ابن مسكويه
الفصل الأولى
النفس وقواها

النفس عند “ابن مسكويه” جوهر بسيط ليست جسما ولا جزءا من الجسم ولا حالا من أحوال الجسم ولا عرضا له، والنفس قوام الجسم بها يفرح و بها يشتاق.
إلا أن النفس أكرم جوهرا وأفضل طباعا والنفس أكرم من الجسم، لأنهها تقوم على تفهم المبادئ الشريفة العالية التي تبنى عليها القياسات الصحيحة وقد فصل “مسكويه” الحديث عن قوى النفس في “التهذيب”.
والنفس مخالفة للمادة، لأن النفس تقبل العديد من الصور وبيان ذلك أن المادة لا تقبل إلا صورة واحدة. فمثلا الشمع إذا قبل صورة نقش الخاتم لم يقبل غيرها من النقوش إلا أن يزول رسم النقش الأول عنه. أما النفس فإنها تقبل العديد من الصور، فتقبل الأفكار والتصورات العقلية كما تقبل الصور الحسية المتعددة، فمثلا تقبل صورة شخص وصورة شخص آخر وثالث وهكذا في نفس الوقت. كما تقبل في نفس الوقت أيضا بعض المبادئ الأخلاقية أو التصورات العلمية، وهكذا دواليك، وذلك دون أن تؤثر أي صورة على أخرى خلافا للمادة التي لا تقبل إلا صورة واحدة كما ذكرنا.
والنفس أرقى من الحواس، أن الحواس تدرك المحسوسات فقط، لكن النفس تدرك أسباب الاتفاق والاختلاف بين المحسوسات وأسباب الاختلاف والاتفاق هذه، هي من الأمور العقلانية التي لا دخل للحواس فيها.
والنفس لأنها أشرف من الحواس وأرقى منها، تستطيع أن تحكم على أخطاء الحواس، فمثلا تدرك العين الشمس على أنها كرة صغيرة، بينما يشهد البرهان العقلي أنها تزيد أضعافا عن حجم الأرض. وكذلك قد ترى العين الأشياء الغائصة في الماء كأنها مكسورة، بينما هي صحيحة ذلك أن النفس تستدل بالأدلة العقلية على خطأ الحواس كأن النفس ترد على الحس إدراكاته الخاطئة.
كما أن النفس في نظر “ابن مسكويه” جوهر غير جوهر الجسم، وهي لا تتغير ولا تستحيل كما تتغير الأجسام وتستحيل.كما أن ما تتشوق إليه من أفعال يختلف عن الأفعال التي ستشوق إليها الجسم. كما أن النفس تتشوق خلافا للجسم إلى طلب العلوم والفضائل وتطلب غاية ذات شقين، الأول صدور الأفعال من الإنسان عن رؤية وتمييز والثاني، تحقيق السعادة.
والنفس عند “ابن مسكويه” ذات قوى ثلاث، ورغم هذه الثلاث، إلا أن هذه القوى ليست منفصلة بعضها عن بعض، بل هي متصلة فيما بينها. ورغم هذا الاتصال إلا أن هذه القوى النفسانية يحدث بينها في بعض الأحيان تعارض أو تغاير، فقد تثور إحداهما وتبقى القوتان الأخيرتان في حال من الهدوء والسكون.
– وهذه القوى هي على النحو التالي:
أ‌- القوة الناطقة (النفس الناطقة): وهي القوة التي يكون بها الفكر والنظر في حقائق الأمور وآلتها في البدن “الدماغ”.
ب‌- القوة الغضبية (النفس الغضبية): وهي القوة التي يكون بها الغضب والنجدة والإقدام على الأهوال والترفع والشوق إلى التسلط، وتسمى أحيانا القوة السبعية وآلتها التي تستعملها من البدن “القلب”.
ت‌- القوة الشهوانية (النفس الشهوانية): وهذه القوة يكون بها الشهوة وطلب الغذاء والشوق إلى الملاذ التي في المآكل والمشارب والمناكح وضروب اللذات الحسية، وآلتها التي تستعملها من البدن “الكبد”.
وهذه القوى كما سبق الإشارة قد تتعارض، وسيطرة غلبة إحدى القوى يكون على حساب القوتين الأخريتين، وعوامل هذه السيطرة والغلبة لقوى من هذه القوى الثلاث ترجع إلى المزاج والجبلة أحيانا أخرى (أي الوراثة في لغة علم النفس الحديث). وإلى العادة وصنوف التأديب أحيانا أخرى (أي البيئة في لغة علم النفس الحديث). ويرى “مسكويه” أنه من الواجب أن تخضع القوة الشهوانية والقوة الغضبية إلى القوة الناطقة؛ لأنه إذا سادت القوة الشهوانية فإن الإنسان يتوجه إلى الشرور والبؤس، و إذا سادت القوة الغضبية دفعت الإنسان إلى الجموح في أفعاله وأقواله.
هذا، وقد شبه “مسكويه” النفس وقواها الثلاث المختلفة في طبائعها بإنسان يركب دابة قوية ويقود كلبا للقنص. فإذا كان الإنسان بينهم هو الذي يروض دابته وكلبه يصرفهما ويطيعانه في سيره وقصده وسائر أوامره فلا شك في رغد العيش المشترك بين الثلاث. أما وإن كانت الأخرى ساء حال الثلاثة جميعا.
فإذا كانت الدابة أو البهيمة هي الغالبة، فإنها إن رأت عشبا من بعيد جرت نحوه وتعسفت في عَدوْها وعدلت عن الطريق السوي، فاعتصرت الأودية والوهاد والأشواك وتورطت فيها ولحق فارسها الضرر ويصيبهم جميعا من أنواع المكاره والإشراف على التهلكة ما لا خفاء فيه. كذلك الأمر إذا غلب الكلب ولم يطع صاحبه إذ انه إذا رأى صيدا من بعيد جرى نحوه دون تدبر أو تعقل فجذب الفارس والدابة ولحق بالجميع الضرر.
ويرى “مسكويه” أن شرف الإنسان يتوقف على قوة النفس بوجه عام والقوة الناطقة بوجه خاص، ذلك أن “مسكويه” يرتب القوى الثلاث فيجعل أدناها القوة البهيمية وأوسطها القوة الغضبية وأعلاها القوة الناطقة، والإنسان بهذه القوة الناطقة شارك الملائكة وباين البهائم. فأشرف الناس من سيطرت عليه هذه القوة، وإذا ضعفت القوة الناطقة هبط الإنسان إلى أفق البهائم وقويت فيه شهواته أو قويت اندفاعاته إلى الجموح.
وينصح “مسكويه” بالإعتدال في إرضاء القوة النفسانية، فمثلا بالنسبة للقوة الشهوانية على الإنسان أن يأخذ من الغذاء ما يقوم حياته ومن اللباس ما يستر العورة ويدفع أذى الحر والبرد وأن يأخذ الإنسان من الجماع ما يطلب به التحصن والنسل ويأخذ من المعارف ما يدفع الجهل ويأخذ من الأفعال ما يدفع الخطر.
ومعنى ذلك أن الإنسان إذا تبع القوة الناطقة كان ملكاً تاجه الحكمة، وإذا غلبت القوة الشهوانية كان خنزيرا، وإذا غلبت عليه قوة الغضب كان سبعا ضاريا.
ويركز “مسكويه” في الحديث عن القوة الناطقة حيث يقسنها إلى قوتين:
– قوة نظرية أو عقل نظري ويسميه “مسكويه” قوة الذهن وهذا العقل النظري يسهل على الإنسان أمر تحصيل العلوم والمعارف.
– قوة عملية أو عقل عملي، ويسميه الهيئة الفاضلة أو السجية، وهذا العقل العملي يسهل على الإنسان تدبير أموره وترتيب قواه وأفعاله الخاصة به حتى لا تتغالب وحتى تنسجم هذه القوى فلا يطغى بعضها على بعض، بل تعمل كل واحدة إلى جانب الأخرى في سلام ووئام.
ولم يهتم “مسكويه” كثيرا بقية القوى النفسانية التي تناولها العلماء المسلمون. وربما يرجع ذلك إلى اهتمامه بالقوى النفسانية التي ذكرناها في هذا الفصل، لأنها تمثل الأساس لآرائه النفسية الخاصة بالجوانب التربوية والأخلاقية.

مقتبس من كتاب: “التراث التراث النفسي عند علماء المسلمين“. إعداد د.محمد شحادته ربيع/ أستاذ علم النفس-كلية العلوم الإجتماعية، جامعة الإمام محمد ابن سعود الإسلامية بالرياض. دار المعرفة الجامعية. الصفحة: 277-280

ملاحظة: – الفصل اللاحق سنتناول بحول الله “الخلق والطبائع” عند ابن مسكويه

كاتب المقال :
أ.بوعلام
الزيارات:
14064
مشاركه المقال :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*


التعليقات

أ.بوعلام
منذ 7 سنوات
#1

أخت نيار شكرا لك

نيار
منذ 7 سنوات
#2

جزاك الله خيرا

أ.بوعلام
منذ 8 سنوات
#3

أخت جهيدة بارك الله فيك
وزادك بسطة في العلم
وانعم عليك بموفور الصحة والعافية في الدنيا و الآخرة

جهيدة
منذ 8 سنوات
#4

و الله لولا حبنا للعلم لما التقت هذه الشخصيات العظيمة، أقصدك أنت سيدي، اللهم زدنا حبا للعلم و لأصحاب العلم.و زدنا علما و اجعل رفقتنا في الجنة مع نبيك صلى الله عليه و سلم.
[align=center][align]لكم أسمى معاني التقدير و الإخلاص

أ.بوعلام
منذ 8 سنوات
#5

[align=center]شكرا أخي الفاضل محمود زكريا[align]

محمود زكريا
منذ 8 سنوات
#6

جميل جداا
مشكور

أ.بوعلام
منذ 8 سنوات
#7

صدقت أم روان

أم روان بارك الله فيك اختي الفاضلة

أم روان
منذ 8 سنوات
#8

بورك فيك اخي الفاضل بوعلام
ما اروع ما تركه لنا اسلافنا و ما اثقل مسؤوليتنا في تبليغ تراثنا الفكري والعلمي.لكن بتكاثف جهودنا نكون قد ادينا الامانة

أ.بوعلام
منذ 8 سنوات
#9

اخت لولا الأمل…زنجبيل الشكر موصول لكُنَ أيضا

ام الحسن
منذ 8 سنوات
#10

[font=arial black]بارك الله فيك استاذ بوعلام
متابعون معك [font]

أمل الزويد
منذ 8 سنوات
#11

شــكــ وبارك الله فيك ـــراً

أجمل تحية

🙂

أ.بوعلام
منذ 8 سنوات
#12

أخي محم دبارك الله فيك
وشكرا على مرورك

محمد جرادات
منذ 8 سنوات
#13

[font=”arial black”]جهود مباركة اخي بوعلام
اشكرك جزيل الشكر[font]

حمل تطبيق الاكاديمية