ستجدون هنا كل ما يخص الحياة الزوجية من علاقات و تعامل و تفاعل و تواصل ووو هده هدية لكل الازواج و الشباب المقبل على الزواج أتمنى ان تفيدكم و لا تنسونا بالدعاء

الباب الأول(غاية الزواج وأهدافه، الاختيار في الزواج، إجراءات الزواج)
الحصة الأولى
1- غاية الزواج وأهدافه
ترتبط غاية الزواج بقيم المجتمع ومعتقداته. وهذا ما يجعلها تختلف باختلاف المجتمعات والثقافات. فغاية الزواج عند المسلمين هي عبادة الله وتعمير الأرض، وهذه الغاية ثابتة، لا تتغير بتغير ظروف المجتمع، ولا تخضع لرغبات الأفراد، ومع هذا فإنها لا تتحقق إلا بأهداف دنيوية، فيها مصلحة الفرد والجماعة.
أما في المجتمعات الغربية، فال يوجد لزواج غاية، وله أهداف دنيوية، تتغير من مجتمع لآخر، ومن زمان إلى زمان، بحسب القوانين التي يضعها المجتمع لتنظيم الزواج، وظروف أفراده وجماعاته، وقيمه وعاداته وتقاليده في هدا الزمان وذاك المكان.
لذا سنعرض في الحصة غاية الزواج وأهدافه في ضل ما توصل إليه علماء النفس والاجتماع والتربية وحتى الإسلام من أهداف الزواج. والزواج كما قال العقاد، ليس علاقة حيوانية بين حيوانين، وليس علاقة روحية بين ملكين، إنما الزواج علاقة إنسانية يتحقق به الاستقرار النفسي والمادي، ويحمي من الانحراف عن السير في سبيل تحقيق الإنسانية (العقاد، 1975) وسنتناول في هذا الفصل كذلك أهمية الزواج وربطه بالصحة النفسية.
2- أهمية الزواج
لقد أجمعت نظريات عديدة في علم النفس على أن السعادة الزوجية أهم شيء في الكون وأساس الأسرة الصالحة، التي تكتمل بها إنسانية الرجل والمرأة في أداء رسالتهما في الحياة. وأثبتت دراسات عديدة صحة هذه النظريات حيث تبين أن المتزوجين أفضل من غير المتزوجين في الصحة النفسية والجسمية (Arkoff, 1968). ففي دراسة وايز Wiess وجد أن غير المتزوجين أعلى من المتزوجين في الشعور بالوحدة والاكتئاب والقلق، وفي الإدمان، مما جعله يعتبر الإنصراف عن الزواج في أمريكا علامة خطر على الفرد والمجتمع (Wiess, 1981). وعندما سئل المتزوجون وغير المتزوجين في أمريكا أيضا وجد 77٪ من البيض و88٪ من الزنوج غير المتزوجين يعتبرون الحياة مملة وروتينية، في حين كانت النسبة عند المتزوجين 46٪ من البيض و51٪ من الزنوج (Shostak, 1986). وذهب بيرجر وكلنر Berger & Kellner إلى أن الزواج أفضل من عدم الزواج للصحة النفسية.
3- غاية الزواج
أكدت جميع الديانات السماوية على غرار الدين الإسلامي أن غاية الزواج هي تحقيق التكامل الإنساني بين الرجل والمرأة وخلافة الله عز وجل في الأرض، وهذه الغاية تجعل من الزواج وسيلة لا غاية (الغزالي، 1990).
وأدرك بعض علماء النفس وعلم الاجتماع العائلي في المجتمعات الغربية أهمية الربط بين الدين والزواج والأسرة، وأخذوا يدعون إلى المعنى الديني للزواج The Sacred meaning of Marriage ، حتى يجعلون أهدافه نبيلة، تسموا بسلوكيات الزوجين في التوافق الزواجي.
4- أهداف الزواج
تنقسم هذه الأهداف إلى أهداف فردية تشبع حاجات الرجل والمرأة، وأهداف اجتماعية تشبع حاجات المجتمع، وتتلخص هذه الأهداف فيما يلي:
4-1- الإمتاع الجنسي
وذلك بالإشباع العفيف للحاجة إلى الجنس عند الرجل والمرأة. فالزواج هو الطريق الوحيد، والحصول على متعها الحسية والنفسية، وللزوج أن يستمتع بزوجته، وللزوجة أن تستمتع بزوجها. فالإشباع الجنسي بالزواج فيه الاستمتاع والسعادة للزوجين، أما الإشباع من خارج الزواجExtra-marital sex ففيه الشقاء والأمراض والانحرافات (Marciano, 1986).
ويتفق الكثير من علماء النفس على أن الزواج نظام اجتماعي مقبول يوحد بين الرجل والمرأة في دوريْ الزوج والزوجة، بهدف الإشباع الجنسي، والانجذاب وتربية الأطفال (Miller, 1986).
4-2- الإمتاع النفسي
إشباع الحاجات النفسية والجسمية من أهمها: حاجة الأمومة والأبوة التي تشبع بالإنجاب، وتربية الأطفال. فالحاجة إلى الأمومة عند المرأة والأبوة عند الرجل من الحاجات الفطرية (عبد الغفار، 1978)، التي لا تقل في أهميتها عن الحاجة إلى الجنس. قال تعالى: # زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة#.
وأشارت الدراسات إلى أن رغبة الزوجين في الإنجاب رغبة طبيعية عند الذكر والأنثى، وتدل على نضج شخصيتهما، كما تدل أيضا على رغبتهما في الإستمرار في الزواج، وتكوين أسرة (Houseknecht, 1986).
أما الزوجان اللذان لا يرغبان في الإنجاب مع القدرة عليه، فهما زوجان منحرفان في الصحة النفسية. فقد أشارت الدراسات إلى خلل ما في شخصية كل منهما، و في الظروف التي نشأ فيها. فمن دراسة للأزواج الرافضين للإنجاب Childlessness spouses في أمريكا، وجد أن المرأة التي ترفض الإنجاب، امرأة غير طبيعية نشأت في أسرة انعدم فيها العطف والحنان، و تربت على الاستقلالية و الأنانية و الفردية، مما جعلها ترفض الإنجاب و تكوين أسرة. كذلك وجد أن الرجل الذي يرفض الإنجاب، رجل أناني غير ناضج، عنده ميول عصابية نحو الحياة، وضعيف الإيمان، و ليست له القدرة له العطاء، مما يجعله يهرب من الإنجاب ومن تحمل المسؤولية (Houseknecht, 1986).
ويتفق الكثير من علماء النفس الأسري في أمريكا الآن على أن من يرفض الوالدية شخص أناني، معقد النفس، عصابي غير ناضج، وغير متدين، وغير سعيد في حياته الاجتماعية و الزواجية، يجري وراء شهواته، ولا يقدر على العطاء، ولا على تحمل المسؤولية، ولا يدرك معنى الوالدية وأهميتها. وقد يرجع انحراف هؤلاء الرجال والنساء إلى نشأتهم في الطفولة في أسر غير مستقرة. فقد أشارت الدراسات إلى نسبة كبيرة منهم تعرضوا للإحباط والحرمان والقسوة وهم صغار، مما جعلهم غير عاديين في اتجاهاتهم وأفكارهم وميولاتهم نحو الزواج والأسرة (Polit, 1978).
فالإنجاب هدف أساسي للزواج في معظم المجتمعات (Miller, 1986) ومن يرفضه و هو قادر عليه إنسان غير طبيعي، لأنه يرفض الفطرة الإنسانية. فقد أشارت دراسات كثيرة، إلى أن إنجاب الأطفال يمتع الأمهات والآباء، ويزيد روابطهم الأسرية، وعلاقتهم الزوجية، ويحقق لهم الأمن والطمأنينة (Hoffman & Manis, 1979).
كما أن الإنجاب يرفع المكانة الاجتماعية للزوجين حيث يكتمل البناء الأسري، وتتحقق توقعات المجتمع من الزواج، ويشعر الزوج بكفاءته الذكرية والزوجة بكفاءتها الأنثوية. فذكورة الرجل وأنوثة المرأة لا يكتملان إلا بالإنجاب (إبراهيم، 1957).
4-3- الشعور بالأمن والطمأنينة:
من خلال العلاقة الزوجية التي تقوم على الحب والتعاون والحميمية والتآزر بين الزوجين في بناء الحياة الزوجية، فبالزواج ينضج تفكير كل من الرجل والمرأة، وتستقر نفساهما في ذلك الحصن، اليد يجدان فيه الحماية، والإشباع العفيف للحاجات.
4-4- إعطاء الحياة معاني جديدة:
إن الزواج يعطي للحياة معنى ويرفع من قيمة الحياة عند الرجل والمرأة، وتدفعهما إلى الإجتهاد في العمل، وتزيد من نسبة الطموح في الكسب والتفوق، وتوحد أهدافهما، وتجعل أدوارهما متكاملة. فيعمل الزوج من أجل زوجته وأولاده، كما تعمل الزوجة من أجل زوجها وأولادها، ويصبح نجاح واحد منهما نجاحا للآخر، وفشله فشل للآخر.
4-5- إنشاء أسرة:
إن من أهداف الزواج إن أسرة التي يقضي فيها الرجل والمرأة معظم حياتهما ويمارسان نشاطهما، ويشبعان حاجاتهما، والأسرة هي اللبنة الأساسية في المجتمع الني بصلاحها يصلح، وبفسادها يفسد، وصلاح الأسرة مرهون بالسعادة الزوجية. وهي وحدة اجتماعية ضرورية لصحة الفرد وسلامة المجتمع (Rotter, 1981).
4-6- استمرار النسل و تربية الأجيال:
فمن أهداف الزواج كذلك استمرار النسل وتربية الأجيال القادرة على حمل رسالة الحياة وبناء المجتمع وتنميته، وتعمير الأرض. ويتفق علماء النفس على أن صلاح الأجيال لا يكون إلا بصلاح الأسر التي تنشأ عن الزواج الشرعي (مرسي، 1982). فالأسرة أساسها روابط الدم، ومن أهدافها الإنجاب وحفظ النوع وتربية الأطفال (Rotter, 1981) وهي لا تقوم إلا بالزواج (Reiss, 1980).
4-7- حفظ الأخلاق وحماية المجتمع من الفساد:
لقد اتفق الكثير من علماء النفس الأسري في مجتمعات كثيرة على هذا الهدف، ويربطون الزواج بالأخلاق (Elliot, 1987) و حفظ القيم، و يعتبرون الزواج التقليدي طريقا إلى العفة و الفضيلة، و الوقاية من الانحراف و الأمراض (Rotter, 1981).
إنه ليس من العدل أن نتحدث عن الأهداف العالمية للزواج دون التطرق إلى الهدف الديني للزواج فنحن كأمة مسلمة شرع الله لنا الزواج، و جعله من الأعمال التعبدية، التي يثاب عليها الرجل والمرأة، فيه يكتمل الدين، و بدونه مع القدرة عليه تظل عبادتنا ناقصة. قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : ” إدا تزوج العبد فقد استكمل نصف دينه، فلينق الله في النصف الآخر” (رواه البيهقي).
كما أن الله عز و جل رغب في الزواج و قدم عبادة الله في الزواج على الحج والصدقة على المسكين. ففي الحديث الذي رواه مسلم، يقول رسول الله على -الصلاة و السلام-: “دينار تنفقه على أهلك، و دينار تنفقه على مسكين، و دينار تنفقه في سبيل الله. أعظمها أجرا الذي تنفقه على أهلك “. من هنا تتضح أهمية الزواج وأفضليته عن باقي العبادات الأخرى لما له من دور في حفظ النسل والأهل والعرض.

كاتب المقال :
أ.بوعلام
الزيارات:
26677
مشاركه المقال :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*


التعليقات

مبروكوسنع
منذ 4 سنوات
#1

تشكر وبالخير اللي كتبته تذكر

وليد القدوة
منذ 7 سنوات
#2

هذا الموضوع في غاية الاهمية لانة تترتب علية تعمير بيوت وبقاءها واستمرارها
جزاك الله خيراً

أ.بوعلام
منذ 8 سنوات
#3

اخي محمد الحلفاوي شكرا على مرورك

أ.بوعلام
منذ 8 سنوات
#4

أخت سحر بارك الله فيك

سحر مصطفى
منذ 8 سنوات
#5

شكراً جزيلاً لك عل هذا الجهد الرائع

أ.بوعلام
منذ 8 سنوات
#6

عفوا اختي ليس العيسوي بل الدكتور كمال مرسي و كتبت العيسوي سهوا لذا اعتذر و إليك صاحبالكتاب و سأزودك بالمصدر الإلكتروني

بيانات الكتاب:
اسم الكتاب: العلاقه الزوجيه و الصحه النفسيه في الاسلام و علم النفس
اسم المؤلف: كمال ابراهيم مرسي
التصنيف: الزواج-العلاقات الاسريه-الحقوق الزوجيه

http:www.al-mostafa.infodataarabicdepot2gap.php?file=011711.pdf

أ.بوعلام
منذ 8 سنوات
#7

أختي هذه ليت مأخذزة من دراسات بل استقيتها من كتاب للدكتور العيسوي و هو مصري و أظن أن الكتاب موجود لديكم بالمكتبات المصريةالمهم إن لم تحصلي عليه سأحاول أن أتحصل لك على النسخة الإلكترونية

يعني ما أنا إلا ناقل لما تطرق إليه الدكتور الكريم و ذلك لإعجابي بما ورد فيه فارتأيت أن انشر بعضا منه هنا حتى تعم الفائدة

شكرا

امة الله المصرية
منذ 8 سنوات
#8

عمل موفق
هل اطمع فى الحصول على المراجع المستخدمة فى هذه الدراسةلكى استفيد منها فى دراستى الحالية
ولكم جزيل الشكر

أ.بوعلام
منذ 8 سنوات
#9

الحصة الثالثة
إجراءات الزواج:
يتم الزواج في ثلاث خطوات رئيسية هي: الخطبة، و عقد القران ثم الزفاف. فهذه الخطوات تكاد تكون عالمية، تتفق عليها جميع المجتمعات، التي تأخذ بنظام الزواج، القائم على إرادة الزوجين. و مع هذا فإن إجراءات إتمام هذه الخطوات تختلف من مجتمع إلى آخر، و من زمان إلى زمان، فهي في المجتمعات الغربية تختلف عنها في المجتمعات الإسلامية، و في المجتمعات الحضرية تختلف عنها في المجتمعات البدوية و الريفية، و في المجتمعات الحديثة تختلف عنها في المجتمعات القديمة. فكل مجتمع ينظم هذه الإجراءات وفق أعراف يتعارف عليها الناس، أو قوانين تشرعها الجهات المختصة، تحدد الواجبات و الحقوق في كل خطوة من خطوات الزواج، و ترشد الناس إلى إتمام الزواج و حل الخلافات التي قد تنشأ في كل منها.
و سنتناول في هذه الحصة إجراءات الزواج في المجتمع الإسلامي، فنبين أهداف الخطبة، و عقد الزواج و الزفاف، و آداب كل منها و شروطها، و دورها في تنمية الصحة النفسية أو إعاقتها. ونتطرق إلى مرحلة الزواج مع وقف التنفيذ في تعرف كل من الزوجين على الآخر، و اكتشاف مشاعره و أفكاره و اتجاهاته قبل الزواج الفعلي، فإن ائتلفا تزوجا، و إن اختلفا ترفقا قبل المساس.
1- الخطبة:
يتبع في الخطبة ثلاث طرق: طريقة الخطبة في الزواج المرتب من قبل، عن طريق أسرتي الفتى والفتاة، حيث تتفق الأسرتان على زواج ابن إحداها من ابنة الثانية، دون أن يكون للشاب أو للشابة إرادة في ذلك. كما يحدث في بعض زيجات أولاد العم و العمة، أو الخال و الخالة، أو أولاد الجيران أو القبيلة، حيث تتفق الأسرتان على الخطبة و الزواج دون أن يكون للفتى و لا الفتاة ٍرأي في ذلك. فالكبار (أي الوالدان) يقررون، و الأبناء يتزوجون.
هذه الطريقة قديمة، لا يقرها شرع، و لا يقبلها عقل، فيها ظلم للشباب من الجنسين، لأن الزواج يقوم على الإٍرادة، و حرية الإختيار كما أشرنا من قبل. و قد رفضها الإسلام. و حرم كل زواج فيه إكراه للفتى أو الفتاة.
أما الطريقة الثانية، فهي أن يخطب الفتى الفتاة، و يتفق معها على الزواج دون موافقة أسرتيهما، أو يجعل موافقتهما موافقة شكلية، باعتبار أن الزواج مسألة تخصهما هو و هي، و لا دخل لأسرتيهما فيها. و هذا ما قد يحدث في زواج زملاء العمل و النادي، حيث يتعرف الشاب على الشابة، يحبها و تحبه، ثم يخطبها ويتزوجها.
و هذه الطريقة تناسب الخطبة في المجتمعات الغربية و لا تناسبها في المجتمعات الإسلامية، لأنها تقوم على أساس أن الزواج مسألة شخصية، لا دخل للدين و لا للمجتمع فيها، و بالتالي قد تستمر الخطبة لسنوات، يمارس فيها الجنس و الإنجاب، و قد يعقد القران أو لا يعقد. فالناس في المجتمعات الغربية تعارفوا على هذه الطريقة و أخذوا بها في الخطبة و الزواج.
أما الطريقة الثالثة، فهي أن يخطب الفتى الفتاة من أهلها بموافقة الأسرتين ومباركتهما. فإذا سمع الفتى عن الفتاة أو شاهدها و أعجب بها، و اعتقد أن فيها الشروط التي يريدها، أقدم على خطبتها من أهلها، بموافقة أهله و رضاهم.
و هذه الطريقة يباركها الله و رسوله، و تقوم على إرادة الفتى و الفتاة، و تتفق مع عاداتنا وتقاليدنا الإسلامية و فيها الخير للمجتمع و الأسرة و الخاطبين.
1-1- أهداف الخطبة:
تهدف الخطبة إلى الإعلان الرسمي عن الرغبة في الزواج، و التعارف بين الطرفين، و دراسة كل منهما الآخر، من خلال لقاءات عائلية في أسرة العروس، حتى يتحقق بينهما قدر من الألفة والتفاهم، و يقف كل منهما على ما في الآخر من محاسن تدعوه للإقتران به.
ويدعو بعض علماء النفس والإجتماع العائلي في البلاد العربية إلى التوسع في أهداف الخطبة، وجعلها مرحلة للتحقق من حسن الاختيار، ووقوف كل من الخاطبين على سمات شخصية الآخر، و أساليب توافقه، و طريقته في التفكير، ومشاعره و ميوله و اتجاهاته و هواياته، وأساليبه في التسلية، و مزاجه و خلقه وعاداته في الصرف و الأكل و الشرب و النوم. (إبراهيم، 1976؛ بركات، 1977؛ الخولي، 1986)
و هذه الأهداف لا يمكن تحقيقها إلا بالمعايشة و المخالطة، و تفاعل الخاطبين معا في مواقف لا يقرها عرف و لا دين، و لا يقبلها المسلمون. و هي دعوة طبقتها المجتمعات الغربية لسنوات عديدة (برنهارت، 1967) و لم يثبت نجاحها في تحقيق التوافق الزواجي كان متوقعا، و أدت إلى أمراض جسمية ومشكلات جنسية و اجتماعية و نفسية كثيرة، تئن منها هذه المجتمعات.(مرسي، 1990)
1-2- شروط الخطبة:
الخطبة في المجتمعات الإسلامية مسألة، يحكمها شرع الله، الذي يعتبرها وعدا بالزواج (و بالتالي ليست زواجا)، و اتفاقا مبدئيا بين الطرفين على السير قدما في إتمام إجراءاته، وقد جعل الإسلام لها شروطا، تسهم في تحقيق أهدافها، و تساعد على نجاح الزواج. من هذه الشروط الآتي:
أ‌. أن تكون الخطبة لفتاة غير مخطوبة لأحد، إذ لا يجوز للمسلم أن يخطب على خطبة أخيه. قال رسول الله -ص-: “لا يخطب الرجل على خطبة أخيه حتى ينكح أو يترك”.
ب‌. توفر النية في الزواج الذي شرعه الله عند الطرفين لاستكمال الإجراءات، وتحمل الصعوبات، و حل الخلافات التي قد تنشأ بينهما.
ت‌. الموافقة من العائلتين: عائلة الخاطب و عائلة المخطوبة، حتى تتم إجراءات الزواج بمباركة الآباء والأمهات ورضاهم ومساعدتهم. فرضا الوالدين عن الخطبة مطلب عظيم لا ينكره إلا جاحد، ولا يمرق عنه إلا عاق.
ث‌. توفير لقاءات عائلية في بيت العروس، حتى ينظر الشاب إلى الفتاة و تنظر هي إليه. قال عليه السلام: “إذا خطب أحدكم امرأة فإن استطاع أن ينظر إلى ما يدعوه إلى نكاحها فليفعل”. و قال لرجل خطب امرأة من الأنصار: “اذهب فانظر إليها فإن في أعين الأنصار شيئا”.
وتهدف اللقاءات في الخطبة إلى التعارف و تحقيق الرضا المتبادل بين الخاطبين و أسرتيهما و ليس هدفهما تنمية الحب و العشق في نفسيهما. قال ابن تيمية: “من أراد أن يتزوج امرأة فله أن ينظر إليها من غير أن يخلو بها”. وقال الإمام أحمد: “ينظر إلى الوجه و له أن يردد النظر إليها، و يتأمل محاسنها لأن المقصود لا يحدث إلا بذلك”. (ابن قدامة، 1983)
1-3- آداب الخطبة:
وضع الإسلام للخطبة آدابا للتعارف و الاتفاق على الزواج و الإعلان عن الخطبة، و تنمية العلاقات الاجتماعية بين أهل الطرفين. من هذه الآداب الآتي:
أ‌. البدء بذكر الله تعالى التماسا للبركة، و التوفيق من الله. فقد قال رسول الله -ص-: “كل خطبة ليس فيها تشَّهُدْ فهي كاليد الجزماء”. أي كل خطبة ليس فيها ذكر الله، فهي غير سليمة كاليد التي فيها أعراض الجزام.
ب‌. الإعلان عن الخطبة بين الأهل و الأصدقاء في حفل بسيط، لأن الخطبة اتفاق مبدئي على الزواج، و المبالغة في حفلات الخطبة مخالف لشرع الله.
ت‌. الصراحة المتبادلة، فلا يغش أي منهما الآخر، و لا يخدعه. قال رسول الله -ص-: “إذا خطب أحدكم المرأة و هو يخضب السواد فليعلمها أنه يخضب” أي يصبغ. إذ يجب أن يكون الفتى صادقا في نقل صورته و ظروفه وإمكاناته إلى الفتاة و أهلها، و أن تكون الفتاة و أهلها صادقين في نقل صورة الفتاة و ظروفها إلى الفتى و أهله، فالحياة الزوجية التي تبنى على الصدق أفضل من التي تبنى على الغش و التدليس.
ث‌. عدم المبالغة في التعارف بين الخاطب و المخطوبة، فلا يواعدها على اللقاء سرا و لا علنا، لأن الخطبة مشروع زواج، و لا يحل شيئا من الخطوبة، ولا يترتب على فسخها شيء من الحقوق للفتاة.
1-4- الخطأ في الخطبة:
و تخطئ بعض الأسر بدعوى العصرية، فتخرج بالخطبة عن حدودها الشرعية، و تسمح للشاب بالخروج مع خطيبته للنزهة و الرحلات و السينما و المسرح، لتقوية أواصر المحبة بينهما، و استمرار خطبتهما إلى الزواج المنشود. لكن عندما تفشل هذه الخطبة، تتحمل ابنتهم المسئولية و ينتقص قدرها، و قد تتعطل عن الزواج، لأن الشباب يفضلون خطبة فتيات لم تسبق خطبتهن.(بركات، 1977)
و قد يخطئ الشاب و الشابة فيخرجان بالخطبة عن حدودها الشرعية، عندما يتعارفان، و يتحابان سرا، ثم يعلنان خطبتهما بعد ذلك. و بالتالي تتحقق أهداف الخطبة قبل الإعلان عنها.
و الخطأ في الحالتين، راجع إلى أن هذه الأعمال لا ترضي الله و رسوله، وتخرج بالزواج عن قدسيته، و تجعله زواجا غير مبارك، قال تعالى: “و لا جناح عليكم فيما عرّضتم به من خطبة النساء أو أكننتم في أنفسكم، على الله أنكم ستذكرونهن، و لكن لا تواعدوهن سرا، إلا أن تقولوا قولا معروفا”.(البقرة: 235)
و لنا عبرة فيما حدث في المجتمعات الغربية من مشكلات في الخطوبة، فقد تبين من الدراسات أن 82٪ من البنات فقدن عذريتهن في فترة الخطوبة، و أن 50٪ منهن استمرت خطبتهن حتى الزواج، (Arkoff, 1968) كما وجد أن معدلات الطلاق كانت عالية عند الأزواج الذين مارسوا الجنس في الخطوبة (Kirkpatrick, 1963) و كان هذا دليلا تجريبيا على أن ممارسة الجنس قبل الزواج ليست من عوامل التوافق الزواجي لعد ذلك.(Morciano, 1986)(مرسي، 1990)
وفي دراسة على مائة شاب تزوجوا بعد قصة حب مع الزميلة في العمل أو الدراسة أو مع بنت الجيران، و مائة شاب آخر تزوجوا بالطريقة التقليدية تبين أن معدلات الطلاق بعد خمس سنوات في المجموعة الأولى 22٪ و في المجموعة الثانية 21٪، ممل يدل على عدم وجود علاقة بين النجاح في الزواج، و ممارسة الحب قبل الخطوبة و أثنائها، فالحب الحقيقي ينشأ بعد الزواج بحسن المعاشرة الزوجية.
وفي دراسة بنيت A. Bennet على حالات الزواج الرمانتيكية (زواج بعد فترة حب عنيف) وجدت أن الغرام استمر بين الزوجين بعد ثلاث سنوات من الزواج عند 1٪ منها فقط، في حين تحول الغرام عند 33٪ منها إلى تعاطف عادي، و عند 50٪ منها إلى إهمال و عدم اكتراث، وعند 16٪ منها إلى كراهية و عداوة و نفور. و انتهت الباحثة إلى أن الحب الجارف قبل الزواج عمره قصير بعد الزواج، لأن الزواج ليس عاطفة جامحة، أو هيام وغرام، بل صحبة و مودة ومحبة، تنشأ بالعشرة الزوجية التي تنمو و تترعرع مع الأيام.(إبراهيم، 1986)
وعلى الشباب أن يتقوا الله في الخطبة، فلا يخرجون عن حدودها الشرعية، حتى لا يتعرضون للإنحراف الذي يغضب الله، و يؤدي إلى فشل الخطبة، الذي يؤثر على الفتيات أكثر من الفتيان.
وعلى الآباء أن يتقوا الله في خطبة بناتهم، فيمكنونهن من التعرف على خاطبيهن في لقاءات عن قرب، تضمن السلوك المُرْض من الطرفين في فترة الخطوبة، و عليهم –أي الآباء- تقديم النصح والتوجيه والمتابعة، ولا يجبرون فتياتهم على الزواج، إذا ما تبين عيوبا في الخطيب، تستدعي فسخ الخطبة، ففشل الخطبة أخف ضررا من الفشل في الزواج.
2- عقد القران:
عندما يتعرف كل من الخاطبين على الآخر، و يقبل الحياة معه، تنتهي فترة الخطبة، و يعقد قرانهما، و يصبح كل منهما زوجا للآخر مع وقف التنفيذ حتى يتم الزفاف، الذي قد يحدث بعد عقد القران مباشرة، أو يؤجل إلى أن يستكمل كل منهما استعداداته للزواج.
ويقوم عقد القران على قبول كل من الرجل و المرأة، و شهادة الشهود، وموافقة ولي أمر المرأة. قال رسول الله -ص-: “لا نكاح إلا بولي و شاهدي عدل”. لذا يعتبر كثير من الفقهاء الزواج الذي يتم على غير ذلك زواجا باطلا.
ويترتب على عقد الزواج م الناحية الشرعية وجوب دفع المهر للزوجة، و النفقة عليها، و ثبوت نسب الأطفال و حرمات المصاهرة، و حق التوارث بين الزوجين، و استمتاع كل منهما بالآخر، في حدود ما تعارف عليه الناس قبل الزفاف، و الذي يجعل الرجل و المرأة ((زوجين مع وقف التنفيذ)).
2-1- الزواج مع وقف التنفيذ:
“الزواج مع وقف التنفيذ” زواج ليس فيه دخول، حيث تبقى الزوجة في بيت أهلها، ولا يُلزم زوجها بالإنفاق عليها (سعيد، 1987). “فالزواج مع وقف التنفيذ” مرحلة انتقال من الخطبة إلى الزفاف، و هي مرحلة هامة في تنمية التآلف بين الزوجين، و في زرع مشاعر الود و المحبة بينهما قبل الزفاف. فإذا كانت الخطبة من الناحية الشرعية تقف عند النظرات المتبادلة في لقاءات التعارف بين الخاطبين، فإن “الزواج مع وقف التنفيذ” يسمح للزوجين بالخلوة الشرعية، والتفاعل معا عن قرب، بالقدر الذي يمكنهما من أن يختبر كل منهما مشاعر وأحاسيس الآخر، و يدرس شخصيته، ويقف على عاداته في التفكير و الأكل والشرب و الصرف و الترويح، و يقف على اتجاهاته واهتماماته في الحياة.
ويعتبر “الزواج مع وقف التنفيذ” مرحلة اختبار حقيقي، يختبر فيها كل من الزوجين مشاعره نحو الآخرين، و مشاعر الزوج الآخر نحوه، فإن ائتلفا ووجد كل منهما في الآخر ما يريده من المحاسن والمزايا، ووثق به، و اطمأن إليه، وقبل ما فيه من عيوب، اعتبر “الزواج مع وقف التنفيذ” تجربة ناجحة، و زف الزوجان، و انتقلا معا من حياة العزوبية إلى الحياة الزوجية، و استمتع كل منهما بالآخر.
2-2- الفشل في الزواج مع وقف التنفيذ:
أما إذا كان “الزواج مع وقف التنفيذ” خبرة فاشلة، ووجد أحد الزوجين (أوكلاهما) في الزوج الآخر عيوبا في التفكير و المشاعر و العادات، لا يقدر على تحملها، أو اكتشف أنه قد خُدع فيه، وشعر أنه لا يطمئن إليه، و لا يثق فيه، انفصل عنه من قبل أن يتماسا. فالطلاق في هذه الحالة أخف ضررا عليهما من الطلاق بعد الزفاف.
وقد عُني الإسلام بالفشل الذي قد يحدث في “الزواج مع وقف التنفيذ”، فشرع للزوجين التراجع عنه إذا أخفقا، و لم يأتلفا، و أباح لهما الطلاق من قبل المسيس. قال تعالى: {لا جناح عليكم إن طلقتم النساء ما لم تمسوهن أو تفرضوا لهن فريضة، و متعوهن على الموسع قدره، و على المقتر قدره، متاعا بالمعروف حقا على المحسنين. و إن طلقتموهن من قبل أن تمسوهن، و قد فرضتم لهن فريضة، فنصف ما فرضتم إلا أن يعفون، أو يعفوا الذي بيده عقدة النكاح، و أن تعفوا أقرب للتقوى، و لا تنسوا الفضل بينكم إن الله بما تعملون بصير}. (سورة البقرة: 236-237)
و معنى هذه الآيات أنه لا إثم في طلاق النساء من قبل الدخول بهن، إذا كان هناك ما يدعو إلى عدم استمرار الزواج، و على الزوج دفع نصف المهر المسمى بينهما، و على الزوجة رد نصف المهر، إذا كانت قد أخذت مهرها. ثم رغَّب الإسلام الزوجة في العفو، فلا تأخذ من الزوج شيئا إن كانت لم تأخذ مهرها، و رغَّب الزوج في العفو، فيترك المهر كاملا للزوجة إن كان قد دفعه إليها.
كما نظر الإسلام إلى “الزواج مع وقف التنفيذ” نظرة تتفق مع طبيعة العلاقة بين الزوجين، و التي ليس فيها معاشرة جنسية، فرفع عن الزوجة شرط العدة التي في الطلاق بعد الدخول. فلا عدة لغير المدخول بها. قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن، فمالكم عليهن من عدة تعتدونها، فمتعوهن و سرحوهن سراحا جميلا}. (سورة الأحزاب: 49)
2-3- أسباب عدم الاستفادة من هذه المرحلة:
يعتبر “الزواج مع وقف التنفيذ” مرحلة انتقال من الخطبة إلى الزفاف، يتم فيها التآلف، و تبادل الشاعر و العواطف بين الزوجين، و يقف كل منهما على عادات الآخر و مشاعره و أفكاره وميوله، و يسبر أغوار شخصيته. و هذا ما يجعلها مرحلة هامة في إجراءات الزواج. و مع هذا لم يهتم المسلمون بها و لا بأهدافها، و توسعوا في أهداف الخطبة، و غدا “عقد القران ليلة الزفاف، ونقل العروسين من الخطوبة إلى الزواج الفعلي مباشرة”. من الأعراف السائدة في كثير من المجتمعات الإسلامية.
ويفضل بعض أولياء الأمور إطالة فترة الخطوبة، و السماح للخاطبين بالتفاعل معا في البيت وخارجه، و تبادل مشاعر الحب و المودة، و تشجيعهما على الإندماج، و سبر أغوار الشخصية، فإن ائتلفا تم زفافهما، و إن اختلفا فسخت خطبتهما بدون تعقيدات قانونية، و لا تعسف من أحد الطرفين. وهم –أي أولياء الأمور- في ذلك يقلدون الغربيين، و يخرجون على شرع الله في الخطبة.
ويعمد أولياء أمور آخرين إلى عدم السماح للخاطبين بالتفاعل معا، و لا بتبادل مشاعر الحب والمودة في الخطبة، و يزفونهما بعد عقد القران مباشرة قبل أن يحدث بينهما التآلف و التقارب، مما يجعل ليلة الزفاف خبرة مؤلمة، بسبب الخوف و الحياء الزائد و عدم ثقة كل من الزوجين بالآخر.
ويبدو أن من أسباب تأخير عقد القران، و عدم الاستفادة من مرحلة “الزواج مع وقف التنفيذ” في اختبار مشاعر و اتجاهات كل من الزوجين نحو الآخر ونحو الزواج، هو ما يترتب على عقد الزواج من سلطة للزوج على الزوجة، وصعوبة تطليقها منه، إذا اكتشفت عيوبا فيه، و رغبت في عدم إتمام الزواج. فكثير من الأزواج تظهر عيوبهم لعد عقد القران، و يتعنتون في الطلاق، ويشهرون “قانون الطاعة” في وجه الزوجة، ليجبروها على النشوز و التنازل عن حقوقها، وتعويضهم في مقابل حصولها على الطلاق، و في ذلك ظلم لها، من الصعب رفعه عنها في ظل تعقيدات إجراءات الخًلْع والتطبيق في المحاكم الشرعية الحالية.
2-4- آداب الزواج مع وقف التنفيذ:
من هنا كان من الضروري الإلتزام بآداب “الزواج مع وقف التنفيذ” و الإستفادة من هذه المرحلة في الإنتقال من الخطبة إلى الزفاف تدريجيا، و توفير الألفة والثقة المتبادلة بين الزوجين، قبل أن تنتقل الزوجة إلى زوجها بشكل نهائي.
من هذه الآداب الآتي:
أ‌. إخلاص النية في الوفاء بعقد الزواج، باعتباره أشرف عقد يعقده الإنسان في حياته. لذا سماه الله “الميثاق الغليظ” و أمر بالوفاء به فقال: {يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعهود}.(سورة المائدة: 1) و قال رسول الله -ص-: “أحق الشروط أن توفوا ما استحللتم به الفروج”. (رواه البخاري و مسلم) و قال الإمام البخاري –رحمه الله-: “اعلم أن أشرف العقود في شرع الله من المعاملات عقد النكاح، الذي هو سبب الخير و الصلاح. لهذا خصه الله بالإشهاد من العدول، و حضرة الأولياء من الأصول و الفروع، فلا نكاح إلا بولي و شاهدي عدل، و ما كان من نكاح غير ذلك فهو باطل”.
ب‌. استمتاع كل زوج بالآخر في حدود شرع الله، و ما تعارف عليه الناس من عادات وتقاليد، و بحسب شعوره بالقرب النفسي منه. فعقد الزواج جعل الزوجة حلا لزوجها وهو حل لها. و من حقهما أن يلتقيا معا، و يتفاعلا معا في بيت أهل العروس و خارجه، و يخلو كل منهما بالآخر، حتى يختبر مشاعره نحوه، و يتعرف على أفكاره و اتجاهاته و ميوله وعاداته في الأكل و الصرف و التعامل مع الناس، و يقف على سلوكياته، و يسبر أغوار شخصيته من خلال التفاعل معه وجها لوجه في عدد من المواقف.
ت‌. محافظة الزوجين على نفسيهما، فلا يتماسا إلا ليلة الزفاف، حتى يكون لهذه الليلة طعمها المميّز، و خبرتها التي لا تنسى. فلا يطأ الزوج زوجته حتى يطمئن إليها، و تطمئن إليه، و لا تُمَكّن الزوجة الزوج من نفسها حتى تثق فيه، و تألف عاداته، و تقبل أفكاره.
ث‌. علاج الخلافات التي قد تنشأ بين الزوجين، و إصلاح أمرهما حتى يتم زفافهما. فمن المتوقع وجود بعض الصعوبات في تفاعلهما معا في “الزواج مع وقف التنفيذ” لتباينهما في الإهتمامات و التفكير و المشاعر والإتجاهات، أو عجزهما عن حل بعض المشكلات بسبب تسرعهما، و قلة خبرة كل منهما بالآخر.
ج‌. احترام كل من الزوجين إرادة الآخر في استمرار الزواج أو عدم استمراره، فلا يمسك الزوج الزوجة مع عدم رغبتها فيه، للإضرار بها، والانتقام منها، و لا تدعي الزوجة أنه دخل بها، و هو لم يدخل بها، رغبة في تحميله المهر و النفقة. و ليتق الله كل منهما في الآخر، فلا يظلمه و لا ينسى العشرة الطيبة التي كانت بينهما في الأيام السابقة. و ليكن المبدأ الذي يقوم عليه “الزواج مع وقف التنفيذ” قوله تعالى: {فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان}.(البقرة: 229) و قوله تعالى: {فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف}.(الطلاق: 2)
3- الزفاف:
يعتبر الزفاف المرحلة الأخيرة في إجراءات الزواج، حيث تنتقل الزوجة إلى بيت الزوجية، و تُكَوِّن مع زوجها أسرة جديدة، و تتغير مكانتهما الإجتماعية من العزوبية إلى الزوجية، و يمارسان معا دَوْرَيْ الزوج و الزوجة في إشباع حاجاتهما الجنسية و النفسية، و في رعاية كل منهما للآخر. ويغدو الزوج مسئولا عن زوجته، و الزوجة مسئولة عن زوجها، و يؤثر كل منهما في الآخر، ويتأثر به.
وتؤثر خبرة ليلة الزفاف على تفاعل الزوجين معا تأثيرا إيجابيا إذا كانت خبرة سارة لكل منهما، وتأثيرا سلبيا إذا كانت خبرة سيئة مؤلمة لأحدهما أو كليهما. فخبرة ليلة الزفاف تظل عالقة في ذِهْنَيْ الزوجين لسنوات عديدة، تسهم بشكل مباشر أو غير مباشر في أفكارهما و مشاعرهما نحو بعضهما و في اتجاهاتهما إلى الزواج و الحياة الزوجية.
وتعتمد خبرة ليلة الزفاف على التقارب النفسي بين الزوجين، و على ما لديهما من معارف عن هذه الليلة، وعلى معاملة كل منهما للآخر في أول لقاء بينهما فيه معاشرة جنسية. وتكون ليلة العمر بداية طيبة لزواج ناجح، إذا كان هناك تقارب نفسي بين الزوج وزوجته قبل الدخول بها. ونقصد بالتقارب النفسي ألفة كل منهما بالآخر، واطمئنانه إليه، وأنسه بوجوده معه، ورغبته فيه، فهذه المشاعر تعمل عمل الزيت في محرك السيارة. كما ان الزيت يسهل عمل أجزاء المحرك، ويمنع الإحتكاك المؤذي لهذه الأجزاء. كذلك يعمل التقارب النفسي بين الزوجين في ليلة الزفاف وفي الليالي التالية، حيث يجعل التواصل بينهما ميسورا خاصة في الإشباع الجنسي، فيسْلَمُ كل منهما نفسه للآخر في أمان واطمئنان، ويحصل الإستمتاع الجنسي و النفسي المتبادل بينهما.
3-1- قلق الزفاف:
أما عندما تزف الزوجة أو العروس إلى زوج لا تشعر بالقرب النفسي معه، فيحل الخوف مكان الأمن، والوحشة مكان الأنس، و النفور مكان الرغبة، و قد تشعر بالرعب من زوجها، وتعاني من “قلق ليلة الزفاف” وهو خوف غامض من الزواج، ومن الإشباع الجنسي، ومن كل ما يرتبط به، فتزداد مقاومتها اللاشعورية في تسليم نفسها لزوجها، وفي فض بكارتها. و قد تعاني من البرود الجنسي، والاضطراب النفسي بعد ذلك، خاصة إذا عمد الزوج إلى فض بكارتها بالقوة، واندفع في إشباع حاجته الجنسية دون النظر إلى حالتها النفسية في هذه الليلة. وبذلك يكون قد اغتصبها نفسيا، و أفسد حياتها الزوجية.
ويصيب “قلق الزفاف” أيضا الأزواج بسبب جهلهم بالعملية الجنسية، وخوفهم من العجز الجنسي والبرود الجنسي، وما لديهم من معلومات خاطئة، جمعوها من أقران منحرفين، أو من مشعوذين دجالين، أو من كتب فاسدة. وقد يؤدي هذا الخوف إلى عجز جنسي وظيفي عند الزوج. وهو عجز حقيقي عن ممارسة الجنس مع الزوجة دون أن يكون هناك سبب عضوي لذلك.
وتشير الدراسات إلى أن “قلق ليلة الزفاف” يعانيه البنات أكثر من الأولاد، وتعانيه البنت الحيّية والولد الحيّي (من الحياء) أكثر من البنت الجريئة و الولد الجريء، و أشارت هذه الدراسات أيضا إلى مسئولية هذا القلق في فشل زيجات كثيرة، و في عدم استمتاع زوجات و أزواج كثيرين بإشباع حاجاتهم الجنسية وشقائهم في حياتهم الزوجية.
3-2- الوقاية من قلق الزفاف:
وللوقاية من هذا القلق يجب تهيئة الزوجين نفسيا للزفاف، بتنمية التقارب النفسي بينهما، قبل أن تنتقل العروس إلى عريسها، و تزويدهما بالمعلومات الجيدة عن ليلة الزفاف، و مسئوليات كل منهما نحو الآخر، و كيفية التعامل معا بأساليب تحقق الأمن و الطمأنينة لهما، و تزيد رغبة كل منهما في الآخر، حتى تكون الزوجة لباسا لزوجها، و الزوج لباسا لزوجته في هذه الليلة.
وقد عُني الإسلام بما يحقق الأمن والطمأنينة للزوجين في هذه الليلة، فأوصى الرسول عليه الصلاة والسلام الزوجين باستحضار غاية الزواج وأهدافه في عقليهما، واستشعار فضل الله عليهما حتى يَحْسُنَ عملهما، ويؤلف بينهما في هذه الليلة والليالي التالية. فقال -صلى الله عليه وسلم-: ” إذا تزوج أحدكم امرأة فليأخذ بناصيتها (أي يضع رأسه على جبهتها) ويسم الله عزو وجل، وليدع بالبركة. وليقل: اللهم إني أسألك من خيرها، وخير ما جبلتها عليه، وأعوذ بك من شرها ومن شر ما جبلتها عليه “.(رواه البخاري)
و رفع الإسلام من شأن إشباع الحاجة الجنسية بالزواج و عظّمها، فجعل المعاشرة بين الزوجين عبادة: { ففي بضع أحدكم صدقة }(البخاري) و أباح الإشباع الجنسي للزوجين أنّى شاءا:{نساءكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنّى شئتم}.(البقرة: 223)، { والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين }.(المعارج: 29-30) فإذا وعى الزوجان هذه المعاني للمعاشرة الجنسية في الزواج، فسوف يذهب عنهما الحياء و الخوف والخجل، و ينظر كل منهما إلى ممارسة الجنس مع الزوج الآخر نظرة تقدير واحترام، يذكر فيها اسم الله. فقد أوصى الرسول –عليه الصلاة و السلام- بأن يقول الزوجان عند الجماع: ” بسم الله اللهم جنبنا الشيطان و جنب الشيطان ما رزقتنا “.(البخاري) حتى يحميهما الله هما و ذريتهما من الشيطان، فإن قضى الله بينهما و لدا لم يضره الشيطان شيئا. و أوصى الرسول-صلى الله عليه وسلم- أيضا الزوج بملاعبة زوجته و مداعبتها و مضاحكتها، و إدخال السرور عليها في هذه الليلة، قبل ممارسة الجنس. فقال لجابر: “هلا بكرا تلاعبها و تلاعبك، أو تضاحكها وتضاحكك”. وفي رواية أخرى ” تعضها و تعضك “.(مسلم)
ويتفق علماء النفس المسلمون وغير المسلمين على أهمية التهيئة النفسية والجنسية في هذه الليلة، حتى تكون ليلة العمر فاتحة خير لزواج ناجح، وأوصوا بالتواصل العاطفي بين الزوجين بالكلام والقبلات، وطلبوا من الزوج أن يُحْسن استقبال زوجته، ويداعبها ويلاعبها (مراد، 1954). وألا يضع همه في إزالة البكارة في أول ليلة، فقد يكون الغشاء سميكا، وقد تكون في حاجة إلى مزيد من العطف والحنان، حتى تشعر بالأمن، وتتجاوب معه. فالمرأة الحيّية تخاف من العملية الجنسية، وقد تكون لديها معلومات خاطئة عن الجنس، وتحتاج بعض الوقت لتعديل أفكارها واتجاهاتها نحوه، فقالوا: “لا يقع أحدكم على أهله كما تقع البهيمة وليكن بينكم رسول القبلة والكلام” (الاستانبولي،ب ت، 132).
ويشير الأطباء أيضا إلى أهمية المداعبة و الملاعبة في تهيئة المرأة جسميا ونفسيا ليلة الزفاف. فيقول الدكتور أورنو: “عندما يُقَبِّل الزوج زوجته تطرأ عليها تغيرات كثيرة، بعضها كيماوي، وبعضها الآخر عضوي، حيث تفرز الغدة النخامية هرمونا ينبه الغدتين فوق الكليتين، فتفرزا هرمونات في الدم، تنشط الدورة الدموية، والغدد الجنسية، وتنشط الجسم كله” (عن الإستانبولي، محمود مهدي. تحفة العروس: 124)
وإهمال الزوج المداعبة وعدم مراعاته الحالة النفسية للزوجة ليلة الزفاف يؤذيها نفسيا، ويؤثر على توافقها الجنسي بعد ذلك، وقد يؤدي إلى اضطرابها النفسي. فقد أشار الدكتور فريدريك كوهين في كتابه (حياتنا الجنسية) إلى بعض حالات الإضطراب العقلي بسبب قلق ليلة الزفاف. منها حالة شابة تزوجت برضاها، لكنها لم تتجاوب مع زوجها في ليلة الزفاف، ومنعته من فض بكارتها، لكنه أصر على فض بكارتها ومعاشرتها جنسيا، واستمر في صراع معها حتى انتابتها حالة من هياج وهوس، وأخذت تصرخ وتكسر أثاث الغرفة.
3-3- آداب ليلة الزفاف:
ولجعل ليلة الزفاف بداية طيبة لزواج ناجح ووقاية الزوجين من قلق الزفاف يجب عليهما وعلى أهليهما وأصحابهما الالتزام بآداب هذه الليلة، والتي من أهمها الآتي:
أ‌. مساعدة الزوجين على تحقيق التقارب النفسي بينهما قبل الزفاف، حتى تألف العروس عريسها قبل أن تزف إليه. و تخطئ بعض الأسر في زفاف العروس بعد عقد القران مباشرة، دون مراعاة لحالتها النفسية، مما قد يعرضها ” لقلق الزفاف “.
ب‌. تبصير العروسين بمسئوليات ليلة الزفاف وما بعدها، وتزويدهما بالمعلومات الجيدة عن هذه الليلة، و توصية كل منهما بما يجب عليه نحو الآخر. ومن الوصايا المفيدة قبل الزفاف، وصية الرسول -ص- لسيدنا علي -ض- عندما خطب السيدة فاطمة، فقال: “هي لك على أن تحسن صحبتها”.(الطبري، حديث حسن صحيح)
ت‌. عدم زفاف الفتاة و هي حائض، أو في وقت قريب من موعد عادتها الشهرية، لأن زفافها وهي على هذه الحالة يسبب لها و لزوجها إحباطات كثيرة، و يفسد عليهما ليلة الزفاف. وقد يوقعهما في الحرام و يؤذيهما نفسيا. لذا على الأهل الاتفاق مع ابنتهم على تحديد موعد الزفاف حتى لا يحدث هذا الخطأ.
ث‌. الإعلان عن الزفاف في حفل بسيط، يُدعى إليه الأهل والأصدقاء الصالحون لإدخال الفرح والسرور على الزوجين، ومشاركتهما وليمة زفافهما. قال رسول الله -ص-: “لابد للعروس من وليمة” (أحمد والطحاوي وقال حديث صحيح). وقال لعبد الرحمان بن عوف عندما عند علم بزواجه: “بارك الله لك أَوْلِمْ و لو بشاة” (رواه الجماعة).
ج‌. تهنئة العروسين بالزفاف والدعاء لهما بالبركة. فيقول الأهل والأصدقاء لكل منهما: (بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير) (البخاري). قال ابن القيم: “كانوا في الجاهلية يقولون في تهنئتهم بالنكاح: بالرفاء و البنين” أي الالتحام والاتفاق بينكما. ويفضل عدم الدعاء “بالرفاء و البنين” فعن الحسن قال: تزوج عقيل بن أبي طالب فقالوا له:”بالرفاء والبنين” فقال قولوا كما قال رسول الله -ص-: “بارك الله فيكم و بارك عليكم” (النسائي).
3-1- نماذج للمقبلين على الزفاف:
على الآباء و الأمهات تقديم النصح السديد لأبنائهم عند الزواج. فهم –أي الأبناء- في حاجة إلى خبرة من سبقوهم إلى الزواج. ومن وصايا الآباء، وصية عبد الله بن جعفر بن علي بن أبي طالب لابنته، فقال: “إياك والغيرة فإنها مفتاح الطلاق. وإياك وكثرة العتب فإنه يورق البغضاء وعليك بالكحل فإنه أزين الزينة وأطيب الطيب الماء” (عن الأستانبولي: 68).
ومن الوصايا التي يجب أن تكون دستورا تعيه كل زوجة قبل الزفاف، وصية أم إياس بنت عوف بن مسلم الشيباني، عند زفافها إلى عمرو بن حجر ملك كندة. فقالت لها: “إن الوصية لو تركت لفضل أدب لتركت ذلك لك، ولكنها تذكرة للغافل، و معونة للعاقل … أي بُنيّة: النساء للرجال خلقن، والرجال للنساء خلقوا … أي بُنيّة إنك فارقت الجو الذي منه خرجت، وخلّفت العش الذي فيه درجت، إلى وكر لم تعرفيه، وقرين لم تألفيه، فأصبح بملكه عليك رقيبا ومليكا، فكوني له أمة يكن لك عبدا وشيكا. واحفظي له خصالا عشرا يكن لك ذخرا”. وهذه الخصال العشر هي:
(( الخضوع له بالقناعة – وحُسن السمع له بالطاعة – ولا تقع عينه منها على قبيح – ولا يشم منها إلا الطيب و ريح – و العناية بمواعيد طعامه – وتوفير سبل النوم الهادئ – وحسن التدبير في ماله – وحسن التربية لعياله – وعدم إفشاء سره – وعدم الفرح و هو مغتم ولا الحزن وهو مسرور)) (سابق، 1969: 234)

أ.بوعلام
منذ 7 سنوات
#10

بالفعل دكتور وليد

أمل الزويد
منذ 7 سنوات
#11

[FONT=”Comic Sans MS”]جزآكـ الله خيراً[FONT]

ماجدة محمد
منذ 5 سنوات
#12

بارك الله فيك وجزاك خيرا على مجهوداتك

أ.بوعلام
منذ 7 سنوات
#13

أخي العزيز أفرام مشكور

افرام
منذ 7 سنوات
#14

بارك الله فيك اخي الفاضل ، كل التقدير و الاحترام

أ.بوعلام
منذ 7 سنوات
#15

أختي الفاضلة فاطمة الزهراء شكرا على المرور

فاطمةالزهراء
منذ 7 سنوات
#16

شكرا للاهتمام

أ.بوعلام
منذ 7 سنوات
#17

أمة الله المصرية يا ألف مرحبا و سهلا فيك اختي الفاضلة

امة الله المصرية
منذ 7 سنوات
#18

بارك الله فيك وزادك من علمه حقا هذا موضوع مهم جدا حتى نتجنب حدوث حالات طلاق فى السنوات الاولى من الزواج

أ.بوعلام
منذ 7 سنوات
#19

أخت أمل شكرا على مرورك

أ.بوعلام
منذ 8 سنوات
#20

الحصة الثانية
الاختيار الزواجي:
لقد اتفق علماء النفس على أن هم قرارين يتخذهما الإنسان في حياته، هما قراره باختيار عمل، قراره باختيار زوجة، لأن العمل و الزواج ركيزتان أساسيتان في حفظ الصحة النفسية و تنميتها، أو في اضطراب الصحة النفسية للفرد.
ويهمنا في هذه الحصة اختيار الزوجة أو الزوج، و هو “عملية نفسية إرادية” تدخل ضمن مسؤوليات الفرد عن تنمية صحته النفسية، فإن أحسن الاختيار كان خيرا له، و إن أساء كان شرا عليه. فهنا إرادة الرجل و المرأة في الاختيار الزواجي تلعب دور مهم و حرص عليها الدين الإسلامي.
وسنتناول بحول الله، تحليل عملية الاختيار في الزواج و تفسيراتها، و العوامل التي تحددها، وشروط الاختيار الجيد للزوج أو الزوجة.
1- تحليل عملية الاختيار:
يقوم اختيار الزوج أو الزوجة على الميل و العقل. فقد يعجب الرجل بالمرأة، و يحبها ثم يتخذ قراره بالزواج منها، و قد يسمع عن المرأة أو يشاهدها، و يعجب بها، ثم يتخذ قراره بالزواج منها فيحبها. فقد تبين أن الحب نشأ في كثير من حالات الزواج الناجح بعد الزواج، و في كثير من حالات الزواج الفاشل قبل الزواج. و فسر العلماء الفشل في الحالة الأخيرة بما يسببه الحب الجارف من عمى الشباب عن استخدام العقل و المنطق في عملية الاختيار (Crow & Crow, 1951).
و هذا يعني أن الميل (الحب أو الرضا) لا يكفي وحده في اتخاذ قرار الاختيار لأنه –أي الميل− لا إرادي، و محكوم بالهوى، و القرارات التي تبنى عليه وحده غير مدروسة، فيها الاندفاعية واللامنطقية، و تصطدم في كثير من الأحيان بالواقع. لذا يجب عند اتخاذ قرار الزواج تحكيم العقل في الميل، و عدم تحكيم الميل في العقل، لأن العقل يخضع لإرادة الإنسان، و يحكمه الواقع، وتناط به المسؤولية في الزواج، و هو الذي يرشدنا إلى حقيقة ميولنا.
و منه فإن اختيار الزوج أو الزوجة يقوم على الميل أي العاطفة، و يحكمه العقل الذي يجعل كل شخص مسئولا عن اختياره، و يجعل قرار الزواج قرارا إراديا يتخذه الإنسان و هو واع بتبعاته.
2- تفسير عملية الاختيار
اختلف علماء النفس في تفسير الأساس الذي يقوم عليه الاختيار في الزواج، والدوافع التي تدفع إلى اتخاذ قراره. فأصحاب نظرية المعايير Norms Theory يفترضون أن الاختيار عملية إرادية، تتم في ضوء المعايير التي يضعها المجتمع لزواج من حيث السن و الجنس و الدين و التعليم والمكانة الاجتماعية و غيرها. و هذه المعايير يتعلمها الفرد و هو صغير، مما يجعله يقبل على الزواج، و في عقله فكرة عما يجب أن يكون عليه، و ما هو متوقع منه في هذا الموقف. و هذه الفكرة تحدد له ما هو مقبول، و ما هو غير مقبول في الاختيار، و تدفعه عند اتخاذ قرار الاختيار إلى التجاوب مع معايير مجتمعه والالتزام بها (الساعاتي، 1987).
أما أصحاب نظرية التجانس أو التشابه، فيذهبون إلى وجود دوافع شعورية و لا شعورية، تدفع الشخص إلى اختيار الزوجة (أو الزوج) التي تشبهه في السن و العقيدة و التعليم و المستوى الاجتماعي و الاقتصادي “فالطيور على أشكالها تقع”.
و يفترض أصحاب نظرية تكامل الحاجات Theory of complementary needs وجود دوافع شعورية و لا شعورية، تدفع الشخص إلى اختيار الزوجة (أو الزوج) التي تكمل حاجاته، و تشعره بالرضا. فالاختيار –من وجهة نظرهم- يقوم على أساس التغاير في السمات و الخصائص و ليس التشابه فيها، و على التكامل في الحاجات و ليس التجانس فيها. فالشخص ينجذب نحو من يجد فيه ما يكمل ما ينقصه من خصائص. فالرجل الذي يميل إلى السيطرة يسعى إلى اختيار زوجة تتسم بالخضوع، والعكس في دلك (جلال، 1982)، والزوج الذي نشأ في أحضان أم متسلطة يقبل الزواج من امرأة مسيطرة، ويرضى بالخضوع لها (Rickford et al, 1966) فكل شخص يبحث عن الزوج الذي عنده القدرة على إشباع حاجاته النفسية أو يتوقع منه أن يقوم بالأدوار التي تكمل أدواره (Tharp, 1963).
أما أصحاب نظرية التحليل النفسي، فيفترضون وجود دوافع لا شعورية تدفع إلى اختيار الزوج الشبيه بالأب أو المختلف عنه، والزوجة الشبيهة بالأم أو المختلفة عنها. فكثير من الدوافع التي توجه قرارات الشباب بالموافقة أو الرفض في مواقف الاختيار دوافع لا شعورية لا يعيها كل مقبل على الزواج. فقد يكون الفرد مدفوعا إلى اختيار زوجة تشبه أمه التي أحبها، وأعجب بسلوكياتها وشخصيتها. وقد تكون الفتاة مدفوعة إلى اختيار زوج يشبه أباها الذي أحبته، وأعجبت به وبشخصيته، وقد ترفض الفتاة كل من يتقد لخطبتها، لخوفها من أبيها وعدم رضاها عنه، لأنه كان يعاقبها ويسيء إليها وإلى أمها، وتخشى أن يكون زوجها كأبيها سيء الخلق، يؤذيها ويظلمها ويهملها. وقد يرفض الشاب الزواج، ويعزف عنه بسبب خوفه من أمه المتسلطة المسيطرة على أبيه، ورغبته في ألا يتكرر معه ما حدث لأبيه، مما يجعله يجد في كل فتاة من العيوب التي تجعله يرفضها، ولا يقبل عليها، وقد يقنع نفسه في النهاية بعدم الزواج، لأنه لم يجد الزوجة الصالحة (الساعاتي، 1987).
ويذهب أصحاب نظرية القرب المكاني إلى أن أساس الاختيار يكمن في الموقف والظروف التي تجمع بين الناس، فكل شخص يختار الزوجة (أو الزوج) من أناس يعرفهم، عن طريق الجوار أو الزمالة في العمل أو المدرسة، ويقبلون قيمه ودينه وأفكاره.
ومع اختلاف هذه النظريات في التفسير، فإنها لا تتعارض ولا تتناقض بل تتكامل فيما بينها، لأن كلا منها يفسر أساسا للاختيار عند بعض الناس، وليس عند كل الناس. فبعض الناس يختارون على أساس التشابه والتجانس، وغيرهم يختارون على أساس التكامل في الحاجات، وآخرون يختارون على أسس أخرى غير التشابه والتكامل والقرب المكاني، فدوافع الاختيار كثيرة منها ما هو شعوري، ومنها ما ليس شعوريا، ولا توجد نظرية واحدة تفسر هذه الدوافع عند جميع الناس.
3- العوامل التي تؤثر على القرار:
مع أن اختيار الزوج (أو الزوجة) مسئولية كل من الرجل والمرأة فإن قرارهما لا ينشأ من فراغ، بل له جذور اجتماعية وثقافية ودينية، ويتأثر بعوامل كثيرة من أهمها:
– الوالدان:
حيث يؤثر الوالدان على قرارات أبنائهما في الزواج بطريقة مباشرة، فالبنت عندنا لا تتزوج إلا بموافقة والدها، والولد مع استطاعته تزويج نفسه لا يقْدم على الزواج إلا بعد مباركة والديه لاختياره، احتراما لهما، وطلبا لرضائهما، فلا تتم إجراءات الخطبة وعقد القران إلا بحضور الوالدين. ولا يقف دور الوالدين عند الموافقة ومباركة الاختيار، بل يمتد تأثيرهما إلى عملية الاختيار نفسها، حيث تبين من الدراسات أن الأولاد والبنات يتأثرون بشكل مباشر أو غير مباشر بوالديهم في اتخاذ قرار اختيار الزوج أو الزوجة. ففي إحدى الدراسات على 492 شابا جامعيا أشار 70٪ إلى أنهم تأثروا بوالديهم في اتخاذ قراراتهم، وكانت النسبة عند البنات أعلى منها عند الأولاد. وكشفت دراسات أخرى وجود دوافع شعورية ولا شعورية عند البنات لاختيار أزواج شبيهين بآبائهن، وعند الأولاد لاختيار زوجات شبيهات بأمهاتهم، اللاتي أعجبوا بشخصياتهن وبأدوارهن في الأسرة (Barton & Barton).
– الأصدقاء:
يؤثر الأصدقاء من الأقارب ومن غيرهم على قرارت الأفراد في اختيار الأزواج والزوجات، فمن دراسة على مائة طالب جامعي تبين أن 60٪ من الأولاد و البنات استشاروا أصدقاءهم المقربين عند اتخاذ قرارات الاختيار، وتجاوبوا مع توجيهاتهم بالإقدام أو الإحجام.
– الدين:
الزواج كما أشرنا من الأمور الدينية وليس مسألة شخصية أو اجتماعية. فالدين يسهم بطريقة مباشرة وغير مباشرة في اختيار الزوج أو الزوجة، لأنه يأمر المسلمة بعدم اختيارها من غير المسلمين، ويسمح للمسلم باختيار زوجته من المسلمات والكتابيات (المسيحيات واليهوديات) ويمنعه من اختيارها من غير الكتابيات.
ويختلف تأثير الدين على قرارات الاختيار في الزواج من شخص لآخر حسب درجة إيمان كل منهما، والتزامه بأوامر ونواهي الدين. فالرجل (أو المرأة) قوي الإيمان مدفوع بدوافع دينية إلى اختيار زوجته من المسلمات المحجبات الملتزمات بالصلاة والصيام والزكاة، عملا بحديث رسول الله –صلى الله عليه وسلم−: ” فاظفر بذات الدين تربت يداك”، أما الرجل (أوالمرأة) الذي في دينه رقة، فمدفوع بدوافع دنيوية (المال أو الجمال أوالحسب) إلى اختيار زوجته من المسلمات أو الكتابيات، من المحجبات أوغير المحجبات.
– العادات و التقاليد:
لكل مجتمع عادات وتقاليد تؤثر على قرارات الفرد باختيار الزوجة (أوالزوجة) فبعض الأسر لا تسمح لأبنائها بالزواج من خارجها، وتضغط على الفرد للتمسك بهده العادات، وتهدده بالطرد والحرمان من الميراث إن خالفها.
ومع أن ضغط العادات والتقاليد في اختيار الزوج أو الزوجة ضعف في كثير من المجتمعات الحديثة، فإن تأثيرها ما زال واضحا عند بعض القبائل والأسر من الحضر و البدو و الريف، فيشترطون الحسب والنسب و المال والجاه فيمن يزوجونه أو يتزوجون منه، و يتمسكون بهذه الشروط مع قناعتهم بأنها ليست أساسية في نجاح الزواج، و يصرون عليها و لو عنست فتياتهم، وأبق شبابهم، و تمردوا على هذه العادات.
– وسائل الإعلام:
تسهم وسائل الإعلام المرئية و المسموعة و المقروءة في تحديد معايير الزوج و الزوجة التي يتبناها الشباب، و يعتمدون عليها في الاختيار الزواجي. فمن دراسة لمائة طالب جامعي أشار 32٪ إلى أن الأفلام التي شاهدوها، و البرامج التي سمعوها، و الكتب والمجلات و الصحف التي قرؤوها ساهمت في تحديد الصفات التي تمنوا وجودها في الزوجة (أو الزوج)، و تأثروا بها عند اتخاذ قرار الزواج بطريقة مباشرة أو غير مباشرة.
4- شروط الاختيار الجيد
إن قرار الاختيار الزوج أو الزوجة من القرارات التي تخضع للصواب والخطأ و يحتمل فيها التوفيق أو عدم التوفيق. و مع هذا علينا أن نأخذ بالأسباب، و نحسن الاختيار في ضوء ما نراه مناسبا بعقولنا، ز نميل إليه بعواطفنا.
وتشير الدراسات على الزواج إلى مجموعة من العوامل، تقف وراء النجاح و السعادة الزوجية، ومجموعة أخرى تقف وراء الفشل في الزواج و الشقاء فيه. و علينا في الإختيار أن نٌقْبل على عوامل النجاح، و نبتعد عن عوامل الفشل والشقاء.