جرائم القتل في الوسط الأسري بين اضطرابات الشخصية والاضطرابات النفسية
أي دور لأساليب التعلق؟
محاولة فهم وتجاوز مخاطر الإساءة الجسمية والنفسية في ضوء بعض الدراسات
د. بوعلام قاصب
باحث بجامعة الجزائر2 أبو القاسم سعد الله

– ملخص المداخلةM
تهدف الدراسة الحالية إلى تشريح ظاهرة العنف والسلوك الإجرامي المفضي إلى القتل في الوسط الأسري ومحاولة تشخيص الأسباب النفسية وراء ذلك مع محاولة فهم أولئك الأفراد ممن ارتكبوا جرائم قتل في حق الأصول او الفروع وكذا بين الزوجين وذلك من خلال البحث في طبيعة العلاقة بين أساليب التعلق غير الآمنة وكل من الاضطرابات النفسية والعقلية كالاكتئاب العام والاكتئاب الذهاني وحالات التفسخ الذهاني واضطرابات الشخصية مثل الشخصية الحدية والمضادة للمجتمع الشخصية الفصامية والوسواسية القهرية. وجاء هذا بعد بحثنا المستفيض واطلاعنا على عدى دراسات حديثة اجريت في كندا وهي دراسات قيمة وذات مستوى جيد مثل دراسات بوشار وغود بووت (2012) Bouhard et Goudbout، ومن خلالها سوف نحدد جميع الأشكال الجريمة التي تقع سواء كانت في حق الوالدين parricides أو في حق الأبناء Felicides، أو بين الزوجين homicide conjugale، أو جرائم القتل العائلي Familicides وسوف نحاول أن نربط بين كل نمط من تلك الأنماط بالتعلق والإضطرابات النفسية والشخصية.

1- مقدمة:
يعاني الكثير من أفراد المجتمع من اضطرابات في الشخصية بمختلف أنواعها مما يسبب لهم اضطراب في توافقهم النفسي والاجتماعي بصفة عامة وعلى المحيط الأسري الذي يعيش فيه الفرد بصفة خاصة. وعليه يختل مستوى الوعي بين أفراد الأسرة وتحتل معه العملية الاتصالية والتفاعلية وتؤدي في كثير من الأحيان على نتائج سلبية تصل أحيانا إلى حد القتل، الإساءة الجسمية والنفسية والتعدي على الطرف الآخر وهذا تماشيا مع العديد من الدراسات التي أجريت حول جرائم القتل في الوسط الأسري Homicide Familiale حيث أشارت إلى وجود عدة أنماط لهذه الجرائم التي تحدث بين أفراد الأسرة الواحدة، كأن يتعدى أحد الفروع على الأصول Parricide، تعدي أحد الزوجين على الطرف الآخر Homicide Conjugale، تعدي أحد الأصول على الفروع Filicide، وأخيرا تعدي أحد الأصول (غالبا ما يكون الأب) على أفراد العائلة كأن يقتل الزوجة ثم ينتحر مباشرة Familicides (Léveillée et al, 2007: 287–295 ).
وحسب نتائج الدراسات الحديثة (Sébastien & Natacha, 2012: Violence conjugale chez les hommes et les femmes présentant des traits de personnalité limite: Comprendre et mieux gérer le risque d’abus physique et psychologique : https://nanopdf.com/download/violence-conjugale_pdf, .24 janvier 2012.)، فإن من بين أهم العوامل المؤدية إلى حدوث مثل هذه السلوكات العدائية بين أفراد الأسرة الواحدة، يعود إلى اضطرابات الشخصية والاضطرابات النفسية الذهانية لدى الفرد المرتكب للجريمة. وحسب ذات الدراسات فإن هناك عامل آخر يتحكم في تحديد نوعية الشخصية المضطربة لدى الفرد وهو أساليب التعلق غير الآمنة Styles D’attachement non-sécurisés التي تحدث سلوكات تكيفية وغير تكيفية سواء في العلاقة الأفقية (زوج-زوجة)، أو العلاقة العمودية (والدين-طفل/طفل-والدين). ومنه فإن أغلبية اضطرابات الشخصية التي لها علاقة بالجرائم في الوسط الأسري والتي يحددها نمط التعلق الخاص بمرتكب الجريمة حسب نموذج “ماير وبيلكونيس” (Meyer & Pilkonis, 2001: 371–389) تتمثل فيما يلي:
– التعلق غير الآمن/ المنفصل non sécurisé-dismissive ويحدث هذا النمط الشخصيات الآتية: الشخصية الفصامية Schizoid، الشخصية من النمط الفصامي Schizotypal، الشخصية الوسواسية القهرية Obsessive-compulsive، الشخصية النرجسية Narcissic، والشخصية المعادية للمجتمع Antisocial.
– التعلق غير الآمن/ المتخوف non sécurisé-craintif ويحدث هذا النمط الشخصية الإجتنابية.
– التعلق غير الآمن/ المنشغل non sécurisé-préoccupé ويحدث هذا النمط الشخصيات الآتية: الشخصية البرانويدية paranoid، الشخصية الحدية borderline، الشخصية الهستيرية histerionic، الشخصية الاعتمادية dependent.
وحسب نتائج بعض الدراسات التتبعية التي أقيمت بكندا بمقاطعة الكبك تحديدا ما بين سنة 1997 و2007 (Léveillé et al., 2007 : 287–295) سجلت أرقام مريبة تخص جرائم القتل بمختلف أشكالها، 139 جريمة قتل في حق الزوجة سببها الزوج يقابلها 17 جريمة قتل في حق الزوج سببها الزوجة homicide conjugale؛ 40 جريمة قتل في حق الأبناء سببها الأب masculins filicides يقابلها 28 جريمة قتل في حق الأبناء سببها الأم filicides feminins؛ 30 جريمة قتل في حق الوالدين سببها الأبناء وغالبا ما يكون الإبن الذكر parricides masuclins مقابل 03 جرائم قتل في حق الوالدين سببها البنت الأنثى parricides feminins؛ 10 جرائم قتل في حق الأسرة familicides مرتكب الجرم هو الزوج-الابن حيث يقدم الأب على قتل زوجته ثم أبنائه ثم ينتحر (حوالي 80% من الحالات).
من خلال هذا العرض الموجز ونتيجة لاستفحال ظاهرة العنف والسلوك الإجرامي خاصة في الوسط الأسري الجزائري وبروزها في الآونة الأخيرة على الساحة الإجتماعية يأتي بحثنا هذا لألقاء الضوء على الفرد المرتكب لفعل الجرم وتناول ذلك من الجانب النفسي (أساليب التعلق غير الآمنة؛ اضطرابات الشخصية، والإضطرابات النفسية) حيث أشارت الدراسات الحديثة خاصة منها الكندية إلى وجود علاقة تأثيرية مع بضعها البعض (Sébastien & Natacha, 2012: Violence conjugale chez les hommes et les femmes présentant des traits de personnalité limite: Comprendre et mieux gérer le risque d’abus physique et psychologique : https://nanopdf.com/download/violence-conjugale_pdf, .24 janvier 2012) ويأتي سعينا هذا، لتوضيح تلك العلاقة أكثر لأجل فهم جيد وأفضل لهؤلاء الأفراد الذين يرتكبون السلوك الإجرامي وهذا لأجل تقديم الطرق العلاجية وأساليب التكفل الجيدة بهم من خلال فهم أكثر. وعليه نطرح التساؤل الآتي: ما طبيعة العلاقة بين أساليب التعلق، اضطرابات الشخصية والاضطرابات النفسية وما مدى انعكاساتها على المجتمع بصفة عامة واستقرار الأسرة بصفة خاصة؟ وهل يمكن لذوي الشخصيات المضطربة والاضطرابات النفسية خاصة الذهانية منها أن يكونوا وراء جرائم القتل المستشرية في المجتمع؟
– تحديد المفاهيم:
1- مفهوم اضطرابات الشخصية:
يرى لويس مليكة أن الشخصية المضطربة تكو عادة على غير وعي بنمط الحياة غير المتلائم في السلوك، ويشكو صاحبها عادة من مشاعر غامضة من عدم الرضا بالحياة، وفي نفس الوقت ينكر أو يبرر سلوكه غير المتلائم. (لويس مليكة، 1996: 143)
ويعرف منير فوزي الشخصية المضطربة على أنها شخصية غير مرنة بالدرجة التي تؤدي إلى عدم القدرة على التكيف مع الذات أو البيئة والمجتمع مما ينتج عنه اضطرابات في العمل أو إحساس بالضيق والفشل في التكيف في مواجهة الأزمات الشخصية. (منير فوزي، 1990: 130)
ويتحدد مفهوم اضطرابات الشخصية لدى جولدنسون كمجموعة من الإختلالات تتضمن نمطا ثابتا من الخبرة الداخلية والسلوك، يكشف عن نفسه في معاناة الفرد من الفشل في التعامل مع مشكلات الحياة اليومية، والعلاقات الشخصية المتبادلة، وقصور في الأداء المهني مع شعور الفرد بالتعاسة لوجود مثل هذه الإختلالات، ولا تكون هذه الإختلالات موقفية، وينبغي أن يكون لها تاريخ سابق في الطفولة في الطفولة أو المراهقة وتستمر أثناء مرحلة الرشد ولا ينبغي أن تكون بسبب اضطرابات عقلية او طبية عامة. (Goldenson et al, 2009: 752-769)
2- مفهوم التعلق:
يعرف كل من آينزوورث و بولبي التعلق بأنه: *رابطة انفعالية يشكلها الطفل مع مقدم الرعاية الأساسي، وتصبح فيما بعد أساسا لعلاقات الحب المستقبلية* (Aisworth & Bowlby, 1991: 333-341).
ويعرف التعلق أيضا بأنه: *رابطة انفعالية قوية تؤدي بالأطفال إلى الشعور بالسعادة والفرح والأمن عندما يكونون بالقرب من مقدم الرعاية الأساسي، والشعور بالتوتر والانزعاج عندما ينفصلون عنه مؤقتا* (Lafreniere, 2000: 331).
ويعرف شيفر وهزان (1988) Shaver and Hazan التعلق بأنه: *علاقة عاطفية حميمية بين شخصين تتصف بالعاطفة المتبادلة، والرغبة في المحافظة على القرب بينهما* (Shaver & Hazan, 1988: 473-501).
– أنماط التعلق واضطرابات الشخصية والاضطرابات النفسية وانعكاساتها السلبية على المحيط الأسري:
لقد أكدت العديد من الدراسات استمرارية أساليب التعلق في النمو مع تطور مرحلة الطفولة (Main et al., 1985: 66–104). حيث أشارت إلى أن أساليب التعلق تعرف حالة من الاستقرار في حدود 84٪ في سن 15 شهر إلى 6 سنوات وفي حدود 70٪ من 15 شهر إلى 9 سنوات (Sroufe et al, 1985: 317-325).
فالتعلق الطفولي يظهر من خلال محاولة الطفل تشكيل علاقات تعتمد على حساسية وقدرة الأم على التعبير، وتعتمد لدى الراشد على قدرته على التعبير والإحساس تجاه الطرف الآخر. ويتمثل التقارب الجسمي في التعلق الطفولي من خلال النظرات والاحتضان، التشبث ومسك أصابع اليد، ويظهر لدى الراشد من خلال الضم والمعانقة والقدرة على احتواء الآخر بين اليدين. وتعمل الخاصية البيولوجية في التعلق الطفولي على إبقاء الطفل على قيد الحياة، والحفظ على النسل والنوع لدى الراشد. كما أن القدرة على الاستكشاف في التعلق الطفولي يقابله الحضور-الغياب في الرشد. وأخيرا، اللغة الأمومية في التعلق الطفولي يقابلها قدرة الراشد على التعبير الودي في العلاقة الحميمية.
ويجدر الإشارة هنا إلى وجود ملاحظتين هامتين، تتمثل الملاحظة الأولى في وجود علاقة واضحة بين نوعية التعلق، الشعور بالراحة والأمان والتكيف خلال مرحلة الطفولة، مرورا بالمراهقة، فالرشد (Kenny.,& Rice, 1995: 433-456). أما الملاحظة الثانية فتتمثل في كون التعلق ينشط كعامل قوي لحماية الفرد مستقبلا من الاضطرابات النفسية والعقلية، كالاكتئاب، القلق، اضطرابات الشخصية. وأن المستوى العالي من الانسجام والتوافق في إطار علاقة: أم-طفل يسمح بتعزيز الافتراض الذي يرى أن الكثير من الاضطرابات العقلية هي نتاج للخبرات العلائقية السلبية مع الوالدين في مرحلة الطفولة.
2-1- التعلق غير الآمن/المنفصل-المجتنب: non sécurisé/évitant-autonome
ينتج عن هذا النمط من التعلق خمسة أنواع من الشخصيات المضطربة (الفصامية، النمط الفصامي، الوسواسية القهرية، النرجسية، والمعادية للمجتمع). ويتميز الأفراد في هذه الأنواع من الشخصيات بأنهم منفصلون عاطفيا ولا يظهرون عواطفهم، يتسمون بالبرود العاطفي واللامبالاة تجاه الخبرات العلائقية الماضية والحاضرة مع إنكار حاجتهم العاطفية الماضية والحالية (مثلا:…أنا لست في حاجة إلى صداقات أو علاقات حميمية…يمكنني الاستمرار منفردا… لم تكن تربطني أي صلة عاطفية بفلان..لا اعرفه…الخ)، ينقصون من قيمة علاقتهم بوالديهم، واثقين أكثر بأنفسهم لكن حذرين وشكاكين، لا يثقون في الآخرين (مثلا:…أشعر بالضيق الكبير لمجرد اقتراب شخص مني..يصعب علي الوثوق بالآخرين أو الاعتماد عليهم..الحميمية تزعجني ولا تشعرني بالراحة..).
فالأفراد ذوي التعلق المنفصل Dismissif، والشخصيات المضطربة التي تندرج تحته، يحتمل أن يرتكبوا سلوكات عدائية تصل إلى حد القتل في حق الأصول كالوالدين معا أو أحدها.
2-2- التعلق غير الآمن/ المنشغل-القلق: non sécurisé/ péoccupé
ينتج عن هذا النمط من التعلق أربع أشكال من اضطراب الشخصية (البرانويدية، الحدية، الهستيرية، وأخيرا الاعتمادية)، حيث يكون الفرد مهموما وقلقا على الدوام وذلك إزاء الخبرات الماضية، مهزوز عاطفيا وملتصق بالطرف الآخر، يظهر ذلك من خلال مطالبة الطرف الآخر بالمزيد من القرب والحميمية، كثير الذم واللوم مع التغيظ والحنق المستمر، تشوش وغموض في كلامه وما يريد أن يقوله، يعاني من اضطرابات معرفية وانفعالية، لا يصغي كثيرا إلى الأسئلة المطروحة عليه (التركيز على الذات)، انفعالاته مرتبطة بدرجة اكبر بالماضي، تنقصه الثقة في النفس (مثلا: ..أشعر أن الآخرين لا يودون الاقتراب مني بالقدر الذي اطمح إليه…بـــالي مشغول على الدوام في ما إذا كان زوجي/تي يحبني أو يهتم لأمري…وهل يفكر في البقاء معي أو هجري…).
إن الأفراد ذوي التعلق المنشغل وما يندرج تحته من اضطرابات الشخصية، لديهم نزعات عدوانية تجاه الطرف الآخر، وكثيرا ما يكون من خلال التعدي بالقتل، سواء الزوج أو الزوجة.
2-3- التعلق غير الآمن/ المتخوف-المشوش: non sécurisé/ craintif-désorganisé
ينتج عن هذا النمط من التعلق على الغالب الشخصية الإجتنابية، والأفراد ذوي التعلق المتخوف وبالتالي الشخصية الإجتنابية كانوا ضحايا إساءة المعاملة أو إهمال أو عنف من طرف أفراد آخرين (والدين/مقدم الرعاية الأساسية) خاصة إذا كان المعتدي عليهم من الأسرة ذاتها وذلك خلال مرحلة الطفولة. يعاني أولائك الأفراد من صدمات نفسية لم تعالج بعد، ومن حالة العجز نتيجة ماضيهم الطفولي السيئ، شدة التأثر انفعاليا بالأحداث الصادمة، يعانون من خلل واضطراب على مستوى التفكير، كالارتباك والتناقضات، وتظهر الكارثية والتهويل من خلال أسلوب حديثهم.
– جرائم القتل بين اضطرابات الشخصية والاضطرابات العقلية:
تختلف الأسباب في ارتكاب جريمة القتل حسب الأصول والفروع، إذ يعد جرم قتل أحد الوالدين أو كليهما نمط إجرامي ينتشر أكثر لدى الأفراد ذوي الاضطرابات العقلية الحادة كالفصام مثلاschizophrénie، وجرم قتل الأبناء وقتل أحد الزوجين للآخر نمط إجرامي ينتشر أكثر لدى الأفراد ذوي الشخصيات المضطربة أو لديهم سمات الشخصية المضطربة، وغالبا ما تكون هناك تشاركيه Comorbidité وتزامن بين اضطرابات الشخصية وحدوث نوبات الاكتئاب أو أعراض اكتئابية حادة.
وتعد المسببات المحددة لوقوع فعل الجرم في حق الوالدين إلى التفسخ décompensation psychotique، ونتيجة تفاقم مستوى الصراع بين الأبناء والوالدين. أما ما يخص فعل الجرم الذي يرتكبه الأبناء أو يحدث بين الزوجين، فنتيجة نقص في مستوى الحميمية أو انطفاء جذوة الحب بينهما، وكلها محفزات قوية لارتكاب سلوك عدائي عنيف ضد شريك الحياة أو الأبناء. وسنقوم بالتفصيل في هذا من خلال ما يلي:
1. جريمة قتل الوالدين والاضطرابات العقلية:
يتركب عادة الأبناء جريمة قتل في حق الوالدين بسبب معاناتهم من اضطرابات ذهانية كالفصام (الشيزوفرينيا)، ويكون ذلك من الأعراض الدالة التفسخ الذهاني حيث يُطلق الفرد المرتكب للفعل العنان لكل الدوافع السلبية نتيجة عدم وجود حاجز وضابط لذلك، وبالتالي يحدث اندماج بين القلق/ النزعة إلى التخريب، ويعود أيضا إلى غياب الحدود بين الذات والآخر وبين الحلم والواقع؛ هذيان وأوهام تتعلق بالشعور بالاضطهاد أو خيالات ويصبح توهم العظمة أمرا واقعيا لديهم.
وقد يؤدي التفسخ الذهاني أو الصراع مع الوالدين (العوامل الموقفية) إلى ما يُعرف بـ: Overkill (أو الإصرار على الضحية). من الأهمية بمكان الإشارة إلى أن ما يقارب 50% من مرتكبي جرائم القتل في حق الوالدين لا يعانون من اضطرابات ذهانية، وهنا يجب العمل على الفهم الجيد للجوانب المتعلقة بهؤلاء الأفراد.
2. جريمة قتل الأبناء/قتل أحد الزوجين للآخر والاضطرابات العقلية:
كلنا يمتلك شخصية بسمات معينة ومن المؤكد أننا نختلف من حيث مدى تكيفنا من عدم التكيف مع هذه السمات ومستوى أقل أو أكثر. وعليه فإن شخصياتنا تفضل التكيف لاسيّما على مستوى الجانب العاطفي في علاقاتنا الإجتماعية مع الآخرين. كما أنه لدينا القدرة على حماية أنفسنا من الصدمات الانفعالية والعاطفية الحادة (في حالة تأزم الموقف)، ومنه فإن كل فرد يظهر آليات دفاعية معينة تتناسب مع الموقف الذي يتعرض إليه. ومن أمثلة الآليات الدفاعية التي يتم استخدامها في تلك المواقف، العقلنة intellectualisation، التصعيد sublimation، الرفض négation، الإسقاط projection، الإنكار déni، الانشطارية clivage (وهو نوع من التفكير المفرط والانتقاء في العواطف وظيفته حماية الفرد وموجه لإعادة التناسق للأنا واستقرار العلاقات المضطربة. لا يستقر على عاطفة معينة حسب الموقف الذي هو فيه)، تقمص الهوية identification projective (تقمص كلي أو جزئي لشخصية الآخر في محاولة للتخلص من المشاعر والدوافع التي ينظر إليها على أنها غير مرغوبة).
وقد لا تسمح اضطرابات الشخصية بوجود توافق وجداني عاطفي وعلائقي ملائم وسليم، ولوحظ هذا في حالة اضطراب الشخصية: الحدية، النرجسية، والمضادة للمجتمع. وعليه تمثل اضطرابات الشخصية قاعدة خصبة لحدوث السلوكات الإجرامية ومن ثم تأتي المتغيرات الظرفية والإجرامية كعوامل مفجرة أو محفزة.
1- مميزات ذوي الشخصيات المضطربة: (حسب DSM-V: 243-250)
يعاني الأفراد ذوي الشخصيات المضطربة من تحديات داخلية وأخرى خارجية. فالنسبة للتحديات الخارجية تبرز من خلال إقدام هؤلاء على سلوكات لا تكيفية (السيطرة على الآخر أو التحرش بالآخر) وأما التحديات الداخلية (في الذات) فتبرز من خلال قصور في التحكم في دوافعهم الداخلية؛ الهوية (غموض الهوية)؛ اضطراب العلاقة بالموضوع؛ آليات الدفاع الذاتي؛ ضعف الأنا (الذات) وعدم التوافق الإجتماعي. إذا فما طبيعة هذه الشخصيات المضطربة وما هي سماتها؟
1. اضطراب الشخصية الحدية TPL/Borderline:
يتميز ذوي اضطراب الشخصية الحدية بعدم الاستقرار في علاقاتهم الإجتماعية على مستو الهوية والجانب العاطفي، لديهم مستوى عال من الحساسية عند حدوث التقارب الحميمي، إذ يعد تقرب أي شخص أكثر (بالنسبة لهم تطفل)، والابتعاد (بالنسبة لهم إهمال لهم) وهم يقعون في الخانة الآتية: أنت قريب جدا مني، ابتعد!… لكن لا تبتعد أكثر… أنت بعيد جدا..,عُد!… لكن لا تقترب أكثر، أين إذا هي الوسطية؟ويستجيبون بعنف من خلال ردة فعل قوية عند انخفاض مستوى الحميمية ويؤولون ذلك على أساس إهمال أو تخلي الآخر عنهم، ومنه يتم استثارة قلق الإهمالangoisse d’abandon ، وعوض أن يتحكموا في ذلك الشعور داخليا، يستجيبون له من خلال خلق جو مشحون بينهم وبين الطرف الآخر حتى يبعدوا تلك المشاعر (قلق الإهمال). أما ما يتعلق بمحاولة التحكم والسيطرة على الآخر، فيستخدمها ذوي اضطراب الشخصية الحدية كإستراتيجية لمواجهة قلق الإهمال.
يعاني ذوي الشخصية الحدية أيضا من هشاشة في الهوية، الشعور بإهمال الآخر لهم، الشعور بعدم القيمة وأنهم لا يمثلون شيئا للطرف الآخر وأنه سيتركهم ويرحل (يُقصد بالزوج أو الزوجة). أهم ما يميزهم كذلك الغيرة عندما تستثار، فهي مرتبطة بفقدان الطرف الآخر أو الخوف من فقدانه (عامل موقفي).
2. اضطراب الشخصية النرجسية TPN:
يتميز ذوي اضطراب الشخصية النرجسية بقلق الإهمال (الهجر)، النزعة إلى السيطرة على الآخر، والدافع إلى ذلك هو محاولة إذلال الآخرين، والشعور بالجرح النرجسي blessure narcissique، الشعور بالغدر والخيانة trahison؛ الشعور بـ”الإهانة“، يختبرونها حينما يستشعرون وجود برود في العلاقة أو انطفاء جذوة الحميمية بينهم وبن الطرف الآخر، أو عدم قدرة الطرف الآخر في التعبير أكثر عن مشاعره إزاءهم. كما يسبب فقدان هذه الشخصية للشخص ”المُسْتَخْدَمْ“ –أي الذي تستخدمه- لأجل أن تشعر بالقوة والسيطرة جرح نرجسي، وتعتبر نزعتها إلى السيطرة على الطرف الآخر سببا في التغيظ والتهيج (في حالة ما إذا ضاعت منها هذه الميزة).
3. اضطراب الشخصية المعادية للمجتمع TP:
تسبه الشخصية المضادة للمجتمع إلى حد ما الشخصية النرجسية، فهي الأخرى ذات علاقة بتسخير الآخر لتحقيق مآرب الذات (من خلال السيطرة عليه)، حيث يعمل ذوي الشخصية المضادة للمجتمع على محاولة تسخير الآخرين لخدمتهم وابتزازهم جنسيا من خلال إيهامهم وخداعهم عن طريق نصب فخاخ مثلا للفتيات قليلات الحظ وإجبارهن على الزواج منهم عن طريق مساومتهن بالرضوخ أو يخلق لهن أزمات مع أوليائهن في حالة رفضهن. تتسم تصرفاتهم بالعدائية والسلبية ومعاداة قيم المجتمع والأسرة (”تجاوزات“) transgressifs سواء داخل الأسرة أو خارجها؛ يعانون من قصور على مستوى العلاقات الإجتماعية (من خلال سلوكيات مضادة للمجتمع).
• أساليب التعلق والعلاقات الإجتماعية:
1- تطور التعلق من خلال المسيرة الحياتية للفرد:
1-1- خلال مرحلة الطفولة:
أكدت العديد من الدراسات استمرارية أنماط التعلق في النمو مع تطور مرحلة الطفولة. وتعرف أساليب التعلق حالة من الإستقرار بنسبة 84% ما بين 15 شهر إلى 6 سنوات (Main et al., 1985: 66–104). وفي دراسة أخرى لـ سروف وآخرون (1985) Sroufie et al لأشار فيها إلى أن أساليب التعلق تسجل حالة من الاستقرار بنسبة 70% بين 15شهر – 9سنوات.

1-2- خلال مرحلة المراهقة:
لقد لاحظ زيمرمان وكوريال (2000) Zemmerman and Coryell حدوث تغيرات كبيرة على أساليب التعلق ما بين 10 و16 سنة، وقد أرجع ذلك إلى الأحداث الحياتية ”المضطربة“: طلاق الوالدين، نكسات عاطفية…الخ، وظهور وجه (موضوع) جديد للتلعق: صديق حميم، زوج أو زوجة partenaire. ويصح هناك دلالات أكبر للتعلق تظهر من خلال: الثقة في الأُنسْ بالوالدين؛ الشك أو مشاعر الرفض والإحساس بالرفض. (Zemmerman& Coryell, 1989: 682-689)
1-3- في مرحلة الرشد:
أما في مرحلة الرشد يظهر هناك أربعة أنواع من التعلق لدى الراشدين (George et and Solomon, 1998: 222-237; Main & Goldwing: in press) وتتمثل في:
أ- التعلق الآمن secure: ويتميز ذوي التعلق الآمن بسهولة الولوج إلى ذكريات وعواطف الطفولة، القدرة على استحضار العلاقات الأولى (السلبية والإيجابية)؛ يعطون أهمية كبيرة للمشاعر والعواطف والقرابة بين الأشخاص؛ توافق على مستوى الكلام والقصد؛ القدرة على إدماج الماضي بالحاضر؛ التعبير عن الثقة بالنفس وبالآخرين ( مثلا:…أجد أنه من السهل التقرب من الآخرين ويمنحني نوعا من الراحة والأمان، في حدود تصرف الآخرين على نحو ملائم. أحيانا أخاف من أن أجد نفسي وحيدا، لكن لست قلقا من تقرب الآخرين مني…).
ب- التعلق المنفصل/المجتنب Dismisif: ويتميز ذوي التعلق المنفصل بانقطاع على المستوى العاطفي، مستقل، وغير ملتزم (متحرر من الالتزامات)؛ برود إزاء الخبرات العلائقية الماضية والحاضرة؛ إنكار الحاجات العاطفية الماضية والحالية (مثلا: كأن يقول أنا لست في حاجة إلى صداقات أو علاقة ودية، يمكنني العيش منفردا…)؛ التقليل من أهمية العلاقات مع الوالدين؛ ثقة زائدة بالنفس لكن حذرون وشكاكون ولا يثقون في الآخرين ( مثلا:…أشعر بالضيق الكبير لما أكون قريبا من شخص ما… أجد أنه من الصعب الثقة بالآخرين والاعتماد عليهم… أشعر بالقلق إن حاول أحد ما أن يكون أكثر قربا مني… أحيانا، يحاول البعض أن يكونوا أكثر حميمية معي لكن لا أحس بالراحة مع هذا الوضع…)
ج‌- التعلق المنشغل Preoccupied: ويتميز ذوي التعلق المنشغل بأنهم قلقون ومهمومون إزاء الخبرات السابقة؛ عدم الإستقرار العاطفي (ملتصق بالآخر)، ويُعبرون عن ذلك من خلال المطالبة بمزيد من القرب والتعبير أكثر عن الحميمية؛ للوم الآخر وتغيظ دائم؛ عدم وضوح الرؤيا لديهم، اضطراب معرفي وانفعالي؛ لا يصغون للآخر (الارتكاز حول الذات)؛ ارتباط انفعالي شديد بالماضي؛ غير واثقين من أنفسهم ( مثلا: … أشعر أن الآخرين لا يودون الاقتراب مني بالحد الذي أريده … بالي منشغل بمحاولة التعرف هل فعلا يحبني زوجي وهل يرغب في البقاء معي أو هجري… أرغب في أن أكون أكثر قربا من شخص ما، لكن غالبا ما يخيف هذا الآخرين ويجعلهم يرعبون مني…).
د‌- التعلق المتخوف/المشوش Fearful/desorientation: ويتميز ذوي التعلق المتخوف بأنهم كانوا ضحايا إساءة معاملة في الأسرة، أو إهمال والدي خلال مرحلة الطفولة؛ صدمة نفسية لم تعالج بعد؛ حالة من العجز والقصور نتيجة الماضي الطفولي السيئ؛ شدة التأثر بالأحداث الصادمة؛ اختلال واضطراب في التفكير يظهر من خلال الارتباك، التناقض، الكارثية والتهويل وتظهر من خلال أسلوب الحديث (التهويل من الأمور أكثر من ما تستحق).

فيما يوضح النموذج الرباعي لأساليب التعلق لدى الراشدين لبرثولومو وهويتز (1991) Bartholomew and Horowitz وجود بعدان الأول يتعلق بصورة الذات (سلبي/إيجابي) والآخر بصورة الآخرين (سلبي/إيجابي):
أشار رايس وآخرون(1995) Rice et al إلى وجود علاقات ما بين نوعية التعلق في مرحلة الطفولة، والشعور بالراحة والأمان والتكيف خلال الرشد (Rice et al., 1995 : 1018–1023) وينشط التعلق مع مرور الوقت إن كان تعلقا آمنا كعامل واقي من الإضطرابات النفسية والعقلية، كالاكتئاب، القلق، اضطرابات الشخصية، ويسمح المستوى العالي من التوافق في العلاقة أم/طفل بتعزيز الافتراض الذي يرى أن الكثير من الاضطرابات العقلية هي نتيجة للخبرات العلائقية السلبية مع الوالدين(علاقة: والدين/طفل).
• اضطرابات الشخصية، أساليب التعلق وجرائم القتل بين الأزواج:
1- السياق الظرفي للعدوانية:
ينزع ذوي التعلق غير الآمن من الراشدين إلى التعامل الموقف إلي يمثل لهم تهديد كخطر الانفصال عن طريق التغيظ، الحنق والنزعة إلى السيطرة، والتي تؤدي في آخر المطاف غلى ارتكاب الفعل ويكون في الغالب ردا عنيفا يتمثل في السلوك الإجرامي. ومن خلال ذلك يتفاعلون مع الموقف بشكل مبالغ فيه وهدام في حماية الطرف الآخر (صورة التعلق) وهذا تجنبا لخبرة الهجر – الانفصال.
وقد تظهر على الذكر العدائي علامات البرود، نقص في المودة، الانفصال، قصور وعجز في التواصل العاطفي بالآخر، حيث يتصرف بعنف لأجل إبقاء الطرف الآخر بعيدا، خاصة إذا ما استثار فيه الآخر القلق – الخوف الداخلي الذي يعمل دائما على إنكاره.
2- التعلق واضطرابات الشخصية:
أشارت نتائج بعض الدراسات إلى وجود علاقة بين اضطرابات الشخصية ومختلف أساليب التعلق التعلق، حيث تسهم اضطراب التعلق في الطفولة في نمو اضطرابات الشخصية (Fonagry et al., 1996: 22–31). مستقبلا. وقد حدد ماير وآخرون (2001) Meyer et al اضطرابات الشخصية التي تتبع أساليب التعلق غير الآمنة التي تشكلت عبر مراحل الحياة.
فقد ينتج عن نمط التعلق المتخوف fearful اضطراب الشخصية الإجتنابية الحدية evitant personality disorder؛ وينتج عن نمط التعلق المنفصل/المجتنب dismissif/Eviatant اضطراب الشخصية النرجسية NAR، اضطراب الشخصية المضادة للمجتمع ANT، اضطراب الشخصية الفصامية Schz؛ وشبه الفصاميةschizotypal ، واضطراب الشخصية الوسواسية القهرية OCD، وقد ينتج عن نمط التعلق المنشغل/القلق preoccupied/Anxious اضطراب الشخصية الحدية Borderline، واضطراب الشخصية البرانوية Paranoid، واضطراب الشخصية الهستيرية Hesterionic، اضطراب الشخصية الإعتمادية Dependent(Meyer et al., 2001: 371–389). وسنقوم بتوضيح ذلك في النموذج التوضيحي رقم (03) حسب برثولومو وهورويتز 1991:
نموذج توضيحي رقم (03) : النموذج الرباعي لأساليب التعلق واضطرابات الشخصية لبرثولومو هورويتز، 1991

يوضح نموذج برثولومو وهورويتز 1991، أن الأفراد ذوي اضطرابات الشخصية كان كل نوع من تلك الاضطرابات يتبع نمط معين من أنماط التعلق، فمثلا يظهر من خلال النموذج التوضيحي أن ذوي التعلق المنفصل dismissif كانوا يتمتعون بثقة اكبر في ذواتهم لكن لا يثقون في الآخرين (الفصامية، شبه الفصامية، الوسواسية القهرية، المضادة للمجتمع والنرجسية)، ويظهر أن الأفراد ذوي التعلق المتخوف Fearful أنهم لا يثقون في أنفسهم ولا يثقون في الآخرين (الشخصية الإجتنابية)، ويبدو أن ذوي التعلق المنشغل Preoccupied يتميزن بنظرة إيجابية للآخر ويثقون فيهم لكن لديهم نظرة دونية للذات ولا يثقون في أنفسهم (البرانوية، الحدية، الهستيرية، والاعتمادية).
من خلال المعطيات المتعلقة بجرائم العنف والقتل في الوسط الأسري والمحيط الذي يعيش فيه المريض، فإن ذوي الاضطرابات النفسية والشخصية يتمكنون من العيش في ظل هذا المحيط عن طريق تنمية ميكانزمات تزيد من مستوى التعلق أو توقف نشاطه. فالفرد الراشد ذوو تعلق غير آمن، ينزع إلى التفاعل مع خطر أو خبرة انفصال الآخر عنه عن طريق الغضب ومحاولة إخضاعه والسيطرة عليه، وهذا الذي بدوره يقود إلى العنف حيث يعد هذا التصرف شكل من أشكال الحماية المبالغ فيها والمدمرة تجاه الطرف الآخر (شكل التعلق) وذلك لإخفاء خوفه من التعرض للإهمال أو الهجر.
لقد أشارت نتائج بعض الدراسات السابقة التي درست التعلق غير الآمن كعامل للتنبؤ بالعنف الزواجي، أن الذكر بصفة عامة والعدائي بصفة خاصة، يتميز أكثر بالتعلق غير الآمن خاصة في علاقته الحميمية ويمثل الذكور العدائيين ذوو التعلق غير الآمن حوالي 80% مقابل 50%من الذكور في المجتمع ( الآمن (20%، مقابل 47% في الحالة العادية؛ المنشغل/القلق 33%، مقابل 14%؛ المنفصل/الإجتنابي 27%، 18%؛ أما بالنسبة للمتخف/المشوش، هناك تشابه في النسبة 20% مقابل 21% من العاديين).
وقد توصل ”فوناغري و أليسون“ (2014) Fonagry et Allison في دراسته إلى وجود إستراتيجيتين هامتين وهما إستراتيجية الملاحقة وإستراتيجية الإبعاد: (Fonagry & Allison, 2014: 372-380)
1- إستراتيجية الملاحقة: إن اجتناب الطرف الآخر ذوو علاقة برد الفعل العدائي للطرف الأول ذي التعلق المنشغل الذي يمارس الضغط من خلال العنف لأجل إرغام الآخر على توجيه تركيزه نحوه، والحصول على قرب جسدي ووجداني أكثر (إنها إستراتيجية: الملاحقة/ الإصرار على الطلب)، قلق الإهمال والهجر.
2- إستراتيجية الإبعاد: وبالمقابل نجد أن العنف الممارس لأجل جعل الطرف الآخر يبتعد أو جعله ينفر، عندما يتصور الطرف –أي المُعَنِفْ- أن اقتراب الآخر منه أكثر يشكل خطرا عليه أو يُعده تطفلا (إستراتيجية الإبعاد)، إنها محاولة التسلط والسيطرة على آخر.
وتعتبر إستراتيجية الملاحقة والإبعاد من سمات الشخصية الحدية حيث لا تعرف الوسطية في التعامل في إطار العلاقات بين-الشخصية
وقد توصل بوشار (2009) Bouchard في دراسة على عينة من الأزواج-الذكور يعيشون مع زوجات مصابات باضطراب الشخصية الحدية (BOUCHARD, 2009 : 06) إلى أن أغلب الزيجات في هذه الدراسة (68,7%) تمر بفترات متكررة من الانفصال والعودة إلى بعض وأن ما يقارب ثلث هذه الزيجات قد انفصلوا عن بعضهم نهائيا خلال فترة 18 شهر، وان ما يقارب نصف أفراد العينة من الرجال (15/34) الذين يعيشون مع زوجات تعاني من اضطراب الشخصية الحدية كانوا هم بدورهم يعانون من اضطرابات الشخصية الآتية: البرانويدية، المعادية للمجتمع، الوسواسية القهرية، الإجتنابية. وتمثل نسبة الرجال المصابون باضطراب الشخصية المضادة للمجتمع مع زوجات في الشخصية الحدية نصف العينة (عانوا من اضطرابات سلوكية قبل سن 15 سنة).
وقد أظهرت نتائج الدراسة أيضا وجود مستوى متدني في الرضا الزواجي لدى أفراد العينة، إلا أن الذكور كانوا أقل تذمرا في علاقتهم بزوجاتهم المصابات باضطراب الشخصية الحدية، إلا أن زوجاتهن ذوي الشخصية الحدية كن أقل رضا عكس أزواجهن. كما أفرزت نتائج الدراسة أيضا أن ما نسبته 51 % من الزوجات المصابات باضطراب الشخصية الحدية و60% من أزواجهن كانوا “راضين” في علاقاتهم الزوجية وان غالبة أفراد العينة كانوا من ذوي التعلق غير آمن ( ما يقارب 70% من الذكور ذوي تعلق غير آمن مقارنة بالمجموعة الضابطة التي تمثل 1/3؛ غالبية الزوجات 100% أظهرن التعلق غير الآمن؛ و37% من الزوجات من ذوي اضطراب الشخصية الحدية كن من ذوي التعلق المتخوف).
وقد خلص بوشار (2009) Bouchard في ذات الدراسة إلى وجود مستوى متدني في عملية الإتصال الزواجي، يقابله مستوى عالي من سلوكات الإجتناب، وكانت الزوجات المصابات باضطراب الشخصية الحدية أكثر نزوعا إلى اجتناب الإتصال حينما يرغب الزوج في ذلك، وكانت نسبة الزوجات من ذوي اضطراب الشخصية الحدية اللائي صدر عنهن عنف نفسي ضد الزوج حوالي 88,6% واللائي صدر عنهن عنف جسدي ضد الزوج ما نسبته 54,3%.
• عرض بعض حالات الإجرام في الوسط الأسري استنادا لبعض الدراسات:
تمثل الاضطرابات العقلية واضطرابات الشخصية ارضية خصبة لارتكاب السلوك العدائي والإجرامي ثم تأتي المتغيرات الظرفية (كمحفزات للإضطرابات الشخصية) والإجرامية. ومنه، فإن هناك عاملان هامان يجب ضبطهما وهما الحالة العقلية (الإضطرابات العقلية الحادة، اضطرابات أو سمات الشخصية) + القرائن المُفضية للجريمة (سمات موقفية، إجرامية، والعوامل المثيرة). سنقوم بعرض بعض الحالات التي ارتكبت السلوك الإجرامي في الوسط الأسري حسب أنواع الجريمة المذكورة، هذه الحالات وردت في دراسة بوشار وغودبورت (2012) Bouchard et Goubout التي أنجزت في مقاطعة الكبك بكندا وسنوردها كالآتي:
1- اعتداء الفروع على الأصول parricide
– الحالة رقم 01: “شاب قتل أمه وأباه ثم بعدها أخفى مكان الجريمة”:
شاب في عمر الواحد والعشرن سنة (21)، يبحث عن عمل (كتقني) والذي قرر أن يتزوج؛ يعاني من صعوبات مالية ويستهلك المخدرات والكحول. بعد ارتكابه حضر للجنازة وهو يبكي وينوح؛ تقبل حدوث الجريمة بعدها بأشهر. بعد عرضه على الخبرة النفسية تبين أنه يعاني من اضطراب الشخصية النرجسية (غياب تأنيب الضمير والتقمص الوجداني، الشعور بأنه على حق…)؛ نزاع مع الوالدين (أزمة مالية)؛ ليس لديه سوابق مرضية واضطراب عقلي، تم محاكمته على مستوى مركز الحجز والاعتقال الفدرالي بمقاطعة الكبك؛ حاول أن ينتحر عند اعتقاله ولم يظهر عليه تأنيب الضمير؛ أبان عن وجود صراع بينه وبين والديه وبالخصوص مع أبيه.
– الحالة رقم 02: “ابن يقتل والده ثم يزيل مكان الجريمة”:
ابن عمره 35 سنة، جامعي، لم يسبق له أن اشتغل في إطار تخصصه، لديه سوابق مرضية معروفة؛ هذيان، الإضطهاد. بعد حدوث الجريمة، لاحظ أفراد أسرته حالة من الضعف الجسدي (كانت هيئته غريبة بالنسبة إليهم)؛ اعترف هذا الشخص بجرمه بعد أشهر من التنفيذ، وبعدما ما تم كشف الحقيقة ومن خلال إجراء الخبرة النفسية تم إسعافه بمستشفى الأمراض العقلية مع تأمين المكان حتى لا ينتحر أو قد يقتل شخص آخر. لم يكن يبدي تأنيب الضمير في كل مرة، مستوى أفكاره الهذيانية زادت عندما تم حجزه بالمستشفى. استمر في التعبير عن عدائه لوالده الذي قتله وبالمقابل كان يبكي على أمه التي توفت انتحارا عاما قبل أن يقتل والده، كانت هناك تراكم للصراع مع والده منذ سنين، لم يتجاوز حداده على أمه (الدليل يذكرها ويبكي بحرقة)، كان يظهر عليه اضطرابات ذهانية (سُجل كشخص فصامي الشخصية schizophrène).
2- قتل الزوجة والأبناء Un Familicides:
– الحالة رقم 01: “قتل زوجت وأبناءه ثم انتحر”:
السيد ”ب“ قام بقتل كل من زوجته، وأبناءه الثلاثة، والد الزوجة، ومسئوله السابق في العمل وبعدها وضع حدا لحياته في مقر سكناه. كان يشتغل كثيرا؛ وكون بفعل ذلك ثروة كبيرة جدا؛ نشأ في محيط اجتماعي أسري غير مساعد. كان تفرض عليه زوجته أن يضع كل ما يكسبه من مال في يدها ولم يتقبل ذلك ما جعله يشعر بأنها تسيطر على كل شيء (الصدمة الأولى / الجرح النرجسي الأول). أما الجرح النرجسي الثاني فتمثل في حالة الإفلاس:التي تعرض لها، حيث لم يخبر زوجته ولا أبناءه لما تعرض له من إفلاس ولا حتى أصدقاءه وازدادت مع الوقت مديونيته.
تتمثل العوامل المفجرة في الجرح النرجسي؛ اجتناب الإذلال- القهر (المعاملة المذلة) نتيجة فشله، وتتمثل العوامل الشخصية في وجود سمات الشخصية النرجسية (حساسية عالية للشعور بالذل، السيطرة، نقص تحقيق الذات، رفض المساعدة) ومن العوامل الموقفية المساعدة على فعل الجرم، امتلاكه لسلاح ناري في البيت. ومع الجرح النرجسي وسمات الشخصية النرجسية وتوفر العوامل الموقفية (السلاح الناري) أقدم هذا الشخص على قتل كل من زوجته ووالدها ورئيسه في العمل ثم قتل أبناءه ووضع حدا لحياته.
3- جرائم القتل الزوجي Homicide conjugale:
– الحالة رقم 01: قتل الزوج لزوجته HC Masculin “انقطاع العلاقة والغيرة”:
قبل أن يرتكب السيد “أ” بقتل زوجته كان يشتغل كثيرا ويمنح كل شيء لزوجته وابنه. بالنسبة للزوجة كانت تمتع باستقلالية ذاتية وهي تعمل هي أيضا، ظهرت فيما بعد العديد من المشاكل الزوجية حيث ترجم السيد ”أ“ ذلك على أساس أن زوجته تريد التخلي عنه. أو بإمكانها تركه متى أرادت. زادت الخلافات عن حدها وكانت الزوجة تتصل بالشرطة كلما احتدم الصراع، بعد أخذ ورد تم إخضاع الزوج للعلاج وكان عليه أن لا يقترب من زوجته (المرحلة الأولى من العنف الزواجي). بعد مرور عدة أشهر، بدأت تراوده أفكار أن زوجته تخونه، حاول أن يتحدث إليها وأن يحاولا تجديد حياتهما الزوجية لكنها رفضت طلبه ما استدعى الانتقال بعدها إلى ارتكاب الجريمة.
بالنسبة للعوامل المفجرة تمثلت في: انقطاع العلاقة الحميمية، وزيادة مستوى الشعور بالغيرة والإحساس بالخيانة. أما بالنسبة للعوامل الشخصية: فقد أبان الزوج عن مستوى كبير من الحساسية من فكرة الهجر-الإهمال الزوجي، مستوى كبير من القلق؛ الغيرة والسيطرة، غضب كبير لكون الزوجة مستقلة عنه واعتمادها التام على نفسها. أقدم السيد ”أ“ -الزوج- على الفعل وهو راض عن فعله (حضور الإصرار على القتل overkill – الإصرار على الضحية).
بعد تنفيذ جريمة القتل حاول الانتحار لكن تم توقيفه من طرف الشرطة، بعدها تم اعتقاله، ظهرت عليه في مشفى مركز الإعتقال أعراض اكتئاب حادة وحاول في عديد المرات الانتحار، كان لديه تأنيب الضمير، صراع نفسي متعلق بالجريمة . بالنسبة لماضيه، كان والده عنيفا (العنف الزواجي)، عوامل صدمية.
– الحالة رقم 02: قتل الزوج لزوجته “قتل زوجته وحاول قطع جسدها لأجل التخلص من جثتها”:
يعيش السيد ”ج“صراع زوجي منذ سنوات (كان في علاقة زوجية ما يقارب 10 سنوات ولديه 3 أطفال كانوا نتاج زواجهما). أخبر الزوج بعد تنفيذ الجريمة أنه كان ضحية عنف زوجي، وأنه كان مراقبا وتحت سيطرة زوجته. تمثلت العوامل المفجرة في عدم قدرته على أخذ الحيطة من دوافعه الخاصة، لم يكن لديه تأنيب الضمير. بالنسبة العوامل الشخصية فقد أبان عن وجود سمات الشخصية الحدية (مثال: الدافع القوي/التحريض، هوية مفككة، محاولات سابقة للإنتحار) وشخصية نرجسية (خاصة في ظل غياب تأنيب الضمير). في بداية الإعتقال، كان يعاني من آلام جسمية، كان مريض جدا (تم علاجه)؛ ومع ذلك لا وجود لنوبات اكتئابية، يشعر بالغضب، كان يخفي معاناته النفسية، فرغم وفاة زوجته، إلا أنه بقي غاضب وناقما عليها. عاش الزوج طفولته في ظل عائلة تبنته، (خبرة الإهمال، مشاكل سلوكية في مراهقته، محاولة الإنتحار في سن 18 سنة، الأب مُدان المتبني).
– الحالة رقم 03: قتل الزوجة لزوجها ” متلازمة المرأة المُعَنَفَة / الدفاع الذاتي syndrome de la femme battue/autodéfense “:
يجدر التفريق بين متلازمة المرأة المعنفة SFB والدفاع الذاتيautodéfense . تكثر جرائم قتل الزوجات لأزواجهن في حالة عدم تقبل الانفصال وشعورها بالغضب والغيرة. هناك أوجه مختلفة تطلق على 17 حالة مجدولة منذ ما يربو عن 10 سنوات بمقاطعة الكيبك بكندا (Bouachard & Gousbout, 2012).
4- تعدي الوالدين على الأبناء Filicides masculins:
– الحالة رقم 01: “قتل ابنته ذات 4 سنوات وحاول قتل زوجته (هذه الأخيرة تم إنقاذها)”:
لم يتقبل الأب فكرة انفصال زوجته عنه؛ وكان فعله المقترف في حق ابنته محاولة الإنتقام من زوجته التي انفصلت عنه، مدمن على الكحول، حدثت العديد من حالات الإنفصال والعودة إلى بعض مع الزوجة قبل أن يحدث الإنفصال النهائي. يبدو من خلال قتل اينته من زوجته والجروح التي ألحقها بالزوجة أنه كان يفكر في إنهاء سيطرتها عليه، إنه الإنتقام من الزوجة بقتل البنت، أخبر عند إجراء الخبرة النفسية أنه يستحيل عليه أن ينفصل عن ابنته، ولم يتقبل فكرة زيارة ابنته إلا في نهاية الأسبوع، كان شديد التغيظ والغضب من فكرة الإنفصال والهجر مما دفعه إلى الإقدام على الجريمة (التفكير في هذا الجانب). وجود سمات الشخصية الحدية (قلق الإنفصال والهجر، تغيظ كبير عوض ان يعيش في الضياع)؛ وجود سمات نرجسية كنقص التفاعل الوجداني والعاطفي؛ لم يلاحظ عليه سمات معادية للمجتمع antisociaux. اتسم الماضي الطفولي لهذا الأب في غياب الصورة الأبوية figure paternelle، كانت والدته مُعَنفة، تفاعل أسري سلبي وعنف سواء جسدي أو نفسي.
في حالة ارتكاب رائم القتل في حق الأبناء قد يعود إلى حالة اكتئاب أو ذهان psychoseويظهر ذلك من خلال حالة من الإكتئاب العام Dépression majeure كأن يصل مرتكب الفعل إلى القول أن الحياة لا تستحق العيش فيها وابني او ابنتي لا يمكنه(ها) العيش بسلام على هذه الأرض، وقد يكون بفعل اكتئاب ذهاني Dépression psychotique مع فقدان الرابط بين الواقع والحقيقة (الطفل يمثل حدث سيء أو شيطاني). كما أن الآباء الذكور الكثير منهم بنسبة 20℅ أٌدموا على الإنتحار بعد قتل أبنائهم. وعليه فإنه من خلال ما سبق عرضه من حالات فإنه السياق الذي تقع فيه الجريمة يجمع بين العوامل المفجرة (اضطراب نفسي عقلي، واضطراب أو سمات في الشخصية، انقطاع العلاقة الحميمية، التفسخ الذهاني، الهجر، العنف الزوجي) وتوفر العوامل الموقفية مثل السلاح الأبيض، سلاح ناري و أي آلة حادة قد تفضي للإضرار بالآخر.
– الآن، لنحاول فهم هؤلاء الأفراد:
من خلال العرض السابق يمكننا فهم لماذا يعتبر ذوي اضطرابات الشخصية: الحدية، النرجسية، المضادة للمجتمع في موقف صعب يجعلهم يتصرفون ويتفاعلون بعدائية تصل غلى فعل الجرم بالقتل عند وقوعهم في خبرات لا يتحملونها مثل الفقد (الهجر) والشعور بالإهمال، خصوصا عند انطفاء جذوة العلاقة الحميمية والود والحب بينهم وبين الطرف الآخر. فالاعتماد على الآخر وتسخيره لخدمتهم يعد من ميزاتهم، وعند ضياع هذه الميزة منهم يجعلهم يتصرفون بعدائية التي تكون في غالب الأحيان موجهة إلى الطرف الذي يهجرهم وكانوا يستنفعون منه. فيستشعرون بذلك قلق الهجر، الجرح النرجسي الذي في غالبته على علاقة بخبرة الشعور بالإهانة والعار.
حسب كيرنبرغ (1996) Kernberg يتموقع ذوي الشخصيات المضطربة في المستوى المنخفض (الكثير من التصرف العدائي، غياب الحدود بين الذات/الآخرين وكذلك الهشاشة في الهوية)، أيضا يتميزون بعدائية واضحة للمجتمع؛ لا يستبصرون بما يحدث معهم، بل العكس من ذلك يوجهون توترهم والضغوط التي يتعرضون لها إلى الآخرين بدلا من محاولة التحكم فيها، كما ينزعون إلى إفراغ تلك الشحنات والضغوط النفسية الداخلية إلى الخارج تجاه الآخرين (أفراد الأسرة-الزوجة/الزوجة). ويجد ذوي الشخصية النرجسية والمعادية للمجتمع صعوبة كبيرة في تلقي مساعدة من الآخرين وفي تقديم يد المساعدة لهم كونهم لا يظهرون معاناتهم النفسية (الداخلية) للآخرين وقد يعود ذلك إلى أنهم لا يشعرون بذلك أو أنهم لا يريدون إظهارها للآخرين. كما يتعرض المحيطون بهم إلى الكثير من المشاكل، لأنهم أشخاص يرفضون طلب المساعدة وينزعون فقط إلى إظهار قوتهم (يتجنبون أحيانا كل ما يعبر عن ضعفهم)، تكرار سلوكيات الإيذاء الذاتي autodestructeurs وإيذاء الآخر(خاصة من الجنس الآخر) hétéro destructeurs.
وقد يدل فعل الجرم في قتل شخص آخر ذو دلالة على قتل جزء من الذات؛ أو كانتقام وثأر من الزوجة/الزوج يكون متبوعا بغضب منقول إلى الطفل مثلا (مثلا: قتل الزوجة ثم الأبناء) زيادة على التشاركية المرضية مع تحديات الاكتئاب وصعوبة القيام بحداد deuils يميزه التهيج واكتئاب عاطفي. (Kernberg, 1996 : 106-140)
– الحداد وتحديات الاكتئاب:
يسود الأفراد قبل ارتكاب فعل الجرم جو من الغضب والهياج، وساوس وهواجس تحيط بالموقف (البحث عن حل) وكذا حركية لمواجهة الاكتئاب. أما بعد ارتكاب الجرم، هنا يمكن للاكتئاب أن يأخذ موقعا له. والتفكير في-السياق- الحداد (مباشرة بعد الفقدان) يمر بأربعة مراحل، هي كالآتي:
أ‌- مرحلة الإنكار: ينقطع عن تعلقه بالآخر بعد الجريمة (يمحي جميع آثار الفقدان والهجر).
ب‌- مرحلة الغضب، الغيظ والتهيج: يرى أنه الحل لأجل الوصول إلى سيطرة وتحكم نهائي (سأقتلك… سوف لن تعيش هذا الموقف-يقصد هجرانه).
ت‌- مرحلة الإكتئاب: مشاعر وعواطف وانفعالات سلبية، مدمرة وحنق.
ث‌- مرحلة التقبل: القوة النرجسية العظمى ( لقد قررت القيام بالحل …التنفيذ).
– الفروق في بعض المتغيرات الديموغرافية في ارتكاب فعل الجرم:
1- في حالة ارتكاب الجرم من طرف الذكور:
أشار دوتن وآخرون (1994) Dutton et al إلى أن أهم ما يميز الذكور الذين ارتكبوا سلوكيات إجرامية في الوسط الأسري بالمبالغة في السيطرة surcontrôlés، ولديهم نزعة قوية إلى السيطرة على الآخر، يتميزون بسمات وسواسية والشعور بالاضطهاد. كما أشار ”بنيزكBénézech “ نقلا عن بوشار وسابوران (2006) Bouchard et Sabourin إلى أن أولائك الأفراد متقوقعون على ذواتهمégocentriques ، أنانيون ويعانون من”عقدة الإهمال والهجر“، وأشار ”جونسون وجيكوب (1997)Johnson and Jacob “ إلى تميز هؤلاء بما يعرف بالإرهاب الحميمي terrorisme intim. (Dutton et al, 1994: 1367-1386 ; Bouchard et Sabourin, 2006: Presentation conducted at the seventh meeting of the International Society for the Study of Personality Disorder, Prague, Czech Republic; Johnson & Jacob, 1997: 916-926 )
2- في حالة ارتكاب الجرم من طرف الإناث:
أما الإناث المرتكبات لجريمة القتل، فقد أظهرن ضعفا عاما في مستوى الهوية؛ ويتميزن بعدم القدرة على الانفصال عن الطرف الآخر، مع تكرار العلاقة الأليمة (غالبا ما تكون عنيفة).
3- في حالة ارتكاب الجرم من طرف الوالدين أو احدهما:
قد يكون الدافع لارتكاب جرائم القتل م طف الوالدين أو احدهما في حق الأبناء إلى عدة عوامل، منها التعرض لإساءة جسدية شديدة (في مرحلة الطفولة)؛ اقتراف الجرم كنوع من أنواع الانتقام والثأر من الطرف الآخر (من الزوج أو الزوجة)؛ وقد يكون بدافع حالة من الضياع العقلي (تحديات الاكتئاب/ انتحار وذهان).
بالنسبة للأفراد الذين كانوا عرضة للإساءة الجسدية والتحرش maltraitance في مرحلة الطفولة، في حقيقة الأمر لم يكن لديهم النية في ارتكاب جرم، إلا أن الطفل المٌعَنَفْ (أي المساء إليه) يصبح جزء من المشكلة، الذي تحمل العقاب؛ حضور متكرر للانشطارية وتقمص الهوية. فالطفل الذي لم يتم التكفل به في الوقت المناسب تتعقد حالته النفسية وقد يكون مجرما مستقبلا. كما قد يستخدمه الوالدين أو احدهما (أي قتل الابن أو الابنة) كميزان للانتقام والثأر من الطرف الآخر، وهذا ذو علاقة بقلق الهجران/الإهمال أو انحسار مستوى الحميمية. مثلا: ”… لن تبقي طفلي عندك … لن تقدر…“؛ هذا الأخير يصبح مٌلكا لأحد من الوالدين. ومنه يبدأ مستوى القلق والتهيج في الزيادة؛ كذلك إفراغ خبرة فقدان الشيء (الحزن والأسى).
وقد يكون السلوك المرتكب بدافع حالة من الضياع والاضطراب العقلي، كالاكتئاب العام، مثلا:“..لا يمكن لطفلي أن يعيش سعيدا في هذا المكان… من الأحسن أن يغادر معي… “، أو حالة من التفسخ والتحلل الذهاني مما يسمح بإخراج جميع الرغبات الداخلية منها النزعة للقتل إلى الخارج.
4- الفروق في السلوك الإجرامي حسب مرتكب الجريمة:
4-1- في حالة قتل الأبناء للوالدين parricide:
تكثر حالات ارتكاب السلوك الإجرامي من طرف الأبناء في حق الوالدين لدى طرف الذكور أكثر من الإناث، وأنه حوالي 50%. يعود الدافع وراء السلوك الإجرامي لدى الذكور إلى معاناتهم من اضطراب عقلي حاد، بينما يعود الدافع لدى الإناث إلى الاندفاعية ونزاعات حادة أحيانا مع الوالدين أو أحدهما.
4-2- في حالة قتل الوالدين للأبناء filicide:
أما في حالة ارتكاب السلوك الإجرامي في حق الأبناء فغالبا ما يكون صادرا من طرف الذكور والدافع وراء ذلك الإبعاد الشعور بالإهانة، انقطاع العلاقة الحميمية أو تراجعها، التفكير في الانتحار تتبعها حالة من الضياع والاضطراب العقلي، لكن عدد الذكور المرتكبون للجرم في هذا النوع أقل حجما مقارنة بالذكور في باقي أنواع الجرائم في الوسط الأسري.
بينما لدى الإناث، فإن الدافع وراء ذلك، هو اضطراب الحالة العقلية كسبب أول، يليه انقطاع العلاقة الحميمية ونادرا ما يرافقه التفكير في الانتحار.
4-3- جرائم القتل بين الزوجين Homicide Conjugale:
يقدر عدد الذكور مرتكبي الجريمة أضعاف عدد الإناث. فحسب الدراسات المسحية في هذا المجال، قدر عدد الأزواج-الذكور الذين قتلوا زوجاتهم-الإناث بعدما انقطاع علاقتهم الحميمية، بـ: 20٪ من الحالات. إلا أنه الكثير منهم ينتحرون بعد ارتكابهم للفعل. أما بالنسبة لعدد الإناث اللائي قتلن أزواجهن في سياق العنف الزواجي فعددهم قليل مقارنة بالذكور، وكان الدافع وراء ذلك الرغبة في الانتقام (وهذا بالطبع بسبب انقطاع العلاقة الحميمية أيضا)، وغالبا ما تسمى جرائم القتل في الوسط الأسري بجرائم قتل ذكورية حسب الكثير من الباحثين (Daly & Wilson, 1988; Léveillée et al., 2007 : 287-295).
ملاحظة: لدي بعض النماذج التوضيحية لم أستطع تحميلها لذا عذرا

– المراجع:
1- العربية:
2- المرجع الإحصائي الخامس لتصنيف الاضطرابات النفسية DSM-V، ترجمة: الدكتور أنور الحمادي، 243-250.
3- لويس كامل مليكة (1996): التحليل والمنهج الإنساني في العلاج السلوكي، الطبعة الثانية، القاهرة، مطبعة فيكتور غالي، 143.
4- منير حسين فوزي (1990): مبادئ الطب النفسي العام، جامعة الزقازيق، 130.
– الأجنبية:
5- Ainsworth, M. D. S., & Bowlby, J. (1991): An ethological approach to personality development. American Psychologist, 46, 333-341.
6- Bartholomew, K & Horowitz, L. M (1991): Attachment styles among young Adults: A test of a four-category model. Journal of personality and social psychology, 61. PP: 226-244.
7- Bouchard, S., & Godbout, N. (2012): Violence conjugale chez les hommes et les femmes présentant des traits de personnalité limite: Comprendre et mieux gérer le risque d’abus physique et psychologique : https://nanopdf.com/download/violence-conjugale_pdf, .24 janvier.
8- Bouchard, S., (2009): les couples dont la femme souffre d’un trouble sévère de la personnalité : fonctionnement conjugale et attitude a l’égard de la sexualité, thèse du doctorat, faculté, université Laval, Québec-canada, 06.
9- Bouchard, S., & Sabourin, S. (2006). Couples relations of women with borderline personality disorder. Presentation conducted at the seventh meeting of the International Society for the Study of Personality Disorder, Prague, Czech Republic.
10- Daly, M., & Wilson, M. (1988). Homicide. New York: Aldine de Gruyter.
11- Dutton, D., Saunders, K., Starzomski, A, & Bartholomew, K. (1994). Intimacy-anger and insecure attachment as precursors of abuse in intimate relationships. Journal of Applied Social Psychology, 24 (15): 1367-1386.
12- Feeney, J. A., Noller, P., & Callan, V. J. (1994): Attachment style, Communication and satisfaction in the early years of marriage. Dans K. Bartholomew & D. Perlman (Eds), attachment processes in adulthood. London, England: Jessica kingsley. PP: 269-308.
13- fonagry, P& Allison, E (2014): the role of mentalizing and epistemic trust in the thrapeutic relationship. psychotherapy, 51, 372-380.
14- Fonagy, P., Leigh, T., Steele, M., Steele, H., Kennedy, R., Mattoon, G., Target, M., & Gerber, A. (1996): The relation of attachment status, psychiatric classification, and response to psychotherapy. Journal of Consulting and Clinical Psychology, 64, 22–31.
15- George, C., & Solomon, J. (1989), Internal working models of parenting and security of attachment at age six, Infant Mental Health Journal, 10, 222-237.
16- Goldenson, J., Spidel, A., Greaves, C., & Dutton, D. (2009). Female perpetration of intimate partner violence: Within group heterogeneity, related psychopathology, and a review of current treatment with recommendations for future. Journal of Aggression, Maltreatment, and Trauma, 18(7): 752-769.
17- Johnson, S. L., & Jacob, T. (1997). Marital interaction of depressed men and women. Journal ofCounsulting and Clinical Psychology, 60, 916-926.
18- Kernberg, O. F. (1996). A psychoanalytic theory of personality disorders. In J. F. Clarkin & M. F. Lenzenweger (Eds.), Major theories of personality disorder (pp. 106–140). New York: Guilford Press.
19- Kenny, M. E. & Rice, K. G. (1995). Attachment to Parents and Adjustment in Late Adolescent College Students: Current Status, Applications, and Future Considerations The Counseling Psychologist, 23, 433-456.
20- LaFreniere, P.J. (2000): Emotional development: A biosocial perspective. Belmont, CA: Wadsworth Press, 331.
21- Léveillée, S., Marleau, J. D., & Dubé, M. (2007): Filicide: A comparison by sex and presence of absence of self-destructive behaviour. Journal of Family Violence, 22, 287–295.
22- Main, M., & Goldwyn, B.. (in press). Interview-based adult attachment classifications: Related to infant-mother and infant-father attachment. Developmental Psychology.
23- Main, M., Kaplan, N., & Cassidy, J.C. (1985). Security in infancy, childhood, and adulthood: A move to the level of representation. In I. Bretherton & E. Waters (Eds.), Monographs of the Society for Research in Child Development, 50(Serial No. 209, 1–2), 66–104.
24- Meyer, B., Pilkonis, P. A., Proietti, J. M., Heape, C. L., & Egan, M. (2001): Attachment styles and personality disorders as predictors of symptom course. Journal of PersonalityDisorders, 15, 371–389. http://dx.doi.org/ 10.1521/pedi.15.5.371.19200.
25- Rice, J.P., Reich, T., Bucholz, K.K., Neuman, R.J., Fishman, R., Rochberg, N. (1995): Comparison of direct interview and family history diagnoses of alcohol dependence. Alcohol Clin. Exp. Res. 19, 1018–1023.
26- Shaver, P. R., & Hazan, C. (1988). A biased overview of the study of love. Journal of Social and Personality Relationships, 5, 473-501.
27- Sroufe, L.A., Jacobvitz, D.B., Mangelsdorf, S., DeAngelo, E., & Ward, M.J. (1985): Generational boundary dissolution between mothers and their preschool children: A relationship systems approach. Child Development, 56(2), 317–325.
28- Zimmerman, M. & Coryell, W. (1989). DSM-III personality disorder diagnoses in a nonpatient sample: Demographic correlates and comorbidity. Archives of General Psychiatry, 46, 682-689.

كاتب المقال :
أ.بوعلام
الزيارات:
2161
مشاركه المقال :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*