هنا تجدون الباب الثاني و هي تكملة للحصص الاولى المذكورة في الباب الأولى و سيكون هنا التالي فيما بعد إن شاء على في أبواب اخرى

الباب الثاني
(تحليل التفاعل الزواجي – محددات التفاعل الزواجي)
الحصة الرابعة
تحليل التفاعل الزواجي
يقصد بالتفاعل الزواجي Marital Interaction التأثير المتبادل بين الزوجين، بحيث يكون سلوك كل منهما مترتبا على سلوك الآخر، وينقسم التفاعل إلى قسمين:
– تفاعل إيجابي: Positive Marital Interaction. عندما يكون تأثير سلوكيات كل من الزوجين على الآخر طيبا ومرضيا، يثير فيه مشاعر الحب والمودة، وأفكار التعاون والتأييد، ويدفعه إلى عمل ما يرضيه، لذا يسمى التفاعل الزواجي الجالب للسرور Pleasant Marital Interaction.
– تفاعل سلبي: Negative Marital Interaction. عندما يكون تأثير سلوكيات كل منهما على الآخر سيئا ومزعجا، يثير فيه مشاعر العداوة والنفور، وأفكار الخصومة والانتقام، ويدفعه إلى عمل ما يغضبه ويثيره. لذا يسمى التفاعل الجالب للإزعاج Unpleasant Marital Interaction.
فالتفاعل الزواجي عملية أساسية في الحياة الزوجية، تحرك الزواج نحو تحقيق أهدافه، أو تعوقه عن ذلك، باعتبار أن الزوجين يكوِّنان معا جماعة من اثنين لها دينامياتها، وبناؤها وأدوارها وأهدافها.
ويتأثر التفاعل الزواجي بعوامل كثيرة تحدد شكله ومساراته، يرجع بعضها إلى الزوجين، وبعضها الآخر إلى الظروف التي يعيشون فيها. وسنتناول في هذا الفصل تحليل عملية التفاعل الزواجي، فنبين كيف يحدث من بداية الملاحظة فالإدراك والتقويم، وأخيرا رد الفعل أو الاستجابة. ثم ننتقل إلى تفسيرات علماء التعلم وعلم النفس الاجتماعي، لعملية التفاعل الزواجي، مما يساعدنا على فهمه، والتحكم فيه، ولتنبؤ به.
1. تحليل التفاعل الزواجي:
التفاعل الزواجي كأي تفاعل اجتماعي عملية دينامية، مركبة من عمليات حسية وعقلية ووجدانية، يصعب الفصل بينها، لأنها متداخلة، ويكمل كل منها الآخر. فالزوج عندما يلاحظ سلوك زوجته، يفهمه ثم يستجيب له بسلوكيات تلاحظها هي وتفهمها، ثم تستجيب هي بسلوكيات يلاحظها ويفهمها، ثم يستجيب لها. وهكذا يستمر التفاعل الزواجي حيث يكون كل من الزوجين فاعلا ومنفعلا بالفعل، أي مثيرا ومستجيبا في آن واحد (الخشاب، 1987).

الزوج:
يلاحظ———يدرك ———- يقوم ———— يستجيب
تستجيب —- تقوم ———- تدرك ———— تلاحظ
الزوجة

رسم تخطيطي لعملية التفاعل الواجي

والسابق يبين رسما تخطيطيا للتفاعل الزواجي. ونجد فيه أن التفاعل بين الزوجين يتكون من أربع عمليات رئيسية هي: الملاحظة، والإدراك، والتقويم، والاستجابة. وفيما يلي توضيح لها وبيان دورها في التفاعل الزواجي:
أ‌- الملاحظة: Observation
عملية حسية، تسترك فيها حاسة أو أكثر من الحواس الخمس، فكل من الزوجين يلاحظ ما يصدر عن الآخر من سلوكيات تأخذ شكل أفعال، أو أقوال، أو تعبيرات انفعالية أو حركية، ثم تنتقل هذه الملاحظات عن طريق الحواس إلى المخ الذي يحولها إلى مدركات عقلية.
وهذا يعني أن التفاعل الزواجي يعتمد على سلامة حواس الزوجين، وقدرتهما على الانتباه للأقوال والأفعال والتعبيرات والانفعالات التي تحدث بينهما، وأي خلل في حواسهما أو انتباههما، يجعل ردود أفعالهما غير مناسبة، وقد يؤدي إلى وقف التفاعل، أو ينحرف به إلى مسارات غير مرغوب فيها.
وتتطلب الملاحظة الجيدة اتصال الزوجين بالحضور الفيزيقي معا، وتفاعلهما وجها لوجه، و استخدامهما الحواس في التفاعل بينهما، و أهمها حواس: السمع والبصر والشم، التي تجذب كل منهما إلى الآخر، أو تنفرهما من بعضهما البعض. ويرى كثير من علماء النفس الاجتماعي أن المظهر الحسن، و الرائحة الذكية، و الكلام الطيب، من أهم المؤثرات على التفاعل الزواجي، و ينصحون كلا من الزوجين بالتزين للآخر، فيريه منه ما يشرح صدره، ويسمعه من الكلام ما يرضيه، ويشممه من الروائح ما يعجبه، حتى يجذبه إليه، و لا ينفره منه.
وقد أدرك علماء المسلمين هذه الحقيقة النفسية، فدعوا إلى ما دعا إليه علم النفس الإجتماعي من ضرورة تزيين الزوجة لزوجها، حتى تجدذبه إليها. فهذا عبد الله بين جعفر بن أبي طالب يوصي ابنته العروس فيقول: “عليك بالكحل فإنه أزين الزينة، و أطيب الطيب الماء”. و جاء في كتاب تحفة العروس للأستانبولي قول أبي الفرج: “تحظى المرأة بقلب زوجها بعد تمام خلقها، وكمال حسنها، عندما تكون مواظبة على الزينة والنظافة، وعاملة بما يزيد من حسنها من انواع الحلي، واخلاف الملابس ووجوه الزينة، التي توافق زوجها، و يستحسنه منها، ولتحذر (الزوجة) كل الحذر أن يقع بصرها على شيء مما يكره من وسخ أو رائحة مستنكرة” (الإستانبولي، ب ت:77). وبقول ابن القيم في دور الحواس في التفاعل الزواجي: “العين و الأذن و الأنف إذا وقعت على حسن أوصلته إلى القلب، فيحدث الإنجذاب بين الزوجين، و إذا وقعت على ما هو قبيح أوصلته إلى القلب أيضا، فيحدث النفور بينهما”.
و أوصت أم ابنتها عند الزواج فقالت: “لا تغفلي على نظافة بدنك، فإن نظافته تضيء وجهك، و تحبب فيك زوجك، و تبعد عنك الأمراض و العلل، و تقوي جسمك على العمل. أي بنية: إن المرأة الوسخة تمجها الطباع، و تنأى عنها العيون و الأسماع. أي بنية: إذا قابلت زوجك فقابليه فرحة مستبشرة، فإن المودة جسم، روحه بشاشة الوجه” (الألباني، 1975: 152). وصدق رسول الله -ص- عندما أشار إلى أن المرأة الصالحة هي التي إذا نظر إليها زوجها سرته وفرح بها.(رواه البخاري)
ويخطئ من يعتقد أن التزيين و التجميل و التطيب مطلوب من الزوجة لزوجها، و غير مطلوب من الزوج لزوجته. لأنه اعتقاد مخالف لشرع الله، الذي جعل للمرأة من الحقوق مثل الذي عليها من الواجبات. فقال تعالى: { و لهن مثل الذي عليهن بالمعروف} (البقرة: 228). فكما أن من واجب المرأة أن تتزين لزوجها، فعلى الزوج أن يتزين لها، فلا تراه إلا في صورة حسنة، و لا تشم منه إلا رائحة ذكية. و لنا في رسول الله الأسوة الحسنة في التطيب لنسائنا، فقال: “خيركم، خيركم لأهله، و أنا خيركم لأهلي” (رواه البخاري). و كان: “أول ما يفعله عند دخول البيت السواك” (البخاري). ليعلمنا كيف ندنو من زوجاتنا وروائح أفواهنا طيبة. و هكذا تعلم الصحابة منه، فهذا ابن عباس –رضي الله عنهما- يقول: “إني أتزين لامرأتي كما تتزين لي” لأن تزين الزوج لزوجته حق عليه لها.
وكان لسيدنا عمر بن الخطاب -ض- بصيرة المعالج النفسي في المشكلات الزوجية، عندما دخل عليه رجل أشعث أغبر، ومعه زوجته تقول يا أمير المؤمنين لا أريد هذا الرجل. فأمره عمر بالاستحمام وتهذيب شعره وتقليم أظافره، ففعل، فلما رأته زوجته، رجعت عن طلبها. فقال عمر:”هكذا فاصنعوا لهن، فوالله إنهن ليحببن أن تتزينوا لهن كما تحبون أن يتزيّن لكم” (الإستانبولي، ب ت: 83)
ب‌- الإدراك: Perception
عملية عقلية، يتم فيها إعطاء معاني للأفعال و الأقوال و التعبيرات التي تلاحظ في التفاعل الزواجي. و تتأثر هذه العملية بأفكار الشخص و مشاعره واتجاهاته و ميوله. فعندما يلاحظ أحد الزوجين سلوكيات الآخر، يدركها بطريقاه الخاصة، و يعطيها المعنى الذي يفهمه منها، بحسب حالته النفسية و علاقته به، واتجاهاته نحوه، ورضاه عنه، (Goodman & Ofshe, 1963) فقد وجد أن الزوجة التي تحب زوجها تنتبه إلى محاسنه، و تتغاضى عن مساوئه، و تعطي سلوكياته معاني طيبة، و تلتمس له الأعذار فيما تلاحظ عليه من عيوب. أما الزوجة التي لا تحب زوجها فتنتبه لعيوبه، و تتغاضى عن محاسنه، و تأخذ سلوكياته بمعان سيئة. و كذلك يتأثر إدراك الزوج لسلوك زوجته بحالته النفسية و اتجاهاته نحوها.
و هذا يعني أن التفاعل الزواجي لا يقوم على أساس السلوك الواقعي لكل من الزوجين بقدر ما يقوم على كل ما يدركه كل منهما في سلوك الآخر. و الإدراك مسألة ذاتية تجعل دراسة هذا التفاعل لا تقف عند معرفة “كيف يسلك الزوج مع زوجته؟” بل تمتد إلى معرفة “كيف تدرك الزوجة هذا السلوك؟”. فقد يلاطف الزوج زوجته، و تدرك هي ملاطفته لها مضايقة و إزعاجا. وقد تتزين الزوجة لزوجها، و لا ينتبه هو لها، أو يدرك ما في زينتها من عيوب.
ج- التقويم: Evaluation
عملية عقلية أيضا، يعطي فيها كل من الزوجين قيمة نفسية لسلوكيات الآخر، حسب ارتياحه لها، و رضاه عنها، و إشباعها لحاجاته الجسمية النفسية. و تظهر قيمة هذه السلوكيات عنده في ردود أفعاله لها، فإذا كانت ردود أفعال تعاون و مودة و تقبل، دلت على تقديره لهذه السلوكيات، و إعطائها قيمة نفسية عالية، و رغبته في تكرار الطرف الآخر لذلك السلوك. أما إذا كانت ردود أفعال عدائية غاضبة، دلت على عدم تقبله لها و حطه من شأنها، و رغبته في عدم تكرارها.
و يتأثر تقويم السلوك في التفاعل الزواجي بإدراك كل من الزوجين لسلوكيات الآخر، وبتوقعاته منها، فالزوج الذي يجد في تصرفات زوجته ما يتوقعه منها يعطي أفعالها معاني حسنة، ترفع قدرها عنده، و تكون ردود أفعاله لها جيدة. و يحدث العكس عندما تكون تصرفات الزوجة دون مت يتوقعه الزوج، أو غير ما يتوقعه، فيسوء تقديره لها. و تكون ردود أفعاله لها عدائية. كذلك يكون تقويم الزوجة لسلوك زوجها و ردود أفعالها له. فتوقعات كل من الزوجين من سلوكيات الآخر، مطالب له عنده و تكون ردود أفعاله في التفاعل معه على أساس ما يتحقق له منها (Barton & Barton, 1983).
كما يتأثر تقويم السلوك بالعلاقة بين الزوجين، فالزوج الذي يشعر بمودة زوجته له، يقوِّم سلوكياتها بطريقة تختلف عن تقويم الزوج الذي لا يحب زوجته. فالأول يبالغ في محاسن السلوك، ويعطيها قيمة نفسية عالية، و يتحمل أخطاءها، و تكون ردود أفعاله لها تعاونية، فيها مودة واحترام، أما الثاني فيبالغ في العيوب، ويقلل من المحاسن، ويستخف بها، و يعطيها قيمة دونية، وتكون ردود أفعاله لها غاضبة و عدائية، مهما كانت تصرفاتها حسنة. فالحب يجعل وجهات نظر الزوجين متقاربة، وتوقعاتهما متشابهة، و تقويم كل منهما لسلوك الآخر متسقا مع حبه له (Arkoff, 1968) فتعاطف الزوجة مع زوجها يجعلها قادرة على تقديره و حبه حتى و لو كان مشغولا عنها في عمله (Goodman & Ofshe, 1968).
و يتأثر التقويم أيضا بنضج شخصية كل من الزوجين، و خيراته الانفعالية قبل الزواج، وذكائه وفهمه لحقوقه وواجباته، وحقوق واجبات الآخر، ودرجة إيمانه. فقد وجد أن تدين الزوجين وخوفهما من الله، يجعل كل منهما موضوعيا في تقويم ردود أفعال الآخر التي لا تعجبه، وتدفعه إلى كظم الغيظ والعفو والإحسان إلى قرينه في مواقف الغضب، فلا يبالغ في تقويم أخطائه، ولا يتغاضى عن محاسنه، لأنه يشعر بعظم الأمانة في التقويم، ومراقبة الله له، إن هو أساء فهم سلوك الآخر. و قد كان الحسن بن علي رضي الله عنهما حكيما عندما جاءه رجل يطلب النصيحة في زواج ابنته. فقال: “زوجها لمن يتقي الله، فإن أحبها أكرمها، و إن أبغضها لم يظلمها” (رواه مسلم و أحمد).
د- الإستجابة: Response
عملية نفس حركية، تتضمن ردود أفعال كل من الزوجين لسلوكيات الآخر، و هي – أي ردود الأفعال – استجابات لفظية أو حركية أو انفعالية، تعبر عن انفعالات أحد الزوجين ومشاعره و أفكاره نحو الطرف الآخر، و تثير فيه ردود أفعال لها. و هكذا تستمر عملية التفاعل. فالزوج يستجيب لسلوكيات زوجته و الزوجة تستجيب لسلوكيات زوجها و تعتبر هذه الاستجابات وسيلة اتصال بين الزوجين، و طريقة التفاهم بينهما و أسلوبهما في حل مشاكلهما، و في التعبير عن مشاعرهما و اتجاهاتهما نحو بعضهما البعض.
وتقوم ردود الأفعال الكلامية و الحركية و الانفعالية على ما ينتج عن عمليتي” الإدراك والتقويم” من مشاعر الارتياح أو الغضب. فالزوج الذي ينتهي إدراكه و تقويمه لسلوك الآخر بالارتياح و التقبل، تكون ردود أفعاله ودية جاذبة، و الزوج الذي ينتهي من ذلك بمشاعر الغضب و عدم التقبل تكون ردود أفعاله عدائية نافرة. فاستجابة كل من الزوجين في التفاعل لا تحدث دائما نتيجة أفعال الزوج الآخر لكن بحسب تفسيره هو لهده الأفعال، و تقويمه لها، و انفعاله بها (الخشاب، 1987).
وتتأثر ردود أفعال الزوجين في التفاعل الزواجي بنضج شخصية كل منهما، فالزوج الناضج عقليا وانفعاليا قوي، يملك نفسه عند الغضب، و يسيطر على انفعالاته، و يتحمل أخطاء الزوجالآخر، و يعفو عن زلاته، و يقبل السيئة بالحسنة، و تكون ردود أفعاله ودية، فيها رفض للخطأ، و تقبل للمخطئ، مما يشعر الزوج المخطئ بالأمن و المودة، و يدفعه إلى تعديل ردود أفعاله في التفاعل الزواجي، و يزداد التوافق بينهما من الحسن إلى الأحسن.
أما الزوج الغير ناضج عقليا و انفعاليا، فضعيف، سريع الغضب، مندفع في ردود أفعاله، لا يتحمل أخطاء الزوج الآخر، و لا يصبر على زلاته، و لا يهدأ إلا برد الإساءة بأسوأ منها، و لا يقدر على التمييز بين الإساءة و المسيء، و يرفضهما معا، و تكون ردود أفعاله عدائية، فيها رفض للزوج المسيء فيشعر – أي الزوج المسيء – بالنبذ وعدم التقبل، و يندفع إلى معاداة الزوج الآخر، و يضطرب بذلك التفاعل الزواجي، و تسوء العلاقة الزوجية.
1. تفسير التفاعل الزواجي:
اهتم علماء النفس بدراسة كيف يبدأ التفاعل الزواجي و كيف يتطور. و بحثوا في الأسباب التي تدفع كلا من الزوجين إلى أن يكون حسن الخلق مع الآخر و إلى تحمل أخطائه أو عدم تحملها وانتهوا إلى أن الزواج ينشئ علاقة بين الرجل و المرأة تبدأ بالتعارف و التفاعل السطحي، ثم تتطور إما إلى تفاعل جاذب، يقوِّي العلاقة الزوجية و ينميها، أو إلى تفاعل نافر، يضعِّف العلاقة و يحلها. و اتفق علماء النفس على أن شعور الزوجين بالرضا في تفاعلهما مع بعضهما البعض، يجذبهما معا، و يشجعهما على الاستمرار في التفاعل والتماسك، أما شعورهما بعدم الرضا، فينفرهما من التفاعل معا، و يدفعهما إلى التفكك و الابتعاد.
و أرجع علماء التعلم الشعور بالرضا أو عدم الرضا إلى ما يحصل عليه كل من الزوجين من ثواب أو عقاب في تفاعله مع الآخر، بينما أرجعه علماء النفس الاجتماعي (نظرية التبادل الاجتماعي) إلى ما يتحقق لكل من الزوجين من ربح أو خسارة (نفسية)، و أرجعه علماء علم النفس الإسلامي إلى الربح النفسي و الروحي، الذي يحققه الزوجان من تفاعلهما معا. و نتناول فيما يلي هذه النظريات الثلاث بشيء من التفصيل.
2-1- نظرية التعلم: (الثواب و العقاب)
ذهب أصحاب نظرية التعلم إلى أن: “إثابة الشخص على السلوك يدعمه و يحفزه إلى الاستمرار فيه، و عدم إثابته يضعف سلوكه و يطفئه” و بحسب هذا المبدأ فإن مسارات التفاعل الزواجي تحددها ما يتلقاه الزوجان من ثواب أو عقاب على سلوكياتهما مع بعضهما البعض. فعندما يثيب أحدهما الآخر و يشبع له حاجياته، يحفزه على الاستمرار في التفاعل معه و يجعله يعتمد عليهن وينجذب إليه، و يجد الأمن في القرب منه، و عدم الأمن في البعد عنه. أما عندما يعاقب أحدهما الآخر، و يحرمه من الثواب، فإنه يشعره بعدم الارتياح، و يدفعه إلى نفور منه، و الابتعاد عنه (Lambert & Lambert, 1988).
فالثواب تدعيم إيجابي Positive Reinforcement للتفاعل الزواجي، يحفز كلا الزوجين على عمل ما يرضي الآخر، و يشجعهما على تعديل سلوكياتهما و أفكارهما و مشاعرهما، حتى تتقارب و تتشابه، و تغدو نظرتهما إلى الأمور واحدة. أما العقاب فتدعيم سلبي Negative Reinforcement للتفاعل، يشعرهما بالإحباط و التوتر، و يجعل ردود أفعالهما عدائية تجاه بعضهما البعض، وينفرهما من الزواج، و يدفعهما إلى الانفصال.
و على هذا يدعو علماء التعلم إلى أن يثيب كل من الزوجين قرينه على سلوكياته معه بإثابة مادية كانت أو معنوية تشبع له حاجات لا يقدر على إشباعها إلا من خلال تفاعله معه. و من أهم هذه الحاجات التي تشبع في التفاعل الزواجي، الحاجات الجسمية و النفسية و الاجتماعية. و يرى هؤلاء العلماء أن الإثابة المعنوية لا تقل في أهميتها عن الإثابة المادية في التفاعل الزواجي. فقد وجدوا أن للابتسامة و الكلمة الطيبة قدرة على توجيه تفاعل الزوجين في مسارات إيجابية، و على تشجيع كل منهما على تعديل سلوكه و تغيير ردود أفعاله حتى يتوافق مع الآخر (Lambert & Lambert, 1988).
2-2- نظرية التبادل الاجتماعي:
أما نظرية التبادل الاجتماعي Social exchange theory أو كما تعرف بنظرية الربح النفسي Psychic profit theory فقدمها “هومانز” G. Homanse – من علماء النفس الاجتماعي- لتفسير كيف يتطور التفاعل الاجتماعي في الجماعات الصغيرة إلى الإيجابية فيظهر التعاون و التماسك، أو إلى السلبية فيظهر الصراع و التفكك. و اتفق فيها مع علما التعلم على أن إثابة السلوك تدعمه و تقويه، و عدم إثابته تضعفه و تطفئه. لكنه اشترط في الثواب أن يكون ذا قيمة نفسية عند الشخص المثاب، حتى يشعر بالربح النفسي، و لا يشعر بالخسارة النفسية التي يتعرض لها عندما يعاقب، أو يحصل على ثواب بسيط من التفاعل مع الآخرين.
و استخدم “هومانز” في حساب الربح و الخسارة في التفاعل الاجتماعي مفهومي “العائد والتكلفة” من علم الاقتصاد. و اعتبر سلوك الشخص في التفاعل “تكلفة”، و الثواب و العقاب اللذين يحصل عليهما من المتفاعلين معه “عائدا”. و الربح أو الخسارة = العائد – التكلفة. فإذا كان العائد يساوي أو أكبر من التكلفة كان الشخص رابحا نفسيا، و كانت الإثابة قيِّمة بالنسبة له، أما إذا كان العائد أقل من التكلفة، كان الشخص خاسرا نفسيا، حتى و لو حصل على الإثابة من الآخرين، فهي إثابة عديمة القيمة أو ذات قيمة بسيطة بالنسبة له.
و افترض “هومانز” أن الشخص يستمر في التفاعل الاجتماعي إذا كانت الإثابة مساوية أو تفوق في قيمتها النفسية قيمة السلوك الذي بذله في الحصول عليها – أي عندما يكون رابحا نفسيا- ويتوقف عن التفاعل أو يتفاعل تفاعلا سلبيا إذا عوقب أو حصل على ثواب أقل من التكلفة –أي عندما يكون خاسرا نفسيا-.
وبحسب هذه النظرية فإن الزوجين يستمران في التفاعل معا، و يشعران بالمودة و التعاون والتماسك، عندما يجد كل منهما نفسه رابحا من تفاعله مع الآخر، و يتوقفان عن التفاعل أو يأخذ تفاعلهما شكلا عدائيا، عندما يجد أحدهما (أو كلاهما) نفسه خاسرا نفسيا من هذا التفاعل (Lambert & Lambert , 1988).
ويتحقق الربح النفسي للزوجين عندما يلمس كل منهما في ردود أفعال الآخر ما يرضيه، ويبعث في نفسه الطمأنينة، أما عندما يلمس ما يغضبه، فإنه يشعر بالإحباط و الحرمان، و الخسارة النفسية.
وتتأثر حسابات العائد و التكلفة و الربح في التفاعل الزواجي بعوامل نفسية من أهمها توقعات كل من الزوجين من الآخر، و إدراكه لتوقعات الآخر منه. فعندما يجد الزوج في ردود أفعال زوجته ما كان يتوقعه من إثابة، يشعر بأنه ربح نفسيا، و يدرك أن العائد أكثر من التكلفة، و يشعر بقيمة هذا العائد و بقدره. و كذلك تحصل الزوجة على الربح النفسي، إدا وجدت في ردود أفعال زوجها ما كانت تتوقعه من إثابة، و تشعر بقيمة العائد من سلوكياتها.
وعندما يشعر الزوجان بالربح النفسي في التفاعل الزواجي يُعدّْل كل منهما سلوكياته و أفكاره ومشاعره، حتى يقترب من سلوكيات و أفكار و مشاعر الآخر، و يتعلم كيف يرضيه، و كيف يتحمله حتى يستمر التفاعل الإيجابي بينهما.
والعلاقة بين رضا أحد الزوجين عن الآخر و حصوله على الربح النفسي من التفاعل معه علاقة تأثير متبادل. فرضا الزوجين عن بعضهما البعض يزيد من أرباحهما النفسية، و من تفاعلهما معا. وحصولهما على الربح النفسي يزيد من مشاعر الرضا بينهما، ويدفعهما إلى تعديل سلوكياتهما وأفكارهما و مشاعرهما حتى تتشابه، و تتوحد ردود أفعالهما في المواقف الأسرية و يعمل كل منهما ما يجذب الزوج الآخر إليه، و يربطه به، و يحفزه على الاهتمام به، فيسودهما التعاون و التآزر والتكامل، و تزداد أرباحهما النفسية من التفاعل الزواجي.
أما عندما تقل المكافأة عن تكلفة السلوك (أي كانت أقل مما كان متوقعا) فإنها تثير الغضب، وتدفع إلى النفور و التفكك، و تجعل التفاعل الزواجي مكلفا نفسيا، و تعرضه للانحراف أو التوقف، لأن في استمراره خسارة نفسية لا يقدر على تحملها كل من الزوجين أو أحدهما.
و تؤدي الخسارة النفسية التي يتعرض لها أحد الزوجين (أو كلاهما) في التفاعل الزواجي إلى التمرد النفسي Psychological reactant على الزوج الذي تسبب في منع الربح أو في الخسارة، و تجعل ردود أفعاله في التفاعل الزواجي عدائية مباشرة أو غير مباشرة ضد هذا الزوج، أو ضد الزواج بصفة عامة. و يأخذ تفاعلهما معا شكل التنافس الذي قد يؤدي إلى خضوع أحدهما للآخر، و انصياعه له بالإكراه، و دفعه إلى ما أسماه “هومانز” (التعاون العدائي). فعندما يكون الزوج رابحا نفسيا و الزوجة خاسرة نفسيا، و تقبل الزوجة الهزيمة النفسية، و تستسلم للأمر الواقع، و ترضى بسيطرة زوجها و تخضع له، فإنها لا ترفع الراية البيضاء، و لا تقبل السلام معه. لأنها تستسلم استسلام المقهور الحاقد، و تتسم ردود أفعالها في التفاعل الزواجي بالسلبية و الإهمال والرياء و التملق و الطاعة العمياء للزوج، و قد يدفعها حقدها إلى الخيانة الزوجية (جلال، 1972).
وعندما لا يقبل الزوجان الخسارة النفسية يتحول تفاعلهما معا إلى الصراع بسبب تضارب مصالحهما، و تعارض دوافعهما، و يسعى كل واحد منهما إلى هدم الآخر، و الانتقام منه. ويستمر الصراع بينهما حتى ينتصر أحدهما على الآخر أو ينفصلان عن بعضهما البعض.
لكن عندما لا يستطيع أي من الزوجين حسم الصراع لصالحه، فإنه يضطر إلى مهادنة الزوج الآخر، و التعاون معه من أجل تحصيل مصالح شخصية من تفاعله معه، أو درء خسائر مادية أو نفسية قد يتعرض لها، إن هو انفصل عنه، أو توقف عن التفاعل الزواجي معه.
و هكذا قد نجد زوجين متعاونين معاونين معا و غير سعيدين بحياتهما الزوجية، من أجل أولاد لهما، أو تجارة بينهما، أو مصالح مادية و اجتماعية أخرى لا تتحقق لأي منهما إلا من خلال تفاعلهما معا. و يحكم التفاعل في هذه الحالة مبدأ “المباريات التي لا تكون حصيلتها صفرا”، أي التي لا ينتهي الصراع فيها عادة بغالب و مغلوب، و يضطر المتصارعون إلى التوقف عن الصراع و قبول التعاون معا من أجل وقف خسائر الصراع، و تحقيق مصالح مشتركة من التعاون (جلال، 1982).
2-3- نظرية الربح النفسي و الروحي: Psycho-spiritual-profit theory
تقوم نظري الربح النفسي الروحي في التفاعل الاجتماعي على أربع مسلمات هي:
أ‌- إشباع الحاجة إلى الدين يدفع الإنسان إلى عمل ما يرضي الله.
ب‌- حصول الإنسان على الثواب من الله يدعم سلوكه في العبادات.
ت‌- إحسان الإنسان إلى أخيه من العبادات التي يثيبه الله عليها.
ث‌- يزداد ثواب الله إدا أحسن الإنسان إلى من أساء إليه.
و يقصد بالربح النفسي الروحي، شعور الإنسان بالارتياح النفسي في عمل ما يرضي الناس من أجل الحصول على الثواب من الله، فتكون ردود أفعاله في التفاعل معهم ردود فيها مودة و تعاون، سواء قابلوا مودته لهم بالثواب (مودة-مودة)، لأن الثواب من الله يجعل العائد النفسي في التفاعل الزواجي أكبر من التكلفة، و يشعر الإنسان بالربح النفسي، فتكلفة أي عمل يقوم به قليل، إذا قارنه بالعائد النفسي من ثواب الله.
و تتفق هده النظرية مع نظريتي التعلم و التفاعل الزواجي في تفسير تفاعل الناس مع بعضهم البعض بمبدأي الثواب و العقاب و الربح النفسي، و تضيف إليهما الربح الروحي. و هو نوع من الربح النفسي، يحصُل من إشباع الحاجة إلى الدين التي تدفع بعض الناس إلى التفاعل مع غيرهم، من أجل الحصول على الثواب من الله في الدنيا و الآخرة.
فمن الناس من يدفعه إلى التفاعل مع غيره دوافع دينية و دنيوية، و يسعى إلى الثواب من الله ومن الناس. فإن لم يحصل عليه من الناس، يدفعه الثواب من الله إلى التعاون معهم، و العفو عن إساءتهم، و الإحسان إليهم. و تكون ردود أفعاله في التفاعل الاجتماعي ودية تعاونية، بغض النظر عن ردود أفعال المتفاعلين معه: فيها ثواب أو عقاب، ربح أو خسارة. فإضافة الربح الروحي إلى الربح النفسي يساعد على تفسير سلوكيات هده الفئة من الناس، و في ضبط تفاعلهم، و التنبؤ بما يمكن عمله في تنمية التعاون بينهم، في حين لا يفيد الربح النفسي وحده في تفسير هذه السلوكيات، بأنه يُهمل دور الدوافع الدينية في التفاعل الاجتماعي.
و تعتبر نظرية الربح النفسي الروحي أفضل من نظريتي التعلم و الربح النفسي في تفسير التفاعل في الزواج الشرعي، و ضبط سلوكيات الزوجين، و التنبؤ بما يمكن عمله لتنمية التعاون بينهما، وإصلاح ذات بينهما، لأن الدوافع إلى هدا الزواج _ خاصة في البلاد الإسلامية _ دينية و دنيوية، ليست دنيوية فقط.
2. تكامل النظريات:
يبدو أن مبدأ “الربح و الخسارة” يعبر عن حقيقة نفسية، يقوم عليها التفاعل الاجتماعي بصفة عامة، و التفاعل الزواجي بصفة خاصة. فالإنسان يُقْبل على التفاعل الذي يحقق له أهدافه، و يشبع حاجاته الجسمية و الاجتماعية و النفسية، و يفيده في تنمية نفسه، و تحقيق ربحا نفسيا، و ينفر من التفاعل الذي لا يحقق له الربح النفسي، و يسبب له الأذى و خسارة نفسية.
و عند تطبيق مبدأ الربح و الخسارة في التفاعل الزواجي، نجد أن كلا من الزوجين يقبل على التفاعل مع الآخر، إذا كانت فيه فوائد له، و ينفر منه، و يتوقف عنه، إذا كان فيه ضرر له. فالزواج يهدف إلى تحقيق المنافع المتبادلة بين الزوجين.
لكن المنافع في التفاعل الزواجي تختلف من زوج إلى آخر، بحسب دوافع كل منهما في الزواج. حيث يصنف المتزوجون حسب دوافعهم إلى ثلاث فئات:
– متزوجون مدفوعون بدوافع دينية أكثر منها دنيوية: و هؤلاء يمثلون نسبة قليلة من الأزواج، يسعون في تفاعلهم الزواجي إلى الحصول على الثواب من الله، و يكفيهم الربح النفسي الروحي. و لا يتأثرون كثيرا بالخسارة النفسية الدنيوية، لأنهم يتفاعلون مع أزواجهم أو زوجاتهم من أجل الحصول على ثواب الله. و الزوج أو الزوجة من هذه الفئة يتفاعل مع أهله(ها) تفاعلا إيجابيا.
– متزوجون مدفوعون بدوافع دنيوية أكثر منها دينية: و هم قلة كذلك، يسعون للحصول على الثواب من الطرف الآخر، و تحقيق الربح النفسي من إشباع حاجاتهم، و يتوقفون عن التفاعل الزواجي، أو ينحرفون بالتفاعل إلى المنافسة و الصراع إذا حرموا من الثواب و من إشباع الحاجات. و الزوج أو الزوجة من هذه الفئة أناني نفعي، يؤثر نفسه على غيره، ويحب الثواب العاجل، و يحرص على تحقيق حقوقه، و إشباع حاجاته من الزوج الآخر، ويعاديه إن هو قصر في شيء منها، و لا يواصل التفاعل الزواجي إلا إذا كان رابحا نفسيا.
– متزوجون مدفوعون بدوافع دينية و دنيوية معا: و هؤلاء غالبية المتزوجين (حوالي 68٪) الذين يسعون في تفاعلهم الزواجي إلى الحصول على الثواب من الله و من الطرف الآخر، ويحرصون على الربح النفسي أولا، ثم الربح النفسي الروحي ثانيا. فهم لا ينكرون أهمية الثواب من الله، لكنه لا يكفي وحده على حفزهم للتفاعل الزواجي الإيجابي، ينتظرون الثواب من الطرف الآخر، حتى تستمر مودتهم و تعاونهم. و الزوج أو الزوجة من هذه الفئة يحرص على تحصيل حقوقه، و القيام بواجباته، و يغضب إن قصر الزوج الآخر في واجباته الزوجية. لكنه قد يقابل الإساءة منه بالحسنة في بعض المواقف ابتغاء مرضاة الله و يظل مستعدا للتعاون معه إن هو عدَّل سلوكياته، و قام بواجباته.
و منه نجد أن نظريات التفاعل الزواجي متكاملة و ليست متعارضة، و كل منها تبين كيف ينشأ التفاعل الزواجي و يتطور إلى تفاعل جاذب أو نافر عند بعض الناس و ليس كل الناس. فنظريتا الثواب و العقاب و الربح النفسي تفسران التفاعل الزواجي عندما تكون الدوافع للزواج دنيوية أكثر منها دينية، حيث يعتمد التفاعل على الثواب المتبادل بين الزوجين، و ما يتحقق لكل منهما من ربح نفسي. أما نظرية الربح النفسي الروحي فتفسر التفاعل الزواجي عندما تكون الدوافع للزواج دينية أكثر منها دنيوية، حيث يعتمد التفاعل على الثواب من الله أكثر من الثواب المتبادل بين الزوجين، و على الربح النفسي الروحي أكثر من الربح النفسي فقط.
و تشترك النظريات الثلاث في تفسير التفاعل الزواجي عند غالبية الناس، حيث تكون دوافع الزواج دينية و دنيوية، ويعتمد التفاعل على الثواب في إطار الربح النفسي الروحي في بعض المواقف و الربح النفسي في مواقف أخرى.
1- الإسلام و نظريات التفاعل:
عندما نعن النظر في نظام الزواج الإسلامي، نجد أن الإسلام أقام التفاعل الزواجي على أساس مبدأ “الربح و الخسارة” كما قال المولى عزو و جل {فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره، و من يعمل مثقال ذرة شرا يره}، و تقوم دعوة الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر على أساس الترغيب في الربح في الدنيا و الآخرة، و الترهيب من الخسارة في الدنيا و الآخرة.
و كما قلنا، مبدأ الربح و الخسارة يعبر عن حقيقية نفسية في تفاعل الإنسان مع غيره. فجاءت التشريعات الإسلامية في الزواج على أساس العدل في المنافع المتبادلة بين الزوجين، فلهما من الحقوق مثل ما عليهما من الواجبات المعروفة {و لهن مثل ما عليهن من بالمعروف}، و منع الضرر والضرار عنهما في تفاعلهما معا.
وقد فني الإسلام بالفروق الفردية بين الناس في دوافع الزواج، فالبعض ترتفع عنده الدوافع الدينية على الدوافع الدنيوية، و البعض الآخر ترتفع عنده الثانية على الأولى، وغيرهم تتساوى عندهم الدنيا و الآخرة. كما راعى الإسلام الفروق الفردية في داخل الإنسان فهو ليس ملاكا ولا شيطانا، لكنه إنسّي بما لديه من دوافع للدنيا و الدين، أحيانا ترتفع عنده الدوافع الدينية، فيشعر بالربح من سلوكياته مع الآخرين في الثواب من الله، وأحيانا أخرى ترتفع عنده الدوافع الدنيوية، فيشعر بالربح من سلوكياته في الثواب من الناس. فعن أبي ربعة حنظلة الأسدي، احد كتاب رسول الله -ص-، قال: لقيني أبو بكر -ض-. فقال: كيف أنت يا حنظله؟ قلت: نافق حنظله. قال سبحان الله ما تقول؟ قلت: نكون عند رسول الله -ص- يذكرنا بالجنة والنار وكأنا رأي عين. فإذا خرجنا من عند رسول -ص- عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات. نسينا كثيرا. قال أبو بكر -ض-: فوالله إنا لنلقى مثل هذا، فانطلقت أنا وأبا بكر حتى دخلنا على رسول الله. فقلت: نافق حنظله يا رسول الله، فقال وما ذاك؟ قلت: يا رسول الله نكون عندك تذكرنا بالنار والجنة رأى العين. فإذا خرجنا من عندك عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات. نسينا كثيرا. فقال رسول الله -ص-: ” والذي نفسي بيده لو تدومون على ما تكونون عليه عندي من الذكر لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم ولكن يا حنظله ساعة وساعة”. (رواه مسلم)
لذا أقر الإسلام مبدأ الثواب والعقاب في التفاعل الزواجي، واعتبر إثابة كل من الزوجين لسلوك الآخر باعثا على التفاعل الإيجابي الجاذب، ومعاقبته باعثا للتفاعل السلبي النافر، و دعى كلاًّ منهما إلى حسن معاملة الآخر وعدم الإساءة إليه، لأن في الإحسان إثابة، و في الإساءة عقابا.
وأقام الإسلام الحياة الزوجية على “مبدأ الربح النفسي” الذي يحصل عليه الزوجان من تفاعلهما معا، وأباح لهما الانفصال بالطلاق، إذا كان في استمرار تفاعلهما معا خسارة نفسية، غير محتملة لهما أو لأحدهما. فالزواج في الإسلام لإشباع حاجات (جسمية ونفسية واجتماعية) لا يستطيع أي من الزوجين إشباعها إلا من خلال تفاعله مع الآخر، فإذا أشبعها شعر بالارتياح وربحا نفسيا، وإذا لم يشبعها شعر بعدم الارتياح والخسارة النفسية. وكان الطلاق وسيلة لوقف التفاعل الزواجي مع الآخر قبل أن يحدث الصراع بينهما بسبب الخسارة النفسية.
ونظم الإسلام الثواب والربح النفسي في التفاعل الزواجي، فحدد واجبات الزوجين وحقوقهما، وجعل واجبات الزوج حقوقا لزوجته عليه، وواجبات الزوجة حقوقا لزوجها عليها، وأمر كلاًّ منهما بأداء واجباته الزوجية، حتى يحصل الزوج الآخر على الثواب والربح النفسي من تفاعله معه.
واعتبر الإسلام عدم أي من الزوجين على حقوقه، أو تعرضه للأذى والخسارة من أسباب التفريق والطلاق، لأن فيهما حرمانا وعقابا وخسارة نفسية لا يقبلها الإسلام لأي من الزوجين –فالزواج الشرعي ليس فيه ضرر ولا ضرار-.
ولم يكتف الإسلام بإثابة كل من الزوجين للآخر (الربح النفسي) فجعل أداء الواجبات الزوجية من العبادة، ورصد الثواب من الله لكل زوج يخلص في أداء واجباته نحو الزوج الآخر، وضاعف ثوابه إن هو تحمل إساءة الزوج الآخر، واستمر في أداء واجباته الزوجية، ابتغاء مرضاة الله.
فعظم الإسلام حقوق الزوجة على الزوج و حثه على أدائها، ووعد بالثواب من الله إن رعى حقوقها، فقال رسول الله -ص-: ” و في بضع أحدكم صدقة” (رواه البخاري)، ” واللقمة تضعها في فم زوجتك لك فيها أجر” (متفق عليه). وأجر الإنفاق على الزوجة أفضل من أجر الإنفاق في سبيل الله، وفي عتق رقبة، وفي التصدق على المسكين. فقتل رسول الله -ص-: ” دينار أنفقته في سبيل الله ودينار أنفقته في رقبة ودينار تصدقت به على مسكين ز دينار أنفقته على أهلك أعظمها أجرا الذي أنفقته على أهلك “. (رواه البخاري)
وعظم الإسلام حقوق الزوج على زوجته، وأمرها بطاعته في غير معصية، وحثها على طلب مرضاته، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” لو أمرت أحدا بالسجود لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها” (رواه البخاري). وقال رسول الله -ص-: ” إذا صلت المرأة خمسها، وصامت شهرها، وحفظت فرجها، وأطاعت زوجها، دخلت جنة ربها “. (رواه ابن حبان) و قال أيضا: ” أيما امرأة ماتت وزوجها راض عنها دخلت الجنة “. (رواه الترمذي وقال حديث حسن غريب)
فالإسلام أضاف إلى الدوافع الدنيوية (الثواب و الربح النفسي) دافعا دينيا، يسمو بالتفاعل الزواجي إلى مستوى أسمى من أن يكون شركة بين اثنين، لتحقيق مصالح دنيوية مبادلة بينهما. فالزواج نصف الدين، والثواب من الله للمتزوجين (الربح النفسي الروحي) لا يتعارض مع الثواب المتبادل بين الزوجين، بل يكمله ويعضده ويزكيه. فالدافع الديني في الزواج يدعم الدوافع الدنيوية، التي تدفع إلى التفاعل الإيجابي (المودة والتعاون)، ويطفئ الدوافع التي تدفع إلى التفاعل السلبي (العداوة). فقيام كل من الزوجين بواجباته نحو الآخر ابتغاء مرضاة الله يجعلهما حسَنَيْ الخلق، ويجعل ردود أفعالهما في التفاعل الزواجي ودية، ويدفعهما إلى التعاون معا في كل الأحوال في السراء والضراء، فيتحمل كل منهما تقصير الآخر، ويعفو عن زلاته، ويحسن إليه، ولا ينتظر منه جزاء ولا شكورا.

كاتب المقال :
أ.بوعلام
الزيارات:
17821
مشاركه المقال :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*


التعليقات

أ.بوعلام
منذ 4 سنوات
#1

اخ ميروكوسنغ
اخت ماجدة
شكرا على مروركما

أ.بوعلام
منذ 8 سنوات
#2

شكرا على المرور الكريم

أ.بوعلام
منذ 8 سنوات
#3

أو الرابط التالي:

http:www.google.comsearch?hl=fr&source=hp&q=Sexual+problems+in+couple%2C+pdf&aq=f&aqi=&aql=&oq=&gs_rfai=

أ.بوعلام
منذ 8 سنوات
#4

اخ هاني طارق إليك الرابط التالي لكن بالإنجليزية حاول ان تحمل العناوين التي يوجد على يسارها بين قوسين pdf هي عبارة عن بحوث و دراساتك

http:www.google.comsearch?hl=fr&q=marital+sexuel+disorders%2C+pdf&aq=f&aqi=&aql=&oq=&gs_rfai=

تحياتي

أ.بوعلام
منذ 8 سنوات
#5

أخ الديلمي
أخت شاهيناز

بوركتما

شاهيناز طارق
منذ 8 سنوات
#6

تسلم ايدك موضوع مهم جدا

الحسن الدليمي
منذ 8 سنوات
#7

سلمت وسلمت يمينك وجعل الله هذا العمل بموازينك

لك خالص شكري وتقديري وفائق احترامي

أ.بوعلام
منذ 8 سنوات
#8

شكرا لك أم بشار و تحية أخوية لفلسطين

أم بشار
منذ 8 سنوات
#9

بو علام
بوركت وربوركت جهودك الرائعة
اتمنى ان يدخل هنا كل الزوار والاعضاء المتزوجين والمقبلين على الزواج ليأخذو يتعلمو من هذه الاستراتيجيات الهمة التي لو اخذناها على محمل الجد وطبقناها في حياتنا العمليه لشعرنا حقا بالنجاح والسعادة……………
سلمتـ أناملك اخيـ

حكم قلب
منذ 8 سنوات
#10

ميرسي على خوضوع مهم كتير جزاك الله خير بو علام

أ.بوعلام
منذ 8 سنوات
#11

شكرا حكم ألب على مرورك

أ.بوعلام
منذ 8 سنوات
#12

فاطمة النزر شكرا لك

ماجدة محمد
منذ 5 سنوات
#13

بارك الله فيك أستاذ بوعلام وجزاك خيرا

أ.بوعلام
منذ 7 سنوات
#14

أمة الله المصرية شكرا على مرورك

امة الله المصرية
منذ 7 سنوات
#15

بارك الله فيك وجزاك خيرا

أ.بوعلام
منذ 7 سنوات
#16

أخت امل شكرا لك

أمل الزويد
منذ 7 سنوات
#17

[FONT=”Comic Sans MS”]بوركت جهودكـ[FONT]

أ.بوعلام
منذ 7 سنوات
#18

اخي كمال شكرا على مرورك

الكمال
منذ 7 سنوات
#19

الف شكر لك اخي العزيز وفي ميزان حسناتك ان شاء الله

أ.بوعلام
منذ 8 سنوات
#20

اخي و أستاذي الفاضل وليد القدوة إن كان هناك من رائع فهو انت

وانا اتشرف بتصفحك لمواضيعي

شكرا مجددا

أ.بوعلام
منذ 8 سنوات
#21

الحصة الخامسة
محددات التفاعل الزواجي

1- التواصل بين الزوجين:
يقصد بالتواصل بين الزوجين لغة التفاهم التي تنقل أفكرا كل منهما ومشاعره ورغباته واتجاهاته إلى الزوج الآخر. فهي –أي لغة التفاهم- تحمل معاني صريحة وغير صريحة، تحدد شكل التفاعل وتوجهه وجهة إيجابية، إذا كانت أساليب التواصل جيدة. ووجهة سلبية إذا كانت أساليب التواصل رديئة مشوشة. حيث يحدث في الحالة الأولى (التواصل الجيد) التفاهم بين الزوجين، الذي يجذب كلاًّ منهما إلى الآخر. ويحدث في الحالة الثانية (التواصل الرديء أو المشوش) سوء التفاهم، الذي ينفر كلاًّ منهما من الآخر. وقد يؤدي إلى الطلاق (Rascke, 1986).
فالتواصل الجيد مفتاح سحري لكل علاقة زواجية إيجابية، والتواصل الرديء من أهم عوامل سوء التوافق والتفكك الأسري (عمر، 1988).
ويتم التواصل بين الزوجين بالكلام والإبتسامة والبكاء والهمس واللمس والمصاحبة، والأعمال المشتركة في الترويح عن النفس في أيام العطل، وفي الزيارات والرحلات والجزلات وغيرها (Liberman et al, 1980).
ويتطلب التواصل الجيد بين الزوجين أن يكون أحدهما متكلما والثاني مستمعا، وأن يكون المتكلم جيد التعبير Good Expressing عن الرسالة التي يريد توصيلها، حتى يرسلها بصدق وأمانة، وأن يكون المستمع حسن الإنصات Good Listening دقيق الملاحظة، والإنتباه للمتكلم ورسالته، وما تحويه من تعبيرات صريحة وغير صريحة، تظهر في نبرات الصوت، ووضع الجسم وحركاته، وتعبيرات الوجه، حتى يفهم الرسالة وما تحمله من معان مباشرة، وما وراءها من معان ضمنية Metacommunication.
ويتضمن التواصل بين الزوجين أربع خطوات رئيسية: هي التعبير عن الرسالة لغويا أو غير لغوي، واستقبالها ثم فهمها، والاستجابة لها برسالة لغوية أو غير لغوية. وهذا يعني أن الإرسال والاستقبال في التواصل الزواجي الجيد، يقوم على وعي كل من الزوجين بالرسالة التي يريد أن يوصلها للزوج الآخر فيحسن التعبير عنها، وبالرسالة التي يريد الزوج الآخر توصيلها إليه فيحسن الإنصات إليها. فالتواصل الجيد يتطلب مهارة في التعبير Expressing Skill ومهارة في الإنصات Listening Skill.
وتنقسم أساليب التواصل في التفاعل إلى أساليب عقلية وأخرى عاطفية وجدانية، نتناولها بشيء من التفصيل:
-أساليب التواصل العقلية-
ويقصد بها التواصل بين الزوجين بالكلام العادي للتفاهم حول أمور الأسرة والتعبير عن هموم العمل والحياة، والإفصاح عن الإهتمامات والطموحات والحاجات والأفكار والإنفعالات وغيرها. ويتأثر التفاعل الزواجي بمستوى الكلام ومضمونه، وحالة المتكلم والمستمع. فعندما يُحَدِّث كل زوج الزوج الآخر بكلام طيب، ويجده صاغيا إليه، مشاركا له، ومهتما به، فإنه يتفاعل معه تفاعلا إيجابيا، ويُقْبل عليه، ويرتبط به. أما عندما يجده لاهيا عنه، متذمرا منه، أو مُحقرا لما يقوله، فإنه ينفر منه، وينصرف عنه، ويسوء التفاهم بينهما، Lack of understanding وقد يؤدي إلى الإنفصال والطلاق (Kitson&Sussman, 1982).
وعندما يقل الكلام المتبادل بين الزوجين، أو يتوقف كل منهما عن الكلام مع الآخر فإن التواصل بينهما يختل، والتفاهم يسوء، والتفاعل يضطرب، لأن التوقف عن الكلام يعني الخصام أو الإهمال، أو عدم الرغبة في التفاعل الزواجي، ويؤدي إلى تنمية مشاعر العداوة، ويثير الشقاق والصراع.
وقد حرص الإسلام على التواصل بين الزوجين بالكلام الطيب، فأمر بالعشرة بالمعروف، أي على ما تعارف عليه الناس من كلام الجيد، ونهى عن الخصام، وجعل الكلمة الطيبة صدقة، فقال تعالى: { وعاشروهن بالمعروف }، وقال رسول الله -ص-: “لا يحق للمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام” (متفق عليه). وقال للزوج: “لا تهجر إلا في البيت”. (رواه مسلم)
كذلك عندما يكثر الكلام غير الطيب بين الزوجين فيكون أحدهما أو كلاهما ثرثارا أنّانا منانا حنانا لعانا سخاطا، فإن التواصل بينهما يختل، ويؤدي إلى اختلافهما، ويحول دون إئتلافهما وقد يؤدي إلى الطلاق، حيث تبين من بعض الدراسات أن من أهم أسباب الطلاق التي ترجع إلى الزوجة كثرة الشكوى من المرض والبذاءة في الكلام. (Rascke, 1986)
لذا حث الإسلام على أن يكون الكلام بين الزوجين طيبا، يرضي المستمع ولا يؤذيه. فنهى الرسول عليه الصلاة والسلام عن السباب والتقبيح في التواصل بين الناس عموما، و بين الأزواج خصوصا.
و أمر الرسول -ص- الزوج بعدم سب زوجته أو تقبيحها فقال: ” لا تضرب الوجه و لا تقبح ” (رواه البخاري ومسلم)، ووصف من يهين زوجته باللئيم فقال: ” وما أهانهن إلا لئيم ” (رواه أبو داوود).
وحرص الإسلام على حماية التواصل بين الزوجين من التشويش، الذي يفسد قنوات الإتصال بينهما، ويؤدي إلى سوء التفاهم بينهما، فرخص لكل من الزوجين بأن يصف كل منهما الآخر بصفات طيبة، قد لا تكون فيه، أو يعطي أعماله من المحاسن ما ليس فيها، بهدف تطييب خاطره. قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ” ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس فينمي خيرا أو يقول خيرا” (رواه مسلم)، ورخص عليه الصلاة والسلام بالكذب في ثلاثة مواقف: الحرب، والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته والمرأة زوجها.
و نصح سيدنا عمر امرأة ابن أبي عذرة بألا تقول لزوجها إني أبغضك حتى لوكانت تبغضه. فقالت أفأكذب؟ يا أمير المؤمنين؟ قال: نعم فاكذبي. فإن كان إحداكن لا تحب أحدنا فلا تحدثه بذلك. فإن أقل البيوت التي يبني على الحب ولكن الناس يتعاشرون بالإسلام والإنساب.
ويدعو علماء النفس إلى ما يدعو إليه الإسلام في حماية الزوجين من التواصل الرديء، وتنمية التواصل الجيد بالكلام الذي يبعث الفرح والسرور، فيبدي كلاً منهما إعجابه بالآخر، وبالأعمال الطيبة التي يقوم بها، ويعترف بفضله عليه، وبجهده من أجله، ويلمس له العذر إذا أخطأ، ويسعى إلى إدخال السرور عليه، ويشجعه على التعبير عما يغضبه منه، ويخبره بمشاعره نحوه، ويطلب منه عمل ما يفرحه ويشرح صدره.

-نماذج التواصل-
ونعرض فيما يلي بعض نماذج للتواصل الجيد والتواصل الرديء:
– التواصل الجيد: (التأخر في العودة إلى البيت).
الزوج: اليلام عليكم يا حبيبتي. آسف للتأخير هذا اليوم.
الزوجة: (مبتسمة) عليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
الزوج: (يبدو عليه الإرهاق) آسف للتأخير فالعمل كان كثيرا.
الزوجة: (تهم لاستقباله ومصافحته) حمدا لله على سلامتك يا حبيبي. وأنا آسفة. فالعشاء ليس جاهزا، لأن ابنتنا عندها امتحان في الرياضيات، وانشغلت معها.
الزوج: لا عليك، دعي لي حنانا أساعدها في واجباتها، و اذهبي أنت لإعداد العشاء، لأني جائع.
الزوجة: شكرا لك يا حبيبي، أنا أعلم انك متعب من العمل، لكن حنان سوف تكون سعيدة وانت تساعدها.
الزوج: (يقول لحنان) أنا أساعدك، وماما تعمل العشاء لنا، وبعد العشاء نتعاون سويا في غسل الصحون ونساعد ماما.
الزوجة: شيء جميل أن تغسلا الصحون، حتى أقوم بكي ملابس حنان لتكون جاهزة في الصباح.
– التواصل الرديء: (الرغبة في شراء معطف)
الزوجة: يا محمد أريد شراء معطف لسوسن.
الزوج: ماذا؟ (سؤال استنكاري) قولي لي مرة ثانية .. لقد اشترينا لها الأسبوع الماضي.
الزوجة: اشترينا لها الأسبوع الماضي فستانا، وليس معطفا.
الزوج: يكفي، عندها البلوفر الأخضر، ولا حاجة للمعطف.
الزوجة: البلوفر قديم وصغير عليها.
الزوج: حضرتك ترغبين في الشراء كل يوم. لماذا لا تشترين حاجاتك مرة واحدة؟ (يسأل بحدة وغضب).
الزوجة: ماذا بك يا محمد؟ تريد عمل مشاكل بدون سبب (تتعجب).
الزوج: أنا الذي أرغب في المشاكل أم أنت التي لا تعرفين النظام؟
الزوجة: طبعا أنت لا تعجبك تصرفاتي، ودائما تتعصب وتغضب عندما أطلب شيئا. (الزوجة تخرج من الحجرة غاضبة)
– التواصل الرديء: (مصروف البيت)
الزوج: الفلوس صرفتيها ملها؟
الزوجة: لا ترد عليه (صمت).
الزوج: هل أكلم نفسي؟ أين الفلوس؟
الزوجة: صرفت في شراء الخضار والفاكهة التي طلبتيها.
الزوج: يعني لو كنت اشتريت من سوق الخضار لوفرت بعضها.
الزوجة: توقف انت عن الأكل توفر الفلوس، وتوفر جهدي وتعبي في إعداد الطعام.
الزوج: أنت غبية في تصرفاتك، أنا أحاول التوفير، وأنت لا تساعدينني.
الزوجة: الزم الأدب لو كنت أنا غبية، اذهب واشتري ووفر كما تشاء.
الزوج: أتهددينني؟ طبعا سوف أشتري أنا الخضار والفاكهة.
الزوجة: تكلم نفسها بصوت مسموع للزوج “غدا شوف ترى ما تفعل يا ذكي؟” (سؤال في سخرية).
الزوج: يغضب ويترك الحجرة ويقفل الباب بعنف وراءه.

-أساليب التواصل العاطفي-
ويقصد بها التواصل الزواجي بكلام الحب والغزل والمداعبة والملاعبة، وإفصاح كل من الزوجين للزوج الآخر عن إعجابه وحبه، واستحسانه له، وشوقه إليه: فأساليب التواصل العاطفي بين الزوجين من أهم الخصائص التي تميز الجماعة الزواجية عن غيرها من الجماعات الصغيرة. حيث تقوم ديناميات التفاعل الزواجي على التواصل العاطفي بين الزوجين. فبدون كلمات الغزل والإعجاب المتبادلة بينهما، تفتر العلاقات الزوجية ويختل التفاعل الزواجي، وتضعف دوافع الغَيْرِيَّة في الزواج، ويذهب الأمن والسكينة، ويقل الاحترام المتبادل بين الزوجين (Goodman&Ache, 1968).
وقد عبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أهمية التواصل العاطفي بين الزوجين، فقال عليه السلام لجابر عندما علم بزواجه: ” فهلا بكرا تلاعبها وتلاعبك؟ “. (رواه البخاري) واعتبر عليه السلام مداعبة الزوج لزوجته من الحق وليست من الباطل أو المزاح التافه، فقال: ” كل شيء يلهو له ابن آدم فهو باطل إلا رميه عن قوسه وتأديبه فرسه وملاعبته أهله فإنهن من الحق “. (النسائي وقال حديث حسن)
فالمداعبة والملاعبة من أساليب التواصل العاطفي، التي توجه التفاعل الزواجي وجهة إيجابية، وإهمالها يوجهه وجهة سلبية، لأن عدم ملاعبة الزوج زوجته وعدم مداعبتها، يضايقها ويثير اشمئزازها، ويؤذيها نفسيا.
ويخطئ الزوج الذي الذي لا يفصح لزوجته عن حبه، ولا يبثها عطفه وحنانه، لأنه بهذا يباعد بينه وبينها نفسيا، فتفتر العواطف، وتختل العلاقة الزوجية بينهما. وتخطئ الزوجة التي تستحيي من زوجها، فلا تحدثه عن شوقها إليه، وحبها له، وانسها بوجوده معها. لأنها بذلك تحرم زوجها من إشباع حاجته لأن يُحَبَ من زوجته، وهي حاجة أساسية في الزواج.
ولا يقتصر التواصل بين الزوجين على الكلام بل يشمل تعبيرات الوجه، وحركات الجسم، والتقاء العيون. فقد يقرأ الزوج في وجه زوجته وفي عيونها عبارات الشوق والعطف والحنان، مما يشجعه على القرب منها، والتفاعل معها. وقد تحمل ابتسامة الزوج دلالات الحب إلى زوجته مما يشجعها على التفاعل الإيجابي معه. وتزين الزوج لزوجته، وتزين الزوجة لزوجها، لغة في التواصل الزواجي تحمل معاني الإحترام والإهتمام المتبادل. فالزوج يلمس في تزين زوجته له عبارات التقدير والشوق إليه، فينجذب إليها. والزوجة تفرح بتزين زوجها لها، وتدرك فيها اهتمامه بها، وحبه لها، فتُقْبل عليه، وترتبط به. أما عندما تهمل الزوجة زينتها في بيتها، وتتزين عند خروجها من بيتها، فهي تفسد تواصلها مع زوجها، وتضعف علاقتها به.
-الأنشطة المشتركة-
وتعتبر الأنشطة المشتركة بين الزوجين والوقت الذي يقضيانه معا في البيت وخارج البيت من أساليب التواصل العقلي والعاطفي، فالزوج الذي يقضي وقتا مع زوجته في أي نشاط ترويحي أو إنجاز أي عمل يشعرها باهتمامه وحبه لها. أما الزوج الذي ينشغل بعملها أو تجارته أو دراسته عن زوجته، فإنه يشعرها بالإهمال وعدم التقدير. لذا كان من الضروري أن يوازن كل من الزوجين بين نشاطه الفردي ونشاطه مع الزوج الآخر، فلا ينهمك في أعماله الخاصة به في البيت وخارجه وينسى أعماله مع قرينه.
والحوار التالي يبين أهمية الوقت الذي يقضيه الزوج مع زوجته في تنمية العلاقة الزواجية، وفي التفاعل الزواجي. فقد عاد الزوج إلى البيت، ووجد زوجته غاضبة، وحاول ترضيتها. فقال: ما بك يا حبيبتي؟ قالت: حبيبتي (ساخرة). قال: نعم حبيبتي. إنني أحبك. فانفجرت الزوجة بالبكاء، وهي تقول: “لا تقل لي إنك تحبني كثيرا، و لكن أعطني بعضا من وقتك، أكلمك و تكلمني، نجلس معا نشاهد التلفزيون، نخرج معا، نتمشى أو نذهب معا في زيارة.. أنت مشغول عني فكيف أشعر بحبك”.
ويتفق المرشدون النفسيون على أن إهمال الزوجين للأعمال المشتركة بينهما من أهم العلامات على ضعف العلاقة بينهما، ومن أهم المؤشرات على الخلل في التفاعل الزواجي، ويدعون الزوجين إلى زيادة أوقات عملهما معا في الجد والترفيه. فنشاطهما معا وسيلة للتواصل بينهما عاطفيا وعقليا. (Guerine, et al, 1987)
ومن أساليب التواصل العاطفي تبادل العواطف باللمس أو ما يسميه أخصائيو الإرشاد الزواجي بتبادل العواطف الجسمية Exchange of physical affection ويقصدون به المداعبة والملاعبة وتبادل الأحضان والقبلات. وهي أساليب ضرورية في تنمية مشاعر الحب والمودة، والتعبير عنها، وفي تنمية التفاعل الإيجابي بين الزوجين، ولها تأثير طيب على التوافق الزواجي، وتماسك الأسرة.
ومع أهمية هذا الأسلوب، فقد بينت الدراسات أن نسبة كبيرة من المتزوجين يهملونه بعد شهر العسل، مما يجعل حياتهم الزوجية روتينية مملة، ويجعل تفاعلهما الزواجي سلبيا. (Liberman,et al, 1980)
ومن هنا اهتم المرشدون في مكاتب الإرشاد الزواجي، بتدريب الأزواج والزوجات على التعبير عن مشاعرهم وعواطفهم بالكلام والنظرات والهمس، واللمس والقبلات والأحضان وغيرها، حتى يكون التواصل بينهما مريحا، فيُقْبل كل منهما على الآخر بمودة ومحبة، ويستمر التفاعل بينهما إيجابيا.
2- التوافق الجنسي:
يقصد بالتوافق الجنسي استمتاع كل من الزوجين بإشباع حاجته إلى الجنس مع الزوج الآخر، واتفاقهما على أهداف هذا الإشباع وإجراءاته، وشعورهما بالمودة والحب والرضا في علاقاتهما الجنسية، فالإشباع الجنسي بين الزوجين ليس لذة جسدية قصيرة الأمد، لكنه متعة نفسية طويلة الأمد، تسعد الزوجين، وتجعل كلا منهما يسكن إلى الآخر، ويطمئن إليه، لذا يعتبر التوافق الجنسي عاملا أساسيا في توجيه التفاعل الزواجي إلى التعاون. في حين يعتبر عدم التوافق الجنسي عاملا أساسيا في توجيه هذا التفاعل إلى الشقاق والصراع.

-موقف الإسلام-
وقد عني الإسلام بالتوافق الجنسي بين الزوجين، فجعل إشباع كل منهما لحاجته الجنسية مع الزوج الآخر من الطيبات التي أحلها الله لهما. فقال سبحانه وتعالى في وصف المؤمنين:﴿ والذين هم لفروجهم حافظون إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين ﴾ (المعارج: 29-30) وقال: ﴿ نساءكم حرث لكم فأتوا حرثكم أنى شئتم ﴾ (البقرة: 223) وقال: ﴿أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن ﴾ (البقرة: 187).

حمل تطبيق الاكاديمية