[font=”times new roman”]الحضارة الإنسانية الحقيقية.. المفهوم المغيب
بقلم / عبدالله عبدالعزيز المنيع
يخطئُ من يعتقد بأن الحضارة الإنسانية هي بالصناعة والعمارة وتشييد الطرق والجسور، وارتفاع الأبراج ..، ويجانب الصواب أولائك الذين يعتقدون أيضاً أن الحضارة هي الحياة المادية البحتة، فجميع هذه الأشياء لا تعتبر إلا نتاج حضارات ولا يمكن لأي أمة أو حضارة أن تمتلكها فهي أشياء مادية صنعها الإنسان لخدمته، تزول وتندثر بقراره، وقد يطورها وينبهر بها، ثم ما تلبث إلا أن تكون منتجاً قديماً، لا ينفع لزمنه ولا ينتج !، أو قد تختفي بلمحة بصر بخسف أو كوارث طبيعية كما حصل في أكثر من مكان وزمان في التاريخ القديم أو الحديث، وحتى ولو بقيت فهي لا تغير من معناها الحقيقي، بل إن الكثير من الصناعات كما هي خير للإنسان فهي وبال عليه كالصناعات الحربية والنووية التي قد تدمر ملايين البشر كما حصل في هيروشيما وناجازاكي في القرن الماضي، ولا يزال خطرها قائم بل أشد.
ومن هنا فإنني أقصد بأنها جزء صغير من الحضارة بل هي مواد تخدم الحضارات البشرية، ولكنها ليست حضارة إنسانية! والسؤال إذاً لماذا انطلى علينا المفهوم السابق؟ ومن المسؤول عن ذلك؟ وما هي الحضارة الإنسانية الحقيقية ؟
أما من الذي مرر هذا المفهوم فهو بلا شك المستعمر الأقوى، سواء كان مستعمراً حقيقياً كما كان في القرنين الماضيين، أو استعمار فكري مادي كما هو حال معظم الدول في عصرنا الحاضر. أما من جاء به ، فقد جاء عن طريق مباشر كالترجمة اللفظية للمفكرين الغرب ولنظرتهم وفكرهم للحضارة الإنسانية، وعن طريق المستشرقين الذين كتبوا هذه المفاهيم وأصبحت من المسلمات، والشيء الثالث وهو الأخطر – للأسف – أنها جاءتنا عن طريق المتأثرين بفكر الغرب والذين يؤمنون بنظرياتهم وأفكارهم سواء أكانت مادية أو فكرية، دون فلترة أو تمحيص، كما قال أحد كبار المثقفين العرب ” يجب أن نأخذ الحضارة الغربية بحلوها ومرها وخيرها وشرها”!!
والحقيقة أن الحضارة الإنسانية هي التي تدعوا لإنسانية الإنسان، تدعوا لإحترام كرامته وبناء شخصيته، الحضارة الإنسانية الحقيقة هي التي نادت بمكارم الأخلاق وتدعيم القيم وبناء جسور الإخاء، وهي التي تغرس سمو الأخلاق الراقية، وتزرع احترام الكبير والرحمة للصغير ، الرأفة بالمسكين وإعانة الفقير، هي التي تبني أبراج من البنيان البشري المرصوص يشد بعضه بعضاً من المتحابين والمتعاونين، إذا اشتكى أحد منهم قام الجميع لتفقده وخدمته، الحضارة الإنسانية التي جاءت بمكارم الأخلاق وشيم الكرام والهمة العالية والنفس الأبية، نعم إنها الحضارة الإسلامية التي حق لنا أن نفتخر بها وأن ننشرها وننشر القيم الإنسانية العظيمة التي جاء بها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ، عندما قام واقفاً لجنازة رجل ، فقال له الصحابة: إنه يهودي يا رسول الله، فقال: أليست نفساً ؟ نعم إنها حضارة السلام والحياء والخلق الذي تفتقده الكثير من الأمم، ” ألا أدلكم على شيء إذا فعلتموه تحاببتم : أفشوا السلام بينكم”، إنها الحضارة الإنسانية التي تقول : ” إماطة الأذى عن الطريق صدقة “.
إن الحضارة الإنسانية هي التي لا تفرق بين الأمير والغفير، والتاجر والفقير، والقوي والضعيف.. بل زرعت التواضع وتبادل الاحترام، وجعلتهم في صفوف العبادة سواء ، فجمع الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم أكابر قريش وأشرافها مع بلال الحبشي، وصهيب الرومي ، وسلمان الفارسي، على مائدة واحدة، حتى أصبحوا إخوانا متحابين، بل أكرم المساكين وسأل الله أن يكون معهم لقربهم من الله، هذه هي الحضارة الحقيقية التي تشفي النفوس وتطمئن لها الأفئدة وتدمع لها أعين الصادقين، وليست تلك التي لا تهتم بهذه القيم، وفي نفس الوقت تتنافس على ناطحات السحاب، وتغريب الشباب وما لا يلزم من الترف المادي.
يجب إعادة الحضارة الإنسانية الإسلامية التي سلبت منا عنوة، في وضح النهار وعلى حين غرة ، فأصبح الشباب والفتيات يلهثون خلف القيم الغربية، والتفسخ والعري، والركض خلف سراب الحضارات الأخرى، وكأنها هي الحق والصواب، وأن الحضارة الإسلامية هي الرجعية والتخلف، وهذا سبب لجر الويلات على المجتمعات المحترمة، و القيم البيضاء النقية. فصورا للمجتمعات الإسلامية بأن الحياة لن تستقيم بدون خلط الحضارات، وتمييع القيم، وتعويم الفكر، فلم يكتفوا بالجوانب الفكرية فقط فهم حتى بنظام الطعام والشراب واللبس يريدون تذوب حضارتنا الإنسانية ودفنها، فبعد العولمة جاؤا بالكوكلة (من مشروب كوكاكولا)، والمكدلة ( وجبات مكدونالدز)، ثم أجملوها بالأمركة ( من الحياة الأمريكية )!
أخيراً، أكرر أنه لا بأس بوجود المقومات الحضارية (المادية) واستقدامها مجردة للاستفادة منها دون نقل أعمى لثقافة وحضارة صانعيها، بل العمل على أسلمتها بتنقيتها ولا ما نع من التنافس الشريف في البناء والصناعة والزراعة والتعليم وكل جوانب الحياة المتقدمة وأخذها من الآخرين دون نقل لثقافتهم وفكرهم.. ولا شك بأن هناك حضارات إنسانية وأديان في هذه الأرض لديها قدرها من القيم والأخلاق واحترام الإنسان ونشر الخير، وليس حديثي استنقاص من حضارات الآخرين فكل يفخر بتاريخه وقيمه، ولكننا نرفض أن نذوب في حضارات لا تقيم للأخلاق معنى وليس هناك حدود لحرياتها، فأصبحوا كالأنعام بل هم أضل.
[/font]

كاتب المقال :
عبدالله المنيع
الزيارات:
2287
مشاركه المقال :

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*


التعليقات

عبدالله المنيع
منذ 8 سنوات
#1

لولا الأمل

لك أيضاً وافر الشكر .. وكل عام وانتم بخير

أمل الزويد
منذ 8 سنوات
#2

[font=”comic sans ms”]

كتبت فأبدعت باركـ الله بكـ

أجمل تحية

:)[font]

عبدالله المنيع
منذ 8 سنوات
#3

نبع العطاء

أم الحسن

شكرا لمروركم الكريم ، وبارك الله فيكم

ام الحسن
منذ 8 سنوات
#4

[font=arial black]جزاك الله خير اخي الفاضل [font]

وفاء باوزير
منذ 8 سنوات
#5

[font=”arial black”]
لا فض فوك

دمت ا.عبدالله،، ودام دفق أفكارك الراقية..

(ينقل للقسم المناسب)
[font]