو نفس الجنس : الجنسية المثلية Homosexuality :
وفيها يجد الفرد لذته الجنسية الأساسية عن طريق العلاقة الجنسية بفرد من نفس جنسه . وهكذا ، يجد الذكر لذته الجنسية بشكل أساسي عن طريق اتصاله بذكر آخر ، سواء أكان يقوم بالدور الإيجابي أم يقوم بالدور السلبي في هذا الاتصال . أما اتصاله الجنسي بأنثى فلا يجلب له إلا قدرا ضئيلا أو ثانويا من اللذة ، وقد لا يجلب له لذة على الإطلاق ، بل يمارسه بتقزز ونفور ، وعلى الجانب المقابل فإن الأنثى المصابة بالجنسية المثلية تجد لذتها الجنسية الأساسية في الاتصال بالأنثى ، سواء قامت هي بالدور الإيجابي أو بالدور السلبي في هذا الاتصال . أما إن اتصلت جنسيا بذكر ، فهي لا تجد فيه إلا لذة طفيفة ، أو لا تجد على الإطلاق أية لذة ، وربما تحس تقززا ونفورا (19).
2 – السادية Sadism :
تدل على انحراف ينحصر عامة في استمداد ( اشتقاق ) اللذة الجنسية مما يلحق الغير من ألم بدني ونفسي . والشخص الذي يقع عليه هذا الألم قد يكون من نفس الجنس الذي ينتمي إليه السادي ، أو قد يكون طفلا أو حيوانا ، وفقا لارتباط الانحراف بالجنسية المثلية أو عشق الأطفال أو الحيوانية . كما أن الشخص الذي يقع عليه هذا الألم قد يكون – أيضا – الزوجة أو الزوج ، أو المحبوب من الجنس الآخر . وقد يكون الألم الذي ينزل بالضحية ألما ماديا ( من ضرب ووخز وعض وتشويه قد يصل إلى حد القتل ) ، أو نفسيا ( في صورة التجريح والإذلال ) . وقد لا يعدو أن يكون الألم في بعض الأحايين مجرد افتعال وهو ما يسمى ( بالسادية الرمزية ) . وقد يكتفي السادي بمشاهدة الألم ، لكنه عادة ما يتسبب فيه ذاته . وكذلك ، فقد يكون الإشباع مقصورا على المجال النفسي ، ولو أن الغالب أن يكون مصحويا بإحساس جنسي ينتهي بالتفريغ الجنسي تلقائيا أو عن طريق الجماع أو الاستمناء ( 10 ) كحالة الزوج الذي يستمر في تعذيب زوجته مع إصراره على عدم الطلاق . والقصة المشهورة عن القروي الذي يذبح القطة في ليلة زفافه .. أنه يفعل ذلك أمام زوجته التي تبدأ حياتها معه .. لترى أنه حازم … وقوي (24) .
3 – المازوخية Masochism :
في معناها الواسع هي اشتقاق الفرد للذة من قيام الآخرين بتعذيبه وتوجيه العدوان إليه ، سواء أكان عدوانا ماديا ( كالضرب والإيذاء البدني ، أم كان عدوانا معنويا ، كتحقير الفرد وإهانته وجرح كرامته والسخرية منه وإظهار هوان شأنه , ودنو منزلته وعدم اعتبار مشاعره ، وعرقلة مصالحة والوقوف ضدها .
وفي معناها الضيق هي نوع من الشذوذ أو الانحراف الجنسي ، سواء لدى الذكر أم لدى الأنثى ، عندما لا يجد الفرد لذته الجنسية أساسا إلا إذا كانت مصحوبة بالأذى يوقعه عليه الطرف الذي يمارس معه الجنس ، سواء أكان هذا الأذى ماديا أو معنويا ، وسواء – أيضا – أكان قبل الفعل الجنسي أم أثناءه (10 ) . كحالة المرأة التي تحب الرجل الذي يشعرها بضعفها … ويقسو عليها بعض الشيء … (24) .
وهكذا يلاحظ أن المازوخية عكس السادية تماما ، ولكن إذا كانت السادية تعبر عن غريزة التدمير أو العدوان المتجه إلى الآخر ، فإن المازوخية تعبر عن غريزة التدمير أو العدوان الموجه إلى الذات ، بل إن كثير من المحللين النفسيين يضيفون إلى ذلك أن الأنا الأعلى يستخدم الألم والإيذاء في المازوخية لمعاقبة الذات حتى يمكن تحييد عقدة الشعور بالذنب جزئيا والتكفير عنه (9 )
4 – البغاء Prostitution :
ونعني به تسليم شخص جسمه إلى آخر يستخدمه للإشباع الجنسي وذلك لقاء مقابل مادي ، دون اكتراث عاطفي أو تمييز بين فرد وآخر ( 16 ) فالأنثى البغي تسلم جسدها دون أي تمييز بين الذكور . ومن الشائع أن البغاء يرتبط بالإناث دون الذكور ، بل إن بغاء الذكور قد عرف منذ مدة طويلة .
ومن الجدير بالذكر أن البغاء في كثير من الحالات يكون ناتجا عن ظروف اقتصادية واجتماعية بالدرجة الأولى ، تلجأ إليه البغي مضطرة غير مرحبة ولا سعيدة به عندما تجد فيه الوسيلة السهلة للتكسب وإشباع طموحاتها المادية التي تلهث وراءها ، فيستغلها الآخرون من نقطة الضعف هذه . على أن هذا لا يتعارض مع وجود بعض العوامل والدوافع النفسية الشعورية واللاشعورية المؤدية إلى هذا النوع من الانحراف ، مثل الاستمتاع الجنسي ، وإشباع الدوافع السادية والمازوخية وضحايا الروابط الانفعالية بالآخرين وسطحية العلاقة معهم ، وزيادة القابلية للإستهواء ، وسيادة الجوانب السيكوباتية ، والعجز عن حل الصراعات النفسية حلا إيجابيا بناء (32 )
5 – الأثرية أو الفتيشية :
وهي التعلق الجنسي بالأشياء التي يستعملها الجنس الآخر ، كاللباس أو جزء من جسمه كالشعر مثلا ، والإشباع عن طريقها بدلا من الشخص نفسه .
6 – المظهرية : وهي الاستعراض أو الاستعراء في الأماكن العامة ، والرغبة في لبس ملابس الجنس الآخر والتشبه بهم .
علاج الانحرافات الجنسية :
وفيما يلي أهم توصيات علاج الانحرافات الجنسية :
1 – العلاج النفسي :
خاصة التحليل النفسي والعلاج الجماعي والمساندة الانفعالية والشرح والتفسير والإقناع وعلاج القلق والخوف والاكتئاب وتوهم المرض ، وإيضاح الأضرار النفسية للإنحراف والشذوذ الجنسي وعلاج الشخصية ككل ، وعلاج كل الأسباب النفسية وخاصة أسباب عدم السعادة وتنمية الشخصية نحو النضج . ويفيد هنا العلاج السلوكي ( الاشراط السلبي للمثيرات الجنسية للسلوك غير المرغوب بخبرة غير سارة كالقئ أو أي خبرة سيئة أخرى ، والاشراط الاجابي للمثيرات الجنسية بخبرة سارة (39 )
2 – إرشاد الشباب :
بخصوص الزواج وشرح الحقائق الحيوية ، وإثارة الرغبة في العلاج ، وتكوين اتجاهات جديدة أحسن نحو نفسه ونحو مشكلته ، والتركيز بصفة خاصة على تحذير الفرد من أخطار الانحراف الجنسي تحذيرا مبنيا على أسباب علمية لا على مجرد الخوف ، وتشجيع فكرة ادخار واستثمار الطاقة ، وتأكيد قوة الإرادة وتفوقها على قوة الغريزة . ويجب الاهتمام بالإرشاد الديني والتربية الدينية والتربية الخلقية والتربية الجنسية السليمة .
3 – العلاج البيئي :
بتحسين العلاقات الاجتماعية بصفة عامة ، وتشجيع الميول والهوايات العملية والعلاج بالعمل وتشجيع العمل اليدوي كمصدر للسرور واللذة ، والتمتع بالفسحة والهواء الطلق .
4 – العلاج الطبي :
باستخدام الهرمونات والمقويات أو عقاقير ضبط الدافع الجنسي ، والعلاج بالكهرباء الخفيفة أحيانا ، ومضادات الاكتئاب … إلخ .

2 – إدمان المخدرات
Drug Addiction
حالة نفسية وعضوية تنتج من تفاعل الفرد مع العقار(أو المخدر)، ومن نتائجها ظهور خصائص تتسم بأنماط سلوكية مختلفة ، تشمل دائما الرغبة الملحة في تعاطي العقار بصورة مستمرة ، أو دورية للشعور بآثاره النفسية والعضوية ، ولتجنب الآثار المهددة والمؤلمة التي تنتج من عدم توافره ، وقد يدمن المتعاطي على أكثر من مادة واحدة .
وأنواع الإدمان هي الكحوليات والمخدرات مثل الأفيون ومشتقاته والكوكايين والحشيش والعقاقير المختلفة المنشطة والمطمئنة والمنومة .
والتعود على العقار يزيد الرغبة في الاستمرار على تعاطيه لما يسببه من شعور بالراحة ولتحقيق اللذة وتجنب الشعور بالقلق والألم ويحدث تعود للجسم بحيث تظهر على ( المدمن ) اضطرابات عضوية ونفسية شديدة عند امتناعه عن تناول العقار فجأة ، وانهيار في مستواه الخلقي والاجتماعي ، وتدني قيمه ، وسوء سلوكه وتصرفاته (31 )
ويوجد الإدمان Addiction ، إذا كان الفرد :
1 – يفرط في تعاطي عقار معين .
2 – معتمدا على ذلك العقار فسيولوجيا أو نفسيا ، وفي حالة الاعتماد الفسيولوجي يؤدي الانسحاب من العقار إلى أعراض عضوية مؤلمة . وفي حالة الاعتماد النفسي يؤدي الانسحاب من العقار إلى استجابات وجدانية مؤلمة كالبكاء ، والغضب ، والقلق ، والاكتئاب . وفي عديد من الحالات يتضمن الإدمان – بالطبع – كلا من الاعتماد الفسيولوجي والنفسي .
وهناك أعراض أخرى ترتبط غالبا بالإفراط في تعاطي العقاقير ، وهي :
1 – تغير القياسات الفسيولوجية ( كضغط الدم والنبض وحرارة الجسم )
2 – تغير حجم إنسان العين .
3 – تغير ردود الأفعال المنعكسة .
4 – الهلاوس والهذاءات .
5 – الحركات الهوجاء الخرقاء .
6 – تباين استشارة الجهاز العصبي المركزي ، والتي تتراوح بين الاستشارة الشديدة والذهول .
7 – الزيادة المصطنعة في الثقة بالنفس والقدرة على التفاعل الاجتماعي
8 – انعدام التوجيه وظهور الارتباك العقلي .
9 – السلوك الاندفاعي .
10 – انحدار الصحة الجسمية ( 34 )
11 – انحدار الصحة الجنسية ، فيصاب بالضعف الجنسي ، ويبدأ في الشك في زوجته وفي سلوكه تعويضا لضعفه الجنسي .
12 – القيام بتصرفات غريبة أو إهانات أو الاعتداء على أقاربه أثناء تناوله للعقار ثم نسيان ذلك صباح اليوم التالي وانكاره التام لاحتمال حدث هذا السلوك منه .
13 – وأحيانا ما يصاب بأفكار اضطهادية ، أن الناس تتكلم عنه ، وتتجسس عليه ، وأنهم يبتسمون ويضحكون من منظره … وهكذا . وهذا هو أحد المدمنين الذي أقلع بالطائرة من مطار العريش إلى القاهرة وعند وصوله إلى القاهرة ، أخذ طائرة أخرى وعاد إلى العريش ثم إلى غزة لكي يراقب سلوك زوجته أثناء غيابه (24)
ويعتبر إدمان المخدرات من أخطر المشكلات التي تواجه الفرد في العصر الحالي ، فهاهو الرسام الهولندي رامبرانت(1606 – 1669 ) أصيب بالإدمان على الخمر بعد وفاة زوجته ، عندما كان في سن السادسة والثلاثين ، الأمر الذي أدى إلى انهيار قدرته على الرسم والإنتاج لإصابته بضعف النظر ورعشة اليدين ( 15 )
وينبغي هنا أن نشير إلى الذهان الكحولي Alcoholic Psychosis ، مرض ذهاني خاص ينجم أساسا عن تلف خطير تتعرض له الأنسجة العصبية للفرد في بعض حالات ادمانات الكحوليات ، ومن بعض أعراضه ” هلوسات سمعية وبصرية مخيفة ومفزعة في محتواها ، وخلط في الزمان والمكان ، وقلق ، وضجر ، وعدم القدرة على النوم أو الأكل ، والرعشة ، وعدم التآزر بصفة عامة ، وتشنجات شديدة في بعض الأحيان (22 )
وكما تحدثنا – فيما سبق – عبد البعد الاقتصادي والإنتاجي والصحي للإدمان ، ينبغي أن نشير – أيضا – إلى البعد النفسي والاجتماعي ، وهي كلها أبعاد متصلة ومترابطة ، ويمكن تصورها دون الخوض فيها . ومع ذلك فإننا نورد البحث الذي قام به ( لشيبارد وزملائه ) ، عندما قاموا بدراسة على ( 336 ) من مدمني المخدرات الذكور ، استخدموا فيها الاختبارات النفسية ، وجدوا أن ( 30 % ) منهم تظهر فيهم سمات المرض العقلي ( الذهاني ) ، و ( 16 % ) تظهر فيهم سمات المرض النفسي ، و ( 2 % ) تظهر فيهم اضطرابات المخ العضوية . كما أشارت الاختبارات النفسية – أيضا – إلى أن من يتعاطون أكثر من مادة مخدرة تبرز في شخصياتهم سمة الفصام . وهكذا توضح هذه الاختبارات أن سمات القلق والانحراف السيكوباتي والاتكالية والاكتئاب تشيع في شخصيات معظم المدمنين (15 )
إن خطورة الإدمان تدفع المدمن إلى الانزلاق إلى هاوية الجريمة ، ومن أبناء الطبقة العليا اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا ، ولا ينجو من ضحايا جرائمه سيدات المجتمع ولا كبار شخصياته ، ليس هذا بمستغرب نظرا لسببين رئيسيين :
أولهما : أن الإدمان والتعاطي باهظ التكاليف ، نظرا للغلاء الشديد للمخدرات ، مما يفقر الفرد ويلجئه – مكرها – إلى السرقة ، وارتكاب الجرائم ، للحصول على المال بأية وسيلة ، لشراء ما يحتاجه من مخدر
ثانيهما : أن الإدمان والتعاطي يفسدان العقل ويذهبان بالحكمة والتبصر ( ومن هنا جاء تحريمهما في الإسلام ) . ومن ثم يفقد المدمن أو المتعاطي قدرته على التبصر السليم في عواقب سلوكه ، كما يفقد قدرته على التوجيه السليم لتصرفاته ، فيسهل عليه الوقوع في الجرائم بأنواعها المختلفة دون وعي كاف بما يقوم به من جرائم ، أو ما تترك آثار مدمرة عليه أو على غيره مما يقع تحت طائلة القانون ، أو يخرج به عن التزام القيم الاجتماعية والأعراف الخلقية المحبذة لسير المجتمع وانتظامه(19 )
علاج الإدمان :
هذا وإن المدمن مريض ، يستحق أن نهتم به ونعالجه ، ويجب أن تتدخل المراكز البحثية العلمية عند وقوع جريمة ( مرتكبها ) مدمن لتبحث وتحلل ، للوقوف على الدوافع التي أدت به إلى الإدمان وارتكاب الجريمة ، حتى يمكن إنقاذ غيره من المرضى وإنقاذ المجتمع من التدمير أما من يستحق العقاب فهم المهرب ، والتاجر ، والموزع ، والزارع ، هؤلاء يجب إعدامهم ، لأن لنا خير أسوة لذلك في إقامة الحدود في الشريعة الإسلامية على المستوى العلني ، بحيث يتم الإعدام أو قطع اليد أو الرجم … أمام المساجد وفي الساحات العامة ، وأن ينقل على كافة أجهزة الإعلام ، حتى يكون في ذلك عبرة لمن تسول له نفسه أن يخرج على القانون ، وفي ذلك يقول القرآن الكريم : ” إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أو ينفوا من الأرض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب عظيم ” ( المائدة : 33 ) .
وفي ختام حديثنا – الذي طال – عن أضرار الإدمان على المخدرات وتعاطيها ، يجب علينا الإشارة إلى الوجه الأخر المفيد والإيجابي لحسن استخدام المخدرات وتعاطيها ، فالأصل في استخدام المخدرات هو إفادة البشرية من خواصها وآثارها . ونجد هذا واضحا في حالة ممارسة الأطباء والمعالجين لواجباتهم إزاء مرضاهم ، كما يحدث في حالة إعطاء جرعات مخدرة للمرضى قبل إجراء الجراحات لهم حتى لا يحسوا بالألم ، وكما يحدث عندما يلجأ الطبيب المعالج إلى العقاقير المخدرة للتخفيف عن المرضى من شدة آلامهم … وكما يحدث – أيضا – في علاج بعض الأمراض النفسية والعقلية التي يصحبها هياج للمريض أو هبوط في نشاطه أو اكتئاب أو انسحاب … لكن مثل هذه الحالات جميعا تشترط أن ينصح الطبيب المعالج بتعاطي العقار المخدر ، وأن يحدد نوع المخدر المناسب ومقدار الجرعة وتوقيتها وطريقة تناولها بحيث يكون تعاطي المخدر دائما تحت إشراف الطبيب حتى يمكنه التحكم في منع إدمان المريض له ، وفي سرعة علاجه من الإدمان إذا تعرض المريض له قبل أن يتمكن من المريض ويستفحل ، خاصة وأن بعض العقاقير المخدرة قد تسبب إدمانا إذا تكرر تعاطيها مرات قليلة ، ربما لا تزيد عن الثلاث أو الأربع كالهيروين .

3– النصب أو الاحتيال Posture , Swindling :
هو السلب أو الاستيلاء على ثروات وممتلكات الغير ، بالخداع والغش والإيهام والتدليس ، ويعتبر جريمة يعاقب عليها القانون الفلسطيني الخاص بالعقوبات .
وأهم ما يميز جريمة النصب ( السرقة وخيانة الأمانة ) ، فالنصاب يستعمل حيلا ووسائل يستعين بإيحاءات تجعل المالك يسلم ما يملك إليه طواعية واختيارا ، مع اطمئنان من جانب المنصوب عليه أنه يحقق من وراء ذلك مكاسب كبيرة ، مما يجعل الطمع – كدافع نفسي لدى المنصوب عليه – ييسر له الوقوع في الشرك الذي ينصبه له النصاب ، فيصبح ضحية من ضحاياه . وكثيرا ما يستغل النصاب الجانب الديني ذريعة للاغتيال والنصب والاحتيال والإرهاب المادي والفكري .
هذا وترجع الدراسات النفسية الميدانية والنظرية على شخصية النصاب اتصافه ” بضعف الأنا ، وعجزه عن مواجهة صراعاته وحل مشكلاته نتيجة تثبيتاته الطفلية ، مما يجعله يخضع لمبدأ اللذة ، وينساق وراء الهوى ، ولا يتحمل الإحباط ولا الإغراء ، ولا يستطيع تأجيل الإشباع …( كما ) يبدو الأنا الأعلى كثير الثغرات متساهلا أمام انسياق الأنا وراء رغبات الهو ، وإن كان يبدو – أحيانا – فجا عدوانيا مدمرا ، وفي أحيان أخرى ، تبدو الحاجة إلى أنا أعلى خارجي يقف أمام إشباع رغبات الأنا …. (8 )
خامسا : الاضطرابات النفسية الجسمية
( السيكوسوماتية ) Psychosomatics
ما من مرض جسمي يصيب عضوا من أعضاء الجسد ، أو أي نظام في الجسم كله ، إلا ويتداعى سائر الجهاز العصبي المركزي ، فيستجيب لذلك المرض الذي حل بجزء معين من الكيان العضوي للإنسان ، وذلك استجابة للعملية المرضية Pathological Process الطارئة أو المزمنة (17 )
لذا ” اعترى أوساط الأطباء هزة من الدهشة يوم فاجأها رجلان من كبار جراحي العالم ، هما ( Havery Cushing ) مؤسس جراحة المخ ، و (Chares Mayo ) مؤسس المستشفى الجراحي المشهور باسمه في أمريكا ، فأعلنا في حقل طبي كبير ، أنهما يريان أن قرحة المعدة تنشأ من التوترات الانفعالية ، أي من أسباب نفسية ، ومع ذلك قدما الدليل التجريبي على صحة رأيهما … ” (29 )
” لقد كان الرأي الطبي على أن قرحة المعدة تنشأ من اختلال فحواه أن غشاء المعدة يتآكل بفعل عصيرها الحامض ، مثله في ذلك مثل الطعام . ولكن الأسباب المؤدية إلى هذا الاختلال الوظيفي بقيت غامضة حتى تلاحقت الأدلة في السنوات الأخيرة تثبت تأثير الانفعالات النفسية في وظائف المعدة ، وما تحدثه من اضطراب خطير قد يؤدي في النهاية إلى آفة القرحة ” (28 )
” ويجدر بنا أن نذكر للتو مشاهدات ولف ( Wolf ) وزميله لحالة فريدة لاشك أنها وثيقة ناطقة في هذا الصدد . فقد أتيح لهما أن يشاهدا مريضا أجريت له عملية جراحية ( من حوالي قرن مضى ) هيأ له الجراح بها فتحة خارجية في المعدة أشبه بفم معدي ، فكان يمضغ طعامه ويصبه في أنبوبة تدخل إلى المعدة عن طريق هذه الفتحة . وقد استطاع ولف وزميله أن يراقبا خلال هذه الفتحة تأثير المنبهات المختلفة في غشاء المعدة المخاطي ، وفي حركة جدرانها . فتبين أن كثيرا من الانفعالات مثل القلق النفسي والغضب بنوع خاص يستثير حركة بالغة وإفرازا حامضيا عظيما . وإذا دامت هذه التغيرات زمنا طويلا واشتد فعلها ، ظهرت في غشاء المعدة بقع من النزيف ومظاهر تقرح ، لا تلبث – إذا طال الأمد – أن تتحول إلى قرحات حقة . حتى إذا هدأ الإفراز ، وهبط الاحتقان ، وقلت الحركة ، فإن هذه القرحات لا تلبث أن تندمل . وقد سبق للجراح الأمريكي الكبير ( كوشنج Cushing ) أن شاهد ظهور قرحات في المعدة لدى بعض المرضى ، على عقب تهيج الجهاز الباراسبمتاوي عند إجراء عمليات في المخ المتوسط (30 ).
وتدلنا الملاحظة على انتشار قرحة المعدة لدى الجموحين من رجال الأعمال ، ويدل سلوك المرضى بآفة القرحة على أنهم ينزعون في غير هوادة إلى مواجهة العقبات ومغالبتها ، فنرى المريض وكأنه يوعز : ( إنني رجل القدرة والنشاط والإنتاج ، وإنني أهل للمنح ، وتقديم العون للناس وتحمل التبعات ، أحرص على أن يتوكل علي الناس ، وأن أكون الزعيم المقتدر ، لا يعوزني شيء ولا أسأل أحدا ) . ولكن التحليل النفسي يكشف عما يخفيه هذا السلوك الظاهر من ميول دفينة هي نقيض هذا السلوك ، ميول قوية إلى أن يكونوا موضع الحب والعطف ، ورغبة ملحة في تلقي العون والاتكال على الغير .
كما يدل التحليل النفسي على أن هؤلاء المرضى ينكرون على أنفسهم هذه الميول الدفينة ، فيكتمونها في أعماقهم ، ويقوم في أنفسهم بشأنها صراع خفي عنيف . يبدو – إذن – أن ما يميز سلوك هؤلاء المرضى هو التنكر لما يراودهم من حاجة إلى التماس الحب والركون إلى الغير ، فعوضا عن أن يتلقوا من الغير ، نراهم يبذلون العطاء ، وعوضا عن الاعتماد على الآخرين نراهم يجهدون في سبيل الاستقلال والاكتفاء الذاتي .
أما الدافع إلى تنكر هؤلاء المرضى لميولهم فهو ما يشعرون بما تنطوي عليه من عودة إلى الطفولة ،حين كان الطفل حضينا معتمدا على أبويه ، لا يقوى إلا على تلقي الحب والعون منهما .
وليس من العسير أن نتبين العلاقة بين ما يدور من صراع في نفوس هؤلاء المرضى وبين اختلال وظائف المعدة لديهم ، ذلك أن الميل إلى تلقي الحب والغذاء يرتبط ارتباطا وثيقا بعمليات التغذية منذ الطفولة الأولى ، حين كان الطفل يتلقى الحب والغذاء معا من يد واحدة . فالأم حين تحضن طفلها ترضعه ثديها ، إنما تهبه فوق ذلك حرارة صدرها وحنان قبلاتها . يقترن – إذن – تناول الطعام بتلقي الحب منذ فجر الحياة بحيث يصبح استقبال الطعام رمزا وبشيرا بقدوم الحب ، فإن الحرمان الذي يفرضه هؤلاء المرضى على أنفسهم لا يلبث أن يستثير وظائف التغذية ، فتنشط المعدة إلى الحركة وإلى إفراز عصيرها كأنها تتأهب لاستقبال الطعام .
وكلما كان التنكر لهذه الميول عظيما كان إلحاحها شديدا ، وكان بديلها الفسيولوجي ، أعني نشاط المعدة إلى الإفراز كبيرا . ولكن إفراز المعدة في هذه الظروف ليس طبيعيا ، لأنه غير مقترن بتناول الطعام ، بحيث إن تدفق العصير المعدي الحامضي مع خلوها من الطعام لابد أن ( يؤدي ) إلى اضطراب مزمن قد ينتهي إلى تآكل غشاء المعدة وتكوين القرحة (28 )
ولا يفوتنا أن نشير إلى أن التحليل النفسي للحالات المرضية ، قد أثبت أن أعراض الأمراض النفسية وانحرافات الشخصية لها معنى يمكن معرفته من تحليل المرضى والمنحرفين ، كما أن لها وظيفة تؤديها للشخصية ، ومن هنا كان تمسك الشخصية بها وتشبثها ببقاء المرض أو الانحراف ، نظرا للكسب الذي يعود على الشخصية منها . كما أثبت التحليل النفسي – أيضا – أن لهذه الأعراض المرضية منطقا تخضع له يكشفه التحليل ، فكأن الأعراض المرضية عندئذ مقصودة وهادفة ، لكن كل ما هنالك أنه قصد لاشعوري ، وهدف مموه ممسوخ حتى يتفادى قوى الكبت والمقاومة ويفلت منها . ومن هنا ، تبدو أعراض الأمراض النفسية غير مفهومة ، صعبة التفسير ، ويلزم لحل ألغازها وعلاجها أن يخضع المريض لعملية تحليل نفسي ، ذلك لأنه لا يعي عنها شيئا باعتبارها لاشعورية برمتها . كما ينبغي أن نشير – أيضا – إلى أن قابلية كل مرض للعلاج والشفاء تختلف عن غيره ، بل إن قابلية كل مريض بنفس المرض سوف تختلف – من حيث الشفاء – عن غيره ، تماما كما هو الحادث بالنسبة للأمراض الجسمية ( 19 )
تعريف الاضطرابات النفسية الجسمية :
الاضطرابات النفسية الجسمية هي اضطرابات جسمية موضوعية ذات أساس وأصل نفسي ( بسبب الاضطرابات الانفعالية ) ، تصيب المناطق والأعضاء التي يتحكم فيها الجهاز العصبي الذاتي . ويوجد فرع كامل من فروع الطب الجسمي Psychosomatic Medicine يهتم اهتماما خاصا بهذه الاضطرابات .
النفس والجسم :
الإنسان يسلك في محيطه البيئي كوحدة نفسية جسمية ، تتأثر الحالة النفسية بالحالة الجسمية والعكس صحيح في توازن تحت الظروف العادية لشخصية سوية متوافقة . والجسم يعتبر وسيطا بين البيئة الخارجية وبين الذات ككيان نفسي ، ويؤدي الضغط الانفعالي الشديد المزمن واضطراب الشخصية إلى أن يضطرب هذا التوازن .
وهناك علاقة مباشرة بين الانفعالات والجهاز العصبي الذاتي تنتقل إليه هذه الإنفعالات عن طريق المهيد hypothalamus والجهاز العصبي الذاتي يترجم التوتر الانفعالي المنقول إليه إلى تغيرات فسيولوجية في وظائف الأعضاء . والأجهزة التي يسيطر عليها الجهاز العصبي الذاتي هي : الجهاز الدوري والجهاز التنفسي والجهاز الهضمي والجهاز العددي والجهاز العضلي والهيكلي والجهاز التناسلي والجهاز البولي والجلد .
وكتوضيح على أن الانفعال يؤثر على العمليات الفسيولوجية نجد أن انفعال الحزن يؤدي إلى انسكاب الدموع وأن انفعال الغضب يؤدي إلى إسراع ضربات القلب وأن انفعال الخجل يؤدي إلى احمرار الوجه وأن انفعال الخوف يؤدي إلى شحوب الوجه وأن القلق يؤدي إلى فقد الشهية . ومن المعروف أنه كما يسبب المرض الجسمي الاكتئاب ، فإن الإرهاق العصبي يؤثر في وظائف أعضاء الجسم المختلفة .
ونحن نعلم أنه لا يوجد جسم بدون نفس إلا الجماد والجثث ، ولا يوجد نفس بدون جسم إلا الأرواح والأشباح ، ولا يوجد مرض جسمي بحت يؤثر في الجسم دون النفس ، ولا يوجد مرض نفسي بحت يؤثر في النفس دون الجسم . وإذا حدث أن أعيق التعبير الانفعالي وتوالي الإحباط والصراع والقمع والكبت وأزمن الانفعال بدأ تحويله وظهرت الأعراض النفسية الجسمية .
أسباب الاضطرابات النفسية الجسمية :
وفيما يلي أسباب الاضطرابات النفسية الجسمية :
1- الأمراض العضوية في الطفولة التي تزيد احتمال تعرض أعضاء معينة من الجسم للمرض ، وقلق الفرد على صحته .
2- اضطراب العلاقات بين الطفل والوالدين في عملية الغذاء والتدريب على الإخراج ، ونقص الأمن وفقد الحب والخوف من الانفصال والحرمان والحاجة إلى القبول ، وفقر واضطراب المناخ الانفعالي في المنزل وسيادة جو العدوان والمشاحنات والغيرة ، والخلافات السرية وعدم السعادة الزوجية ..الخ .
3- الصراع الانفعالي الطويل مثل الصراع بين الاعتماد على الغير وبين الاستقلال . والكبت الانفعالي ( وخاصة كبت الغضب المرتبط بنقص القدرة والقوة ) والعدوان المكبوت واختزان الحقد والغيظ والشعور الطويل بالظلم ، والضغط الانفعالي الشديد المستمر والتوتر النفسي ، والانفعالي الطويل المزمن واستدخال التوتر وتحويله داخليا وتسلطه على عضو ضعيف ، فيحدث اضطراب في طاقته الوظيفية العادية . والخوف وعدم الشعور بالأمن . والاحباطات المتراكمة في الأسرة والعمل ، والقلق الشامل المستمر وخاصة عندما يوجد حائل دون التعبير اللغوي أو النفسي أو الحركي عنه . والحزن العميق على وفاة عزيز أو الطلاق أو الفشل ، والمطامح غير الواقعية أو غير الممكن تحقيقها . والضغوط الاجتماعية والبيئية واضطراب العلاقات الاجتماعية .
4 – التجارب الجنسية الصادمة ، أو الحب المحرم ، ومشاعر الإثم ، وعدم الرضا الدائم .
5 – التعرض للمواقف الحربية العنيفة .
تشخيص الاضطرابات النفسية الجسمية :
1 – يجب أولا الاهتمام بالفحص الطبي الشامل ، واستطلاع تاريخ حياة المريض وتاريخ المرض وتكوين وبناء الشخصية .
2 – ويلاحظ أن المريض لا يعرف بسهولة بأن مرضه نفسي جسمي ، ولكنه يسر غالبا على أنه جسمي فقط .
3 – ويلاحظ ، أيضا أنه عند معرفته بهذا التشخيص ، تبدو دفاعاته النفسية في النشاط بشكل ملحوظ ، وقد تزداد حدة نوبة المرض ، بشكل واضح ، أثناء محاولة التشخيص .
4 – ومن العلامات الدالة ، على أن الاضطراب نفسي جسمي : وجود اضطراب انفعالي ، يعتبر عاملا مرسبا ، وارتباط الحالة بنمط معين من أنماط الشخصية ، ووجود اضطراب نفسي جسمي سابق لدى المريض ، ووجود تاريخ مرضي في الأسرة لنفس المرض أو اضطراب مشابه ، وسير المرض يكون مرحليا ( مراحل شفاء ومراحل مرض ) .
5 – ويلاحظ الشبه الكبير بين أعراض المرض النفسي وبين أعراض التوتر الانفعالي .
6 – ويجب التفرقة بين العرض النفسي الجسمي وبين العرض كأحد أعراض الأمراض النفسية الأخرى . فمثلا قد تكون العنة أو الضعف الجنسي أو البرود الجنسي أو فقد الشهية العصبي اضطرابا نفسيا جسميا في حد ذاته ، وقد تكون عرضا من أعراض الاكتئاب .
7 – ويجب المفارقة بين الأعراض النفسية الجسمية وبين الأعراض الهستيرية ، فمثلا في الهستيريا تصيب الأعضاء التي يسيطر عليها الجهاز العصبي المركزي ، والأعراض تعتبر تعبيرات رمزية غير مباشرة عن دوافع مكبوتة ، وتخدم غرضا شخصيا لدى المريض . بينما في المرض النفسي الجسمي تصيب الأعضاء التي تسيطر عليها الجهاز العصبي الذاتي ، والأعراض عبارة عن نتائج مباشرة لاضطرابات انفعالية تخل بتوازن الجهاز العصبي الذاتي .
أشكال الاضطرابات النفسية الجسمية :
1 – اضطرابات الجهاز الدوري ( هي التي تحدث في القلب والدورة الدموية ) وأهمها :
أ – الذبحة الصدرية : وهي عبارة عن تقلص في الشرايين التاجية يعوق سير الدم فيها مؤقتا ، وينتج عن ذلك نقص في تغذية عضلات القلب ن مما يسبب نقصا في الأكسجين اللازم لتمثيلها الغذائي ، ويتبع ذلك حدوث آلام في الصدر .
ب – عصاب القلب : ويعبر عن مجموعة أعراض نفسية المنشأ مجملها اضطراب عمل القلب ، وأعراضه الخفقان واللغط وعدم الانتظام والألم وتشنج القلب ، وقصر التنفس والتعب لأقل مجهود ، ويصاحبه خواف الموت.
ج – ارتفاع ضغط الدم : يلاحظ أن العصاب العارض يؤدي إلى ارتفاع عارض في ضغط الدم . كذلك يؤدي الغضب المزمن إلى ارتفاع مستمر في ضغط الدم . واستمرار ارتفاع ضغط الدم يضع عبئا ثقيلا على الأوعية الدموية قد يؤدي إلى نزيف في المخ وجهد زائد على القلب .
د – انخفاض ضغط الدم : ويصاحبه الإنهاك والعزوف عن أي عمل مرهق والرغبة في النوم .
هـ- الإغماء : حيث يفقد المريض وعيه عندما يحدث انخفاض مفاجئ في ضغط الدم .
2 – اضطرابات الجهاز التنفسي : وأهمها
أ – الربو الشعبي : ويطلق عليه أحيانا اسم الربو العصبي ، ويشاهد فيه صعوبة التنفس نتيجة لتقلص الشعيبات وتورم أغشيتها المخاطية وزيادة إفراز الغدد المخاطية القصبية والشعور بالضغط على القفص الصدري وضيق الصدر والنهجان وصعوبة مرور الهواء إلى ومن الرئتين . وتحدث النوبات عادة عقب أحداث انفعالية .
ب – ومنها أيضا التهاب مخاطية الأنف .
3 – اضطرابات الجهاز الهضمي : وأهمها :
أ – قرحة المعدة أو القرحة الهضمية : يلاحظ أن القلق الوقتي يؤدي إلى اضطراب معدي مؤقت . كذلك يؤدي القلق المزمن إلى قرحة المعدة .
ب – التهاب المعدة المزمن : ويشمل أعراضا معدية مختلفة مثل عسر الهضم والتجشؤ أو الجشاء ، وإخراج الغازات بكثرة ، وقرقرة الأمعاء وآلام البطن .
ج – التهاب القولون : ويشاهد فيه تناوب الإسهال والإمساك والتقلصات أو المغص وامتلاء البطن بالغازات ووجود المخاط في البراز .
د – فقد الشهية العصبي ( الخلفة ) : ويشاهد فيه رفض الطعام وعدم الرغبة فيه ، وعدم الإقبال عليه ، وما يصاحب ذلك من نحافة ونقص الوزن ، وجفاف الجلد ، وبرودة الأطراف … إلخ . وقد يحدث نتيجة اضطراب الغدد ، وقد يكون رد فعل لخواف السمنة . وفي الحالات الشديدة من فقد الشهية العصبي تظهر أعراض مصاحبة مثل انقطاع الحيض ، وغياب الرغبة الجنسية ، والهزال ، وتشاهد بعض الاضطرابات السلوكية .
هـ- الشراهة : وشراهة الأكل تكون في الغالب نتيجة لرغبة جارفة وحاجة ملحة للحب ولتملك موضوع الحب .
و – التقيؤ العصبي : يشاهد الغثيان والتقيؤ العصبي يرتبط غالبا بالشعور بالذنب ، وكرمز لرفض الحمل أو مقاومة الرغبة في الحمل .
ز – ومنها أيضا : الإمساك المزمن والإسهال .
4 – اضطرابات الجهاز الغددي : وأهمها :
أ – مرض السكر : حيث يضطرب التمثيل الغذائي ، ويرتفع مستواه في البول والدم نتيجة القلق والتوتر والضغط الانفعالي .
ب – البدانة ( السمنة المفرطة ) ، حيث يزيد الشحم في الجسم ويزيد وزو الجسم ( 25 % ) عن وزنه المعياري . ويقول البعض أن الشخص البدين يعاني من الحرمان ، ويكون لديه حاجة للحب والعطف والأمن وتقدير الذات ، يشبعها ويعوضها رمزيا بالأكل .
ج – التسمم الدرقي ( فرط إفراز الدرقية ) : حيث تتضخم الغدة الدرقية ويزيد إفراز هرمون الثيروكسين ويفقد المريض وزنه ، ويصبح متوترا عصبيا وتجحظ عيناه ، ويبدو شكله كما لو كان منزعجا . والحقيقة أن تسمم الغدة الدرقية يتأثر باضطراب الغدة النخامية ، وهي تفرز ضمن ما تفرز هرمونين ينشط أحدهما إفراز الثيروكسين والثاني يزيد من كمية الشحم خلف العينين وبذلك تبرز العينان إلى الأمام ( جحوظ العينين ) .
5 – اضطرابات الجهاز التناسلي : وأهمها :
أ – العنة ( الضعف الجنسي عند الرجل ) : ولها عدة أشكال منها : عدم القدرة على الانتصاب نهائيا مع عدم وجود ميل للجماع ، وفشل جزئي للانتصاب مع ميل جزئي للجماع ، وفشل دوري للانتصاب مصحوب بشهوة محدودة ، وزوال الانتصاب بعد الإيلاج وعدم إتمام العملية الجنسية ، والعجز عن أداء العملية الجنسية مع أنثى دون أخرى .
ب – القذف المبكر : أو الإنزال السريع جدا بعد بداية الجماع في حدود ثوان ، بحيث يسبق انتعاظ المرأة مما يؤدي إلى سوء توافق الحياة الجنسية .
ج – القذف المعوق أو الإنزال البطئ جدا أو التأخر .
د – البرود الجنسي ( عند المرأة ) : وهو إعراض المرأة عن العملية الجنسية أو نفورها منها أو نقص أو عدم الاستجابة الجنسية ، وسلبية المرأة وعدم تجاوبها أثناء العملية الجنسية ، أو عدم القدرة على الوصول إلى الهزة الجنسية الأخيرة ، وهو باختصار غياب الجانب الجنسي للحب عند المرأة .
هـ- تشنج المهبل : أي التقلص اللاإرادي في عضلات المهبل ، مما يجعل العملية الجنسية صعبة أو مستحيلة ، وهذا يعبر عن النفور من الجماع وتجنبه .
و- اضطراب الحيض : ويكون ذلك في شكل عسر الحيض ، وتوقفه وعدم انتظامه أو انقطاعه ، ويسبقه التوتر النفسي والتهيج والاكتئاب والأرق ، ويصاحبه الألم والغثيان والقيء والتعب الجسمي العام .
ي – العقم : وهو في نفس الوقت يعتبر سببا مهيئا ومرسبا للأمراض النفسية ، ويبعث على الشعور بالنقص وعدم الكفاية ، وقد يستتبعه الضعف الجنسي وخيبة الأمل والشعور بالحرمان من غريزة الوالدية .
ع – ومنها أيضا : الإجهاض المتكرر .
6 – اضطرابات الجهاز البولي : وأهمها :
أ- احتباس البول .
ب – كثرة مرات التبول .
ج – سلس البول ( البوال ) .
7 – اضطرابات الجهاز العضلي الهيكلي : وأهمها :
أ – آلام الظهر : وتكون غالبا في أسفل العمود الفقري . وتظهر الآلام بصفة خاصة أثناء العمل والضغط والإجهاد الانفعالي .
ب – التهاب المفاصل الروماتزمي : وأهم أعراضه ألم المفاصل وتورمها وصعوبة الحركة . ويشاهد أكثر لدى الإناث .
ج – اضطرابات الجلد : وأهمها :
– الشرى ( أرتيكاريا ) وهي عبارة عن طفح جلدي بشكل بثور ناتئة بسبب حكاكا قد يكون شديدا . ويقال أنها تمثل رمزيا البكاء المكبوت .
– التهاب الجلد العصبي : ويقال أنه يرتبط بالرغبة الجنسية المكبوتة .
– الحكاك ( الحكة ) أو الهرش ، ويعتبرها الكثيرون تعبيرا عن العدوان المكبوت والتوتر النفسي ، والدافع الجنسي ، وتعبر عن عقاب الذات كاستجابة للشعور بالذنب .
– الأكزيما العصبية وهي مناطق جلدية بها هرش شديد وتظهر غالبا في الرقبة وحول الحاجب وأعلى الصدر والأعضاء التناسلية .
– سقوط الشعر ( الثعلبة ) ، ويكون محدودا أو قد يشمل كل الرأس .
– فرط العرق ، ويكون العرق غزيرا عادة في الكفين وبطن القدمين وتكون الأطراف باردة .
8 – اضطرابات في الجهاز العصبي : وأهمها :
أ – الصداع النصفي ( الشقيقة ) : يؤدي التوتر الانفعالي الزائد الذي يؤدي إلى ارتفاع ضغط الدم في المخ إلى الصداع . ويحدث أكثر لدى الإناث .
ب – إحساس الأطراف الكاذب : ويحس به مقطوعو الأطراف . وتعبر هذه الظاهرة عن بقاء صورة الجسم الأصلية بعد فقد طرف من الأطراف أو عضو من أعضاء الجسم . وفي الوضع العادي يبدأ إحساس الأطراف الكاذب في الزوال مع الوقت حين يتوافق المريض وتتكون صورة جديدة للجسم .
علاج الاضطرابات النفسية الجسمية :
من الضروري الجمع بين العلاج الطبي والعلاج النفسي لعلاج الاضطرابات النفسية الجسمية ،وفيما يلي معالم علاج هذه الاضطرابات:
1 – العلاج النفسي الممركز على سبب المرض والذي يتناول النواحي الانفعالية وحل مشكلات الشخصية وإزالة العقبات وحل الصراعات الانفعالية والتنفيس الانفعالي لإزالة القلق المزمن وإعادة الثقة في النفس وتنمية البصيرة وتنمية الشخصية نحو النضج الانفعالي بصفة خاصة . والعلاج النفسي التدعيمي المرن الذي يهدف إلى تعديل نمط حياة المريض ونصح المريض بتجنب مواقف الانفعال الشديد والإجهاد العقلي المت

ريتاج فهد
منذ أسبوعين
#2

استفدت من المعلومات الكافيه وشكرآ لكم